التداوي المؤثر على صحة الصوم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، محمد صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإنَّ الله تعالى شرع الصوم، لحِكمٍ عظيمة، ومقاصدَ جليلة، من أجل أن تتحقق التقوى في القلوب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
ومن حِكَم الصيام: إظهار العبودية لله تعالى، بترك شهوات الجسد طلبًا لمرضاته سبحانه، كما في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:«كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلا سبعمائة ضعف قال الله -عز وجل-: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك»(1).
وهذه الأمور التي تبطل الصيام وتنقضه، من الأكل والشرب والجماع، يفهمها جميع الناس، بدون بحثٍ منهم وسؤال، لكن من الأمور التي قد يجهلها بعض الناس، أن الواحد منهم قد يحتاج إلى أن يتداوى لعلَّة به، فهل له أن يتناول الدواء في نهار رمضان، طالما أنه مأمور بالتداوي، أم ليس له ذلك؟ أم أنَّ له أن يتناول بعض الأدوية دون بعض؟.
وفي هذا البحث المتواضع: سأبين ما هي الأدوية التي تؤثر في الصوم وتبطله، من أجل أن يجتبها الصائم، مبيَّنا في ذلك أقوال الفقهاء. سائلاً من المولى سبحانه التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وسيكون السير في هذا البحث على النحو التالي:
1. تعريف التداوي.
2. مشروعية التداوي.
3. مذاهب الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم.
4. المناقشة والترجيح.
فأقول مستعينا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:
تعريف التداوي:
أ. تعريف التداوي في اللغة:
التداوي في اللغة: التعالج. قال الرازي: "الدَّوَاءُ ممدودٌ واحد الأَدوِيَةِ وكسر الدّال لغة فيه، وقيل الدّواء بالكسر: إنما هو مصدر دَاوَاهُ مُدَاوَاةً ودِوَاءً، والدَّوَى مقصورٌ: المرض، وقد دَوِيَ من باب: صدي، أي مرض، وأدوَاهُ غيره: أمرضه، ودَاوَاهُ: عالجه، يقال: فلان يدوي ويداوي، وتَدَاوَى بالشيء: تعالج به"(2). وقال الفيومي: "والدَّوَاءُ: ما يتداوى به، ممدودٌ وتفتح داله، والجمع: أَدوِيَةٌ، ودَاوَيتُهُ: مُدَاوَاةً"(3).
ب. تعريف التداوي في الشرع:
التداوي في الشرع: هو تناول الدواء. قال في معجم الفقهاء: التداوي: هو "استعمال ما يكون به شفاء المرض بإذن الله تعالى، من عقارٍ، أو رقيةٍ، أو علاجٍ طبيعي"(4).
مشروعية التداوي:
التداوي مشروع في الكتاب والسنة.
ففي الكتاب، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّختَلِفٌ أَلوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]. قال القرطبي بعد ذكره لهذه الآية، وفيه: "دليل على جواز التعالج بشرب الدواء، وغير ذلك"(5).
وفي السُّنة:
- حديث جابر-رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله -عز وجل- »(6).
- حديث أسامة بن شريك -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: «تداووا، فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داءٍ واحد: الهرم»(7). قال القرطبي: "والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وعلى إباحة التداوي"(8). وقال العز بن عبد السلام: "والتداوي من الأمراض دفع لمفسدةٍ ناجزة، أو تحصيل لمصلحةٍ ناجزة، وشرب الأدوية المرة تحصيل لمصلحةٍ ناجزة، أو درءٌ لمفسدةٍ ناجزة"(9).
مذاهب الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم:
- المذهب الحنفي:
ذهبت الحنفية، إلى أن هناك حالات من التداوي، تؤثِّر على الصوم وتفسده، وهذا منهم بناءً على وصول هذه الأدوية إلى الجوف، أو الدماغ(10)، فقد بوَّب الرازي الحنفي، في كتابه (تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان) باب: ما يفطر من العلاج وما لا يفطر، ثم ذكر الأنواع التي يفسد صوم صاحبها بسبب تناولها، وهي كالتالي:
1. الحقنة: وهي وضع الحقنة في الدبر(11).
2. السَّعوط: وهو صب الدواء في الأنف(12).
3. تقطير الدواء أو الدهن في الأذن.
4. مداواة الجائفة، والجائفة: اسمٌ لجراحةٍ وصلت إلى الجوف(13).
5. مداواة الآمَّة بدواءٍ رطب، والآمّة: الجراحة التي وصلت إلى أمّ الدّماغ(14).
قال الرازي: "ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه دواءً أو دهناً، أو داوى جائفة، أو آمَّة بدواء رطب، فوصل إلى جوفه أو دماغه لزمه القضاء"(15). وبمثله قال صاحب الكتاب. وزاد: "وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يفطر"(16). قال صاحب الهداية: "فكأنه وقع عند أبي يوسف -رحمه الله- أن بينه وبين الجوف منفذا"(17).
لكن قد حصل في بعض ما تقدم عن الحنفية خلاف بينهم، ومن ذلك: التقطير في الأذن، ومداواة الجائفة أو الآمة.
أما التقطير في الأذن: فقد نصَّ الحنفية على أن تقطير الماء في الأذن مفسدٌ للصوم في الأصح عندهم. قال الطحاوي في حاشيته على المراقي، وهو يعدِّد ما يبطل الصوم، فقال: "أو أقطر في أذنه ماءً في الأصح"(18)، وعلَّله صاحب المراقي بقوله: "لوصول المفطر دماغه بفعله"(19).
لكن قد قال المرغياني الحنفي: "ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخلهما لا يفسد صومه لانعدام المعنى والصورة بخلاف ما إذا دخله الدهن"(20). فهذا تفريق منه بين الماء والدهن.
وأمَّا مداوة الجائفة أو الآمَّة: فقد نص المرغياني على أن "مداوة الجائفة أو الآمَّة مفسدٌ للصوم عند أبي حنيفة بخلاف صاحبيه أبي يوسف ومحمد: وقالا: لا يفطر، لعدم التيقن بالوصول لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى، كما في اليابس من الدواء"(21).
- المذهب المالكي:
ذهبت المالكية إلى أن هناك أنواعاً من التداوي تبطل الصوم وتنقضه، وهي كالتالي:
1. الحقنة، وذلك إذا وصلت إلى الجوف. جاء في المدونة: "أرأيت من احتقن في رمضان أو في صيام واجب عليه أيكون عليه القضاء والكفارة في قول مالك؟ قال: قال مالك: عليه القضاء"(22). وهذا مقيد عن المالكية ن بما إذا وصلت الحقنة إلى جوفه(23). وقد نقل ابن قدامة عن مالك: أن اختلف عنه في الحقنة(24). قال عبد الرحمن البغدادي المالكي: قال مالك: "أكره الحقنة للصائم، فإن احتقن في فرج بشيء يصل إلى جوفه، فالقضاء ولا يُكَفِّر"(25).
2. السعوط، وذلك إذا وصل إلى الحلق(26).
3. الكحل إن كان يدخل إلى الحلق، فقد فرقت المالكية في هذا بين من يدخل الكحل إلى حلقه ومن ليس كذلك، وبالتالي يختلف الحكم بينهما. جاء في المدونة الكبرى للمالكية: "قلت: فهل كان مالك يكره الكحل للصائم؟ فقال: قال مالك: هو أعلم بنفسه، منهم من يدخل ذلك حلقه، ومنهم من لا يدخل ذلك حلقه، فإن كان ممن يدخل ذلك حلقه فلا يفعل قلت: فإن فعل أترى عليه القضاء والكفارة؟ فقال قال مالك: إذا دخل حلقه وعلم أنما قد وصل الكحل إلى حلقه فعليه القضاء قلت: أفيكون عليه الكفارة؟ قال: لا كفارة عليه عند مالك"(27).
وممَّا ينبغي التنبيه عليه في المذهب المالكي: أن كلمة الجوف تطلق على كل ما كان داخل الجسم، سواء كان معدة أو أمعاء أو غيرهما، ولكن علماء المذهب حملوا الجوف على المعدة والأمعاء(28). قال عبد الرحمن بن محمد بن عسكر شهاب الدين البغدادي المالكي: "ولولا ذلك لكان كلام مالك مقيدا للإفطار والقضاء بالحقن في الإحليل والقبل؛ لأن الحقنة في كل منهما تصل إلى الجوف"(29). فهو يشير بهذا إلى أن للمالكية في الحقنة قول آخر، وهو عدم الإفطار بها، وهذا إنما يكون عند حمل الجوف على معناه الخاص، والذي هو المعدة والأمعاء.
- المذهب الشافعي:
نصَّت الشافعية على أن الصيام هو: "الإمساك عن وصول العين إلى ما يسمى جوفاً.
- فخرج بالعين: الأثر، كالريح بالشم، وحرارة الماء وبرودته بالذوق.
- وخرج بالجوف: ما لو داوى جرحه الذي على لحم الساق أو الفخذ فوصل الدواء إلى داخل المخ أو اللحم أو غرز فيه حديدة، فإنه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف"(30).
أما بيان التداوي المبطل للصوم عند الشافعية، فهو على النحو التالي:
1. الحقنة(31). قال الشيرازي: "وإن احتقن بطل صومه؛ لأنه إذا بطل بما يصل إلى الدماغ لسعوط، فلأن يبطل بما يصل إلى الجوف بالحقنة أولى"(32).
2. السعوط إن وصل إلى الجوف(33).
3. مداواة الجرح حتى يصل إلى الجوف أو الدماغ. قال المزني: "أو احتقن أو داوى جرحه حتى يصل إلى جوفه أو استعط حتى يصل إلى جوف رأسه فقد أفطر إذ كان ذاكرا ولا شيء عليه إذا كان ناسيا"(34).
4. صب الماء في الأذن حتى يصل إلى الدماغ. قال الشيرازي: "فإذا استعط أو صب الماء في أذنه، فوصل إلى دماغه بطل صومه، لما روى لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استنشقت فبالغ في الوضوء إلا أن تكون صائما»(35). فدل على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل صومه، ولأن الدماغ أحد الجوفين فبطل الصوم بالواصل إليه كالبطن"(36).
5. التقطير في الإحليل (وهو مخرج البول من الذكر واللبن من الثدي)(37). قال الشربيني: "والتقطير في باطن الأذن وإن لم يصل إلى الدماغ، وباطن الإحليل... مفطرٌ في الأصح بناء على الوجه الأول، وهو اعتبار كل ما يسمى جوفا والثاني: لا بناءً على مقابله"(38). وبمثله قال الشيرازي الشافعي(39).
- المذهب الحنبلي:
ذهبت الحنابلة، إلى أن التداوي المؤثر على صحِّة الصوم هو ما يلي:
1. السعوط.
2. الحقنة.
3. مداواة الجائفة بما يصل إلى الجوف.
4. الاكتحال بما يصل إلى الحلق.
5. مداواة المأمومة، حتى يصل إلى الدماغ.
6. تقطير الماء في الأذن بما يصل إلى الدماغ.
قال ابن قدامة: "باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة".
أو استعط، أو احتقن، أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو داوى المأمومة، أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه، أو أدخل في جوفه شيئا من أي موضع كان... فسد صومه، وإن كان مكرهاً أو ناسيا لم يفسد"(40). وبمثله قال البهوتي في كتابيه: (الروض المربع(41)، وشرح منتهى الإرادات)(42)، وكذلك قاله ابن ضويان في كتابه: (منار السبيل)(43). وغيرهم(44).
ويتبين من قول الحنابلة أن الجوف يشمل كل ما يدخل الجسم جاء في الشرح الكبير: "ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك"(45).
7. الكحل إن وصل إلى الحلق. قال ابن قدامة: "فأما الكحل فإن وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطَّره، وإلا لم يفطِّره نص عليه أحمد"(46)، وقد عللت الحنابلة ذلك، بأن الكحل يصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق، ولأن الدماغ جوف والواصل إليه يغذيه فيفطر كجوف البدن"(47).
- المذهب الظاهري:
ذهبت الظاهرية إلى خلاف ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في التداوي المؤثر على صحة الصوم، وبناء عليه: قالوا: لا يفسد الصوم شيء ممّا تقدم، وذلك لعدم ورود النهي الصريح من القرآن والسنة على من أراد التداوي بهذه الأمور، وكونه لم يرد دليل على ذلك، فكان فعل التداوي غير ناقض للصوم. قال ابن حزم: "ولا ينقض الصوم... ولا حقنة، ولا سعوط، ولا تقطير في أذن، أو في إحليل، أو في أنف، ولا استنشاق وان بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمُّد، ولا كحل وإن بلغ إلى الحلق نهاراً أو ليلاً بعقاقير أو بغيرها"(48).
خلاصة أقوال الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم:
1. الحقنة: وهي مبطلة للصوم، عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة. وعند المالكية -بشرط وصولها إلى الجوف- وقد اختلف عن مالك في الحقنة.
2. السعوط: مبطل للصوم عند الحنفية، والحنابلة، وعند المالكية- إن وصل إلى الحلق- وعند الشافعية -إن وصل إلى الجوف-.
3. تقطير الماء أو الدهن في الأذن: مبطل للصوم عند الشافعية، والحنابلة، وعند الحنفية، أنه مبطل بالدهن باتفاق، وفي الماء باختلاف بينهم في المذهب.
4. مداواة الجائفة، والآمَّة: مبطل للصوم عند أبي حنيفة - إن كان التداوي بدواء رطب- وعند الشافعية والحنابلة إن وصل الدواء إلى الجوف أو الدماغ، وغير مبطل للصوم عند صاحبي أبي حنيفة، والمالكية.
5. التقطير في الإحليل: مبطل للصوم في القول الأصح عند الشافعية، وهو قول الحنابلة، وصاحبي أبي حنيفة، وغير مبطل للصوم عند أبي حنيفة.
6. الكحل: مبطل للصوم عند المالكية-إن دخل إلى الحلق- وهو قول الحنابلة، وغير مبطل للصوم عند الحنفية، والشافعية.
وأما الظاهرية: فلا يفسد الصوم عندهم شيء مما تقدم.
المناقشة والترجيح:
بعد بيان أقوال الفقهاء في التداوي المؤثر على صحة الصوم، نستطيع أن نقول: إن هناك شبه اتفاق بين الأئمة الأربعة في بطلان صوم من أوصل شيئا إلى جوفه بسبب تداويه -وإن كان هناك خلاف في المذهب الواحد أو في المذاهب بعضها ببعض في بعض ما تقدم-.
إلا أن هذا الخلاف بينهم، إنما هو مبنيٌّ على اعتبار وصول الدواء إلى الجوف أو عدم وصوله، ومبنيٌ كذلك على معنى الجوف، ومن ذلك:
اختلافهم في الكحل، هل يفسد الصوم؟
فذهبت الحنفية والشافعية: إلى أن الكحل لا يبطل الصوم، لما روي عن عائشة-رضي الله عنها قالت-: «اكتحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو صائم»(49)، قال الكاساني: "ولو اكتحل الصائم لم يفسد، وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء"(50). وذلك لأن العين ليست منفذاً، فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه. وقد بيَّن المرغياني الحنفي: أن الكحل نوع ارتفاق، وليس من محظورات الصوم.(51)
وأما المالكية: فقد فرقت بين أن يصل الكحل إلى الحلق، أو لا يصل، ومن هنا يختلف الحكم، وهو قول للحنابلة. والقول الآخر للحنابلة: أن الكحل مفسد للصيام؛ "لأنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه، فأفطر به كما لو أوصله من أنفه"(52).
اختلافهم في الحقن، والتقطير في الإحليل، ومداواة المأمومة والجائفة، هل تبطل الصوم؟
تقدم أنه اختلف عن مالك في الحقنة، وعن أبي حنيفة في عدم الإفطار بالتقطير في الإحليل، وعن المالكية في عدم الإفطار بمداواة المأمومة والجائفة، وعن الظاهرية في عدم الإفطار بجميع ما تقدم.
ولعل السبب في قول الظاهرية، ومن وافقهم من الفقهاء في بعض ما سبق، هو حمل الجوف على معناه الخاص، أي: المعدة والأمعاء، وعليه: فإنَّ تعاطي بعض الحقن، والمداواة للجروح، ليس أكلاً ولا شربًا في لغةٍ ولا عرف، ولا ينافي قصد الشارع من الصيام، فلا نجعل لذلك حكم الإفطار. قال ابن حزم: "إنما نهانا الله في الصوم عن الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي، وما علمنا أكلاً ولا شربًا يكون من دبر أو إحليل أو أذن أو عين أو أنف أو من جُرح في البطن أو الرأس، وما نهينا قط عن أن نوصل إلى الجوف- بغير الأكل والشرب- ما لم يحرم علينا إيصاله"(53).
وقد تولَّى ابن تيمية، ذكر هذا الخلاف بين الفقهاء، ومناقشة هذه المسألة، والترجيح فيها، فقال: "وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوى ذلك. والأظهر: أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فان الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل احد من أهل العلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك لا حديثا صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئا من ذلك"(54).
فبان بهذا أنَّ قول ابن تيمية موافقٌ لقول الظاهرية، وكذلك لقولِ من لم ير الإفطار -في بعض المسائل- من الأئمة الأربعة، وذلك لعدم ورود النص الصريح من الكتاب والسنة، في إبطال الصوم بهذه الأمور.
إلا أنه بقي أن يقال: إن الفقهاء قد احتجوا بأنهم إنما أبطلوا الصوم بما تقدم ذكره؛ لأن هذه الأدوية تصل إلى الجوف، وقد استنبطت الشافعية من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»(55). أنَّ هذا دليلٌ على أنه إذا وصل إلى الدماغ شيء بطل به الصوم؛ لأن الدماغ أحد الجوفين، فيبطل به الصوم، كما يبطل بالواصل إليه من البطن.(56)
لكن قد أجاب ابن حزم عن هذا الاستدلال، فقال: "ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق، وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم"(57). وقد أجاب ابن تيمية، عن هذا الاحتجاج، فقال: والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس وأقوى ما احتجوا به قوله: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». قالوا: فدلَّ ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه، والذين استثنوا التقطير، قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه وإنما يرشح رشحا، فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه... وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه:
أحدها: إنّ القياس وان كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته، فقد قلنا في الأصول: إن الأحكام الشرعية كلها بينتها النصوص أيضاً وان دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية، فإذا علمنا بان الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب، وأن القياس المثبت لوجوبه وتحريمه فاسد، ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء التي ذكرها بعض أهل الفقه، فعلمنا أنها ليست مُفطرة.
الثاني: إنّ الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بياناً عامّاً، ولابد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا، عُلم أنَّ هذا ليس من دينه"(58).
قلت: كلام ابن تيمية في عدم الإفطار بما تقدم، مبني على الأصل، وهو عدم ورود الدليل من الكتاب أو السنة بالمنع، فحيث لم يرد الدليل، يبقى الأصل، وهو الإباحة، كما هو مقرر في مواضعه في أصول الفقه.
لكن هناك مما يدخل إلى جوف الإنسان، كالحقن المغذية، والتي هي في معنى الأكل والشرب، وتقوم مقام التغذي؛ لأن صاحبها يستغني بها عن الطعام، فهل يلغى هنا القياس على الأكل والشرب، وهل نجعل حكم الحقن واحدا في عدم الإفطار؟
والجواب: لا؛ لأن الحقن المغذية، وإن لم تكن في حقيقتها طعاما ولا شراباً، إلا أنها تجعل صاحبها يستغني عن الطعام، ولا يشعر بالجوع والعطش كالصائم، فهي تقوم مقام الأكل معنىً، وتنافي مقصدٌ من مقاصدِ الصيام.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن هناك فرقا بين الحقن (الإبر) التي يتناولها الصائم، بمعنى: إن كانت هذه الحقن غير مغذية، فلا إشكال في تناولها -وإن كان الاحتياط للصائم أن يؤخرها إلى الليل، خروجا من خلاف كثيرٍ من الفقهاء القائلين بأنها تفطر- وإن كانت الحقن مغذية، فلا يجوز تناولها، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة.
جاء في الفتوى: "يجوز التداوي بالحقن في العضل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولا يجوز للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان؛ لأنه في حكم تناول الطعام والشراب فتعاطي تلك الحقن يعتبر حيلة على الإفطار في رمضان، وإن تيسر تعاطي الحقن في العضل والوريد ليلاً فهو أولى"(59).
ومن المسائل المعاصرة في زماننا: استعمال بخَّاخ الرَّبو في نهار رمضان، لمن يعاني من أزمة في التنفس، هل يبطل الصيام بناءً على أنه يصل إلى الجوف، أم لا؟.
مما تقدم: يمكن تخريج هذه المسألة على قول الظاهرية، وابن تيمية، وغيرهم، فيقال: إن استعمال بخاخ الربو في نهار رمضان لا يفسد الصيام؛ لأنه غاز مضغوط يذهب إلى الرئة، ويفتح مسام العروق لضرورة التنفس، وليس بطعامٍ ولا شراب، وكذلك لا يحصل به معنىً من معاني التغذي، وهذا هو الذي يظهر- والله اعلم- وهذا هو ما أفتى به علماء اللجنة الدائمة(60).
والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول.
بتاريخ/ 22 رجـب 1428هـ الموافق 5/ 8/ 2007م.
راجعه: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.
_______________________
(1) صحيح مسلم 2/ 806، برقم: 1151.
(2) مختار الصحاح 1/ 218، وانظر: المعجم الوسيط 1/ 306.
(3) المصباح المنير 1/ 205، وانظر: كتاب العين 8/ 93. وانظر: المطلع 1/ 47.
(4) معجم لغة الفقهاء، لمحمد قلعجي 1/ 126.
(5) تفسير القرطبي 10/ 120.
(6) صحيح مسلم 4/ 1729، برقم: 2204.
(7) سنن أبي داود 2/ 396، برقم: 3855، قال الشيخ الألباني: صحيح، الجامع الصغير وزيادته 1/ 525، برقم: 5241.
(8) تفسير القرطبي 10/ 120.
(9) القواعد الصغرى 1/ 54.
(10) بدائع الصنائع 2/ 250.
(11) الهداية 1/ 120، مراقي الفلاح 1/ 252.
(12) مراقي الفلاح 1/ 252، الهداية 1/ 120.
(13) الهداية 1/ 120.
(14) المصدر السابق.
(15) تحفة الملوك في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان 1/ 143.
(16) الكتاب 1/ 130.
(17) الهداية 1/ 120.
(18) حاشية الطحاوي على المراقي 2/ 671.
(19) مراقي الفلاح 1/ 252.
(20) الهداية شرح بداية المبتدي 1/ 120.
(21) المصدر السابق.
(22) المدونة الكبرى 1/ 268.
(23) المصدر السابق 2/ 295.
(24) المغني 3/ 36.
(25) أشرف المسالك 1/ 87.
(26) المدونة الكبرى 1/ 268.
(27) المصدر السابق.
(28) انظر: أشرف المسالك 1/ 87.
(29) المصدر السابق.
(30) مغني المحتاج 1/ 427
(31) مختصر المزني 1/ 64.
(32) المهذب 1/ 324.
(33) مختصر المزني 1/ 64.
(34) المصدر السابق.
(35) سنن الترمذي 3/ 155، برقم: 788 وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال: وقد كره أهل العلم السعوط للصائم ورأوا أن ذلك يفطره، وفي الباب ما يقوي قولهم. قال الشيخ الألباني: صحيح مختصر إرواء الغليل 1/ 180، برقم: 935.
(36) المهذب 1/ 324.
(37) مغني المحتاج 1/ 427.
(38) المصدر السابق.
(39) المهذب 1/ 324.
(40) الشرح الكبير 3/ 38.
(41) الروض المربع 1/ 231.
(42) شرح منتهى الإرادات 1/ 481.
(43) منار السبيل 1/ 156.
(44) انظر: دليل الطالب 1/ 156، وانظر: شرح العمدة 1/ 149، وانظر: فقه العبادات - حنبلي 1/ 391.
(45) الشرح الكبير 3/ 38.
(46) المصدر السابق.
(47) زاد المستقنع 1/ 231.
(48) المحلى 6/ 203.
(49) سنن ابن ماجه 1/ 536، برقم: 1678. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: صحيح ابن ماجة 1/ 280، برقم: 1360.
(50) بدائع الصنائع 2/ 237.
(51) الهداية 1/ 120.
(52) الشرح الكبير 3/ 38.
(53) المحلى 6/ 214.
(54) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 25/ 233- 234.
(55) سنن الترمذي 3/ 155، برقم: 788 وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: مختصر إرواء الغليل 1/ 180، برقم: 935.
(56) المهذب 1/ 324.
(57) المحلى 6/ 215.
(58) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 25/ 235- 236.
(59) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 10/ 252.
(60) فتاوى اللجنة الدائمة 1/ 130. وانظر: فتاوى ابن باز عدد: 979). وانظر: فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين ص: 475.