مركز البحوث
   
الفقه
   
عبادات
   
الوضوء لكل صلاة
الوضوء لكل صلاة
محمد نعمان البعداني
الجمعة 11 يناير 2013

الوضوء لكل صلاة

السؤال/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد سؤالي هو: هل يجوز أن أصلي الظهر وأنا على وضوء من الساعة الثامنة صباحاً مع العلم أني أعمل في عمل إلى الساعة الواحدة ظهراً، وأنني أصلي في الساعة الواحدة والنصف أو الثانية ظهراً، فأرجوا منكم جواباً وجزاكم الله خيراً؟

ج/ الحمد لله رب العالمين الهادي إلى سواء السبيل وأصلي وأسلم على رسوله الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم وبعد الأخ السائل الكريم بارك الله فيك وزادك من خيري الدنيا والآخرة، فإنه من المعلوم أن الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة لا تصح الصلاة إلا به ويدل على وجوبه واشتراطه الكتاب والسنة والإجماع:

فأما الدليل من القرآن الكريم فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

وأما من السنة النبوية فحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ»(1)، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول»(2).

وأما الإجماع فقد اتفق المسلمون على أن امتثال الخطاب الذي في الآية السابقة واجب على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها، ولم يُنقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف ولو كان هناك خلاف لنقل إذ العادات تقتضي ذلك.(3)

ثانياً: من حضره وقت الصلاة وهو على وضوء هل يجب عليه إعادة الوضوء؟

الجواب/ نقل الفقهاء في هذه المسألة أربعة أقوالٍ:

القول الأول: الذي عليه جمهور الأمة وعامة السلف والخلف أن الأمر بالوضوء إنما هو لمن لم يكن على وضوء وأما من حضره وقت الصلاة وهو على وضوء فلا يجب عليه أن يتوضأ مرة أخرى.(4)

القول الثاني: يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهراً، وهذا مروي عن عكرمة وابن سيرين(5)، وحُكي هذا المذهب عن عمرو بن عبيد.(6)

القول الثالث: أنه لا يصلي بوضوءٍ واحدٍ أكثر من خمس صلوات، وروي عن إبراهيم النخعي.(7)

القول الرابع: حُكي عن قوم أنه يجوز جمع صلوات بوضوء للمسافر دون الحاضر.(8)

الأدلة:

أما الجمهور فقد استدلوا على جواز أكثر من صلاة بوضوء ما لم يحدث بالآتي:

أولاً: بالقرآن: فالقرآن يدل على أنه لا يجب على المتوضئ أن يتوضأ مرة ثانية من وجوه:

أحدها: أنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة: 6]. فقد أمر من جاءه من الغائط ولم يجد الماء أن يتيمم الصعيد الطيب فدل على أن المجيء من الغائط يوجب التيمم فلو كان الوضوء واجباً على من جاء من الغائط ومن لم يجئ فسيكون التيمم أولى بالوجوب؛ فإن كثيراً من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة، وعلى هذا فلا تأثير للمجيء من الغائط فإنه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو التيمم وإن لم يجئ من الغائط كذلك، ولو جاء من الغائط ولم يقم إلى الصلاة لا يجب عليه وضوء ولا تيمم، فيكون ذكر المجيء من الغائط عبثا على قول من أوجب الوضوء لكل قائم إلى الصلاة.

الوجه الثاني: أنه سبحانه خاطب المؤمنين؛ لأن الناس كلهم يكونون محدثين فإن البول والغائط أمر معتاد لهم وكل بني آدم محدث والأصل فيهم الحدث الأصغر فإن أحدهم من حين كان طفلاً قد اعتاد ذلك فلا يزال محدثاً بخلاف الجنابة فإنها إنما تعرض لهم عند البلوغ والأصل فيهم عدم الجنابة كما أن الأصل فيهم عدم الطهارة الصغرى فلهذا قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ فأمرهم بالطهارة الصغرى مطلقاً؛ لأن الأصل أنهم كلهم محدثون قبل أن يتوضئوا ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ وليس منهم جنب إلا من أجنب فلهذا فرق سبحانه بين هذا وهذا.

الوجه الثالث: الآية اقتضت وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة فدل على أن القيام هو السبب الموجب للوضوء وأنه إذا قام إلى الصلاة صار واجباً حينئذ وجوباً مضيقاً، فإذا كان العبد قد توضأ قبل ذلك فقد أدى هذا الواجب قبل تضيقه كما قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9], فدل على أن النداء يوجب السعي إلى الجمعة وحينئذ يتضيق وقته فلا يجوز أن يشتغل عنه ببيع ولا غيره، فإذا سعى إليها قبل النداء فقد سابق إلى الخيرات وسعى قبل تضيق الوقت، فهل يقول عاقل إن عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى عند النداء؟! وكذلك الوضوء إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال أو للمغرب قبل غروب الشمس أو للفجر قبل طلوعه وهو إنما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت فمن قال إن عليه أن يعيد الوضوء فهو بمنزلة من يقول إن عليه أن يعيد السعي إذا أتى الجمعة قبل النداء.(9)

أما ظاهر الأمر في الآية فقد قال الأكثرون الآية فيها تقدير هو: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فصار الحدث مضمراً في وجوب الوضوء وإنما لم يذكر محدثين؛ لأنه الغالب وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بفعله في مواطن كثيرة وبتقريره أصحابه، وقال آخرون: بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب وفي حق غيره على الندب للأحاديث التي تفرق بينهما، وقال بعضهم: كان على الإيجاب ثم نسخ فصار مندوبا.(10)

ثانياً: بالسنة القولية والفعلية والتقريرية:

أما السنة القولية: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»(11)، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء أو مع كل وضوء سواك ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل»(12)، وعن أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبى عامر بن الغسيل حدثها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أَمَرَ بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهرٍ فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالسواك عند كل صلاة وَوُضِعَ عنه الوضوء إلا من حدث، قال: فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك كان يفعله حتى مات»(13).

وأما السنة الفعلية: -فعل النبي صلى الله عليه وسلم- فعن بريدة رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر رضي الله عنه لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر»(14)، وعن سويد بن النعمان رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق فأكلنا وشربنا ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المغرب فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ»(15)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه فقربت له شاة مَصْلِيَّةٌ(16)، قال: فأكل وأكلنا ثم حانت الظهر فتوضأ ثم صلى ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل ثم حانت العصر فصلى ولم يتوضأ»(17)، وقد ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عباس وعائشة وغيرهم أنه كان يتوضأ لصلاة الليل فيصلي به الفجر(18)، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه صلى الظهر ثم قدم عليه وفد عبد القيس فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر ولم يحدث وضوءا.(19)

وسائر أحاديث الجمع بين الصلوات الثابتة في الصحيحين وغيرهما كلها تقتضي أنه هو والمسلمون خلفه صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى لم يحدثوا لها وضوءا، ومن ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا»(20)، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا»(21)، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعا جمع بهم بين الصلاتين ففي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: «ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف»(22)، وكذلك أيضا لما قدم مزدلفة صلى بهم المغرب والعشاء جمعا من غير تجديد وضوء للعشاء فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما»(23)، وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة وأقام لكل صلاة إقامة، وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله ولم يحدث وضوءا لا هو ولا أحد ولا أمر الناس بإحداث وضوء ولا نقل ذلك أحد لا بين الظهر والعصر ولا بين المغرب والعشاء(24)، وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة وتارة النافلة ثم الفريضة وتارة فريضة ثم فريضة كل ذلك بوضوء واحد.(25)

ثالثاً: تقرير النبي صلى الله عليه وسلم: فعن أنس بن مالك رضي الله عن0ه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد»(26)، وعنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث»(27) فأقرهم ولم ينكر عليهم، وصلى المسلمون خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة، وكان المسلمون على عهده يتوضؤون ثم يصلون ما لم يحدثوا كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة ولم ينقل عنه لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمرهم بالوضوء لكل صلاة، وكانوا يتوضؤون للفجر وغيرها قبل الوقت، وكذلك المغرب فإن النبي كان يعجلها ويصليها إذا توارت الشمس بالحجاب(28)، وكثير من أصحابه كانت بيوتهم بعيدة من المسجد فهؤلاء لو لم يتوضؤوا قبل المغرب لما أدركوا معه أول الصلاة بل قد تفوتهم جميعا لبعد المواضع.(29)

الأدلة من الآثار:

1- قال أبو هريرة رضي الله عنه: "لا وضوء إلا من حدث"(30).

2- قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إن كان لكافٍ وضوئي لصلاة الصبح صلواتي كلها ما لم أحدث»(31).

3- قال ابن أبي حفصة عن الزهري: "لا وضوء إلا فيما وجدت الريح أو سمعت الصوت"(32).

3- قال مالك: "لا بأس أن يقيم الرجل على وضوء واحد يصلي به يومين أو أكثر من ذلك"(33).

4- قال أحمد بن القاسم: "سألت أحمد عمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا لم ينتقض وضوءه ما ظننت أن أحداً أنكر هذا"(34).

أدلة القائلين بوجوب الوضوء لكل صلاة الآتي:

1- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: 6]. فالكلام على إطلاقه من غير إضمار فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة محدثا كان أو غير محدث.(35)

2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر...»(36).

أما الفريق الثالث القائل لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات، والفريق الرابع القائل يجوز جمع صلوات بوضوء للمسافر دون الحاضر فقد نقلها النووي وغيره ولم ينقلوا عنهم أدلة، فلعل الفريق الثالث والله أعلم استدل بحديث صلاة النبي الصلوات في الفتح بوضوء واحد وسيأتي الحديث، فربما حملوها على الخمس الصلوات أو غير ذلك، أما الفريق الرابع فلعل سبب تفريقهم بين المسافر وغيره أن السفر مظنة المشقة فكان محلاً للرخص.

الترجيح:

الراجح من الأقوال هو الذي عليه جمهور السلف والخلف من أن الأمر بالوضوء إنما هو لمن لم يكن على وضوء وأما من حضره وقت الصلاة وهو على وضوء فلا يجب عليه أن يتوضأ مرة أخرى بل قد حكي الإجماع على ذلك، قال ابن عبد البر: "قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد وأجمعت الأمة على أن ذلك جائز وفي ذلك كفاية عن كل قول... فقد تبين بهذه الأحاديث أن الوضوء للصلاة ليس بواجب على القائم إليها إذا كان على وضوء وأن دخول الوقت وحضور الصلاة لا يوجبان على من لم يحدث وضوءا وعلماء المسلمين متفقون على ذلك"(37)، وقال ابن قدامة: "يجوز أن يصلي بالوضوء ما لم يحدث ولا نعلم في هذا خلافا"(38)، وهذا الإجماع المحكي يقصد به أن الخلاف في المسألة شاذ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية(39)، أو غير قوي، ويبين ذلك قول الإمام النووي: "جواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث وهذا جائز بإجماع من يعتد به، وحكى أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن ابن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة من العلماء أنهم قالوا يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهرا... وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة"(40) وقال ابن تيمية: "وأما القول بوجوبه فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول ولإجماع الصحابة والنقل عن علي رضي الله عنه بخلاف ذلك لا يثبت بل الثابت عنه خلافه وعلي رضي الله عنه أجل من أن يخفى عليه مثل هذا والكذب على علي كثير مشهور أكثر منه على غيره، وأحمد بن حنبل رحمه الله مع سعة علمه بآثار الصحابة والتابعين أنكر أن يكون في هذا نزاع"(41)، وأما الاستدلال على وجوب الوضوء بحديث أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر» فالحديث بهذه الزيادة أي قوله: «طاهراً أو غير طاهر» مضعف، والصحيح بدونها هذا أولاً.

ثانياً: قال الإمام النووي: "كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملاً بالأفضل، وصلى الصلوات في هذا اليوم -يوم الفتح- بوضوء واحد بياناً للجواز"(42)، وقال الطحاوي: "يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة الآتي ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز"(43)، قال الحافظ ابن حجر: "قلت وهذا أقرب"(44) أي: أنه كان يفعله استحبابا ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز.

وبالتالي يجوز للسائل الكريم أن يصلي الظهر على وضوء من الساعة الثامنة صباحاً، وعليه أن يحرص كل الحرص على الجماعة في المسجد والصلاة مع الناس.

والحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا الكريم وأزواجه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

إعداد/ محمد نعمان محمد علي البعداني.

ربيع ثاني/ 1430هـ.

______________________

(1) أخرجه البخاري،1/ 63، برقم: 135، ومسلم، 1/ 204 برقم: 225، وهذا لفظ البخاري.

(2) أخرجه مسلم، 1/ 203، برقم: 224.

(3) انظر: بداية المجتهد لابن رشد، 1/ 5.

(4) أنظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 21/ 371، والمجموع للنووي، 1/ 532.

(5) مجموع الفتاوى، 21/ 370.

