القياس الفاسد
حينما خلق الله آدم عليه السلام, وعلمه الأسماء كلها, أسجد له الملائكة تكريما له, فسجدوا جميعا إلا إبليس أبى واستكبر؛ محتجا بقياس فاسد مفاده: أن آدم خلق من طين, فكيف يسجد من أصله رفيع لمن أصله وضيع حسب المقاييس الإبليسية؟! وهو بقياسه هذا قد خالف النص وهو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾[البقرة:34]. وكل قياس يخالف النص فهو فاسد الاعتبار, هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنه يخالف الواقع – أيضاَ- وهو أن الطين من طبيعته الوداعة والرعاية والإصلاح والتؤدة, الحبة فيه تعطي سنبلة, والنواة تعطي نخلة, وأما النار فمن طبيعتها الطيش والإفساد, فهي تأكل الأخضر واليابس, فكيف يكون من طبيعته الطيش أفضل ممن طبيعته التؤدة؟! ولهذا كانت نهايته الإبلاس والطرد من رحمة الله. ولم يكن إبليس وحده من قاس هذا القياس الفاسد, بل إن فرعون قد سلك هذا المسلك من القياس نفسه, فادعى الربوبية بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:24] ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل لقد ادعى الألوهية, فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:38] منطلقا من قياس فاسد, وهو قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:51] فكيف كانت نهايته؟ لقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، ونكل به في الدنيا والآخرة، لأنه سلك مسلكا مخالفا للنصوص الإلهية.
وممن قاس هذا القياس الفاسد قارون فقد آتاه الله ﴿مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:76]، ولكنه فرح بماله وتبختر واختال وافتخر وكان قد نصحه قومه بقولهم: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ *وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77،76] فكان جوابه ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:78] أي: أنا خبير بمداخل الاقتصاد ومخارجه وما اكتسبت هذا المال إلا لمعرفتي بالطرق والوسائل الاقتصادية، فكان قوله هذا في مقابل قول الله تعالى: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [القصص:82] فكيف كانت عاقبته؟ لقد خسف الله به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من المنتصرين.
وصاحب الجنة الذي قال لصاحبه، وهو يحاوره مفتخرا ومفاخرا بماله وولده: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:34] كانت عاقبة جنته أن أصبحت ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف:40] ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:42]؛ وذلك لأنه سلك مسلك إبليس في القياس الفاسد؛ إذ معنى قوله أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أنه ما أوتي هذه البسطة في المال والولد إلا لأنه أفضل من صاحبه حسبا ونسبا.
فكان قياسه هذا في مقابل قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الزخرف:32] وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].
وهكذا تكون عاقبة كل من سلك هذا المسلك الفاسد من القياس: إما الغضب والطرد من رحمة الله، أو التنكيل، أو الخسف، أو إهلاك الحرث والنسل وعليه فمن افتخر بعنصره، فقدوته ابليس ومن تكبر بملكه وجاهه وسلطانه فقدوته فرعون، ومن فرح واختال بماله فقدوته قارون، ومن فاخر بماله وولده فطريقه طريق صاحب الجنة المفاخر بها، وعاقبة كل واحد من المقتدين عاقبة قدوته، إن عاجلا أو آجلا.
بقي: أن نقول: إن من القياس الفاسد أن يدعي مدع أن حد الردة أمر بشع، أو فيه مخالفة لمقتضيات العصر التي تتطلب أن يكون الناس كلهم في وحدة عالمية شاملة بعيدة عن الفوارق الدينية، وعن المفاضلة القائمة على التقوى، ونقول: إن هذا القياس يصادم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة»(1)، وما أخرجه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بدل دينه فاقتلوه»(2) وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، والقائل ببشاعة حد الردة يسبح ضد تيار النصوص الشرعية!!
وأخيرا لعل من هذا النوع من القياس أن نظن باليهود والنصارى خيرا، فنتوهم أنهم سيرضون عنا، وأنهم يمكن أن يقبلوا بنا كأمة مسلمة متمسكة بدينها دون تنازل عن أي شيء منه، بل إنهم دائما يسعون لكسب مصالحهم بأي وسيلة كانت، لكنهم لا يمكن أن يرضوا عن المسلمين كأمة ذات كيان أبدا، وما نتوهمه من رضاهم عنا دون أي تنازل أمر يضاد قوله تعالى ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:120].
_____________________
(1)- أخرجه مسلم في صحيحه،5/ 106، برقم: 4468، وعند البخاري برقم: 6484.
(2)- أخرجه البخاري في صحيحه،3/ 1098، برقم: 2854.
إعداد الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان
تخريج: عبد الكريم علي الفهدي