حكم إعطاء تارك الصلاة من الزكاة
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فنحن نمر في زماننا هذا بفتـن عظيمة، لا يعلمها إلا الله تعالى، فقد تلبّس الحق بالباطل واختلط، وتلبّس الباطل فيه بالحق ومرج، وساد عند طائفة من المسلمين -ليست قليلة- التهاون بأوامر الله تعالى، بل إن بعضهم قد تطاول، حتى تهجم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- على مرأى ومسمع، وكثر الجهل بالشرع بين الناس، مع وجود وسائل كثيرة للعلم، وقلَّ العلماء، وانشغل الناس بالدنيا، ونسوا الآخرة، إلا من رحم ربك.
ومن هذه المسائل التي وُجِدت بين الناس بشكل واضح التهاون بالصلاة، أو تركها بالكلية، حتى وُجِد في المسلمين من لا يصلي، إلا صلاة الجمعة، ووُجِد آخرون لا يصلون، إلا في رمضان، ووُجِد -أيضاً- آخرون لا يدخلون المسجد، إلا عند صلاة الجنازة عليهم.
وقد صاحب ذلك انتشار الفقر بين المسلمين مع أن الدول الإسلامية أغنى دول العالم بثرواتها، ووُجِد تساؤل عند بعض الناس حول إعطاء هؤلاء التاركين للصلاة الفقراء.
فأحببت أن أبيـِّن حكم الشرع في هذه المسألة، ولكن ولما لمسألة إعطاء الزكاة لتاركي الصلاة، من صلة وثيقة لمسألة حكم الشرع في ترك الصلاة، فقد كان لزاماً أن يتم التطرق في الحديث إلى مسألة حكم الشرع في ترك الصلاة بشيء من الإيجاز، ولعل تفصيلها يأتي في بحث قادم، إن شاء الله تعالى، وعليه فسيكون البحث على النحو الآتي:
1. تعريف الترك.
2. تعريف الصلاة لغة.
3. تعريف الصلاة اصطلاحاً.
4. تعريف الزكاة لغة.
5. تعريف الزكاة شرعاً.
6. حكم الزكاة ودليل وجوبها.
7. مصارف الزكاة.
8. حكم تارك الصلاة.
9. إعطاء الزكاة للكافر.
10. الأدلة على عدم جواز إعطاء الكافر من الزكاة.
11. الخلاصة.
ولذلك أقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:
تعريف الترك في اللغة:
تارك: اسم فاعل من ترك. قال الجوهري:"تَركْتُ الشيء تَرْكاً: خلّيته. وتَراكِ، بمعنى اتْرُكْ، وهو اسمٌ لفعل الأمر"(1).
وقال المرتضى الزَّبيدي: "تَرَكَه يَتْرُكُه تَركاً وتِركاناً بالكسر وهذه عن الفَرّاءِ واتَّرَكَه كافْتَعَلَه وفي الصِّحاح قال فيه: فما اتَّرَكَ أي: ما تَرَكَ شَيئاً وهو افْتَعَل: ودَعَهَ... وقال الرّاغِبُ: تَرَكَ الشيءَ: رَفَضَه قَصْداً واخْتِياراً أَو قَهْراً واضْطِراراً"(2).
تعريف الصلاة لغة:
قال الجوهري: "الصَلاةُ: الدعاء... والصَلاة من الله تعالى: الرحمة. والصلاةُ: واحدة الصَلَواتِ المفروضة، وهو اسم يوضع موضعَ المصدر. تقول: صَلّيْتُ صَلاةً، ولا تقل تَصْلِيَةً. وصَلَّيْتُ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمُصَلَّى: تالي السابق. يقال: صَلّى الفرسُ، إذا جاء مُصَلِّياً، وهو الذي يتلو السابق؛ لأنَّ رأسَه عند صَلاهُ"(3).
تعريف الصلاة اصطلاحاً:
عرفها الشافعية فقالوا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم(4)، وزاد الحنابلة قولهم: بشرائط مخصوصة.(5)
والمقصود بتارك الصلاة: هو من لا يصلي أصلاً.(6)
تعريف الزكاة لغة:
قال الفيروز آبادي: (زَكَا ويَزْكُو زَكاءً وزَكْواً: نَمَا كأَزْكَى، وزَكَّاهُ اللّهُ تعالى وأزْكاهُ. والزَّكاةُ: صَفْوَةُ الشيءِ، وما أخْرَجْتَه من مالِكَ لتُطَهِّرَهُ به. زَكِيَ كرَضِيَ: نَمَا وزادَ)(7). وقال ابن منظور: (وأَصل الزكاة في اللغة الطهارة والنَّماء والبَركةُ والمَدْح)(8). وقال الرازي: (زَكَاةُ المال معروفة. وزَكَّى ماله تَزْكِيَةً: أدى عنه زكاتها، وزكَّى نفسه أيضاً مدحها، وزَكَّاهُ أيضاً أخذ زكاته، وتَزَكَّى: تصدق، وزَكَا الزرع زَكَاءً -بالفتح والمد- أي نما)(9).
تعريف الزكاة شرعاً:
قد عرف الحنفية الزكاة بقولهم: (تمليك جزء مال، عينه الشارع، لمسلم فقير غير هاشمي، لله تعالى، مع قطع المنفعة عن المملِّك من كل وجه)(10)، كما عرفها المالكية فقالوا: (إخراج جزء مخصوص، من مال مخصوص، بلغ نصاباً لمستحقيه، إن تم الملك، وحال الحول، على غير معدن وحرث)(11). وأما الشافعية فقالوا: (اسم لقدر مخصوص، من مال مخصوص، يجب صرفه؛ لأصناف مخصوصة، بشرائط مخصوصة)(12). زاد بعضهم: (من مال مخصوص، على وجه مخصوص)(13). وعرفها الحنابلة بقولهم: (حق يجب في مال خاص)(14)، وقيل: (حق واجب، في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص)(15).
وسميت الزكاة بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجها، ودعاء الآخذ؛ ولأنها تُطهِّر مخرجها من الإثم، وتمدحه حين تشهد له بصحة الإيمان(16). قال ابن منظور:"وقيل لما يُخْرَج من المال للمساكين من حقوقهم زَكاةٌ؛ لأَنه تطهيرٌ للمال، وتَثْميرٌ وإِصْلاحٌ ونماء"(17).
حكم الزكاة ودليل وجوبها:
الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل(18):
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 5]، وقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]، وغيرها.
وأما السنة: فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»(19)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث معاذاً إلى اليمن فقال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس»(20)، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رجلاً من بنى تميم سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان من كلامه: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدلها»(21)، وغيرها من الأحاديث.
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على فرضيتها. قال الكاساني:"أجمعت(أي الأمة)على فرضيتها"(22).
وأما المعقول، فمن وجوه ذكرها الكاساني، وهي:
"أحدها: أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف، و إغاثة الملهوف، وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله -عز وجل- عليه من التوحيد والعبادات. والوسيلة إلى أداء المفروض مفروض.
والثاني: أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضن؛ إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال، فتتعود السماحة، وترتاض لأداء الأمانات، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.
والثالث: أن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء، وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية، وخصهم بها؛ فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش. وشكر النعمة فرضٌ عقلاً وشرعاً. وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة، فكان فرضاً"(23).
وقال في اللباب في شرح الكتاب:"مع أنها أعظم مزايا الإسلام، والأدلة على أنه دين الحق والإنصاف؛ فإنها مع غيرها من وسائل التكافل، تقرِّب بين بعض الطبقات وبعض، وتغرس في قلوبهم الألفة والحب، وتدفع الحسد والحقد من النفوس"(24).
مصارف الزكاة:
الأصل أن تُصرف الزكاة في مصارفها الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
قال الطبري:"يقول -تعالى ذكره-: ما الصدقات إلا للفقراء والمساكين، ومن سماهم الله جل ثناؤه"(25)، وقال ابن كثير: "لما ذكر الله تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ولمزهم إياه في قَسْم الصدقات، بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبيَّن حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يَكلْ قَسْمها إلى أحد غيره، فجزّأها لهؤلاء المذكورين"(26).
حكم تارك الصلاة:
اتفق العلماء على كفر من ترك الصلاة منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو كان لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة. قال الشوكاني: "لا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة، منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة"(27).
واختلفوا فيما إذا كان تركه لها، تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها على قولين:
أ- فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة، إلى أنه لا يكفر بل يفسق.
ب- وذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، إلى أنه يكفر.
قال الشوكاني: "وإن كان تركه لها تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها، كما هو حال كثير من الناس، فقد اختلف الناس في ذلك:
فذهبت العـترة والجماهير من السلف والخلف، منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق، فإن تاب وإلا قتلناه حداً كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف.
وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب -عليه السلام- وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي.
وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس، حتى يصلي"(28).
ولا نسود الأوراق بذكر أدلة الفريقين؛ لأن الحديث ليس عن كفر تارك الصلاة وإنما عن إعطاءه من الزكاة ويكفينا هنا ذكر آراء العلماء في تارك الصلاة، ومن أراد المزيد من هذا المقام فليراجع المغني لابن قدامة(29)، ونيل الأوطار للشوكاني.(30)
إعطاء الزكاة لتارك الصلاة:
تقدم بيان حكم من ترك الصلاة، وأن تارك الصلاة إما أن يكون تركها جحوداً لوجوبها، وهذا كافر بالإجماع، وإما أن يكون تركها تهاوناً بها وتكاسلاً، وهذا كافر في قول لبعض العلماء.
وهذا يقودنا إلى الكلام عن إعطاء الكافر من الزكاة، سواء كان كفره بترك الصلاة جحوداً، أو كان تكاسلاً في قول، وذلك كالآتي:
حكم إعطاء الكافر من الزكاة:
وسيكون بيان ذلك على حسب المذاهب الإسلامية الأربعة، على النحو الآتي:
- مذهب الحنفية:
ذكر الحنفية أن الإسلام شرط في مصارف الزكاة والعشر، وعليه فلا يجوز صرفها إلى الكفار.
قال الكاساني في سياق ذكره لشروط من يأخذ الزكاة، فقال:"ومنها أن يكون مسلماً، فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر بلا خلاف"(31). وقال في تحفة الفقهاء: "والشرط الآخر، هو الإسلام: وهو شرط في حق وجوب الزكاة والعشر، بالإجماع حتى لا يجوز صرفهما إلى الكفار"(32). على أن زفر قد قال: يجوز دفع الزكاة إلى الذمي.(33)
وقد سبق أن الحنفية يقولون: إن تارك الصلاة تكاسلاً ليس بكافر، وعلى هذا فلا إشكال عند الحنفية في إعطاء الزكاة لتارك الصلاة؛ لأنه عندهم ليس كافراً، ولكنه فاسق.
- مذهب المالكية:
والمالكية كالحنفية يشترطون -على الجملة- فيمن يأخذ الزكاة أن يكون مسلماً. قال الخرشي:"يشترط في كل من الفقير والمسكين، أن يكون مسلماً حراً، فلا يعطى كافر، إلا أن يكون جاسوساً، أو مؤلفاً"(34). واشتراط الإسلام عند المالكية ليس مقتصراً على الفقير والمسكين ولكنه يشمل أصناف الزكاة الثمانية، وقد نقل عن الخرشي عن صاحب الجواهر قوله بعد ذكر مصارف الزكاة الثمانية:"فهؤلاء هم المستحقون بشرط أن لا يكون الموصوف بهذه الصفات كافراً، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ذكر في قسم المؤلفة قلوبهم"(35)، وقال الصاوي:"واعلم أن الحرية والإسلام وعدم كونه هاشمياً، شرط في صحة أخذ الزكاة"(36).
وقد تقدم أن المالكية قالوا بعدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً، ولكنه مسلم فاسق، وعليه فلا إشكال أيضاً عند المالكية في القول، بجواز أن يعطى تارك الصلاة من الزكاة.
- مذهب الشافعية:
والشافعية كالحنفية والمالكية يشترطون أيضاً -على- الإسلام فيمن يأخذ الزكاة. جاء في فتح المعين:"ولو أعطاها، أي الزكاة -ولو الفطرة- لكافر، أو من به رق، ولو مبعضاً غير مكاتب، أو هاشمي، أو مطلبي، أو مولى لهما، لم يقع عن الزكاة؛ لأن شرط الآخذ: الإسلام، وتمام الحرية..."(37).
وقد نص الشافعية على هذا في كتبهم كما في شرح البهجة الوردية (38)، وحاشيتا قليوبي وعميرة(39). وهذا الشرط عند الشافعية واقع على مصارف الزكاة الثمانية. قال الشربيني:"وشرط آخذ الزكاة، أي من يدفع إليه منها، من هذه الأصناف الثمانية: الإسلام، فلا تدفع لكافر، بالإجماع، فيما عدا زكاة الفطر"(40).
وقد تقدم أن الشافعي يرى أن تارك الصلاة تكاسلاً لا يكفر، بل يفسق، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وعليه فيمكن أن يعطى تارك الصلاة من الزكاة عند الشافعية.
- مذهب الحنابلة:
والحنابلة كغيرهم يرون عدم جواز إعطاء الزكاة للكافر. وقد ذكر أبو النجا الحجاوي المقدسي خمسة ممن لا يجوز دفع الزكاة إليهم، وهم: الغني، والعبد، وبنو هاشم وبنو عبد المطلب، ومن تلزم المزكي نفقته، والكافر(41). وهذا ما نص عليه البهوتي، حيث ذكر أن الكافر لا يعطى من الزكاة، قال:"ولا يجوز دفعها، أي الزكاة، إلى كافر. قال في المبدع: إجماعاً"(42).
