الحج غصن في دوحة الإيمان
دوحة الإيمان هي: لا إله إلا الله, والحج غصن من أغصانها؛ إذ هو ركن من أركان الإسلام, ويمتاز عن باقي الأركان بأنه عبادة قلبية وبدنية ومالية, هذا الركن العظيم هو استجابة لحنان المؤمن وشوقه إلى ربه فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشوِّق إلى أسباب اللقاء, هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ماله إضافة إلى محبوبه, والبيت مضاف إلى الله عز وجل, فما أحراه بالاشتياق إليه لمجرد هذه الإضافة !! فضلاً عن طلب نيل ما وعد الله به من الثواب الجزيل.
لقد كان المسلم في حاجة –بعد إقامة الصلوات التي يصليها في اليوم والليلة, وبعد صيام شهر رمضان في كل عام, وبعد الزكاة التي يقوم بأدائها– إذا تم النصاب, وحال عليه الحول- لقد كان في حاجة إلى أن يشهد موسماً هو ربيع الحب والحنان, وملتقى المحبين والمخلصين.
فهو في حاجة إلى طفرة, أو قفزة واسعة يفك بها أغلاله وسلاسله وينسلخ بها من سجنه الضيق القديم العتيق الخلق, وينتقل من عالم كله قديم مألوف, ومقيد محدود, ومخطوط مرسوم, ومصنوع معمول, إلى عالم كله جديد وطريف, وحر منطلق, كله حب وشوق، قد تحرر من كل رق, وثار على كل وثن, وكفر باختلاف الجنس واللون والوطن, وآمن بوحدة الإلهية, ووحدة المنعم والوهاب, وآمن بوحدة الإنسانية مع وحدة العقيدة ووحدة المطلوب، وهتف الناس جميعاً بصوت واحد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) هذا الغصن العظيم في دوحة الإيمان, ينبثق عنه غصنان نظران: أحدهما: يزهر في كل يوم زهرة كبيرة, تفوح بالروائح العطرة, ابتداءً من يوم التروية, وهو اليوم الثامن من ذي الحجة, وانتهاءً بآخر أيام التشريق, وهذه الزهرة العطرة يستنشق عبيرها وشذاها كل من وفد إلى تلك البقاع الطاهرة لأداء الحج, فرضا أو نفلا, ولم يرفث ولم يفسق, فتطهر نفسه من الأمراض التي شاعت بين المسلمين كالشح والأنانية والحقد والتكبر, ويغرس فيها عوضا عن هذه الصفات المهلكة صفات البذل والمحبة والتواضع والإيثار, حتى ترتفع النفس وتسمو, فيعود الحاج طاهر القلب, كريم النفس كيوم ولدته أمه . «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه(1)».
وفضلا عن هذا فإنه يعود موعوداً بأغلى شيء يريده ويتمناه, وهو الوعد بالجنة «وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة»(2).
ثانيهما: يزهر في كل أيام وأشهر السنة, زهرة تتلوها زهرة متى ما وصل الإنسان إلى تلك البقاع الطاهرة ليشتم شذاها فإنه سيجد روائح عطرة تفوح من أزهار متتالية في كل وقت وحين من اليوم, وعلى مدار السنة, هذه الزهرة – العمرة الواحدة أو الأزهار – العمرة بعد العمرة, من اقتطف منها زهرة أو زهرات واشتم أريجها الفواح, فإنه يزول عنه خبث الذنوب والآثام, فيصبح مرهف الحس, حاضر الفكر, ولا يذهل لحظة عن الجو الروحاني الذي يحيط به, وهذا ما يحس به كل ذاهب إلى تلك البقاع الطاهرة لأداء العمرة أو الحج, حيث يكتسب شحنة إيمانية روحانية تحبب إليه كل شيء له صلة بخالقه, وتكره إليه كل ما فيه عصيان وفسوق، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»(3)
فالحديد إذا نفي عنه الخبث صار صقيلا لماعاً, وكذلك المؤمن, فإنه بمتابعته الحج والعمرة يصقل من الذنوب والآثام كما يصقل السيف اللماع من الشوائب التي تطرأ عليه, فما أبلغ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وفي كل أقواله !! وكل عام وأنتم بخير.
إعداد الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان
______________________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه،2/ 553، برقم: 1449.
(2) أخرجه النسائي في سننه،5/ 115، برقم: 2631، قال عنه الشيخ الألباني: حسن صحيح.
(3) أخرجه النسائي في سننه،5/ 115، برقم: 2630، قال عنه الشيخ الألباني: صحيح.
تخريج: عبد الكريم علي الفهدي