اللفظ القرآني
روعة في الاختيار ودقة في الاستخدام
كنا قد تكلمنا في أعداد سابقة من صوت الإيمان(1) عن وجه من أوجه الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، هذا الوجه هو تشبيه القرآن وتصويره للأشياء، وقمنا بعرض لقطات تشبيهية أظهرت لنا المعقول في صورة المحسوس، والغرض من تلك اللقطات الاعتبار بما تظهره لنا من صور مجسدة، ومن ثم معرفة أهمية التشبيه في إيقاظ القلوب الغافلة، ولفتها إلى أن الإيمان بالله وحده، والإخلاص له هو أساس قبول الأعمال وبدونها تبقى الأعمالَ ﴿كسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾[النور:39].
وفي هذا العدد سنحاول – إن شاء الله تعالى – الكشف عن وجه آخر من وجوه الإعجاز البلاغي في القرآن لا يقل أهمية عن التشبيه، بل قد يفوقه بلاغة، وذلك لأنه يزاوج بين شيئين مهمين من إعجاز القرآن الكريم – يزاوج بين الإعجاز البلاغي، والإعجاز العلمي، ومن خلاله يتبين لنا أن هناك علاقة وطيدة بين النوعين من الإعجاز في القرآن، حيث يمكننا القول: إن الإعجاز البلاغي هو طريق من الطرق الموصلة إلى الإعجاز العلمي.
هذا الوجه – الذي سنحاول الحديث عنه – هو ما يسمى في البلاغة بالاختيار.
والاختيار هو: استخدام لفظ لدقته في التعبير عن المعنى المراد بدلا عن لفظ آخر يقتضيه السياق.
فالقرآن الكريم جاء ليستخدم نفس الحروف والألفاظ التي يستخدمها البشر في التعبير عن المعاني التي تدور بخواطرهم، لكنه جاء بدقة متناهية في اختيار الألفاظ التي يستخدمها في التعبير عن المعاني المرادة، وما ذلك إلا لأن قائله هو الله سبحانه وتعالى الذي خلق البشر والكون كله، وكانت بلاغة البشر على قدر علمهم بمقتضى حال المخاطب، وعلم البشر بأحوال المخاطبين محدود أما علم الله بخلقه فلا حد له، ومن هنا استمد القرآن بلاغته.
ولكي يتضح لنا اختيار القرآن للألفاظ المعبرة عن المعاني الدقيقة، واستخدامه لها، نورد محطات قرآنية، يتبين لنا – من خلالها – روعة الاختيار والاستخدام، فإلى المحطة الأولى:
المحطة الأولى:
وهي عند قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾ من قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَما أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:17].
حيث عدل القرآن عن استخدام لفظ (نار) المتسق مع قوله في أول الآية ﴿اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ قلم يقل (ذهب الله بنارهم).
وعدل عن لفظ (ضوء) المتسق مع قوله: ﴿فَلَما أَضَاءتْ﴾ فلم يقل: (ذهب الله بضوئهم) واختار لفظ "نور" وذلك لتعبيره عن المعنى المراد بدقة متناهية، حيث إن النار تحتوي على عناصر ثلاثة هي:
1) الضياء.
2) النور.
3) الحرارة.
والضوء زيادة في النور: وذهابه لا يعني ذهب أصله وهو النور؛ لأن النور إشراق وضياء لكن الذهاب بالنور ذهاب بالضياء، لأن الضوء هو زيادة في النور، فلو قال: (ذهب الله بضوئهم) لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل.
ولو قال: ذهب الله بنارهم لفهم منه الذهاب بالضياء والنور والحرارة، ولكن – والله أعلم – هذا ليس هو المراد ولذلك عدل عن هذا وذاك، واستخدم لفظاً يدل على الذهاب بالنور والضياء، وإبقاء الحرارة عليهم؛ ليبقوا في ظلمات الليل وحرارة النار، فقال: ﴿ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ﴾
والذهاب بالنور ذهاب بالضياء؛ لأن النور أعم من الضوء، إذ يقال على القليل والكثير، ولا يقال الضوء إلا على النور الشديد، والذهاب بالعام ذهاب بالخاص.
ومن هنا يستدل للحقيقة العلمية القائلة بأن نور القمر مستمد من ضوء الشمس، وقد قال الله تعالى عن هذه الحقيقة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس:5].
فما أبلغه من اختيار!! وأجمل به من استخدام!!!
المحطة الثانية:
وهي عند قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمرُّ مَرَّ السَّحَابِ صنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:88] ، وفي هذه المحطة سنقف وقفتين:
الوقفة الأولى عند قوله: ﴿مَرَّ السَّحَابِ...﴾، حيث اختار هذا اللفظ على غيره من الألفاظ قلم يقل: مر الرياح، أو مر العواصف، أو أي لفظ آخر، وذلك أن السحاب لا يتحرك بنفسه، بل تدفعه قوة أخرى ذاتية هي: قوة الرياح، فحين يتحرك السحاب من مكان إلى آخر لا ينطلق بذاته، بل تأتي الرياح وتسوقه من مكان إلى مكان آخر، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لنا: إن حركة الجبال ليست ذاتية كحركة الأرض والرياح، فهي لا تنتقل من مكان إلى آخر على سطح الأرض؛ لأن مكانها ثابت، وإنما تتحرك بحركة الأرض، كما يتحرك السحاب بحركة الرياح، ولذلك استبعد القرآن كل لفظ يعطي الجبال ذاتية الحركة، فلم يقل وترى الجبال تحسبها جامدة أو وهي تسير، أو وهي تجري، أو وهي تتحرك، أو وهي تمر من مكان إلى آخر، واختار لفظا يثبت لها الحركة بحركة شيء آخر: أي أن الذي يتحرك ذاتيا هو: ألأرض، والجبال تتبع هذه الحركة، وهي تمر أمامك مر السحاب الذي لا يملك ذاتية الحركة.
أترى – أخي القارئ الكريم – دقة التعبير، ودقة التصوير لدوران الأرض في القرآن الكريم؟!
ألا يعتبر هذا إعجازا حين يقول العلماء: إن الأرض تدور حول نفسها، فيقال لهم: إن هذه الحقيقة ذكرها القرآن الكريم وفصل فيها قبل أربعة عشر قرنا من الزمان؟
الوقفة الثانية: عند قوله: ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...﴾ حيث اختار القرآن الكريم لفظ ﴿تَحْسَبُهَا﴾ الدال على الظن والتوهم على أي لفظ سواه، وذلك ليقدم لنا حقيقة علمية أخرى هي:
أنك حين تكون فوق جسم متحرك حركة ذاتية لا اهتزاز فيها، فإنك لا تحس بهذه الحركة إلا إذا قست هذا الجسم المتحرك إلى جسم آخر ثابت.
فمثلا... حين تركب الطائرة. وتنظر من نافذتها، فإنك تحس بحركتها وطيرانها، وحين تقفل النافذة، والجو هادئ مستقر ليس فيه اضطراب، بحيث لم يصاحب هذا الطيران أي اهتزاز، فإنك لا تشعر بحركة الطائرة إطلاقا؛ لأن كل شيء داخل جسم الطائرة ثابت بالنسبة لك، ولكنك إذا فتحت النافذة، وقست الحركة بشيء آخر ثابت، فإنك تحس بالحركة.
إذن... فكأن الله – سبحانه وتعالى – يريد أن يقول لنا: إن الجبال متحركة حركة غير ذاتية، لكنكم لا يمكنكم أن تدركوا حركتها بحواسكم، لأن وضعها بالنسبة لكم وللأرض ثابت، ولهذا فإنكم تتوهمونها جامدة، ولا تفطنون لحركتها أبدا؛ لأنه ليس هناك شيء آخر أمامكم – وأنتم في الأرض – تقيسون الحركة به، ولكني أقول لكم: إن هذه الجبال تتحرك، وحركتها ليست ذاتية، وإنما تتبع الأرض في دورانها، فإن عجبتم لذلك، فلا داعي للعجب، فإنها ﴿صنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:88].
فإن قال قائل: إن هذا يحدث في الآخرة لا في الدنيا مستدلا بأن الآية جاءت في سياق الحديث عن الآخرة.. فإننا نرد عليه بما يأتي:
1- أن السياق ليس بدليل قاطع؛ لأن من أساليب القرآن: أسلوب الإلتفات، والآية الكريمة التفات من الحديث عن الآخرة إلى الحديث عن التفكير والاعتبار بآيات الله الكونية في الدنيا.
2- أن الآخرة لا حسبان فيها ولا وهم ولا ظن، وإنما ترى فيها الحقائق عين اليقين ويعرف كل شيء على حقيقته.
3- أن الأرض يوم القيامة ليست هي نفس الأرض التي في الدنيا والسماوات ليست هي السماوات التي نراها في الدنيا، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:48]
4- أن الجبال في الآخرة ستنسف نسفا قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقلْ يَنسِفُهَا رَبي نَسْفاً* فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً﴾ [طه :105- 107] فكيف ينسفها الله، ثم تحسبها جامدة؟!
المحطة الثالثة:
وهي عند قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [النمل:69] حيث اختار لفظ (فِي) الدال على الظرفية، بدلا عن لفظ (على) الدال على الفوقية. فلماذا عدل القرآن عن حرف (على) الموافق لمفهوم الناس: أن السير على الأرض لا فيها، واختار لفظ (في) واستخدمه بدلا عنه؟
والجواب: أنه لما تقدم العلم، وكشف الله أسرار الأرض، وأسرار الكون. عرف العالم أن الأرض ليست بمدلولها المادي الذي هو: الماء واليابس فقط، وإنما هي بغلافها الجوي فهو جزء منها ملازم لها، ويدور معها، في دورانها، كما أنه مكمل للحياة عليها، وبدونه تصبح الحياة على الأرض غير ممكنة، ولا يقال للطائر في جو الأرض: إنه خرج عن الأرض إلا عند خروجه عن نطاق الغلاف الجوي للكرة الأرضية.
ومن هنا ندرك السر في عدول القرآن عن لفظ (على) واستخدامه للفظ (في) بدلا عنه لأننا في الحقيقة نسير في الأرض بينها وبين غلافها الجوي، وليس عليها.
هذه حقيقة علمية لم يكن الناس يدركونها وقت نزول القرآن، ولكن الله سبحانه وتعالى – وهو القائل والخالق – يعرف أسرار كونه ومخلوقاته، فاختار اللفظ الذي يعطي لكل جيل عطاءه، ويعطي لكل عقل حاجته دون تناقض مع الحقائق العلمية والكونية، ويفهمه كل جيل بحسب ظروفه ومعطياته.
وحقا.. إنها لدقةٌ في الاختيار وروعةٌ في الاستخدام!
وإلى لقاء آخر إن شاء الله.
الهوامش:
_____________________
1- التفسير القيم لابن القيم.
2- معترك الأقران في إعجاز القرآن لجلال الدين السيوطي.
3- قطف الأزهار في كشف الأسرار لجلال الدين السيوطي.
4- معجزة القرآن الكريم، لمحمد متولي الشعراوي.
إعداد الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة بجامعة الإيمان
تخريج : عبد الكريم علي الفهدي