وقد تقدم أن الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه يرى أن تارك الصلاة كافر، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وعليه فلا يمكن إعطاؤه من الزكاة.
الأدلة على عدم جواز إعطاء الكافر من الزكاة:
استدل العلماء على حرمة أن يعطى الكافر من الزكاة بأدلة، منها:
1. حديث(43) ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب»(44). قال الكاساني:"أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون فلا يجوز وضعها في غيرهم"(45).
2. عن أبي جحيفة قال: «قدم علينا مصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، وكنت غلاماً يتيماً، فأعطاني منها قلوصاً»(46).
3. واستدلوا أيضاً بأنها مواساة تجب على المسلم، فلم تجب للكافر، كالنفقة.(47)
ومن خلال ما سبق يتبين لنا حكم إعطاء تارك الصلاة من الزكاة، وذلك كالآتي:
1. أجمع العلماء أن الكافر لا يعطى من الزكاة، وأنه يشترط في مصرف الزكاة أن يكون مسلماً.
2. ويترتب على هذا، أن إعطاء من ترك الصلاة جحوداً لوجوبها، غير جائز، تخريجاً؛ لأنه كافر بالإجماع كما تقدم، وأما من ترك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً فيتلخص حكم إعطائه من الزكاة -تخريجاً أيضاً- في قولين، هما كالآتي:
أ- يجوز له أن يعطى من الزكاة، ويجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على مذهب الحنفية والمالكية والشافعية في وجه، القائلين بعدم كفر تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً. وهذا ما نص عليه في مواهب الجليل:"وإن كان غيرهم - أي من تركوا الصلاة تهاوناً- أولى، فلا بأس أن يعطوا، إذا كان فيهم الحاجة البينة، انتهى...، وهذا على القول بأنهم مسلمون"(48). كما أن هذا القول يتخرَّج على قول عكرمة، كما نقله عنه القرطبي، حيث قال:"الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب"(49). فقد جوَّز عكرمة لأهل الكتاب الأخذ من الزكاة، إن كانوا مساكين. ويتخرج على هذا: القول بجواز أن يأخذ تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً، من الزكاة، من باب الأولى. كما يتخرج هذا القول أيضاً على قول من قال بجواز أن يكون الكيال والحمَّال والحافظ ونحوهم، كفاراً مستأجرين، ويُعطون من سهم العاملين عليها؛ لأن ذلك أجرة لا زكاة(50)، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد(51). كما يتخرج هذا أيضاً على اعتبار جواز أن يكون الكافر مؤلفاً قلبه، فيجوز دفع الزكاة إليه(52). وعليه يقال أيضاً: إنه يجوز أن يأخذ تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً، من الزكاة، من باب الأولى، تخريجاً.
ب- لا يجوز له أن يعطى منها، كما لا يجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على مذهب الحنابلة في قول، وهو وجه عند الشافعية، القائلين بكفر تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً. وهذا ما نص عليه ابن حبيب المالكي، كما نقله عنه في مواهب الجليل من كتبهم، حيث قال:"وقد قال ابن حبيب: لا يعطى تارك الصلاة من الزكاة، وقال: إن ذلك لا يجزئ من فعله، وهذا على أصله أنه كافر"(53). وهو ما رجحه القرطبي، حيث قال:"ومطلق لفظ الفقراء، لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين، دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين، فـتُرد في فقرائهم"(54).
الخلاصة:
يمكن تلخيص هذا البحث في النقاط الآتية:
1. الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل.
2. مصارف الزكاة ثمانية وهي: الفقراء، والمساكين، والعاملين، والمؤلفة قلوبهم، والعبيد، والغارمين، والمؤلفة قلوبهم، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
3. اتفق العلماء على كفر من ترك الصلاة منكراً لوجوبها، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو كان لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة.
4. اختلف العلماء فيما إذا كان تركه لها، تكاسلاً مع اعتقاده لوجوبها على قولين:
أ- فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة، إلى أنه لا يكفر بل يفسق.
ب- وذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، إلى أنه يكفر.
5. إعطاء تارك الصلاة المتهاون بها أو المتكاسل عن أدائها، مبنيٌ على مسألة المتقدمة، وهي: هل تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً، مسلم أم كافر؟
6. أجمع العلماء أن الكافر لا يعطى من الزكاة، وأنه يشترط في مصرف الزكاة أن يكون مسلماً.
7. ويترتب على هذا أن إعطاء تارك الصلاة جحوداً غير جائز، تخريجاً؛ لأنه كافر بالإجماع، والكافر لا يعطى من الزكاة بالإجماع، وأما إعطاء تارك الصلاة تهاوناً، أو تكاسلاً فيتلخص -تخريجاً- في قولين، هما كالآتي:
أ- يجوز له أن يعطى من الزكاة، ويجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على قول من قال بعدم كفر تارك الصلاة تكاسلاً.
ب- لا يجوز له أن يعطى منها، كما لا يجوز له أيضاً أن يأخذ منها. وهذا مخرج على قول من قال بكفر تارك الصلاة تكاسلاً.
والله تعالى أعلى وأعلم. وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
الخميس - 27 ربيع الآخر 1428هـ، 16/ 5/ 2007م.
مراجعة: يونس بن عبد الرب الطلول، وعبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.
______________________
(1) الصحاح في اللغة 1/ 63.
(2) تاج العروس 1/ 6663.
(3) الصحاح في اللغة 1/ 395.
(4) فتح الوهاب 1/ 54، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 2/ 78.
(5) الإقناع 1/ 97.
(6) حاشية رد المحتار 4/ 142.
(7) القاموس المحيط 1/ 1667، وبنحوه في لسان العرب 14/ 358.
(8) لسان العرب 14/ 358.
(9) مختار الصحاح 1/ 280، وبنحوه في لسان العرب 14/ 358.
(10) فقه العبادات - حنفي 1/ 145.
(11) انظر: فقه العبادات - مالكي 1/ 269.
(12) مغني المحتاج 1/ 368.
(13) فقه العبادات - شافعي 1/ 580.
(14) الإنصاف 3/ 3، وبنحوه في الشرح الكبير 2/ 433.
(15) الروض المربع 1/ 195، الإقناع 1/ 242.
(16) مغني المحتاج 1/ 368.
(17) لسان العرب 14/ 358.
(18) انظر: المبسوط 2/ 149، بدائع الصنائع 2/ 75.
(19) صحيح البخاري 1/ 12، برقم: 8، صحيح مسلم 1/ 45، برقم: 16.
(20) صحيح البخاري 2/ 529، برقم: 1389، صحيح مسلم 1/ 50، برقم: 19.
(21) مسند أحمد بن حنبل 3/ 136، برقم: 12417 قال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، المستدرك 2/ 392، قال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.
(22) بدائع الصنائع 2/ 75.
(23) بدائع الصنائع 2/ 75. قال الصاحب بن عباد: الضَّنُّ والضِّنَّةُ والمَضِنَّةُ: كُلُّ ذلك من الإِمْسَاك والبُخْلِ. انظر: المحيط في اللغة 2/ 189.
(24) اللباب في شرح الكتاب 1/ 60.
(25) تفسير الطبري 14/ 305.
(26) المصدر السابق.
(27) نيل الأوطار 2/ 257.
(28) نيل الأوطار 2/ 257. وانظر: المغني 4/ 347. والمقصود بالعـترة آل البيت.
(29) انظر: المغني 4/ 347، وما بعدها.
(30) انظر نيل الأوطار 2/ 257، وما بعدها.
(31) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/ 39.
(32) تحفة الفقهاء 1/ 303.
(33) تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 3/ 473.
(34) شرح مختصر خليل للخرشي 6/ 331.
(35) المصدر السابق 6/ 332.
(36) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 3/ 204.
(37) فتح المعين 2/ 224.
(38) شرح البهجة الوردية 14/ 101.
(39) حاشيتا قليوبي- وعميرة 11/ 31.
(40) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 11/ 455.
(41) انظر: الإقناع 1/ 214.
(42) كشاف القناع عن متن الإقناع 5/ 405. وانظر: الشرح الكبير لابن قدامة 2/ 709.
(43) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/ 39، شرح البهجة الوردية 14/ 101، كشاف القناع عن متن الإقناع 5/ 405.
(44) صحيح البخاري 5/ 356، برقم: 1401، صحيح مسلم 1/ 111، برقم: 27.
(45) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/ 39.
(46) سنن الترمذي 3/ 53، برقم: 587، السنن الكبرى للبيهقي 7/ 9، والحديث حسنه الترمذي. وقال الألباني: ضعيف الإسناد. انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي 2/ 149، برقم: 649.
(47) كشاف القناع عن متن الإقناع 5/ 405.
(48) مواهب الجليل 6/ 264.
(49) تفسير القرطبي 8/ 174.
(50) انظر: شرح البهجة الوردية 14/ 101، الإقناع 1/ 215.
(51) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 2/ 710.
(52) المصدر السابق.
(53) مواهب الجليل 6/ 264.
(54) تفسير القرطبي 8/ 174.