(6) شرح النووي على صحيح مسلم، 3/ 177، والمجموع، 1/ 532، وشرح سنن ابن ماجه، 1/ 39، ونيل الأوطار،1/ 257.

(7) المجموع، 1/ 532، والمبدع، 1/ 133.

(8) انظر: المرجعين السابقين.

(9) مجموع الفتاوى، 21/ 374 -376.

(10) مجموع الفتاوى، 21/ 370، والمجموع، 1/ 534، وفتح الباري، 1/ 232.

(11) رواه الترمذي،1/ 109، برقم: 74، وابن ماجه1،/ 172، برقم: 515، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة1/ 84، برقم: 416،417.

(12) أخرجه أحمد، 2/ 258، برقم: 7504، والنسائي في السنن الكبرى،2/ 197، برقم: 3039، قال الهيثمي: (رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو ثقة حسن الحديث) انظر: مجمع الزوائد، 1/ 514، برقم: 1118، وقال الألباني: (رواه أحمد بإسناد حسن) انظر: صحيح الترغيب والترهيب،1/ 48، برقم: 200.

(13) رواه أحمد بن حنبل،5/ 225، برقم: 22010، وأبو داود،1/ 59، برقم: 47، 48، وابن خزيمة،1/ 11، برقم: 15، و1/ 71، برقم: 138، قال الحافظ: (وإسناده حسن) انظر: تلخيص الحبير: 3/ 120، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،1/ 12،برقم: 38.

(14) أخرجه مسلم،1/ 232، رقم: 277.

(15) أخرجه البخاري،1/ 87، برقم: 212.

(16) أي: مشوية، فتح الباري، 9/ 550.

(17) رواه البيهقي في السنن الكبرى،1/ 156، برقم: 702.

(18) أخرجه البخاري،1/ 64، برقم: 138، و1/ 293، برقم: 821، 5/ 2327، برقم: 5957، ومسلم،1/ 525 برقم: 763.

(19) أخرجه البخاري،4/ 1589، برقم: 4112.

(20) أخرجه البخاري،1/ 394، برقم: 1120، ومسلم،1/ 490، برقم: 705، وفيه قلت يا أبا الشعثاء: أظنه أخر الظهر وعجل العصر وعجل العشاء وأخر المغرب؟ قال: وأنا أظنه.

(21) أخرجه مسلم،4/ 1784، برقم: 706.

(22) أخرجه مسلم،2/ 886، برقم: 1218.

(23) أخرجه البخاري،2/ 602، برقم: 1589.

(24) مجموع الفتاوى، 21/ 372 بتصرف.

(25) نفس المرجع، 21/ 372.

(26) أخرجه أبو داود،1/ 92،برقم: 171، وابن ماجه،1/ 170،برقم: 509، وصححه الألباني في صحيح أبي داود1/ 35، برقم: 156.

(27) أخرجه البخاري،1/ 87، برقم: 211.

(28) أخرجه البخاري،1/ 205، برقم: 536، ومسلم: 1/ 441، برقم: 636.

(29) مجموع الفتاوى، 21/ 372 و 376.

(30) أخرجه البخاري معلقا: 1/ 76، قال الإمام الألباني: (رواه البخاري معلقا ووصله إسماعيل القاضي بإسناد صحيح كما قال الحافظ وقد جاء مرفوعا بلفظ: (إلا من صوت أو ريح) انظر: تمام المنة،1-51.

(31) شرح معاني الآثار،1/ 42،برقم: 219، والمدونة الكبرى،1/ 35.

(32) أخرجه البخاري،2/ 725، برقم: 1951.

(33) المدونة الكبرى، 1/ 35.

(34) مجموع الفتاوى، 21/ 373.

(35) نفس المرجع، 21/ 370.

(36) رواه الترمذي،1/ 86،برقم: 58، قال الإمام الترمذي: وحديث حميد عن أنس حديث حسن غريب من هذا الوجه والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر (الأنصاري) عن أنس وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحباباً لا على الوجوب، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي،1/ 7، برقم: 10.

(37) التمهيد لابن عبد البر، 18/ 238و241.

(38) المغني، 1/ 95.

(39) مجموع الفتاوى، 21/ 371.

(40) شرح النووي على صحيح مسلم، 3/ 177.

(41) مجموع الفتاوى، 21/ 373.

(42) شرح النووي على صحيح مسلم، 3/ 178.

(43) عون المعبود، 1/ 201.

(44) فتح الباري، 1/ 316.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: