أرادوه سبة فصار وساماً
كثيراً ما نسمع إطلاق لقب (مطوع) على كل ذي لحية من الرجال, و(مطوعة) على كل ذات حجاب ساتر من النساء, وهذا اللقب وإن كان من صنع الأعداء, يطلقونه على الملتزمين بالدين وأخلاقه وسلوكياته سخرية منهم واستهزاء بهم؛ لينفروهم ويصرفوهم عن التمسك والالتزام بدينهم. وكثيراً ما شاع هذا المصطلح في البلاد العربية والإسلامية، فتجد عامة الناس حينما يخاطبون الملتزم وينادونه بـ (يا مطوع) إما تقليداً للأعداء أو ترديداً لما يقولونه, أو مجاراة لهم في موضاتهم وصيحاتهم, أو استهزاءً وسخرية بالملتزمين والملتزمات، أو حقداً عليهم، أو بأي تقدير آخر.. الله أعلم بدخائل القلوب والنفوس.
والحقيقة أن هؤلاء الواضعين لهذا المصطلح ومقلديهم لم يوفقوا فيما يريدونه – من وراء هذا المصطلح – من الصد عن الدين والتنفير عن الالتزام به, وذلك لأن لفظ (مطوع) يفهمه كل مسلم ملتزم بدينه بمفهومه العربي الصحيح، وهو أنه اسم فاعل مشتق من التطويع, ومعناه جعل الشيء سهلاً ليناً منقاداً، تقول: تطوع الشيء, أي: سهل وانقاد, وطوعه فلان أي: سهله وجعله منقاداً, ومنه: طوَّع الحداد الحديد, أي: جعله ليناً سهلاً، ومنه أيضا قوله تعالى ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة:30] أي: سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته, وصورت له أن قتل أخيه طوع يده, وسهلٌ عليه.
وبناءً على ذلك فلفظ (مطوع) اسم فاعل يفيد التكثير؛ للتضعيف الوارد فيه ويوحي بالحيوية والنشاط؛ وذلك لأنه يعمل في الماضي والحال والاستقبال والملتزم حينما يطلق عليه هذا اللقب من بعض الجاهلين, فلا يعني أن هذا سبة له, بل هو وسام راق ينبغي أن يعتز به ويفتخر؛ لأن معناه حينئذ أنه قد طوع نفسه لخالقه في الماضي والحال والاستقبال, وأكرهها على فعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي، وروضها على ذلك, وهو أيضاً يدعو الناس لتطويع أنفسهم لربهم وخالقهم وحده، فهو مطوع من هذه الحيثية.
وتطويع النفس لعبادة الله وحده, والابتعاد عن عصيانه, ودعوة الناس إلى ذلك يعتبر أحسن القول على الإطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:33] أي: لا أحد أحسن قولاً ممن طوع نفسه لعبادة الله بالعمل الصالح, ودعا الناس إلى تطويع أنفسهم لربهم, وقال إنني من المطيعين لله.
وعليه فينبغي لكل ملتزم وملتزمة ألا يضيقا ذرعاً من إطلاق هذا اللقب عليهما، فيحققا للأعداء ما يريدونه ويصبون إليه من وراء هذا الإطلاق البائس من إحجام عن الدعوة إلى الله, وعدم سلوك طلب العلم، فهم يريدون لأمة الإسلام أن تكون أمة جاهلة؛ ليسهل قيادها؛ لأنهم يعلمون أن الجهل غشاء سميك يغشي العقول, ويعلمون أن العلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء, فتحرقه رويداً رويداً, فلا يزال العقل يتألم لحرارتها ما دام الغشاء بينه وبينها حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء، فرأي النار نوراً، والألم لذة وسروراً؛ فلذلك هم دائبون في تسميك هذا الغشاء على عقول المسلمين بشتى الوسائل والأساليب والمصطلحات المنفرة عن التنوير؛ وذلك حتى لا ينقشع غشاء الجهل بنور العلم والتعلم والالتزام, فيصعب عليهم الإمساك بالزمام .
وأنتم أيها الملتزمون لا بد أن تعلموا أن الجهلاء مرضى, والعلماء والدعاة أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي؛ فراراً من إزعاج المريض أو خوفاً من صراخه وعويله, أو تقاءً لسبه وشتمه, فإنه سيكون غداً من أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه. والله المستعان.
إعداد الدكتور عبد الواحد بن عبد الله الخميسي رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الإيمان
تخريج: عبد الكريم علي الفهدي