الإنسان وطلب العلم: أسباب ومُسَبَّبَات
كنت وبعض الزملاء في مجلسٍ علميٍّ نتذاكر فيه مسائل في التفسير والفقه واللغة, فطرح أحد الإخوة الفضلاء - وهو ممن يقرأ في كتب الفلسفة كثيرا – علينا ثلاثة أسئلة فلسفية عن الإنسان والعلم, أحدها: ما سبب رغبة الإنسان في طلب العلم؟ والثاني: لِمَ اقترن الْعُجْبُ بالعالِم, والْعِلْمُ يوجب خلاف ذلك؟ والثالث: لِمَ تُطْلَبُ الدنيا بالعلم, والعلم ينهى عن ذلك؟. وكوني كنت الْمُوَجَّهَ إليه هذه الأسئلة لم أجد لها في اللحظة عندي جوابا, فوعدته بالإجابة عنها لاحقا, وبعد البحث عنها كانت الإجابة على النحو التالي:
أما السؤال الأول وهو: ما سبب رغبة الإنسان في طلب العلم؟
فالجواب عنه: أن العلم هو كمال الإنسان من حيث هو إنسان؛ لأنه إنما صار إنساناً بصورته التي ميزته عن النبات والجماد والبهائم, وهذه الصورة التي ميزته ليست في شكله ولونه, والدليل على ذلك أنك تقول: فلان أكثر إنسانية من فلان، فلا تعني به أنه أتم صورة في البدن، ولا أكمل في الْخَلْق التخطيطي، ولا في اللون، ولا في شيء آخر غير عَقْلِهِ الذي يُمَيِّزُ به بين الخير والشر في الأمور، وبين الحسن والقبيح في الأفعال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات؛ ولذلك قيل في حد الإنسان: إنه حَيٌّ ناطق أي: عاقل مفكر, فَمُيِّزَ بالعقل والتفكير وهو السمة التي تميزه عن غيره من المخلوقات، دون شكله ولونه، وسائر أغراضه ولواحقه. وإذا كان التفكير في الإنسان هو ما صار به إنساناً، فكلما كثرت إنسانيته وازدادت معارفه كان أفضل في نوعه, كما أن كل موجود في العالَم إذا كان فعله الصادر عنه بحسب صورته التي تخصه أجود من فعل مَنْ هم على صورته كان هو أفضل وأشرف. مثال ذلك الْفَرَس والبازي من الحيوان، فالفرس صورته كصورة الحمار لكن فعله أجود فهو أفضل وأشرف من الحمار وإن كان على صورته, والبازي من نوع الطيور لكن فعله أجود, فهو أفضل ممن هم على صورته من الطيور, وكذلك القلم والفأس من الآلات, فإن كل واحد منهما إذا صدر عنه فعله الخاص بصورته كاملاً كان أشرف في نوعه ممن قصر عنه، وكذلك الحال في النبات والجماد، فإن لكل واحد من أشخاص الموجودات صورة خاصة يصدر عنها فعله، وبحسبه يَشْرُفُ أو يَخِسُّ إذا كان تاماً أو ناقصاً. فأي فائدة أعظم مما يُكَمِّلُ وجود الإنسان، ويتمم نوعه، ويعطيه ذاته حتى يُمَيِّزَه عن الجماد والنبات والحيوانات التي ليست بمفكرة، ويقربه من الملائكة والإله - جل وعلى- غير العلم ؟! وأي غائلة أدهى وأمر، وأَكْلَمُ وأَطَمُّ مما يُنَكِّسُه في الخلق، ويرده إلى أرذل وجوده، ويحطه عن شرف مقامه إلى خساسة مقامات ما هو دونه غير الجهل ؟! وهذا هو السبب الفلسفي لطلب الإنسان للعلم. بعد هذا فلعلك ترى أن السبب في طلب العلم هو: أنه يفيدك جاهاً أو سلطاناً أو مالاً تتمكن به من شهواتك ولذاتك. فلعمري إنَّ العلم قد يفعل ذلك، ولكن بصفته, لا بذاته؛ لأن غاية العلم والذي يسوق إليه ويُكَمِّل به الإنسانَ ليس هو غايات الحواس ولا كمال البدن - وإن كان قد يتم به ذلك في كثير من الأحوال - ولكن متى استعملته في هذا النوع فإنه يكمل صورتك البهيمية والنباتية فقط؛ وعليه فكأنه استعمل في أرذل الأشياء، وهو مُعَدٌّ لأن يستعمل في أشرفها !!.
وأما السؤال الثاني وهو: لِمَ اقترن العجب بالعالِم, والعلم يوجب خلاف ذلك؟
فالجواب عنه: أن العالِم المستحق لسمة العلم لا يلحقه الْعُجْبُ بالنفس، ولا يُبْلَى بهذه الآفة, وكيف يُبْلَى بها وهو يعرف سببها، وأنها مرض سببه مُكَاذَبَةُ النفس؟ وذلك أن حقيقة العجب هي: "ظن الإنسان بنفسه من الفضل ما ليس فيه, وهو كاذب, ثم يستشعر هذا الظن الكاذب حتى يُصَدِّقَ به" فتكون صورته كصورة من يرى رجلاً في الحرب شجاعاً يحمل على الأبطال، ويظهر فضيلة شجاعته, فَيُكْفِي العدوَّ، ويُفْنِي القِرْنَ؛ فيدَّعِي هذا الرائي لنفسه تلك الشجاعة وهو عنها بمعزل, فهو يكذب نفسه في الدعوى، ثم يصير مصدقاً بها، وهذا من أعجب آفات النفس وأكاذيبها؛ لأن الكذب فيه مُرَكَّب، فقد يَكْذِبُ الإنسانُ غيرَهُ؛ لِيُصَدِّقَهُ ذلك الغير, فيموِّه عليه، فأما أن يموه على نفسه بالكذب، ثم يصدِّق فيه نفسَه فهو موضع الْعُجْبِ والْعَجَب!! لكونه كذبا مركَّبا؛ ولأجل هذا التركيب الذي عَرَضَ في الكذب صار أشنع وأقبح من الكذب البسيط المعروف. وإذا كان العالم الفاضل لا تقترن به آفة الكذب البسيط؛ لمعرفته بقبحه فهو من الآفة المركبة أبعد؛ ولذلك فإن العالِم لا يُعْجَبُ بنفسه؛ وعليه فقد صار هذا السؤال مردود غير مقبول. وأما ما يَعْرِضُ من الْعُجْبِ لمن يظن أنه عالم وهو ليس كذلك فجوابه: أن سبب ذلك محبةُ الإنسانِ نفسَهُ، وشعوره بموضع الفضيلة، فهو لأجل محبته لنفسه يدَّعى لها ما ليس لها؛ لأن صورة الإنسان التي بها يَحْسُنُ ومن أجلها يَسْعَدُ هي العلوم والمعارف، وإذا عَرِيَ منها أو مِنْ جُلِّها حصلت له من المقابح ووجوه الشقاء بحسب ما يفوته من ذلك؛ ومن شأن محبة الشخص لنفسه تَغْطِيَةُ مساوئِها، وإظْهَار محاسنها إن كانت موجودة، وأن يدَّعيَها إن كانت معدومة، فإذا كان هذا من فعل المحبة معلوماً، وكانت النفس محبوبة لا محالة، عرض لصاحبها عارض المحبة، فادَّعَى لها العلم والمعارفَ التي هي فضائلها ومحاسنها وإن لم يكن عندها شيء من ذلك؛ ولما كان وصفه لنفسه بالعلم والمعرفة ادعاءً ليس حقيقة, كان لابد من تغطية هذا النقص بالعجب بالنفس؛ فتأملْ !!.
وأما السؤال الثالث وهو : لم تُطْلَبُ الدنيا بالعلم, والعلم ينهى عن ذلك؟
فالجواب عنه: أن في المسألة تفصيلا, وهو: أن الإنسان مكون من جزأين أساسين:
أحدهما: الجزء العقلي, وهو ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات, وبه يفكر, ويتعلم, ويفرق بين الخطأ والصواب, والحسن والقبيح, ونحو ذلك. والثاني: الجزء الطبيعي, وهو كون الإنسان سَيَّالًا دائمَ التحلُّلِ، ولا بد من تعويض ما يتحلل منه, وإقامته بمادته .
ولما كان الناس تختلف نظرتهم بحسب هذين الجزأين- فناظر إلى الجزء الطبيعي، وناظر إلى الجزء العقلي، وناظر إليهما معاً - اختلفت مقاصدهم، وصارت أفعالهم بحسب نظرتهم:
**فمنهم الناظرون بحسب الجزء الطبيعي فقط؛ فانحطوا في جانب الطبيعة والشهوات، وانصرفوا بجميع قوتهم إليها، وجعلوا غايتهم القصوى عندها؛ ولذلك جعلوا العقل وما يكتسبه من العلوم والمعارف آلةً في تحصيل أسباب الطبيعة "شهوات الدنيا" وحاجاتها، فاستعبدوا أشرف جزأيهم وهو العقلي وما يُحَصِّلُه من العلوم لِأَخَسِّهِمَا وهو الطبيعي, فكانوا كمن يستخدم الْمَلِك َعَبْدًا له, وهذا بالطبع خطأ, وصاحبه مذموم .
**ومنهم الناظرون بحسب الجزء العقلي فقط؛ فأغفلوا النظر في أحد جزأيهم الذي هو طبيعي لهم، ونظروا نظراً إلهياً فطمعوا - وهم ناس مركبون من الطبيعي والعقلي - أن ينفردوا بفضيلة العقل غير مشوب بنقص الطبيعة، فاضطروا لأجل ذلك إلى إهمال الجسد وهو مَقْرُوْنٌ بهم، والضرورة تدعو إلى مُقِيْمَاتِهِ من المصالح، أو إلى إزاحة علته في حاجاته وهي كثيرة، فظلموا أنفسهم، وظلموا أبناء جنسهم. أما ظلمهم لأنفسهم فتركوا النظر لأحد قسميهم الذي به قوامهم. وأما ظلمهم لأبناء جنسهم فإنهم التمسوا مصالحهم العقلية بتعب الآخرين، أي: أنهم يرون أنفسهم فئةً متميزة عن المجتمع؛ فلا يتبادلون معهم المصالح الطبيعية التي بها قوام النفس, ولا يعاونونهم فيها, فظلموهم بترك المعاونة إياهم. والعدل يأمر بالمعاونة؛ لأنَّ بالمعاونة تتم المدنية، ويصلح معاش الإنسان الذي هو مدني بالطبع. وهؤلاء هم الذين طلبوا العلم بالدنيا, أي: أنهم غلبوا الجانب العقلي على الجانب الطبيعي, وهو منهج خطأ مثل سابقه, ومذموم أيضا.
**والمذهب الصحيح هو النظر في الجزأين معاً، وإعطاء كل واحد منهما قسطه طبيعةً وعقلاً؛ لأن الإنسان -كما ذكرنا- مركب من هاتين القوتين "الطبيعية والعقلية" ولا قوام له إلا بهما, فيجب أن يكون سعيه نحو الطبيعي منهما، والعقلي معاً. أما طلب الدنيا من أجل إقامة الجزء الطبيعي فضروري ولا بد من إقامته, ولم ينه العلم عن هذا المقدار المحتاج إليه الجزء الطبيعي فقط، وإنما نهى عن الزيادة على قدر الحاجة؛ إذ كانت الزيادة مذمومة من جهتين: إحداهما: أنها تؤدي إلى تفاوت الجسم الذي سعينا لحفظ اعتداله. والثانية: أنها تعوقنا عما هو أخص بنا كأناس، وهو الفضيلة. فمن طلب بالعلم من الدنيا قدر الحاجة في حفظ الصحة على الجسد فهو مصيب تابع لما يرسمه العقل، ويأمر به العلم, ومن طلب أكثر من ذلك فهو مفرط مسرف. وغاية الإنسان في هذا الجزء الطبيعي هي حفظ الصحة على بدنه والاعتدال على مزاج طبائعه؛ لتصدر الأفعال عنه تامة غير ناقصة, وذلك بالتماس المآكل والمشارب والنوم واليقظة والحركة والسكون والاعتدال في جميع ذلك، إلى سائر ما يتصل بها من الملبس والمسكن الدافعين أذى الْقَرِّ والْحَرِّ، والأشياء الضرورية للبدن، ولا يلتمس غاية سواها، أعني: أنه لا يلتمس التلذذ والاستكثار من قدر الحاجة لطلب المباهاة، واتباع النهمة والحرص وغيرهما من الأمراض التي توهم أن غاية الإنسان هي تلك. وأما سعيه العقلي فغايته فيه أيضاً حفظ الصحة على النفس؛ لأنها ذات قوى, ولها أمراض تزيد هذه القوى بعضها ببعض، وحفظ الاعتدال هو طِبُّهَا، والاستكثار من معلوماتها هو قُوْتُهَا، وسبب بقائها وسعادتها المنشودين. فليكن الإنسان ساعياً نحو هذين الجزأين "الطبيعي والعقلي" بما يصلح كل واحد منهما، وليحفظ على نفسه الاعتدال فيهما من غير إفراط ولا تفريط؛ فإنه حينئذ كامل فاضل، لا يجد عليه أحد مطعناً إلا سفيه لا يُكْتَرَثُ لَهُ, أو جاهل لا يُعْبَأُ به .