دفن المسلم في مقابر غير المسلمين
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، محمد صلّى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:
فإن الله تعالى أكرم المسلمين وميَّزهم عن غيرهم، في الدنيا والآخرة، وجعل لهم أحكاما خاصة ينفردون بها دون غيرهم.
ومن هذه الأحكام أن جعل الإسلام للمسلمين مقابر خاصة لهم، يدفنون فيها موتاهم، ليس لليهود أو النصارى أو الوثنيين أن يدفنوا موتاهم فيها، وليس للمسلمين كذلك أن يدفنوا موتاهم في مقابر غيرهم من المشركين.
لكن قد يحدث أن يستوطن المسلم بلداً غير إسلاميٍّ، لسببٍ من الأسباب، فعند وفاة المسلم في هذه البلاد، هل يجوز دفنه في مقابر اليهود أو النصارى أو غيرهم من الوثنيين؟ أم لابد من دفنه في مقابر المسلمين.
وكون المسلم يلزم دفنه في مقبرة المسلمين، هل معنى هذا: أنه يتوجب على المسلمين في تلك البلاد غير الإسلامية أن يوجدوا لهم مقبرة خاصة بهم؟ أو أنهم ينقلون موتاهم إلى البلاد الإسلامية عند تعذر إيجاد مقبرة خاصة بهم، ولو أدى ذلك النقل إلى وجود مشقة؟
هذا ما أردت أن أكتب فيه، سائلاً من الله تعالى التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل.
وسيكون السير في هذا البحث المتواضع على النحو التالي:
1. تعريف الدفن في اللغة والاصطلاح الشرعي.
2. استحباب تعجيل دفن الميت.
3. أنواع مقابر غير المسلمين.
4. حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي اختفت علاماتها الظاهرة.
5. حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي لا تزال آثارها ظاهرة.
6. حكم إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين في البلاد غير الإسلامية.
7. حكم تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين.
8. حكم اختلاط موتى المسلمين بموتى الكفار.
9. الخلاصة.
10. الخاتمة.
فأقول مستعيناً بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:
تعريف الدفن في اللغة والاصطلاح الشرعي:
أ- الدفن في اللغة:
هو الستر والمواراة. قال ابن منظور: "الدَّفْن: السَّتْر والمُواراة، دَفَنه يَدْفِنُه: دَفْناً، وادَّفَنه: فاندَفَن، وتَدَفَّن: فهو مَدْفون ودَفِين"(1).
ب- الدفن في الاصطلاح الشرعي:
هو وضع الميت تحت التراب. جاء في التعاريف الفقهية، أنَّ تعريف الدفن هو: "الإخفاء تحت أطباق التراب"(2). وجاء في فقه العبادات للمالكية: "الدفن: هو وضع الميت في حفرة في جوف الأرض"(3).
استحباب تعجيل دفن الميت:
وردت أحاديث في استحباب المبادرة إلى تعجيل الدفن، ومنها:
1. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدمونها، وإن يكُ سوى ذلك فشَرٌّ تضعونه عن رقابكم»(4). وقد نقل الصنعاني عن القرطبي: "أن مقصود الحديث: أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن؛ لأن البطء ربما أدى إلى التباهي والاختيال"(5). لكن قد ردَّ ابن عبد البر، على من ظن أن المقصود من الحديث هو تعجيل الدفن، وبيَّن أن المراد في الحديث، هو تعجيل المشي في الجنازة، فقال: " تأوّلَ قومٌ في هذا الحديث تعجيل الدَّفن لا المشي، وليس كما ظنوا "(6).
قلت: ويؤيد قول ابن عبد البر، أن المراد الإسراع بالمشي في الجنازة، لا الدفن، قوله في الحديث: «تضعونه عن رقابكم».
2. وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «يا علي: ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً»(7). قال العظيم آبادي: "والحديث يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه، وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة"(8). وقال أبو نعيم الأصبهاني: "وقال حاتم: كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب"(9).
3. حديث ابن عمر -رضي الله عنه- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره»(10). قال الصنعاني: "والحديث دليل على المبادرة بتجهيز الميت ودفنه، وهذا في غير المفلوج(11) ونحوه، فإنه ينبغي التثبت في أمره"(12). وقال أيوب السختياني: "من كرامة الميت على أهله تعجيله إلى حفرته"(13).
أنواع مقابر غير المسلمين:
لا تخلو مقابر غير المسلمين من أن تكون:
1. العلامات الظاهرة للمشركين مختفية فيها.
2. علامات المشركين فيها ظاهرة.
وبالتالي يختلف حكم الدفن للمسلم في هذه المقابر من حالةٍ إلى أخرى، وإليك توضيح كل من الحالتين:
الحالة الأولى: حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي اختفت علاماتها الظاهرة.
إن كانت مقبرة غير المسلمين قد اختفت علاماتها الظاهرة، ولم يبق من العلامات الظاهرة لقبور المشركين شيء، ففي هذه الحالة يجوز دفن المسلم فيها، بل يجوز أن يُتَخَّذ هذا المكان مسجداً، لما روى البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: «قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة وأمر ببناء المسجد، فقال: يا بني النجار: ثامنوني(14). فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأمر بقبور المشركين فنُبِشت(15)، ثم بالخرب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطِع...»(16).
ومعنى قوله في الحديث: «فنبشت» أي: كشفت وغُيِّبت عظامها في التراب. فدّلَّ هذا الحديث على جواز الانتفاع بمقبرة المشركين، إن نبشت، وأخرج ما فيها، وهذا مشروطٌ بكون هذه البلدة التي فيها هذه المقبرة، تدخل تحت نطاق المسلمين، ولهم التصرف فيها. قال أبو النجا الحجاوي الحنبلي: "ولو جعلت مقبرة الكفار المندرسة مقبرة للمسلمين جاز، فإن بقي عظم دفن بموضعٍ آخر، وغيرها أولى إن أمكن لا العكس"(17).
وكذلك إن كانت مقبرة غير المسلمين، قد اختفت آثارها، وأصبحت هذه المقبرة مندرسة، ولم يعلم أنها مقبرة إلا من خلال تناقل الأخبار عن أنها مقبرة، فكذلك يجوز دفن المسلم فيها. قال ابن عابدين الحنفي: "قال في الأحكام: لا بأس بأن يقبر المسلم في مقابر المشركين، إذا لم يبق من علاماتهم شيء، كما في خزانة الفتاوى"(18). وبمثله قال صاحب حاشية رد المحتار(19).
الحالة الثانية: حكم دفن المسلم في مقابر المشركين التي لا تزال آثارها ظاهرة.
إن كانت مقبرة غير المسلمين، لا تزال علامات المشركين وآثارهم ظاهرةٌ فيها، ففي هذه الحالة لا يجوز دفن المسلم في هذه المقبرة، وذلك للآتي:
أولاً: لحديث بشير مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد، فهاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما اسمك؟ قال زحم. قال: بل أنت بشير. قال: بينما أنا أماشي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً (20) ثلاثاً، ثم مرَّ بقبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً»(21). وفي رواية أنه قال عندما مَرَّ على قبور المشركين: «لقد فات هؤلاء خيرا كثيرا»(22).
فدَلَّ هذا الحديث: على التفريق المكاني بين قبور المسلمين وقبور المشركين، حيث أنه عليه الصلاة والسلام مَرَّ أولاً على قبور المشركين، ثم مَرَّ على قبور المسلمين.
ثانياً: ولا يجوز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين؛ لأن عمل أهل الإسلام من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين ومن بعدهم، مستمرٌّ على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين، وعدم دفن مسلم مع مشرك، فكان هذا إجماعاً عملياً على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر غير المسلمين(23).
ثالثاً: ولا يجوز كذلك دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، للأذى الذي يلحق المسلم إن دفن في مقابر المشركين، حيث أن عذاب المشركين في قبورهم يفضي إلى أذية أهل القبور جميعاً، وعذابهم دائم غير منقطع، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].
قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: "فإن الميت يتأذى يتضرر بجار السوء -بالفتح والإضافة- أي بسبب جوار جار السوء الميت، وتختلف مراتب الضرر باختلاف أحوال المتضرر منه لنحو شدة تعذيبٍ أو نتن ريحٍ أو ظلمةٍ أو غير ذلك(24). وذكر ابن عبد البر أثراً عن عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: "ما أحب أن أدفن بالبقيع، لأن أدفن بغيره أحب إلي من أن أدفن فيه، إنما هو أحد رجلين، إما ظالم فلا أحب أن أدفن معه، وإما صالح فلا أحب أن تنبش لي عظامه" ثم قال: "وقد بين عروة -رحمه الله- وجه كراهته الدفن بالبقيع وظاهر خبره هذا أنه لم يكره نبش عظام الظالم وليس المعنى كذلك؛ لأن عظم المؤمن يكره من كسره ميتا ما يكره منه وهو حي، وفي خبر عروة هذا دليل على أن الناس بظلمهم يعذبون في قبورهم -والله أعلم- ولذلك استحبوا الجار الصالح في المحيا والممات"(25).
ونقل المناوي عن عبد الحق، أنه قال إنَّ على ولي الميت، أن يجتنب دفن قريبه بجوار قبور من يخاف التأذي بمجاورته والتألم بمشاهدة حاله، ثم ساق أثرين، من باب الاستئناس بهما وهما:
1. أن امرأة دفنت بقبر فأتت أهلها في النوم فجعلت تعتبهم وتقول: ما وجدتم أن تدفنوني إلا إلى فرن الخبز، فلما أصبحوا لم يجدوا بقرب القبر فرن خبز لكن وجدوا رجلاً سيَّافا لابن عامر دفن بقربها.
2. قال: ورأى بعضهم ولده بعد موته، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلان وكان فاسقا فروَّعني ما يُعذَّب به من أنواع العذاب"(26). وهذا من باب الاستئناس.
رابعا: ولا يجوز كذلك دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، لنصوص الفقهاء الدَّالّة على عدم الجواز، وإليك بعضاً من هذه النصوص، والتي مفادها عدم جواز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين.
- قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: "ويحرم دفن مسلم في مقبرة كفار وعكسه "(27).
وقال الإمام النووي في المجموع: "اتفق أصحابنا -رحمهم الله- على أنه لا يدفن مسلمٌ في مقبرة كفار، ولا كافرٌ في مقبرة مسلمين"(28). وقال الشيرازي في المهذب: "ولا يدفن كافر بمقابر المسلمين ولا مسلم في مقبرة الكفار"(29). وقال الشربيني في مغني المحتاج: "ولا يجوز دفن مسلم في مقبرة الكفار ولا عكسه وإذا اختلطوا دفنوا في مقبرة مستقلة"(30). وبنحوه قال الرملي في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج.(31)
وقال أبو النجا الحجاوي في الإقناع: "ولا يجوز أن يدفن المسلم في مقبرة الكفار، ولا بالعكس"(32). وقال أيضاً: "يلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزاً ظاهراً كالحياة وأولى، وينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين وظاهره وجوباً؛ لئلا تصير المقبرتان واحدة؛ لأنه لا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، وكلما بعدت عنها كان أصلح"(33).
فهذه النصوص التي تقدمت عن الفقهاء، تدلّ على عدم جواز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، حيث قالت: "ولا يجوز دفن المسلم في مقابر النصارى ولا غيرهم من الكفرة كاليهود والشيوعيين وعباد الأوثان"(34). وقالت اللجنة أيضاً مبينةً سبب المنع: "لا يجوز دفن المسلم في مقابر النصارى؛ لأنه يتأذى بعذابهم، بل تكون القبور الخاصة بالمسلمين في مكان منفرد عن مقابر النصارى"(35).
حكم إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين في البلاد غير الإسلامية:
من المعروف أن أهل كل دينٍ لهم مقابرهم الخاصة بهم، فاليهود لهم مقابرهم، والنصارى لهم مقابرهم، والوثنيون لهم مقابرهم، ولا عجب أن يكون للمسلمين مقابرهم أيضًا.
فإن استوطن المسلم بلداً غير إسلامي، لسببٍ من الأسباب، فعليه أن يتعاون مع إخوانه المسلمين، في أن يتخذوا لهم مقبرة خاصة يدفنون فيها موتاهم، ويعتبر هذا من التعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
وعلى المسلمين في البلاد غير الإسلامية أن يسعوا -بالتضامن فيما بينهم- إلى اتخاذ مقابر خاصة بهم، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ لما في ذلك من تعزيز لوجودهم وحفظ لشخصيتهم، فإذا لم يستطيعوا الحصول على مقبرة خاصة مستقلة، فلا أقل من أن يكون لهم رقعة خاصة محددة في طرفٍ من أطراف مقبرةِ غير المسلمين، يدفنون فيها موتاهم، وبهذا لم يخرجوا عن الأصل، وهو تحديد مقبرة خاصة للمسلمين، أو رقعة معينة في طرف مقبرة لغيرهم، وهذا من باب ما لا يدرك كله لا يترك جله، ومن باب أن دفنه في طرف مقبرة غير المسلمين أهون من توسّط قبره في مقابر المشركين، كما هو مقرَّر في مواضعه من أصول الفقه.
حكم تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين:
وأما عند تعذر إيجاد مقبرة خاصة للمسلمين، ولم يتيسر كذلك توفر رقعةٍ خاصةٍ في طرف مقبرة من مقابر غير المسلمين، فلا يخلو الأمر من الآتي:
إما أن يمكن نقل المسلم إلى بلدٍ إسلامي، أو لا يمكن نقله.
• فإن أمكن نقل المسلم إلى مقبرة المسلمين، أو إلى مكان مستقل، وجب ذلك، إذا لم يخش عليه التغَيُّر. فقد بيَّن فقهاء المالكية أن المسلم حتى وإن دفن في مقبرة الكفار، فإنه يُخرَج منها، إلا أن يُخَاف عليه التغير. قال خليل إسحاق في مختصره: "ودفن من أسلم بمقبرة الكفار"(36). قال شارحه عليش في منح الجليل شرح مختصر خليل: "ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، فيتدارك بإخراجه منها ودفنه في مقبرة المؤمنين إن لم يخف عليه التغيُّر يقينا أو ظنا، فإن خيف تغيُّره فلا يخرج"(37). وقال الخرشي المالكي في شرحه لمختصر خليل: "وأما دفن من أسلم بمقبرة الكفار، فإنه يخرج، إلا أن يخاف عليه التغير"(38). وبمثله قال الدسوقي في حاشيتة على الشرح الكبير.(39)
فهذه النصوص تفيد إخراج المسلم المتوفي الذي تمَّ دفنه في مقابر الكافرين، إن أمكن إخراجه منها، ولم يخش عليه التغير، فمن الأولى والأحرى نقل المسلم المتوفي الذي لم يدفن أصلاً في مقابر الكافرين، إلى البلاد الإسلامية، ودفنه في مقابر المسلمين، بنفس الضوابط المتقدمة، وهي إمكان النقل، وعدم التغير.
وإن لم يمكن نقل المسلم المتوفي إلى بلدٍ إسلامي، أو إلى مكانٍ مستقل، فيقال: إن الأصل في دفن المسلم في مقابر غير المسلمين، هو المنع ما لم يحصل العجز عن ذلك، فإن حصل العجز عن نقل المسلم المتوفي إلى بلد إسلامي أو إلى مكان مستقل، ولم يتم التمكن من ذلك، ففي في هذه الحالة يجوز دفنه في مقابر غير المسلمين، وهذا من باب تعارض المفسدتين، أعني مفسدة دفنه في مقابر غير المسلمين، ومفسدة عدم دفنه وبقائه دون دفن، لما يخشى عليه من التغير.
فعند النظر إلى المفسدتين، فتقدم مفسدة دفنه في مقابر غير المسلمين على مفسدة بقائه دون دفن، وبناء على هذا التعارض، فيدفن حيث أمكن إن لم يكن قد دفن، أو يبقى مدفونا في مكانه، كما نصَّ على ذلك فقهاء المالكية.
وذلك لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، كما قال سبحانه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
ودفن المسلم في هذه الحالة، هو من باب أخفّ المفسدتين، بشرط عدم التمكّن من نقله، وخشية تغيره إن لم يدفن، مع العلم أن الذي ينفع المسلم في آخرته هو سعيه وعمله الصالح، وليس موضع دفنه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، وقد قال سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: "إن الأرض لا تقدس أحداً وإنما يقدس الإنسان عمله"(40)، لكن هذا لا ينافي ما ذُكِر من تأذي المسلم بعذاب الكافرين، وبيانه قد تقدَّم.
حكم اختلاط موتى المسلمين بموتى الكفار:
إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، لسببٍ من الأسباب، فلا يخلو الأمر من الآتي:
إما أن يمكن التمييز بين المسلم والكافر، أو لا يمكن.
فإن أمكن التمييز بين موتى المسلمين والكفار، فلا إشكال في هذه المسألة، فيدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر الكافرين، وإن لم يمكن التمييز بينهم، فلا يخلو الأمر من الآتي:
1. أن تكون الغلبة للمسلمين.
2. أن تكون الغلبة للكفار.
3. أن يكونا متساويان.
قال الكاساني: "ولو اجتمع الموتى المسلمون والكافرون: يُنظر إن كان بالمسلمين علامة الفصل بها، يفصل وعلامة المسلمين أربعة أشياء: الختان، والخضاب، ولبس السواد، وحلق العانة. وإن لم يكن بهم علامة يُنظر: إن كان المسلمون أكثر: غسلوا وكفنوا ودفنوا في مقابر المسلمين وصلِّي عليهم، وينوي بالدعاء المسلمون، وإن كان الكفار أكثر: يغسلوا ولا يصلى عليهم كذا ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي؛ لأن الحكم للغالب، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أنه إن كانت الغلبة لموتى الكفار لا يصلى عليهم لكن يغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر المشركين، ووجهه: أن غسل المسلم واجب وغسل الكافر جائز في الجملة، فيؤتى بالجائز في الجملة لتحصيل الواجب"(41).
وقال السرخسي: "فإن كانت الغلبة لموتى المسلمين، فإنه يصلى عليهم ويدفنون في مقابر المسلمين؛ لأن الحكم للغالب والغالب موتى المسلمين، إلا أنه ينبغي لمن يصلي عليهم أن ينوي بصلاته المسلمين خاصةً؛ لأنه لو قدر على التمييز فعلاً كان عليه أن يخصَّ المسلمين بالصلاة عليهم فإذا عجز عن ذلك كان له أن يخص المسلمين بالنية؛ لأن ذلك في وسعه والتكليف بحسب الوسع... وإن كان الغالب موتى الكفار لا يصلى على أحد منهم، إلا من يعلم أنه مسلم بالعلامة؛ لأن الحكم للغالب والغلبة للكفار هنا، وإن كانا متساويين فكذلك الجواب... وذكر في ظاهر الرواية: أنهم يدفنون في مقابر المشركين؛ لأن في حكم ترك الصلاة عليه جُعِل كأنهم كفار كلهم،(42) فكذلك في حكم الدفن، هذا قول محمد -رحمه الله تعالى- فأما على قول أبي يوسف -رحمه الله- ينبغي أن يدفنوا في مقابر المسلمين مراعاة لحرمة المسلم منهم، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى، ودفن المسلم في مقابر المشركين لا يجوز بحال. وقيل: بل يتخذ لهم مقبرة على حدة لا من مقابر المسلمين ولا من مقابر المشركين فيدفنون فيها"(43). وبمثله قال صاحب الأشباه والنظائر.(44)
لكن قد نصَّ أبو النجا الحجاوي، أنه عند اختلاط موتى المسلمين والكفار، ولم يمكن التمييز بينهم، فإنه يُصلَّى على الجميع، ويدفنون في مقابر المسلمين، فقال: "وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى واشتبه: كمسلمٍ وكافر، صُلِّي على الجميع... ودفنوا منفردين إن أمكن، وإلا فمع المسلمين"(45).
والذي يظهر -والله أعلم- أنه عند اختلاط موتى المسلمين بموتى الكفار، ولم يمكن التمييز بينهم، فإنهم يدفنون في مقابر المسلمين، تغليباً لجانب المسلمين، وهذا هو ما أفتى به فقهاء الأزهر، فقالوا: "المنصوص عليه شرعاً أنه لا يجوز دفن جثة الميت المسلم في مقابر المسيحيين، كما لا يجوز دفن جثة الميت المسيحي في مقابر المسلمين، هذا إذا تعينت جثة الميت المسلم من جثة الميت المسيحي، إما إذا اختلطت جثث الموتى المسلمين على المسيحيين ولم تعرف جثة الميت المسلم من جثة الميت المسيحي، فإنهم يدفنون جميعاً في مقابر المسلمين تغليباً لجانب المسلمين على المسيحيين"(46).
ونظير مسألة اختلاط موتى المسلمين والكفار، مسألة النصرانية المتزوجة بمسلم، والتي توفيت وفي بطنها جنينٌ مسلم، أين تدفن؟ بمعنى: هل يُغَلَّب جانب المرأة، أم جانب الولد؟
قال السرخسي: "وأصل هذا الخلاف (أي في مسألة اختلاط الموتى) بين الصحابة -رضي الله عنهم- في نظير هذه المسألة، وهو أن النصرانية إذا كانت تحت مسلم فماتت وهي حبلى، فإنه لا يصلى عليها لكفرها، ثم تدفن في مقابر المشركين عند علي وابن مسعود -رضي الله عنهما- ومنهم من يقول: تدفن في مقابر المسلمين؛ لأن الولد الذي في بطنها مسلم، ومنهم من يقول: يتخذ لها مقبرة على حدة"(47). والقول بإفراد مقبرة خاصة لها، مرويٌّ عن عقبة بن عامر.(48)
وقد بيَّن النووي أن المرأة النصرانية إن توفيت وفي بطنها جنين مسلم، فإنها تدفن في مقبرةٍ بين مقابر المسلمين والكفار، فقال: "وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار، لئلا يدفن المسلم في مقابر الكفار، وعكسه"(49).
وقال الشربيني: "وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار. وقيل: في مقابر المسلمين وقيل: في مقابر الكفار"(50).
وقد بيَّن ابن قدامة سبب دفنها في مقبرةٍ مستقلة، أي بين مقابر المسلمين والكفار، فقال: "وإن ماتت نصرانيةٌ وهي حاملةٌ من مسلم، دفنت بين مقبرة المسلمين ومقبرة النصارى، اختار هذا أحمد؛ لأنها كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين فيتأذوا بعذابها ولا في مقبرة الكفار؛ لأن ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم، وتدفن منفردة مع أنه روي عن واثلة بن الأسقع مثل هذا القول، وروي عن عمر: أنها تدفن في مقابر المسلمين. قال ابن المنذر: لا يثبت ذلك. قال أصحابنا: ويجعل ظهرها إلى القبلة على جانبها الأيسر، ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن؛ لأن وجه الجنين إلى ظهرها"(51).
الخلاصة:
يمكن تلخيص البحث فيما يلي:
1. يستحب تعجيل دفن الميت.
2. لا تخلو مقابر غير المسلمين، من أن تكون علاماتها الظاهرة قد اختفت، أو لا تزال آثارها ظاهرة، فإن كانت علاماتها الظاهرة قد اختفت، فيجوز دفن المسلم فيها بشرط أن تكون هذه البلدة تبعاً للبلاد الإسلامية. وإن كانت مقابر المشركين لا تزال آثارها ظاهرة، فلا يجوز دفن المسلم فيها.
3. يلزم المسلمين المستوطنين في بلد غير إسلاميّ أن يسعوا جاهدين إلى اتخاذ مقبرةٍ خاصةٍ بهم، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وإن لم يستطيعوا ذلك، فيسعون إلى أن تكون لهم رقعة محددَّة في طرف مقبرةٍ لغير المسلمين، وهذا من باب ما لا يدرك جله لا يترك كله.
4. إن تعذر إيجاد مقبرة، أو رقعة محددَّة للمسلمين، ففي هذه الحالة: إما أن يمكن نقل المسلم إلى بلدٍ إسلامي، أو إلى مكانٍ مستقل، أو لا يمكن، فإن أمكن النقل بدون أن يحصل تغيُّرٌ للميت وجب نقله، وإن لم يمكن النقل، أو يخشى عليه من أن يتغير، ففي هذه الحالة يجوز دفنه في مقابر غير المسلمين، وهذا من باب تعارض المفسدتين.
5. إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فلا يخلو الأمر من أن يمكن التمييز بين المسلم والكافر، أو لا يمكن، فإن أمكن التمييز بينهم، فيدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر الكافرين، وإن لم يمكن التمييز بينهم، فإنهم يدفنون جميعاً في مقابر المسلمين، تغليباً لجانب المسلمين.
6. المرأة النصرانية إن توفيت وفي بطنها جنينٌ مسلم، فإنها تدفن في مقبرةٍ بين مقابر المسلمين والكفار.
وأصل في ختام هذا البحث، إلى أن المسلم له مكانة عالية عند الله تعالى، سواء في الدنيا أو الآخرة، بخلاف المجرمين والكافرين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124].
ولوجود هذه المكانة للمسلم، نجد أن الإسلام يحرص على أن يكون دفن المسلم مع إخوانه المسلمين، وليس مع الكافرين.
اللهم أحيينا على الإسلام، وتوفَّنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.
والله تعالى أعلم،
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الفقير إلى عفو ربه: يونس عبد الرب فاضل الطلول.
بتاريخ/ 18ذي القعدة 1428هـ الموافق 28/ 11/ 2007م.
_________________________
(1) لسان العرب 13/ 155. وانظر: مختار الصحاح 1/ 218. وانظر: الألفاظ المؤتلفة 1/ 262.
(2) التعاريف 1/ 339.
(3) فقه العبادات للمالكية 1/ 262.وانظر: المبسوط 2/ 60.
(4) صحيح البخاري 1/ 442، برقم: 1252.
(5) سبل السلام 1/ 71.
(6) التمهيد 16/ 33.
(7) سنن الترمذي 1/ 320، برقم: 171. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن. جاء في مشكاة المصابيح: أن الحديث حسن، انظر مشكاة المصابيح 1/ 133، برقم: 605. وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الترمذي 1/ 17، برقم: 25.
(8) عون المعبود 8/ 303.
(9) حلية الأولياء 8/ 78.
(10) المعجم الكبير 12/ 444، برقم: 13613. والحديث رواه البيهقي، وقال: والصحيح أنه موقوف عليه. أي على ابن عمر، انظر: مشكاة المصابيح 1/ 387.
(11) والمفلوج: صاحب الفالِجِ، والفالِج: "داءٌ يُصيب الإِنسانَ عند امتلاءِ بُطُون الدَّماغ من بعضِ الرُّطوبات، فيَبْطُل منه الحِسُّ وحَركاتُ الأَعضاءِ ويَبْقَى العَليلُ كالمَيتِ لا يَعْقِل شيئاً"، تاج العروس 1/ 1483.
(12) سبل السلام 1/ 71.
(13) كشف الخفاء 1/ 191.
(14) ثامنوني: ساوموني ببستانكم وخذوا ثمنه، صحيح البخاري 1/ 165.
(15) صحيح البخاري 1/ 165.
(16) صحيح البخاري 2/ 661، برقم: 1769.
(17) الإقناع 1/ 228.
(18) رد المحتار 6/ 367.
(19) حاشية رد المحتار 2/ 253.
(20) أي كانوا قبل الخير فحاد عنهم ذلك الخير وما أدركوه، أو أنهم سبقوه حتى جعلوه وراء ظهورهم. عون المعبود 9/ 36.
(21) سنن أبي داود 2/ 236، برقم: 3230.
(22) المعجم الكبير 2/ 43، برقم: 132.
(23) انظر: فيض القدير 1/ 229، انظر: المجموع 5/ 285، مغني المحتاج 1/ 361، المهذب 1/ 251. وانظر: شرح مسند أبي حنيفة 1/ 269. روح المعاني 15/ 73، التمهيد 17/ 20، فقه العبادات - شافعي 1/ 509، الفتاوى الكبرى 3/ 17. الإقناع 1/ 228.
(24) فيض القدير 1/ 230.
(25) الاستذكار 3/ 58.
(26) فيض القدير 1/ 230.
(27) فيض القدير 1/ 229.
(28) المجموع 5/ 285.
(29) المهذب 1/ 251.
(30) مغني المحتاج 1/ 361، وانظر: شرح مسند أبي حنيفة 1/ 269. روح المعاني 15/ 73، التمهيد 17/ 20، فقه العبادات - شافعي 1/ 509، الفتاوى الكبرى 3/ 17.
(31) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 8/ 332.
(32) الإقناع 1/ 228.
(33) المصدر السابق 2/ 46.
(34) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء10/ 360.
(35) المصدر السابق 10/ 480.
(36) مختصر خليل1/ 45.
(37) منح الجليل شرح مختصر خليل 3/ 149.
(38) شرح مختصر خليل للخرشي 5/ 438.
(39) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 152.
(40) موطأ مالك 5/ 95.
(41) بدائع الصنائع 2/ 28.
(42) هكذا وجدتها في كتب الحنفية، والظاهر أن الصحيح: لأن في حكم ترك الصلاة عليهم جُعِلوا كأنهم كفار كلهم- والله أعلم-.
(43) المبسوط 12/ 468- 469.
(44) الأشباه والنظائر - حنفي 1/ 144.
(45) الإقناع 1/ 228.
(46) فتاوى الأزهر 7/ 215.
(47) المبسوط 12/ 468- 469.
(48) المصدر السابق 2/ 53.
(49) إعانة الطالبين 2/ 133.
(50) مغني المحتاج 1/ 351.
(51) المغني 2/ 423.