ورفعنا لك ذكرك!!
لما بعث الله تعالى رحمته المهداة ونعمته المسداة محمدا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجا منيرا، آمن به من آمن، وصدقه، وآزره ونصره، وكفر به من كفر، وسخر منه، واستهزأ به، وحاربه، وآذاه في جسده وعرضه ودعوته، فسموه مجرماً ووصفوه بالساحر والكاهن والشاعر والمجنون... إلى غير ذلك من السخرية منه والإساءة إليه صلى الله عليه وسلم.
ولكن الله جل وعلا قد أنزل إليه صلى الله عليه وسلم قرآنا وعده فيه – ووعده الحق – بأنه حسبه وكافيه كل ما يؤذيه. فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾[الأنفال:64]، أي: كافيك، ما يؤذيك عموماً، فهو القائم بمصالحك ومهماتك والدفاع عنك في جميع الأحوال والأزمان، وذلك هو المفهوم من التعبير بالجملة الاسمية(حسبك الله) الدال على الثبوت والاستمرار في عموم الأحوال والأوقات، وهذه الكفاية سماها العلماء بالكفاية العامة.
ولما كان من علم الله أن السخرية منه صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به والإساءة إليه لن تكون آنية ووقتية، وإنما ستحدث وتنقطع وتتجدد عبر العصور والأزمان – لما كان هذا من علمه تعالى أنزل إليه آية أخرى تعده بكفايته من المستهزئين خاصة، فقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾[الحجر:95] أي: كفيناك كل مستهزئ بك وبما جئت به، وهو وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يكفيه إياهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل تعالى، فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله، وقتله شر قتلة، والتاريخ خير شاهد، فلينتظر هؤلاء الساخرون والمستهزئون بنبي الرحمة نصيبهم من كفاية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنا معهم لمنتظرون!!
ولم يقف وعده جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم عند الكفاية العامة والخاصة، بل لقد وعده برفع ذكره وإعلاء قدره، فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[الشرح:4]، أي: أعلينا قدرك في حياتك ومماتك، وجعلنا لك الثناء الحسن العالي الذي لم يصل إليه أحد من الخلف، وجعلنا لك في قلوب أمتك من المحبة والإخلاص والتعظيم ما ليس لأحد – بعد الله – سواك.
وقد صدق وعده تعالى، فرفع ذكره صلى الله عليه وسلم قبل بعثته حيث كان يسمى بين قومه بالصادق الامين، ورفع ذكره بعد بعثته حيث بلغت دعوته مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ورفع ذكره عند النداء للصلاة، فكلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، قال بعدها: أشهد أن محمداً رسول الله، ورغمت أنف من ذكر عنده ولم يصل عليه، ورفع ذكره وأعلى قدره بعد موته حيث بلغ ذكر اسمه ورسالته ما بلغ الليل والنهار!! ولعمري ما هذه التظاهرات الاحتجاجية العارمة والمدوية في كل بقاع الأرض ضد الإساءة إليه صلى الله عليه وسلم إلا مصداق قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[الشرح:4] فالإسلامي والقومي والعاصي وقاطع الصلاة والمقصر والظالم لنفسه من هذه الأمة المحمدية قد هزته هذه الإساءة - التي ارتكبها أولئك الرُّعْن والحمقى - من أعماق قلبه ووجدانه، فنهض انتصاراً ومناصرة للشافع المشفع صلى الله عليه وسلم، وتطبيقاً – بقصد أو بغير قصد – لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[الشرح:4].
ورفع ذكره في الآخرة حين تأتي الخلائق إلى الأنبياء والرسل يطلبون منهم الشفاعة، فيقولون: لسنا لها، فيأتون إليه صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا لها.
علو في الحياة وفي المماتِ لعمري تلك إحدى المعجزاتِ
وبالجملة فقد ملأ ذكره الجليل السموات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر الحسن والثناء الصالح مالم يجعله لأحد من عباده. و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[الحديد:21] فالله أكبر، ولله الحمد، صدق وعده، ونصر عبده!!
بقي القول: إنَّ حَدَثَ الإساءة قد أوصل ذكر محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمم لم تكن تعرفه من قبل، وهم يتساءلون الآن: لماذا هذه التظاهرات الاحتجاجية من المسلمين ضد حرية الرأي التي مارستها بعض الصحف الدنماركية والنرويجية في نقد شخصية محمد؟ وما هو محمد بالنسبة للمسلمين؟ والرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: "ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين"([1]) وعند الطبراني بلفظ "ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار"([2]) وقد بلغ!! فهل للمسلمين أن يستغلوا هذا الحدث الذي هيأ تلك الأمم للاستماع لما يقال عن محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به فيوصلوا تعاليم الإسلام وأوصاف وشمائل نبي الإسلام إلى أولئك المتلهفين لمعرفة الحقيقة؟ ولن يعدموا وسيلة ممكنة ومتاحة... والله المتسعان!!
كتبه الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان
تخريج وتنسيق: عبد الكريم علي الفهدي
19/2/2011م
[1]- أخرجه الحاكم في مستدركه، 4/477، برقم: 8326، وقال عنه حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، تعليق الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
[2]- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،2/58، برقم: 1281.