سورة الحجرات أمةً ودستوراً
لعلك أخي القارئ تسأل – ولك حق السؤال- قائلاً: لماذا جئت بلفظي (أمةً ودستوراً) في العنوان منصوبتين، ولم تأت بها مرفوعتين على أن يكون الأول خبراً والثاني معطوفاً عليه.
ولي أن أجيب بقولي: إنني جئت بهما منصوبتين على الحال؛ وذلك لأحصر دراستي للسورة في هذين الحالين، أي كون السورة تركز على إنشاء الأمة المسلمة وتربيتها، وكونها تضع لهذه الأمة دستوراً يقوم عليه مجتمعها، وتصان به حقوقها وتنظم به علاقاتها مع نفسها وغيرها.
وهذه الدراسة المحصورة في هذين الحالتين هي بعض من الدراسات الممكنة في هذه السورة العظيمة؛ إذ من الممكن – إذا أردنا دراسة السورة دراسة تحليلية – أن ندرس مفرداتها وتراكيبها، دراسة لغوية: صرفية ونحوية وبلاغية، ودراسة تفسيرية ودراسة فقهية، ودراسة إدارية وتنموية، وغير ذلك من الدارسات؛ لأن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، وبهذا يظهر لنا أن نصب ذانك اللفظين في العنوان أدق من الرفع؛ لأن الرفع على الخبرية يجعل السورة محصورة في هذين الشيئين، وقد رأيت أنها تحتمل أكثر من دراسة، وتحتاج في إيفائها حقها من الدراسة إلى جهد كبير جبار، ولكن مالا يدرك جله لا يترك كله، وإنما هو جهد المقل، فإلى الدراسة.
قال أستاذ الأدباء وأديب المفسرين سيد قطب رحمه الله: «هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقاً عالية وآماداً بعيدة، وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة، وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات!»([1]).
وهي كما قال رحمه الله، فمن خلال طيافتي – بحثا عن هذه السورة – في كثير من التفاسير، وعلى رأسها تفسير "الظلال" وبالتأمل في آياتها، ظهر لي أمران عظيمان:
الأمر الأول: أن جميع آياتها جاءت لتركز على إنشاء الجماعة المسلمة، وتربيتها تربية إيمانية رفيعة، الجماعة التي وجدت حقيقتها يوما على هذه الأرض.
تلك الجماعة المثالية التي تمثلت حقيقة واقعية في فترة من الفترات التاريخية لم تنبت فجأة ولم توجد مصادفة ولم تخلق في عشية أو ضحاها، بل نمت نمواً طيباً بطيئاً كما تنمو الشجرة العالية، العميقة الجذور، ثم أخذت الزمن اللازم لنموها والجهد الموصول المطرد لهذا النمو، واحتاجت إلى العناية الساهرة والصبر الطويل والجهد البصير في التهذيب والتشذيب حتى صارت كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ويظهر تركيز السورة على عنصرين:(الإنشاء، والتربية للأمة المسلمة) من خلال الخطاب والتحدث بصورة الجمع، فابتداء من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[الحجرات:1] وقوله: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:2] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:3] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:4] وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:7] وقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:14] وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:17] إلى آخر السورة لا تخلوا آية من آياتها من لفظ من الألفاظ الدالة على الجمع كاسم الموصول ( الذين) واسم الإشارة (أولئك) ولفظ( المؤمنون) المعرف بأل الاستغراقية الدالة على العموم، وضمائر الجمع (كم) و(هم) والواو، ونحوها.
هناك آية واحدة من الآيات التي تحتوي عليها السورة أخذت منحى آخر، حيث ورد الخطاب فيها شاملا للمؤمنين وغيرهم، هذه الآية هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13] وذلك لأنها جاءت لتقرر أن الناس متساوون في الإنسانية ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فالتقي هو الأفضل، وغير التقي لا يساوي شيئاً في ميزان القيم السماوية، كما أنها جاءت أيضا لتبين أن علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم الكافرة إنما هي علاقة تعارف، يظهر ذلك من التعليل بقوله: ﴿لتعارفوا﴾ والتعارف وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى، وهو أول طريق يلج من خلالها الداعي إلى المدعو، الأمر الذي يجعلنا نجزم بأن هذه العلاقة التعارفية بين الأمة المسلمة وغيرها من الأمم الكافرة إنما هي علاقة تعارف من أجل دعوتهم إلى الإسلام لا علاقة مودة؛ لأن هذه الأخيرة قد حسمها القرآن الكريم، وقال فيها قوله الفصل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾[المجادلة:22] وهو إخبار يراد به النهي.
أما علاقات التعامل المباحة، فقد حددها الإسلام، ونظمها، وذكر تفاصيلها، ولسنا بصدد البحث عنها في هذه الدراسة.
الأمر الثاني: أن السورة وضعت معالم كاملة لعالم رفيع كريم نظيف سليم هذه المعالم تتضمن الأصول والمناهج والنظم التي يقوم عليها هذا العالم أولاً، والتي تكفل له صيانته ثانياً.
فقد حددت مصدر التلقي، ووضعت نظاماً خاصاً للتأدب معه، يتمثل في إدراك حدود العبد مع ربه ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي يبلغ عنه حيث قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلا يسبق المؤمن إلهه في أمر ولا نهي، ولا يقترح عليه في قضاء أو حكم.
ووضعت نظاما خاصا للتأدب مع القيادة، يتمثل في توقير النبي صلى الله عليه وسلم عند خطابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾[الحجرات:2] والعلة هي: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[الحجرات:2] ثم قال مرغباً لهم في هذا الخلق والأدب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[الحجرات:3] ثم بين لهم أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الجلافة وعدم التقدير يسمى عدم فهم لقواعد وآداب هذا الدين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات : 4] أي: لا يفهمون آداب الإسلام.
ثم أوضح أن الخير كان في صبرهم لو صبروا حتى يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الحجرات:5] ولكن الإنسان خلق عجولا، فإما أن يتأدب بأدب الإسلام، وإلا فهو من جنس البهائم والوحوش.
ثم وضعت منهجا للتثبت من الأقوال والأفعال والإستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[الحجرات:6] ثم وعظهم بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾الحجرات:7] فلا تقولوا قولاً باطلاً، ولاتتسرعوا بالحكم عند وصول الخبر إليكم من غير تبين والحال أن فيكم رسول الله لو أطاعكم في كثير مما تجدونه من الأخبار الباطلة، وتشيرون عليه من الآراء التي ليست بصواب، لوقعتم في العنت وهو المشقة والتعب والجهد والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾[الحجرات:7] أي جعل الكفر والطغيان أكره شيء إليكم، والإيمان أحب شيء فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة.
ووضعت نظماً وإجراءات عملية في مواجهة ما يقع بين الأمة المسلمة من خلاف وفتن وقلاقل واندفاعات تخلخل كيانها لو تركت بغير علاج، هذه النظم والإجراءات منبثقة من قاعدة الأخوة بين المؤمنين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[الحجرات:10].
ووضعت قواعد ومبادئ أخلاقية تنظف المشاعر، وتكفل الحرمات، وتصون الغيبة والحضرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾[الحجرات:12].
ووضعت فكرة كاملة عند وحدة الإنسانية المختلفة الأجناس، المتعددة الشعوب وميزانا يُقَوَّم الجميع به، هو ميزان الله المبرأ عن الشوائب والاضطرابات ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13].
والسورة بعد عرض هذه الحقائق والآداب ترسم معالم ذلك العالم الرفيع، وتحدد معالم الإيمان الذي باسمه نودي المؤمنون بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وأنه ليس مجرد دعوى، وإنما هو إيمان بالله ورسوله يقوم على عدم الشك والريبة، ويقوم على الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[الحجرات:14] حتى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[الحجرات:15].
ثم إنه لما كان من طبيعة البشر ادّعاء الكمال أو التطلع إليه أو حسن الظن بالنفس، فيدعي الشخص الإيمان وهو في مرحلة أدنى من مرحلته – لما كان من طبيعتهم ذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[الحجرات:16] ومن علمه أن يدعي أحدكم الإيمان وهو لم يبلغه.
ثم لما كان من علم الله أن من الناس من يرى من نفسه أنه به قويت شوكة الدين، وأن الجماعة المسلمة لابد أن تدرك أنه لولاه لما قام هذا الدين، ولما قامت جماعة المسلمين – لما كان ذلك من علم الله قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات:17] أي: لا تمنوا علي أسلامكم، بل المن من الله علينا جميعا؛ لأجل هدايته إيانا للإسلام الذي به صلاحنا في الدنيا والآخرة.
ولما كان من المانِّين بإسلامهم من يخفي منَّه في قلبه، ولا يظهره، خَتَمَ الله الآية بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[الحجرات:18]. لا يخفى عليه ما أظهرتم ولا ما أضمرتم!!
كتبه الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان
تخريج وتنسيق: عبد الكريم علي الفهدي
[1] - في ظلال القرآن الكريم، 6/488.