الحمد لله، نحمده، ونستعينه, ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، المبعوث رحمة للعالمين، الذي أرسله الله تعالى هادياً إليه، ومبشراً ونذيرا، فبلغ رسالة الله أتم البلاغ حتى توفاه الله إليه بعد أن أتم الله نعمته وأكمل دينه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾[النساء:1]، ويقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾[الأحزاب:70، 71].
أما بعد: فهذا بحث مختصر عن حكم تناول واستعمال المواد المحتوية على شحوم الخنزير، أعده الباحث رداً على سؤال نصه: يظهر في الأسواق بعض الأنواع من الجبن أو الصابون يقال: إن فيها دهن خنزير، فما هو حكم الإسلام في ذلك؟
أقول وبالله التوفيق:
أولاً: حكى ابن العربي، وابن عطية، والقرطبي؛ الإجماع على تحريم شحم الخنزير(1)؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الأنعام:14].
قالوا: وإنما خص اللحم بالذكر؛ لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه كالتابع له، ولإظهار حرمة ما استطابوه وفضلوه على سائر اللحوم واستعظموا وقوع تحريمه(2).
ولفظ اللحم يتناول الشحم وغيره؛ لأن الشحم داخل في ذكر اللحم؛ لكونه تابعاً له، وصفة فيه؛ ومنه قولهم: لحم سمين، يريدون أنه شحيم(3)، فيعمه النهي والتحريم.
ولأنه إذا نص على تحريم الأشرف فالأدنى أولى بالتحريم.
ولأنه متصل به اتصال خلقه فيحصل به من الضرر ما يحصل بملاصقه وهو اللحم.
ولما رواه جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الفتح فقال: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ"(4)، فجعل الخنزير قرين الخمر والميتة، ولم يستثن شحمه، بل أطلق تحريم بيعه كما أطلق تحريم بيع الخمر والميتة، وذلك نص ظاهر في تحريمه كله(5).
ثانياً: اختلف المعاصرون في حكم المواد المحتوية على شحوم الخنزير:
القول الأول: تحريم ذلك، فقد جاء في قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره الثالث بعَمان بعد اطلاعه على الاستفسارات التي عرضها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وما أعد من إجابات عليها من بعض الأعضاء والخبراء:
«السؤال الثالث عشر: هناك الخمائر والجلاتين توجد فيها عناصر مستخلصة من الخنزير بنسب ضئيلة جداً، فهل يجوز استعمال هذه الخمائر والجلاتين؟
الجواب: لا يحل للمسلم استعمال الخمائر والجلاتين المأخوذة من الخنازير في الأغذية وفي الخمائر، والجلاتين المتخذة من النباتات أو الحيوانات المذكاة شرعاً غنية عن ذلك».
ونص مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة بخصوص موضوع (الجيلاتين) على أنه: «ظهر للمجلس أن الجيلاتين مادة تستخدم في صناعة الحلويات وبعض الأدوية الطبية، وهي تستخلص من جلود الحيوانات وعظامها، وبناء عليه قرر المجلس ما يلي:
أولاً: يجوز استعمال الجيلاتين المستخرج من المواد المباحة، ومن الحيوانات المباحة، المذكَّاة تذكية شرعية، ولا يجوز استخراجه من محرم: كجلد الخنزير، وعظامه، وغيره من الحيوانات والمواد المحرمة.
ثانياً: يوصي المجلس الدول الإسلامية، والشركات العاملة فيها، وغيرهما، أن تتجنب استيراد كل المحرمات شرعاً، وأن توفر للمسلمين الحلال الطيب».
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية أن: «الأصل في الأشياء الحل والطهارة، فلا يجوز أن يحكم الشخص على شيء بأنه محرم ونجس إلا بدليل شرعي، ومتى تيقنت أو ترجح لديك اختلاط اللحم المباح بدهن أو دم خنزير، وكذلك الجبن إذا خلط بدهن أو دم خنزير، فلا يجوز لك تناوله، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على تحريم لحم الخنزير، وأجمع العلماء على أن شحمه له حكم اللحم»(6).
وجاء فيها أيضاً: «إذا تأكد المسلم أو غلب على ظنه أن لحم الخنزير أو شحمه أو مسحوق عظمه دخل منه شيء في طعام أو دواء أو معجون أسنان أو نحو ذلك، فلا يجوز له أكله ولا شربه ولا الادهان به، وما يشك فيه فإنه يدعه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ"»(8).
فنصت قرارات المجمعين (الدولي والرابطة) وفتاوى اللجنة الدائمة على تحريم ذلك مطلقاً.
القول الثاني: ينقل عن بعض المعاصرين التجاوز عن النسبة اليسيرة، فقد نقلت بعض المواقع أن مجلس الشريعة الإسلامي البريطاني أصدر فتوى أحلت تناول مشروبي (لوكوزاد) و(ريبنا) اللذين كان العديد من مسلمي بريطانيا يمتنعون عن تناولهما؛ نظراً لأن الأول يوجد فيه نسبة ضئيلة من الكحول، بينما يختلط الآخر بمكونات الخنزير أثناء إنتاجه، وخوفاً من تجاوز أحكام الشريعة الإسلامية.
وفي نص الفتوى قال الدكتور زكي بدوي رئيس المجلس: «إن هناك سوابق أباحت تناول ما هو غير حلال في مناسبات بعينها»، وأضاف: «لا أجد حرمة في تناول ريبنا ولوكوزاد اللذين يحتويان على آثار من إيثيل الكحول ومكونات حيوانية لا يحملان الخواص الأصلية، ولا يغيران طعم أو رائحة أو لون المنتج»(9).
وقد أجاب مركز الفتوى بإشراف د. عبدالله الفقيه عن تساؤل بشأن هذه الفتوى بأنه: «إن كانت مادة الكحول والخنزير قد أضيفتا إلى المشروبين وهما على حالهما وطبيعتهما فإن المشروبين يعتبران نجسين يحرم على المسلم تناولهما ولو كانت مادة الكحول والخنزير قليلة, فبمجرد ملاقاتهما للمشروب أو لغيره يصبح نجسا، قال العلامة خليل المالكي في المختصر: وينجس كثير طعام مائع بنجس قل».
بالإضافة إلى أنه كان لابد من نقل هذه السوابق المذكورة في الفتوى والمنسوبة إلى الفقهاء؛ للوقوف عليها، أما إن كانت المناسبات المعينة المذكور حالات الضرورة، فإن للضرورات أحكامها الخاصة بها، وبالتالي لا يصح إطلاق الحكم بذلك.
بالإضافة إلى أن قوله: «لا يحملان الخواص الأصلية»، إن قصد به استحالة عينهما، فهذه مسألة أخرى تأتي إن شاء الله تعالى.
فتوى ابن عثيمين:
عندما سئل الشيح ابن عثيمين -رحمه الله-عن حكم استخدام الصابون المشتمل على شحم الخنزير؟
أجاب بقوله: «أرى أن الأصل الحل في كل ما خلق الله لنا في الأرض؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾[البقرة:29]، فإذا ادعى أحد أن هذا حرام لنجاسته، أو غيرها فعليه الدليل، وأما أن نصدق بكل الأوهام، وكل ما يُقال؛ فهذا لا أصل له، فإذا قال: إن هذه الصابونة من شحم خنزير قلنا له: هات الإثبات، فإذا ثبت أن معظمها شحم خنزير أو دهن خنزير؛ وجب علينا تجنبها».
فقوله: «فإذا ثبت أن معظمها شحم خنزير أو دهن خنزير؛ وجب علينا تجنبها»، صريح في التفريق بين القليل والكثير، ولم يبين الشيخ رحمه الله تعالى دليل ذلك.
ولعل الشيخ رحمه الله تعالى يشير إلى الاستهلاك، وقد جاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة -رؤية إسلامية لبعض المشاكل الطبية- في الدار البيضاء 8 إلى 11/صفر/ 1418هـ الموافق 14إلى 17 يونيو 1997م: «المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرم تنقلب إلى مواد مباحة شرعاً بإحدى طريقتين: [الأولى] الاستحالة... [الثانية] الاستهلاك: ويكون ذلك بامتزاج مادة محرمة أو نجسة بمادة أخرى طاهرة حلال غالبة، مما يذهب عنها صفة النجاسة والحرمة شرعاً، إذا زالت صفات ذلك المخالط المغلوب من الطعم واللون والرائحة، حيث يصير المغلوب مستهلكاً بالغالب، ويكون الحكم للغالب، ومثال ذلك:
1- المركبات الإضافية التي يستعمل من محلولها في الكحول كمية قليلة جداً في الغذاء والدواء، كالملونات والحافظات والمستحلبات مضادات الزنخ.
2- الليستين والكوليسترول المستخرجان من أصول نجسة بدون استحالة، يجوز استخدامهما في الغذاء والدواء بمقادير قليلة جداً مستهلكة في المخالط الغالب الحلال الطاهر.
3- الأنزيمات الخنزيرية المنشأ، كالببسين وسائر الخمائر الهاضمة ونحوها المستخدمة بكميات زهيدة مستهلكة في الغذاء والدواء الغالب».
ويستدل البعض على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أُتِىَ النِبي صلى الله عليه وسلم بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ؛ فَسَمَّى وَقَطَعَ"، وبحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بجبنة، قال: فجعل أصحابه يضربونها بالعصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضَعُوا السِّكِّينَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَكُلُوا"، وفي رواية: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في غزاة، فقال: "أَيْنَ صُنِعَتْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: بِفَارِسَ، وَنَحْنُ نُرَى أَنَّهُ يُجْعَلُ فِيهَا مَيْتَةً، فَقَالَ: "اطْعَنُوا فِيهَا بِالسِّكِّينِ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَكُلُوا"، وقد ذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه رجحها ابن تيمية إلى أن الإِْنْفَحَةُ المأخوذة من الميتة طاهرة، لأن الصحابة رضي الله عنهم لما دخلوا المدائن أكلوا الجبن، وهو يعمل بالإنفحة التي تؤخذ من صغار المعز، وذبائحهم ميتة.
غير أن الاستدلال بأحاديث الانفحة هنا غير قوي، ولا يستقيم، أما عدم قوته فلأن الفقهاء لم يتفقوا على طهارتها، بل يرى فقهاء الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب أنها نجسة، والجبن المعقود بها متنجس، لا يحل أكله؛ لأن الله تعالى حرم الميتة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾[المائدة:3]، والتحريم لها تحريم لجميع أجزائها، ومنها الإنفحة، ولأن الإنفحة تنجست بالموت فلا يمكن إزالة النجاسة عنها أشبهت ما لو أصابت الميتة بعد انفصالها، وبالتالي يكون استدلالا منهم في متنازع فيه، وهذا يضعف الاستدلال، وأما عدم استقامة هذا الاستدلال فلأن الفقهاء إنما ذكروا حكم إنفحة الميتة من الحيوان المأكول اللحم، والخنزير ليس كذلك، قال الخطابي: «قال الشيخ : إنما جاء به أبو داود من أجل أن الجبن كان يعمله قوم الكفار لا تحل ذكاتهم وكانوا يعقدونها بالأنافج وكان من المسلمين من يشاركهم في صنعة الجبن فأباحه النبي r على ظاهر الحال ولم يمتنع من أكله من أجل مشاركة الكفار المسلمين فيه»، وقال السندي في قوله: "وَنَحْنُ نُرَى أَنَّهُ يُجْعَلُ فِيهَا مَيْتَةً": «يدل على أنه لا عبرة بظن لا يستند إلى دليل، وأنه لا يترك به ما هو الأصل في الأشياء من الطهارة والحِل».
وأفتى الألباني بأن المادة التي تُصنع منها هذه المواد إما أن تتغير عينها بسبب التفاعل الكيماوي بحيث لو فُحص لكان جواب الفاحص هذا ليس هو الدهن أو تلك المادة النجسة، أي تتحول والتحول من المطهرات شرعاً، بالدليل تحول الخمر إلى خل طاهر حلال مع أن أصله كان حراماً.
وإما أن تبقى محتفظة بشخصيتها وعينها، فحينئذ ننظر إلى نسبة هذه النجاسة التي احتفظت بشخصيتها وعينيتها مع ما خالطته، فإن تغلبت على طهارة الذي دخلت فيه هذه النجاسة فقد تنجس كل ذلك، وإن بقي الممزوج به محتفظاً بشخصيته، فإذا تحوّل بسبب هذه المخالطة إلى عينة أخرى فهو نجس، وإلا فهو طاهر وإن كان فيه نجاسة؛ لأن الحكم الشرعي المقطوع به أنه ليس كل سائل وقعت فيه نجاسة تنجس وحرم استعماله، كالزيت أو السمن تقع فيها فأرة وهو سائل، فإن كانت هذه النجاسة –الفأرة- غيرت من شخصية الزيت أو السمن وذلك بأن يتغير أحد أوصافه الثلاثة، الطعم أو اللون أو الريح، فتغير أحد هذه الأوصاف الثلاثة يعني أن هذا السائل -الزيت أو السمن- قد خرج عن حقيقته الأصيلة وخالطته النجاسة بحيث تغلبت عليه فجعلته سائلاً آخر، فهو حينذاك يكون نجساً، أمـا إن لم تؤثر في تغيير أحد أوصافه الثلاثة، فيجوز استعمال هذا السمن أو ذاك الزيت بعد إخراج العين التي يمكن أنها إذا بقيت في هذا السائل مع الزمن تتفسخ وتنتن ذاك السائل فيتنجس ولا يجوز أكله ولا بيعه ولا شراؤه(20).
وقال التونسي في النقطة من البول تقع في كثير من الطعام لا تضر.
ثالثاً:
إذا تمت معالجة دهون الخنزير حتى استحالت إلى مواد، فصنع منها الدهن أو الصابون، أو تحولت بالاستحالة إلى ذلك، فإن المعاصرين مختلفون في ذلك:
القول الأول: يحرم تناول الخنزير مطلقاً، وشحمه داخل في التحريم؛ لإجماع الأمة على ذلك، مهما عولج شيء من الخنزير ليخرج عن طبيعته، فلا يحل استخدامه، ولا استعماله، وعلى ذلك فتوى اللجنة الدائمة بالسعودية(22).
ويوافقهم الدكتور عبدالفتاح محمود إدريس على ذلك؛ معللاً بما يلي:
1- بأن الاستحالة ليست مطهرة.
2- بأن جلود الخنازير وعظامها -التي يستخلص منها الجيلاتين(23)- لا تستحيل إذا تحولت إلى جيلاتين؛ فقد توصل أ.د. وفيق الشرقاوي -رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للمنتجات الجيلاتينية الدوائية بمصر- إلى أن أجزاء الخنزير التي يستخلص منها الجيلاتين، لا تستحيل استحالة كاملة، ويمكن بطريقة التحليل الطيفي التعرف على أصل الجيلاتين المستخلص من أجزاء الخنزير، بعد العمليات الكيميائية المختلفة التي يتم بها استخلاصه.
3- بأن الاستحالة عند الفقهاء: تغير العين النجسة، وانقلاب حقيقتها إلى حقيقة أخرى، كانقلاب الخمر خلاً، وعرفها الكيميائيون بأنها: كل تفاعل كيميائي يحول المادة إلى مادة أخرى، لها صفات فيزيائية وكيميائية مغايرة للأولى، كتحول الكحول إلى خل، والزيوت أو الشحوم إلى صابون، وهي بمعناها هذا تختلف عن الاتحاد الكيميائي الذي تتفاعل فيه عدة مواد بالخلط تفاعلاً كيميائياً، وتتحد معاً لتكون مركباً له صفات فيزيائية وكيميائية، مختلفة عن مكونات الخليط، كما تختلف عن الخلط الذي تتداخل به أجزاء مادة في أجزاء مادة أو مواد أخرى، ليتكون من ذلك مخلوط أو مزيج، أو مستحلب، أو محلول، بحيث يظل كل مكون من مكونات الخليط محتفظاً بصفاته وآثاره، كما لو كان غير مختلط.
ولهذا فإن الجيلاتين المستخلص من هذه الأجزاء يكون نجساً كأصله(24)·
القول الثاني: بينما يرى آخرون أنها مُطهِرة، وعلى ذلك توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت إذ جاء فيها:
«المواد الغذائية التي يدخل شحم الخنزير في تركيبها دون استحالة عينه مثل بعض الأجبان وبعض أنواع الزيت والدهن والسمن والزبد وبعض أنواع البسكويت والشوكولاته والآيس كريم، هي محرمة ولا يحل أكلها مطلقاً، اعتباراً لإجماع أهل العلم على نجاسة شحم الخنزير وعدم حل أكله، ولانتفاء الاضطرار إلى تناول هذه المواد.
الأنسولين الخنزيري المنشأ يباح لمرضى السكري التداوي به للضرورة بضوابطها الشرعية.
الاستحالة التي تعني انقلاب العين إلى عين أخرى تغايرها في صفاتها، تحوّل المواد النجسة أو المتنجسة إلى مواد طاهرة، وتحول المواد المحرمة إلى مواد مباحة شرعاً، وبناءً على ذلك:
أ- الجيلاتين المتكون من استحالة عظم الحيوان النجس وجلده وأوتاره، طاهر، وأكله حلال.
ب- الصابون الذي ينتج من استحالة شحم الخنزير أو الميتة يصير طاهراً بتلك الاستحالة، ويجوز استعماله.
ج- الجبن المنعقد بفعل إنفحة ميتة الحيوان المأكول اللحم طاهر، ويجوز تناوله.
د- المراهم والكريمات ومواد التجميل التي يدخل في تركيبها شحم الخنزير لا يجوز استعمالها إلا إذا تحققت فيها استحالة الشحم وانقلاب عينه، أما إذا لم يتحقق ذلك فهي نجسة».
وقد جاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة -رؤية إسلامية لبعض المشاكل الطبية- في الدار البيضاء 8 إلى 11/صفر/ 1418هـ الموافق 14إلى 17 يونيو 1997م: «المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرم تنقلب إلى مواد مباحة شرعاً بإحدى طريقتين: [الأولى] الاستحالة: تشير الندوة ابتداء إلى ما سبق اتخاذه من توصية في الفقرة (8) من البند ثانياً المتخذة في الندوة الفقهية الثامنة بشأن الاستحالة، ويقصد بالاستحالة في الاصطلاح الفقهي: تغير حقيقة المادة النجسة أو المحرم تناولها وانقلاب عينها إلى مادة مباينة لها في الاسم والخصائص والصفات، ويعبر عنها في المصطلح العلمي الشائع بأنها كل تفاعل كيميائي يحول المادة إلى مركب آخر؛ كتحول الزيوت والشحوم على اختلاف مصادرها إلى صابون، وتحلل المادة إلى مكوناتها المختلفة؛ كتفكك الزيوت والدهون إلى حموض دسمة وغليسرين، وكما يحصل التفاعل الكيميائي بالقصد إليه بالوسائل العلمية الفنية يحصل أيضاً -بصورة غير منظورة- في الصور التي أوردها الفقهاء على سبيل المثال: كالتخلل والدباغة والإحراق، وبناء على ذلك تعتبر:
1- المركبات الإضافية ذات المنشأ الحيواني المحرم أو النجس التي تتحقق فيها الاستحالة -كما سبقت الإشارة إليها- تعتبر طاهرة حلال التناول في الغذاء والدواء.
2 - المركبات الكيميائية المستخرجة من أصول نجسة أو محرمة كالدم المسفوح أو مياه المجاري والتي لم تتحقق فيها الاستحالة بالمصطلح المشار إليه؛ لا يجوز استخدامها في الغذاء والدواء، مثل: الأغذية التي يضاف إليها الدم المسفوح كالنقانق المحشوة بالدم، والعصائد المدماة (البودينغ الأسود، والهامبرجر المدمى، وأغذية الأطفال المحتوية على الدم، وعجائن الدم، والحساء بالدم ونحوها؛ تعتبر طعاماً نجساً محرم الأكل؛ لاحتوائها على الدم المسفوح الذي لم تتحقق به الاستحالة».
وقد أفتت لجنة الفتوى بالشبكة الإسلامية بأن الأطعمة: «إذا علم أن من بين مكوناتها مواد محرمة، كأن تكون من حيوانات غير مذكاة أو من مصادر كحولية طبيعية أو اصطناعية، فيحرم حينئذ شراؤها وأكلها، ما لم تكن تلك المواد قد استحالت قبل إضافتها إلى المواد الغذائية استحالة تامة».
وأفتت بأنه إن: «كانت مادة الكحول والخنزير قد أضيفتا إلى المشروبين وهما على حالهما وطبيعتهما فإن المشروبين يعتبران نجسين يحرم على المسلم تناولهما ولو كانت مادة الكحول والخنزير قليلة, فبمجرد ملاقاتهما للمشروب أو لغيره يصبح نجساً... وأما إن كانت إضافتهما إلى المشروبين بعد تصنيعهما واستحالتهما إلى مادة أخرى، فإنهما يصبحان طاهرين على الراجح، ويجوز استعمالهما».
بل ذهب الشيخ ابن جبرين إلى أبعد من ذلك حين قال: «الصابون وسائر المزيلات إنما تستعمل في الغسيل للأواني والثياب والأبدان، وإذا قدر فيها شيء مختلط بالنجاسة من دهن خنزير أو شحمه فإن الماء يزيل أثره، فإن الذي يستعمل الصابون لا يكتفي به بل يتعقبه بالماء فيطهر أثره، هذا مع أن الصابون لا بد من طبخه أو عملية فيه تزيل أثر تلك النجاسة، وقد أفتى كثر من العلماء بأن النجاسة إذا استحالت إلى شيء آخر تطهر، فلا نرى مانعاً من استعماله إن شاء الله تعالى، والله أعلم».
تحرير محل النزاع:
إن محل النزاع هو كون الاستحالة مطهرة من عدمه، وهل الخنزير مما يدخله الاستحالة.
أما كون الاستحالة مطهرة من عدمه؟ فهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء:
القول الأول: يطهر نجس العين بالاستحالة، وكذلك الخمر إذا صارت خلا سواء بنفسها أو بفعل إنسان أو غيره، عند فقهاء الحنفية، والمالكية، وأهل الظاهر، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن تيمية، وابن القيم؛ لما يلي:
1- لأن الله تعالى قد أخبر الله عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾[النحل:66].
2- لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبش قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب(32).
3- لأن الدابة إذا علفت بالنجاسة ثم حبست وعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس ثم سقيت بالطاهر حلت؛ لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيب إذا استحال خبيثاً صار نجساً، كالماء والطعام إذا استحال بولاً وعذرة، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثاً، ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيباً.
4- لأن الله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب.
5- لأن الله تعالى إنما حرم الخبائث لما قام بها من وصف الخبث، كما أنه أباح الطيبات لما قام بها من وصف الطيب، وهذه الأعيان المتنازع فيها ليس فيها شيء من وصف الخبث، وإنما فيها وصف الطيب؛ لأنه يمتنع بقاء حكم الخبث وقد زال اسمه ووصفه، والحكم تابع للاسم والوصف، دائر معه وجوداً وعدماً، ولا عبرة بالأصل، فالنصوص المتناولة لتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر لا تتناول الزرع والثمار والرماد والملح والتراب والخل، لا لفظاً، ولا معنى، ولا نصاً، ولا قياساً؛ لانقلاب عينها، فالشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء مفهومها، والأحكام للأسماء، والاسماء تابعة للصفات التي هي حدود ما هيته، فإذا صار العظم واللحم ملحاً أخذا حكم الملح؛ لأن الملح غير العظم واللحم، ونظائر ذلك في الشرع كثيرة منها النطفة نجسة وتصير علقة وهي نجسة وتصير مضغة فتطهر، والعصير طاهر فإذا تحول خمراً ينجس، ويصير خلاً فيطهر، فيتبين من هذا أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتب عليها.
يقول الشيخ فركوس: «العبرة بتغير حقيقة المادة المحرمة، بخلاف ما إذا تغيرت أوصافها وبقيت حقيقتها، كتغيير الجامد إلى سائل والسائل إلى جامد مع بقاء حقيقته، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه" والجميل هو الشّحم المذاب، فإنّ الشحوم وإن تغيّرت بعض أوصافها، فحقيقتها باقية، ويبقى التحريم متصلاً بها».
6- لأن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظاً ولا معنى، فليست محرمة ولا في معنى المحرم، فلا وجه لتحريمها، بل تتناولها نصوص الحل؛ فإنها من الطيبات، وهي أيضاً في معنى ما اتفق على حله، فالنص والقياس يقتضي تحليلها.
القول الثاني: الأصل أن نجس العين لا يطهر بالاستحالة عند الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب، كالنجاسات إذا احترقت فصارت رماداً، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحاً، والدخان المتصاعد من وقود النجاسة، والبخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل ثم قطر فهو نجس.
واستثنوا من ذلك الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا فتطهر بالتخلل؛ لأن علة النجاسة الإسكار وقد زالت، ولأن العصير لا يتخلل إلا بعد التخمر غالباً، فلو لم يحكم بالطهارة تعذر الحصول على الخل، وهو حلال بالإجماع، وأما إن خللت بطرح شيء فيها بفعل إنسانٍ فلا تطهر عندهم.
أجاب الآخرون: بأنهم لما وافقونا على أن الخمر إذا صارت خلاً بفعل الله تعالى صارت حلالاً طيباً، لزمهم مثل ذلك في غير الخمر؛ لأن استحالة هذه الأعيان أعظم من استحالة الخمر، والتفريق بين الاستحالتين بأن الخمر نجست بالاستحالة فطهرت بالاستحالة بخلاف الدم والميتة ولحم الخنزير، تفريق ضعيف؛ لأن جميع النجاسات نجست أيضاً بالاستحالة، فإن الدم مستحيل عن أعيان طاهرة، وكذلك العذرة والبول والحيوان النجس مستحيل عن مادة طاهرة مخلوقة.
أما هل الخنزير مما يدخله الاستحالة؟
ففي حين يذكر الدكتور عبدالفتاح محمود إدريس بأن جلود الخنازير وعظامها -التي يستخلص منها الجيلاتين لا تستحيل استحالة كاملة إذا تحولت إلى جيلاتين، ويمكن بطريقة التحليل الطيفي التعرف على أصل الجيلاتين المستخلص من أجزاء الخنزير بعد العمليات الكيميائية المختلفة التي يتم بها استخلاصه.
فإن الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت أوصت بأن الجيلاتين المتكون من استحالة عظم الحيوان النجس وجلده وأوتاره، طاهر، وأكله حلال، وأن الصابون الذي ينتج من استحالة شحم الخنزير أو الميتة يصير طاهراً بتلك الاستحالة، ويجوز استعماله، وأن المراهم والكريمات ومواد التجميل التي يدخل في تركيبها شحم الخنزير لا يجوز استعمالها إلا إذا تحققت فيها استحالة الشحم وانقلاب عينه، أما إذا لم يتحقق ذلك فهي نجسة.
وجاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة بالدار البيضاء بأن المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرم تنقلب إلى مواد مباحة شرعاً بإحدى طريقتين: الاستحالة، والاستهلاك، وعليه فالمركبات الإضافية ذات المنشأ الحيواني المحرم أو النجس التي تتحقق فيها الاستحالة -كما سبقت الإشارة إليها- تعتبر طاهرة حلال التناول في الغذاء والدواء... إذا زالت صفات ذلك المخالط المغلوب من الطعم واللون والرائحة، حيث يصير المغلوب مستهلكاً بالغالب، ويكون الحكم للغالب.
وحديث هاتين اللجنتين عن الاستحالة مع ما تتضمنه ندواتهما من وجود كوادر طبيبة، يشير إلى إمكان الاستحالة، وهو ما نقله الدكتور القرضاوي عن الدكتور محمد الهواري وله بحث في هذه القضايا، قال: معظم هذه الأشياء يمكن أخذها وعمل أشياء تصير مركبات كيمائية جديده، كمعجون أسنان وصابون وجلي منها، وذكر أن الجيلاتين مادة حيوانية لا توجد حرة في الأصل، وإنما تستخرج من مادة تنتشر في عظام الحيوانات وجلودها تسمى بالغراء الحيواني أو الكولاجين وهذه تجري عليها تحويلات كيميائية وفيزيائية تستمر أحيانا إلى عدة أسابيع فتتحول الكولاجين إلى جلاتين والمادتان من حيث البنية الكيميائية مختلفتان تماما.
بالإضافة إلى ما جاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة بأن الاستهلاك يقلب المواد الإضافية في الغذاء والدواء التي لها أصل نجس أو محرم إلى مباحة شرعاً، وذلك بامتزاج مادة محرمة أو نجسة بمادة أخرى طاهرة حلال غالبة، مما يذهب عنها صفة النجاسة والحرمة شرعاً، إذا زالت صفات ذلك المخالط المغلوب من الطعم واللون والرائحة، حيث يصير المغلوب مستهلكاً بالغالب، ويكون الحكم للغالب، ومثل هذا الاستهلاك لو عرضت بعده هذه المادة للتحليل الطيفي فإنه ليس من البعيد التعرف على أصل المادة الممنوعة المستهلكة في الطاهرة، ومع هذا عدها جماعة من الفقهاء مظهرة.
بل قد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بالهند قرار رقم:60 (3/14) بشأن مادة الجيلاتين:
«أولاً: الجيلاتين مادة كيمياوية عضوية، ونوع من البروتين.. يتم صنعه بإجراء تغيرات كيمياوية في بروتين يوجد في جلود وعظم الحيوانات، ويدعى كولاجين (Collagen).. إنه في طبيعته وتركيبته الكيمياوية يختلف تماماً عن الكولاجين، ويصبح-بعد المرور بالعمل الكيمياوي- نوعاً خاصاً من البروتينات، مادة الجيلاتين هذه تكون مختلفة تماماً عن الكولاجين في لونها ورائحتها وطعمها وخصوصياتها.
ثانياً: معلوم أن ما حرمته الشريعة الإسلامية من الأشياء، يرفع عنها حكم التحريم السابق حال تغير طبيعتها وماهيتها .. ذلك لأن خصائص الشيء -أي شيء- الأساسية هي التي تكون طبيعة وماهية ذلك الشيء.. ولقد اطلع المجمع على نتائج أبحاث أصحاب الاختصاص، وأنها تبرهن على أن مادة الجيلاتين تخلو من أية خصوصية طبيعية من خصائص الحيوانات التي تستخرج من جلودها وعظامها تلك المادة .. وإنما تتحول إلى مادة كيمياوية لا علاقة لها بالكولاجين .. ولهذه الأسباب يقال: إنه يجوز استعمال الجيلاتين شرعاً .. إلا أنه بالنظر إلى خلاف في آراء الاختصاصيين والخبراء يرى الشيخ بدر الحسن القاسمي -أحد المشاركين في الندوة- أنه من الأفضل أن لا تستعمل هذه المادة إذا كانت مستخرجة من جلود وعظام الحيوانات التي يحرم أكل لحومها.
ثالثاً: بالنظر إلى الاختلاف بين الفقهاء وإلى أن المأكولات من الأشياء والمواد تتطلب -في الاعتبارات الشرعية- تدقيقاً أشد وأعمق، فإن الندوة تناشد الصناع المسلمين صنع مادة الجيلاتين من جلود وعظم الحيوانات التي أحل الله لحومها».
الترجيح:
الذي يظهر للباحث في هذه المسألة قوة أدلة الفريق الأول، وبالتالي ترجيح قولهم.
وأما ذكره الدكتور عبدالفتاح محمود إدريس بأن جلود الخنازير وعظامها التي يستخلص منها الجيلاتين لا تستحيل استحالة كاملة إذا تحولت إلى جيلاتين، يعارضه توصية الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت والتي تشير إلى إمكان الاستحالة، والذي يوافقه الدكتور محمد الهواري وله بحث في هذه القضايا.
ومع هذا فإنه إذا ثبت أنه إذ تمت المعالجات بطرق كيميائية لم تتحقق فيها الاستحالة التامة، ولا تغيرت العين، فيبقى المنع جارياً، وكذلك لو ثبت باليقين، أن شحوم الخنزير لا يمكنها الاستحالة، أو لا تحصل لها الاستحالة الكاملة، فيبقى المنع جارياً، مع أن الأحوط في مثل هذه الحالة أن يتجنب الإنسان تعاطي مثل هذه المواد؛ خروجاً من الريبة والشبهة؛ امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَام"(38)، ومن القواعد التي قررها علماء الإسلام: (أن الخروج من الخلاف مستحب).
الخلاصة:
1- يحرم شحم الخنزير تبعاً للحمه، وقد نقل أهل العلم الإجماع على ذلك.
2- الأصل في الأشياء الحل والطهارة، وعليه لا يُحكم على شيء بأنه محرم أو نجس إلا بدليل ناقل عن الأصل.
3- إذا حصل اليقين أو الظن الغالب على احتواء بعض المنتجات على مواد نجسة أو محرمة كدهن الخنزير، فإنه لا يجوز تناولها أو استعمالها في الأكل أو البدن.
4- إذا استحالت المواد الممنوعة التي تحويها المنتجات استحالة كاملة، بحيث تنقلب العين الممنوعة إلى عين أخرى لها صفاتها وخصائصها المغايرة، طهرت نجاستها، وحل ممنوعها، مع التنبيه إلى أن التجنب في مثل هذه الحالة هو الأورع.
توصيات:
1- أوصي التجار والمستثمرين بأن يتقو الله، فلا يجلبوا إلى بلادهم ومجتمعاتهم ما هو ممنوع في ديننا، أو ما يجهلون تركيبته ومحتواه، وأن يطلبوا من المصانع بيناناً كاملاً لكل محتويات المنتجات بالتفاصيل كاملة من دون اكتفاء برموز لا يدرى ما فيها، فلا يجلب أحدهم إلى بلده إلا ما عرف حقيقته، ووافق شريعته؛ لأن كثيراً من التجار والمستثمرين يجلبون مواداً لا يدرون بكامل محتوياتها وتركيبتها، وتجد الشركات الأجنبية ترمز للمواد الممنوع والمحرمة برموز لا يعرف المستورد ولا المستهلك ما هي.
2- أوصي الدول الإسلامية والعربية أن تقوم بواجبها تجاه رعاياها، وأن تكلف الجهات المختصة -الجهات الرقابية والمعنية بفحص الجودة ومعاينة المعايير والمقاييس- بفحص كل المنتجات الداخلة إلى البلدان، وعدم التصريح إلا للمنتجات المعروفة بناء على الفحص والمعاينة الدقيقة، مع وضع قائمة للمواد الممنوعة والمحذورة؛ ليتم تحاشيها، وأن تطلب من الشركات المصنعة الإفصاح عن المنتجات، ولتعمل أن هذا الواجب ستسأل عنه أمام الله تعالى، والتفريط فيه من خيانة الأمانة، وغش الرعية، وليعلموا تصرفات الراعي في الرعية منوطة بالمصلحة؛ لأن الراعي ناظر وتصرفه في غير مصلحة يكون حينئذٍ متردد بين الضرر والعبث، وكلاهما ليس من النظر في شيء، ولأنهم مأمورون من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحوطوا الرعية بالنصح، ومتوعدون من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد، فعن معقل بن يسار قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ"، وفي رواية: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".
أسأل من الله جل في علاه أن يهدينا جميعاً لما يحب ويرضى، وأن يوفقنا لطاعته، وموافقة شريعته، وأن يهدي جميع المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا جميعاً للبر والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا الكريم، وأزواجه أمهات المؤمنين، وآله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
إعداد/ محمد نعمان محمد علي البعداني
9/6/2013م
(1)- أحكام القرآن 1/99، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 1/225، والجامع لأحكام القرآن 2/222، وفتح القدير 1/261.
(2)- روح المعاني للألوسي 2/42، وتفسير الجلالين ص32.
(3)- الموافقات للشاطبي 4/228، والكشاف للزمخشري 1/241.
(4)- أخرجه البخاري 2/779 برقم: 2121، ومسلم 3/1207 برقم: 1581.
(5)- مجموع فتاوى ابن باز 23/11، 12.
(6)- فتاوى اللجنة الدائمة 22/118.
(7)- أخرجه الترمذي 4/668برقم: 2518، والنسائي 8/327 برقم: 5711، وابن حبان 2/498 برقم: 722، والحاكم في المستدرك 2/15 برقم: 2169، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/71) برقم: 2930، وصحيح سنن الترمذي (2/309) برقم: 2045.
(8)- فتاوى اللجنة الدائمة 22/282.
(10)- لقاءات الباب المفتوح.
(11)- نقلاً عن مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة العاشرة.
(12)- أخرجه أبو داود 2/387 برقم: 3819، وقال الألباني: «حسن الإسناد».
(14)- أخرجه أحمد في المسند 4/481، 482 برقم: 2755، قال الهيثمي: «وفيه جابر الجعفي، وقد ضعفه الجمهور وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح»، مجمع الزوائد 5/43، وقال محققوا المسند: «حسن لغيره».
(15)- الا نْفَحَةُ بكسر الهَمْزَةِ وقد تُشَدَّدُ الحاءُ وقد تكسرُ الفاءُ والمِنْفَحَةُ والبِنْفَحَةُ: شيءٌ يُسْتَخْرَجُ من بَطْنِ الجَدْيِ الرَّضيع أصْفَرُ، [القاموس المحيط ص313، 314، وانظر: تاج العروس 7/190]، وعرفتها الموسوعة الفقهية الكويتية بأنها: «مادة بيضاء صفراوية في وعاء جلدي، يستخرج من بطن الجدي أو الحمل الرضيع، يوضع منها قليل في اللبن الحليب فينعقد ويتكاثف ويصير جبنا، يسميها الناس في بعض البلدان: ( مجبنة) وجلدة الإنفحة هي التي تسمى: كرشا، إذا رعى الحيوان العشب».
(18)- معالم السنن للخطابي 4/254.
(19)- مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين 4 / 482.
(20)- نقلا عن الرابط التالي: http://www.alalbany.info/index.php?topic=312.0.
قياساً على الماء إذ خالطته نجاسة، وهذه قد اختلف الفقهاء فيها: ففرق قوم بين القليل والكثير، فقالوا: يتنجس قليل الماء الراكد بحلول النجاسة فيه وإن لم يتغير، بخلاف الكثير، وهم أبو حنيفة وصاحباه، ومالك، والشافعي، والحنابلة[بدائع الصنائع 1/72، والمجموع 1/164، والمغني 1/30، وبداية المجتهد 1/17]؛ لأن الجمع بين الأدلة أولى من الترجيح بينها، حيث حملوا حديث: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ"[أبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: «حديث حسن»]، وحديث الأعرابي الذي بال في المسجد [متفق عليه]، على الماء الكثير، وأما أحاديث النهي عن البول في الماء الدائم، وحديث أبي هريرة في النهي عن غمس اليد في الإناء بعد الاستيقاظ من النوم[متفق عليه]، وحديث غسل الأناء من ولوغ الكلب[مسلم]، فقالوا: هذه الأحاديث يفهم من ظاهرها أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، وبالتالي فهي محمولة على الماء القليل، غير أن هذه الأدلة نوقشت بأنها غير معقولة المعنى، فامتثال ما تضمنته عبادة، لا لأن ذلك الماء ينجس، وحدد الشافعية والحنابلة الكثير بالقلتين لحديث ابن عمر [أبو داود، والترمذي، والنسائي، قال الألباني: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»]، وهو حديث خاص بمفهومه، وحديث "الماء طهور" عام بمنطوقه، والخاص مقدم على العام، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما[حاشية ابن القيم على سنن أبي داود 1/77]، وبأن لو قلنا: إن القلتين لا تحمل النجاسة، لم يكن للنهي عن البول في الماء الدائم فائدة، ونوقش: بأن فائدة النهي عن البول في الماء الراكد لمنع تقذير الماء، ولئلا تعافه النفوس، لا لأنه يتنجس في البول فيه وإن لم يتغير.
وذهب أهل الظاهر، وهي رواية عن مالك، وأحمد وجماعة من أصحابه؛ وابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، إلى أن الماء إذا خالطته نجاسة، ولم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهو طاهر[المحلى 1/135، وبداية المجتهد 1/17، وسبل السلام 1/17، والمغني 1/31، والمجموع 1/166، ومجموع الفتاوى 21/31، وحاشية ابن القيم على أبي داود 1/37-86]؛ لحديث بول الأعرابي في المسجد، ولقول النبي r: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ"، ومن المعلوم أنه قد طهر ذلك الموضع الذي وقع عليه بول الأعرابي، غير أن الحديث الثاني نوقش بأنه محمول على ما بلغ القلتين، وحديث الماء الدائم محمول على القليل، والحديث الأول يفرق فيه بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، فإذا وردت على الماء القليل نجسته، وإذا ورد عليها الماء القليل لا تضره، فجعلوا علة عدم تنجس الماء الورود على النجاسة.
واستدلوا أيضاً بقوله r: "إِنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلا ما غَلَبَ على رِيحِهِ، وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ"[ابن ماجه، قال الهيثمي: «وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف»]، ونوقش بضعفه، فرد الأولون: بأن الضعف إنما هو لرواية الاستثناء، لا أصل الحديث، وقد أجمع العلماء على القول بحكمها[سبل السلام 1/19]، وإنما حكموا بعدم طهورية ما غيرت النجاسة أحد أوصافه؛ للإجماع على ذلك[بداية المجتهد 1/17 ، وسبل السلام 1/17، 19].
واستدلوا أيضاً بأنه لو كان قليل النجاسة ينجس قليل الماء، لما كان الماء يطهر أحداً أبدا؛ إذ كان يجب على هذا أن يكون المنفصل من الماء عن الشيء النجس المقصود تطهيره أبداً نجسا.
= واستدلوا أيضاً بأن النهي عن البول في الماء الدائم ليس فيه دلالة على أن الماء كله ينجس بمجرد ملاقاة البول لبعضه، بل قد يكون ذلك لأن البول سبب لتنجيسه؛ فإن الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدتها ولو كانت قِلالا عظيمة، فلا يجوز أن يخص نهيه بما دون القلتين فيجوز للناس أن يبولوا في القلتين فصاعدا[حاشية ابن القيم على سنن أبي داود1/80، 81].
(21)- التاج والإكليل لمختصر خليل 1/63.
(22)- فتاوى اللجنة الدائمة 22/282.
(26)- توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، نقلاً عن الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 7/211.
(27)- نقلاً عن مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة العاشرة.
(28)- مركز الفتوى بموقع الشبكة الإسلامية: (www.islamweb.net) بإشراف د. عبدالله الفقيه.
(31)- انظر: البحر الرائق 1/239، ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 1/91، وحاشية الدسوقي 1/52، والمحلى لابن حزم 7/429، ومجموع فتاوى ابن تيمية 21/70، وإعلام الموقعين عن رب العالمين 2/15.
(32)- أخرجه البخاري 1/165 برقم: 418، عن أنس رضي الله عنه قال: "قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُه،ُ وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرة *** فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَ".
(34)- أخرجه البخاري 2/779 برقم: 2121، ومسلم 3/1207 برقم: 1581، والحديث بتمامه: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ: لاَ؛ هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ".
(35)- انظر: منهاج الطالبين 1/6، ونهاية المحتاج 1/247، وحواشي الشرواني 1/303، وزاد المستقنع 1/31، والإنصاف للمرداوي 1/318، والمغني لابن قدامة 1/89.
(36)- مجموع فتاوى ابن تيمية 21/71.
(38)- أخرجه البخاري 1/28 برقم: 52، و(2/723) برقم: 1946، ومسلم 3/1219 برقم: 1599.
(39)- الأشباه والنظائر للسيوطي ص 176.
(40)- يقول الباحث الأمريكي (أمجد خان): المسلمون يتناولون الكثير من دهون الخنازير دون أن يعلموا، وكشف أن كثيراً من الأطعمة والمستحضرات التي يتناولها ويستخدمها المسلمون، تحتوي مكوناتها على دهون الخنازير تحديداً ولكن بأسماء كيميائية مركبة يصعب عليهم فهمها، ويقول: ومع الكساد التجاري الكبير الذي لحق بالصناعات التي تعتمد على دهون الخنازير في منتجاتها، لجأت شركات التصنيع إلى اعتماد لغة مشفرة من أسماء كيميائية معقدة لا يفهمها إلا الجهات الرقابية التي تطالبها بالكشف عن مكونات منتجاتها، أما عموم الناس فلا يمكنهم ذلك، نقلاً عن موقع: (http://www.alkafeel.net)، وموقع: (http://www.nationalkuwait.com).
وقد جاء في فتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث" (فتوى رقم/34): يكتب ضمن محتويات بعض المأكولات حرف "إي" (E) باللغة الانجليزية، مضافاً إليها رقم، وقيل: هذا يعني أنها تحتوي على مواد مصنعة من دهن أو عظم الخنزير، فلو ثبت هذا الأمر، فما هو الحكم الشرعي في تلك المأكولات؟
=الجواب: «هذه المواد المشار إليها بحرف (إي) مضافاً إليها رقم هي مركبات إضافية يزيد عددها على (350 مركبا)، وهي إما أن تكون من: الحافظات، أو الملونات، أو المحسنات، أو المحليات، أو غير ذلك، وتنقسم بحسب المنشأ إلى أربع فئات:=
الفئة الأولى: مركبات ذات منشأ كيميائي صُنعي.
الفئة الثانية: مركبات ذات منشأ نباتي.
الفئة الثالثة: مركبات ذات منشأ حيواني.
الفئة الرابعة: مركبات تستعمل منحَلَّة في مادة (الكحول).
والحكم فيها أنها لا تؤثر على حل الطعام أو الشراب، وذلك لما يأتي:
أما الفئة الأولى والثانية: فلأنها من أصل مباح، ولا ضرر باستعمالها.
وأما الفئة الثالثة: فإنها لا تبقى على أصلها الحيواني، وإنما تطرأ عليها استحالة كيميائية تُغَيِّرُ طبيعتَها تغييراً تاما، بحث تتحول إلى مادة جديدة طاهرة، وهذا التغيير مؤثر على الحكم الشرعي في تلك المواد، فإنها لو كانت عينها محرمة أو نجسة فالاستحالة إلى مادة جديدة يجعل لها حكما جديدا، كالخمر إذا تحولت خلا فإنها تكون طيبة طاهرة، وتخرج بذلك التحول عن حكم الخمر.
وأما الفئة الرابعة: فإنها تكون غالبا في المواد الملونة، وعادة يستخدم من محلولها كمية ضئيلة جداً تكون مستهلكة في المادة الناتجة النهائية، وهذا معفو عنه.
إذن فما كان من الأطعمة أو الأشربة يتضمن في تركيبه شيئا من هذه المواد فهو باق على الإباحة الأصلية، ولا حرج على المسلم في تناوله، وديننا يسر، وقد نهانا عن التكلف والبحثُ والتنقيبُ عن مثل ذلك ليس مما أمرنا به الله تعالى ولا رسوله»، نقلاً عن فقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني 4/266، 267.
(41)- أخرجه البخاري، 6/ 2614 برقم: 6731.
(42)- أخرجه مسلم، 1/ 125 برقم: 142.