نبغض ولا نبغض
د. عبد الواحد الخميسي
الأحد 8 ديسمبر 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

نبغض ولا نبغض

أعجبتني قصة حوارية بين الدكتور عبدالرحمن العشماوي وأحد مخالفيه في الرأي وهي معنونه بالعنوان أعلاه؛ ولجمالها وصدق مشاعرها أسوقها لك أخي القارئ كما وردت في كتابه "بشروا ولا تنفروا".

يقول: قال لي: لا أدري لماذا تبغضون الأشخاص الذين يخالفونكم في الرأي، وتصورونهم بصور الانحراف عن الطريق المستقيم، وتحاولون إلغاءهم، ومصادرتهم؛ للحقد والبغضاء؟!

قلت: إن كنت تريد مخاطبتي أنا فقط أجبتك بما يوضح لك الأمر، ويزيل عن ذهنك اللبس وفق ما أشعر به وأعرفه عن نفسي، وإن كنت تريد بخطابك جماعة معينة، فأفصح حتى يكون الجواب على قدر السؤال.

قال: إياك أعني وأمثالك ممن تحرصون على رد كل رأي مخالف للمألوف.

قلت: في كلامك تعميم يحتاج إلى تخصيص، وسوء فهم يحتاج إلى تصحيح، وأود أن أنقل لك قصة قصيرة جداً؛ لتكون منطلقاً لبيان ما أريد.

يروي ابن الأثير في أسد الغابة خبراً عن أبي الدرداء رضي الله عنه، فيقول: وقف أبو الدرداء على جماعة يحيطون بشخص ارتكب ذنباً وهم يسبونه، فقال لهم: «أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه قالوا: بلى، قال : فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا : أفلا نبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي»([1]).

أرجو أن تتأمل مثل هذه القصة، وتقف معها وقفة الباحث عن الحقيقة من ورائها، فهي تصدق على موقفنا من كل من يرتكب خطأ بصفة عامة، سواء أكان خطأ سلوكياً أم كان خطأ فكرياً أم ثقافياً، فليس من الحكمة ألا نواجه الرأي الخاطئ ببيان خطئه ودعوة صاحبه إلى الصواب، وليس من الحكمة أن نبغض صاحبه لذاته هو، أو نصادره أو نرفضه رفضاً قاطعاً لا مجال للمراجعة فيه، وإنما يكون غضب المسلم من كل رأي أو فكرة يظهر منها مخالفة شرع الله سبحانه وتعالى، وموافقة آراء وأفكار أهل الباطل والضلال، فنحن نبغض الفكرة السيئة والرأي المخالف للحق بغضاً نتقرب به إلى الله عز وجل، ونواجه هذا الرأي المخالف وتلك الفكرة السيئة بما نستطيع من الرد الصحيح، ونحذر منها الناس، ونعاتب صاحبها، وندعوه إلى الحق، ونحذره من مغبة ما يقع فيه من المخالفة التي نرى أنها تشكل خطورة على مجتمعه أو أمته من جانب، وعليه هو من جانب آخر.

ونقول لمن يقعون فيما يخالف شرع الله سبحانه وتعالى كتاباً وسنة مثل ما قال أبو الدرداء لذلك المذنب إننا نبغض مخالفتكم، فإذا زالت فأنتم إخواننا، هكذا علمنا ديننا الحنيف الذي لا يوازيه دين في رعاية حقوق الناس ومقاماتهم في التوازن والعدل الثابت فيما يطلقه من أحكام.

حينما يسخر كاتب مسلم من بعض مظاهر الإسلام الظاهرة الثابتة بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة مثل الحجاب، والفرقة الناجية المنصورة، والحشمة وغيرها، فإننا نعلن البغض لهذا الفعل والرفض له، والتحذير منه، ولا يعني  ذلك كله أننا قد أعلنا البغضاء لصاحبه، أو مصادرته أو قصدنا الإساءة إليه لذاته، نحن ننادي بالحب والصفاء وسعة الصدور، ونرفض الحقد والبغضاء ونرسم للابتسامة الصافية أجمل اللوحات في تعاملنا مع الجميع، منطلقين من تعاليم ديننا التي تقول لنا: "وتبسمك في وجه أخيك صدقة"([2]) وتقول: "لَمْ يَدْخُلِ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"([3]) ولكننا لا نحب الفكرة المنحرفة والرأي المخالف لشيء من تعاليم الإسلام، ونحن بعد حبنا لهذه الأشياء نحقق حبنا للخير والإصلاح لنا ولأمتنا وللناس جميعاً.

إني لأرجو أن تكون قد اتضحت لك الصورة التي أحاط بها من الغبش ما جعلك تظن بنا هذا الظن.

قال: لا شك أن الصورة قد اتضحت، ولكن هذه الصورة ليست واضحة عند الذين تتصدون لأخطائهم فما زالوا ينظرون إلى الأمر بمنظار شخصي.

قلت: إذن تبين لك الآن أن النظرة الخاطئة قد نشأت عندهم، وأن تصحيح هذه النظرة يعد من مسئولياتهم، لا سيما وأننا نوضح الأمر بهذه الصورة الجلية، وأزيدك تأكيداً بأن كل إنسان معرض للخطأ، وأن باب التوبة مفتوح للجميع، فلا يجوز لعاقل أن يصر على خطئه؛ انتصاراً لنفسه، أو تعصباً لفكرته، خاصة حينما يظهر وجه الحق، نحن نقول: إن مقياسنا الأول والأخير كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الاستسلام لهذين المصدرين هو أساس الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء:65] فمرحباً بالجميع تحت هذا الأفق الفسيح، وقديماً قال الإمام الطحاوي: «لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام»([4])، نحن يا صاحبي نبغض الباطل الذي يحمل الأشخاص، ولا نبغض الأشخاص لذواتهم، هل تريد وضوحاً أكبر من هذا الوضوح؟ وإنصافا أوضح من هذا الإنصاف؟

 

كتبه الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان

تخريج وتنسيق: عبد الكريم علي الفهدي

 


 


[1]-  أسد الغابة، 1/833.

[2]-  أخرجه البخاري في الأدب المفرد،1/307، برقم: 891.

[3]-  أخرجه أحمد في مسنده،21/167، برقم: 13530، وأصله في البخاري برقم: 6256.

[4]  - شرح العقيدة الطحاوية، صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي،1/168.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: