فساد الاعتبار!!
د. عبد الواحد الخميسي
الأحد 8 ديسمبر 2013

فساد الاعتبار!!

من القوادح المستخدمة في فن الجدل ما يسمى بفساد الاعتبار، وهو مخالفة الدليل لنص أو إجماع، أي أن دليل المستدل أو قياسه إذا خالف النص أو الإجماع، فإنه فاسد وباطل، ولا اعتبار له في الاستدلال وقد سلك هذا المسلك الفاسد من الاستدلال كثيرون وأولهم إبليس – عليه لعائن الله وذلك حين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا جميعا؛ امتثالا لأمره تعالى، وامتنع إبليس عن السجود؛ مفضلا نفسه على آدم بقوله:﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾[الأعراف:12] ومعللا هذه الخيرية المزعومة بقوله ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾[الأعراف:12]. فامتنع عن الطاعة؛ لأنه – حسب زعمه الفاسد – لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني – لعنه الله – كيف تأمرني بالسجود له وأنا خير منه؟!

ثم بين سبب امتناعه من الطاعة، وهو كونه مخلوقاً من نار، وآدم من طين، والنار أشرف من الطين في زعمه، وهو بهذا قد قاس قياسا فاسد الاعتبار، وباطلا من وجوه:

أحدها: أن قياسه هذا رد لقوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾[البقرة:34] وكل قياس يرد النص لا اعتبار له؛ ولهذا أبلس – الملعون – من رحمة الله؛ لمخالفته أمر الله الصريح.

ثانيها: أنه كاذب في دعواه: أن النار أشرف من الطين؛ لأن الطين من شأنه الرزانة والأناة والرعاية وهو أيضا محل للنبات والنمو والزيادة، تعطيه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتعطيه النواة فيعطيكها نخلة. أما النار فطبيعتها الإحراق والطيش والسرعة والإفساد، تضع فيها الشي فتفسده وتفرمه فرما، بل وتطيش، فتأتي على كل شيء حي وجميل، فتجعله رماداً، ومن هذه طبيعته كيف يكون خيرا ممن طبيعته التؤدة والجمع والنمو والرعاية والزيادة؟!!

فالطين خير من النار بأضعاف مضاعفة؛ ولذلك غلب على إبليس عنصره الناري، فطاش وتمرد على ربه، وخسر الخسران الأبدي بلعن الله وطرده له من رحمته: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾[الحجر:34-35].

كما غلب على إبليس عنصره الناري: غلب على آدم – أيضاً – عنصره الطيني حينما وقع في الزلة فرجع إلى التؤدة والتواضع والاستغفار: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾[طه:122].

ثالثها: أنا لو سلمنا – مجادلين – أن النار خير من الطين. فقد قيل: إن شرف الأصل لا يلزم منه الشرف للفرع، فكم من أصل شريف وفرعه وضيع، وقد نطق بهذا حتى الشعراء حيث قال قائلهم:

إذا افتخرت بآباء لهم شرفٌ                   قلنا صدقتَ ولكن بئس ما ولدوا

وهذه حقيقة، فنوح كان نبياً ورسولا، وقد نادى ربه في شأن ابنه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾[هود:45].

فبماذا رد عليه المولى جل وعلا؟ ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:46]. فهل استلزم شرف نوح النبي الرسول الشرف لابنه؟! كلا.. لقد مات كافراً، وهلك مع الكافرين!!

إذن... فقول إبليس: أنا خير منه قياس فاسد، ولا اعتبار له؛ لمخالفته النص، وواقع الأمر أيضا، فماذا كان جزاؤه؟ وكيف سيكون مصيره؟! لقد كان جزاؤه الطرد واللعن ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾[الحجر34،35] وسيكون مصيره: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ* لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[ص:84،85].

وليس إبليس هو – وحده – من قاس هذا القياس الفاسد، فلقد تبعه في ذلك فرعون، وأعظم الفرية حين ادعى الربوبية بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:24].

فلو قال أنا ربكم وسكت لكان الأمر هينا؛ لأنه حينئذ ربما يكون المراد بادعائه الربوبية أنه مدير شئون مملكتهم. أما أن يأتي بصفة (الأعلى) التي هي صفة خاصة بالله العلي الأعلى، فمعنى ذلك أنه يدعي أنه هو الرب الذي لا رب فوقه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾[الزخرف:54].

ولم يقف به الحال عند حد ادعاء الربوبية، بل لقد تجاوز ذلك إلى ادعاء الإلهية، حيث قال:﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾[القصص:38] فادعى الإلهية مؤكداً ذلك بـ(من) ونفي أي إله معبود غيره، فكأنه قال: ما علمت لكم من جنس إله معبود غيري. قاتله الله!!

وهو بهذا يكون قد قاس قياساً فاسداً مخالفا للنصوص والواقع. أما مخالفته للنصوص فإن الله سبحانه يقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:164].

وفرعون يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾[النازعات:24].

والله يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾[طه:98].

وفرعون يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾[القصص:38] فجعل نفسه رباً وإلهاً من دون الله ادعاء منه أن من أوتي الملك يستحق أن يكون رباً وإلهاً، وهذا هو المسلك الذي سلكه إبليس حتى امتنع عن السجود.

وأما مخالفة هذا القياس للعقل والواقع، فإن الرب هو الخالق الرازق، الحي الدائم الذي لا يموت، وفرعون ما خلق بقلة، ولا رزق نملة، ولم يدفع عن نفسه الهلاك، فأين هو الآن؟! لقد أخذه الله، ونكل به ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾[النازعات: 25،26] ، فكيف يكون هذا الذي لم يستطع أن يدفع عن نفسه الهلاك – رباً وإلهاً؟!!

وممن قاس هذا القياس الباطل – أيضاً – قارون حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾[القصص:78] .. وذلك حينما قال له قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:76،77].

أي: إنما أوتيت هذا المال على علم ومعرفة عندي بطرق التجارة وأصولها.

فكان قوله هذا في مقابلة قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾[الرعد:26]؟  فكيف كانت نهايته؟ لقد كانت نهايته كما قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾[القصص:81].

وهكذا يكون مصير ونهاية كل من بدل فطرة الله وخالف أمره:

إما لعناً وطرداً من رحمة الله كما لعن إبليس وإما أخذاً وتنكيلاً كما أخذ فرعون ونكل به، وإما خسفاً كما خسف بقارون.

وعليه فإن من افتخر على الناس بعنصره، وحسبه ونسبه، فقدوته في ذلك إبليس؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13]، فجعل مقياس الخيرية والأفضلية: التقوى والذي يفاخر بحسبه ونسبه يجعل مقياس الخيرية: الحسب والنسب، فكان قياسه هذا كقياس إبليس في مخالفته للنصوص الواردة عن رب العالمين، وفي مخالفته للواقع – أيضاً – وهو: أن البشر جميعهم من أصل واحد وهو الطين، ولا يتميز بعضهم عن بعض إلا بالتقوى، فكأنه – بقياسه هذا – وإبليس وجهان لعملة واحدة.

وكذلك من تعالى بملكه فقدوته فرعون، كما أن من تكبر بماله، فقدوته قارون ومصيره مصيرهما، عاجلاً أو آجلاً؛ لأن التكبر بالمال والتعالي بالملك والتفاخر بالأحساب والأنساب: مقاييس أرضية مخالفة لمقاييس السماء، فمن تمسك بها، ودعا إليها، فهو مناهض للشرع الذي شرعه العليم الخبير لعباده، ومناهضة شرع الله محاربة له، ومن حارب الله أخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

كتبه الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان

تخريج وتنسيق: عبد الكريم علي الفهدي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: