مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز البلاغي
   
في ظلال حديث (الدعاء)
في ظلال حديث (الدعاء)
د. عبد الواحد الخميسي
الأحد 8 ديسمبر 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

في ظلال حديث (الدعاء)

أخرج أبو داود في سننه، وصححه الألباني من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدعاء هو العبادة" وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر:60]"([1]).

إن حقل النبوة واحة تحلق فيها الأرواح، وترقى النفوس، وتسمو العقول، وتسعد القلوب، وتنشرح الصدور، فلقد أوتي الرسول صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فالبلاغة إليه منساقة، والفصاحة له مطواعة، يستقي كلماته من منبع البيان الذي لا ينضب، منبع البيان المتصل بالسماء، هذا المنبع الصافي منه نتعلم كيف نرقى بأنفسنا، ونسمو بأرواحنا.

القراء الكرام، لنلج هذا الحقل، فننظر إلى جماله، فهيا بنا على بركة الله:

إشارات تحتاج إلى وقفات:

إن المتأمل في هذا الحديث النبوي الشريف: "الدعاء هو العبادة" سيخرج بالإيحاءات والإشارات التالية:

ـ الإشارة الأولى: أن فضل الله سبحانه وتعالى واسع، وأن بابه مفتوح لعباده، يرى ويسمع وهو بكل شيء محيط.

ـ الإشارة الثانية: أن الدعاء هو الحبل المتصل بالسماء، لا ينقطع أبداً.

ـ الإشارة الثالثة: أن الله سبحانه وتعالى يفرح بدعاء عباده، وتضرعهم إليه، ويقول لهم عز وجل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.

ـ الإشارة الرابعة: أن دعاءً صادقاً من العبد الصالح الموقن بربه، المؤمن به، تقابله استجابة من الحي الذي لا يموت، فأي فضل أعظم من هذا الفضل؟

ـ الإشارة الخامسة: أن الإنسان يخسر خسارة عظيمة حينما ينقطع عنه هذا الحبل: إما بغفلته، أو بذنبه، أو بخوضه في المال الحرام، أو بانشغاله بأمور دنياه انشغالاً يقتل فيه الإحساس بالحاجة إلى خالقه، أو بموالاته لأعداء الله، أو بكبريائه وغروره، أو بظلمه وطغيانه وتسلطه على عباد الله.

ولنا في قصة موسى وفرعون خير عبرة، فهناك في مدين قام موسى بواجبه نحو فتاتين كانتا منعزلتين عن الناس وهم واردون على الماء، فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل، فدعا ربه قائلاً: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير﴾[القصص:24]، إنه التوجه الصادق إلى الله لا ينقطع أبداً عن المؤمنين به، ارتباط متصل بالله عز وجل في كل حركة وسكنة، ومن كان ارتباطه بربه قوياً فقد فاز؛ ولهذا كان الفرج من الله سريعاً: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾[القصص:25] جزاء سريع؛ لأن الأمر تعلق بالقادر على كل شيء وهو الله عز وجل، وهنا يسمع موسى من الرجل الصالح عبارة ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[القصص:25] هكذا يكون الاتصال الصادق القوي بالله عز وجل أساساً للفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، ففرعون الملك القوي الطاغية، صاحب الأموال  والجيوش الجرارة، والقصور والأنهار ينتهي غريقاً في البحر؛ لأنه قطع صلته بالله العلي القدير.

وموسى عليه السلام الفتى الطريد من بلده، الذي لا مال له ولا سلطان، يصبح نبياً رسولاً منتصراً على أعتى قوة بشرية في زمانه؛ لأنه وثّق صلته بالله العلي القدير، هنا تكمن أسرار النجاح والفلاح، وبشارات الخير.

من خصائص الدعاء:

إن من خصائص دعاء الله سبحانه وتعالى:

- أنك تدعو سمعياً مجيباً قريباً في كل زمان ومكان، فحينما يكون الناس غارقين في غفلاتهم ارفع يديك إلى السماء تجد الله سبحانه وتعالى راعياً لك، مستجيباً، وحينما يغيب الناس في غفواتهم ارفع يديك إلى السماء تجد الله لك مؤنساً وناصراً ومعيناً.

ـ أن الدعاء بساتين لا ينبت فيها إلا الصدق، والحب والخير والعطاء، والاطمئنان والسعادة بالقرب من الله العظيم المنان.

-أن الدعاء هو الذي لا يملك أحد من أعدائك أو حاسديك أو مخادعيك أو منافسيك له ردا، ولا يستطيعون لك عنه صداً؛ لأنك حينما تدعو صادقاً، إنما تدعو بقلبك، فإذا دعوت بقلبك فما عليك أن يفعلوا بباقي جسدك ما يريدون، وربما يرمى بالإنسان في غياهيب السجون أو في مجاهل الغابات، أو من وراء المحيطات، او بين كثبان الصحاري القاحلات، ربما... وربما... ولكن ذلك كله لا يمكن أن يمنع هذا الإنسان من أن يتجه بقلبه إلى السماء متضرعا إلى ربه عز وجل الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

من هنا كان "الدعاء هو العبادة" ومن هنا حث الله عز وجل عباده، وحثهم رسوله صلى الله عليه وسلم على الدعاء؛ لأنه يخترق كل الحواجز والحجب التي قد يضعها شياطين الجن والإنس في طريق الإنسان؛ ولأنه لا يتأثر بأي عامل من عوامل الكيد والمكر والخديعة التي يستخدمها المتجبرون من أشقياء البشر.

ـ أن الدعاء سهم نافذ يخترق كل شيء؛ لأنه خارج عن قدرة البشر وعن طاقة احتمال الحواجز الطبيعية في الأرض، أو في الفضاء، سهم نافذ لا يمكن أن يخطئ هدفه أبداً.

ـ أن الدعاء من أهم أبواب الاستبشار بالخير، والأمل المشرق في النصر والنجاة والنجاح، وما دام الدعاء موجودا، فلا خوف على المظلوم أو الضعيف.

روى الأصمعي قصة طريفة، فقال: بينما كنت أسير في الصحراء مُيَمِّماً شطر إحدى القبائل العربية؛ بحثاً عن شعرها وشعرائها، وكان الوقت وقت قيض وجفاف إذا بي أرى خباء يلوح لي من بعيد بجانب كثيب مرتفع من الرمل، فأسرعت إليه حتى دنوت منه، وقد جئته من ورائه، فاستدرت إلى مقدمته من أحد جانبيه، فإذا بي أرى إعرابياً شيخاً جالساً على رحله أمام خبائه، وبجواره امرأته العجوز، وقد رفعا يديهما إلى السماء وهو يقول:

يا رب إني جالس كما ترى                 وزوجتي جالسة كما ترى

والبطن مني جائع كما ترى                 وأرضنا ظامئة كما ترى

                فما ترى يا ربنا فيما ترى

وقد سمعت في نبرات صوت الرجل من دلائل الصدق ما تيقنت منه من صدق التوجه وسرعة الإجابة، وما غربت الشمس حتى ساق الله سبحانه وتعالى، إلى ذلك المكان سحابة أمطرته.

بمثل هذا يكون الاستبشار بالخير بعيداً عن الاستسلام للتوجع، والتحسر اللذين يسوقان إلى السلبية، والانهزام، فلو أن ذلك الأعرابي صاحب القصة اكتفى بالتقوقع على أحزانه مع زوجته داخل خبائه لكان لهما حكاية أخرى غير هذه الحكاية ربما كانت حكاية زوجين ماتا من الظمأ.

أوقات الإجابة:

هناك أوقات كثيرة وردت بها السنة هي مظنة لاستجابة الدعاء نذكر منها ما رواه عمرو بن عنبسه رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الساعات أسمع للدعاء؟ قال "جوف الليل"[2] سؤال عن الوقت الذي يكون فيه الدعاء مظنة الاستجابة، وجواب مختصر مفيد، فجوف الليل وقته الأعمق الذي يهيمن فيه السكون، ويخيم فيه الهدوء، وتنام فيه العيون، هذا الوقت بهذا العمق وهذه الخصوصية هو الوقت الذي يختص بإحيائه المتقون المتهجدون، المتجهون إلى ربهم سبحانه وتعالى بقلوبهم في إخبات وإخلاص ويقين، جوف الليل الموقع الأعمق والأمثل لإطلاق سهام الليل التي لا تخيب، ورضي الله عن القائل:

فؤادي أيها الشاكي تصبر                  ودع عنك التأسف والنحيبا

إذا قست الخطوب عليك فاصبر            عليها وانتظر فرجا قريبا

إلهك حين تدعوه مجيب                    وكيف يخيب من يدعو مجيبا

لماذا لا يستجاب الدعاء أحيانا؟

جاء رجل من عوام الناس إلى عالم، فسأله قائلا: إنني دعوت ربي كثيراً، وما زلت أنتظر الإجابة، والله تعالى يقول (ادعوني أستجب لكم) فما رأيك يا شيخ؟

فقال له العالم: قبل أن أعطيك رأيي أريد أن أسألك سؤالاً، فقال الرجل حُباً وكرامة.

فقال العالم: أرأيت لو أن لك ابنا مجفياً لك، تأمره فلا يطيع، وتنهاه فلا ينتهي، وتطلب منه الشيء فلا يعطيك، ولا يقدر مقامك عند الآخرين، يخجلك بكثرة أخطائه وإساءته إلى الناس، ثم جاء طالباً منك مالاً، أو هدية أو كسوة جديدة مع كونه متمادياً في إساءته إليك، أكنت تعطيه ما سأل؟

فقال الرجل: كلا، بل أزجره وأطرده، فمثل هذا لا يستحق إلا العقاب.

قال العالم: أرأيت ابنك هذا لو جاءك تائباً معتذراً عازماً على إصلاح أمره، صادقاً في عزمه، مقدرا لمقامك حريصاً على رعايتك، وتقديرك وخدمتك، ثم طلب منك مالاً أو هدية، أو كسوة جديدة، أكنت تعطيه ما سأل؟

قال الرجل: إي والله، فهو خليق بذلك، وجدير به.

فقال العالم مبتسما: أتعرف أنك قد أجبت على سؤالك بنفسك!!

قال الرجل – بعد لحظة صمت – نعم يا شيخ عرفت ذلك، فجزاك الله عني خيراً.

 

إعداد الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان

تخريج وتنسيق: عبد الكريم علي الفهدي

 

 


-[1] أخرجه أبو داوود في سننه،1/551، برقم: 1481، قال عنه الألباني صحيح في صحيح سنن أبي داوود برقم 1329.وهو عند الترمذي برقم: 2969.

[2] - مسند الشاميين برقم: 863، وهو بلفظ عند أبي داوود  أي: الليل أسمع قال: "جوف الليل الآخر" وصححه الألباني.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: