أحكام القسامة
في الفقه الإسلامي والقانون اليمني
بحث مقدم من الطالب/ ضيف الله بن عمر بن سالم الحداد
لنيل درجة الماجستير
إشراف أ.د /صالح بن عبدالله الظبياني
شكر وتقدير
امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"(1) وقوله صلى الله عليه وسلم" إن أشكر الناس لله عز وجل أشكرهم للناس"(2) أقدم شكري وامتناني لأهل الفضل من العلماء الأجلاء، الذين قدموا لي العون في هذا البحث المتواضع.
وأخص بالذكر الشيخ المجاهد العلامة عبد المجيد بن عزيز الزنداني حفظه الله وحماه من كل سوء ومكروه والذي كان له الفضل بعد الله في الوصول إلى تحقيق ما تقنا اليه من طلب للعلم في الجامعة فأسأل الله أن يجزيه عنا خير الجزاء0
وأتقدم أيضاً بخالص الشكر والعرفان للعلامة الفاضل شيخي وأستاذي الدكتور صالح بن عبدالله الظبياني حفظه الله، الذي أولاني اهتمامه ونصحه، ولم يبخل علي بوقته الثمين وجهده القدير، ففتح لي صدره, وأسدى لي الملاحظات والإرشادات القيمة, وأخذ بيدي لإتمام هذا البحث فجزاه الله خيرا وبارك فيه.
وأتقدم أيضاً بخالص الشكر والعرفان للشيخ وأتقدم كذلك بالشكر أيضاً لجميع مشايخي وأساتذتي في الجامعة، وذلك لما قدموه لنا من علوم ومعارف شتى, والتي نسأل الله عز وجل أن يجعلها في موازين حسناتهم.
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف عنها الغمة وحذرها من البدع وجاهد في الله حق جهاده لتكون كلمة الله هي العلياء وكلمة الذين عصوا وشاقوا الرسول هي السفلى فصلوات ربي عليه وعلى آله الطيبين وصحبه الراشدين وعلى التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾(3)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾(4)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾(5).
وبعد:
فإن الله جل وعلا فرض فرائض وبينها, ورسم لنا طريقاً في القيام بها لا نتعداه, وحد لنا حدودا لا نتجاوزها، وهذه الفرائض والحدود نزلت من حكيم حميد؛ حكيم في أمره ونهيه وعلى ذلك يحمد، وحكيم في قدره وقضاءه وعلى ذلك يحمد, فليس لنا إلا الإذعان لشرعه, والاعتراف بحكمته، والإقرار واللهج بحمده والثناء عليه، ومن حكمته سبحانه وتعالى أن أقام الدين وأرسل الرسل وبعث الأنبياء للقيام بضرورات الحياة ومستلزماتها من حفظٍ للكليات الخمس(الدين والعرض والنفس والعقل والمال )،وجعل مدار أحكام الشريعة عليها, وإن من دلائل تعظيم تعالى تعظيم دينه, والتزام شريعته والعمل بأوامره،,واجتناب زواجره، والغيرة على حرماته, فمن عظم الله عز وجل عظم حرماته فلم ينتهكها, ووقف عند حدوده فلم يتعدها, ولو خالف ذلك هواه ومشتهاه, وإنما كان ابتلاء البشر بالشرائع من جهة أن الأوامر والنواهي ثقيلة على النفوس، وفيها مخالفة لشهوة الإنسان وهواه.
والأوامر والنواهي الشرعية متفاوتة في مراتبها, متفاضلة بحسب أهميتها،فمن الأوامر ما تركه كفر, ومنها ما تركه فسق, ومنها ما تركه خلاف السنة أو خلاف الأولى, وكذلك فعل ما ينهى عنه, منه ما يوصل إلى الكفر, ومنه ما فعله فسق, ومنه المكروه كراهة تتريهية.
والأوامر الشرعية تتأكد بحسب تشديد الشارع الحكيم عليها, والنواهي تكون مغلظة إذا غلظها الشارع الحكيم, وليس ذلك لمخلوق مهما علا شأنه؛ بل هو من خصائص الخالق سبحانه وتعالى, وضرب من ضروب ربوبيته عز وجل كما قال سبحانه: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾(6).
وحفظ النفس البشرية من ضرورات الدين وكلياته الكبرى التي لا تستقيم الحياة البشرية ولا تستقر بدونها فالنفس البشرية عظيمة عند الله فحفظها وأحياؤها كإحياء الناس جميعا وقتلها كقتل الناس جميعا والدماء المعصومة حرمتها عند الله تعالى عظيمة, وشأنها كبير, وغلظتها شديدة.
ولقد جاء الإسلام بمنهج عظيم لحفظ النفس البشرية وصيانة الدماء وحرمة إراقتها ورتب لذلك منهجاً عظيماً يبدأ ببيان حرمتها وعظم جرمها وينتهي بالقصاص من المعتدي عليها والعذاب الأليم عند الله في الآخرة وهذا البحث يختص بعرض جزءٍ من المنهج الإسلامي لحفظ الدماء التي لم يتعين قاتلها ووجد بعض اللوث والخيوط التي تكشف فاعل الجريمة وتلحق به العقاب المادي والجسدي الذي يستحقه بحسب ما تقتضيه جريمته وهو ما يسمى في كتب الفقهاء بالقسامة وبما أني أحد خريجي جامعة الإيمان المباركة، والتي أحضت منارا للعلم، ومصدرا للفخر والاعتزاز، والتي تقتضي نظامها أن يقوم الطالب بعد اجتيازه السنة السابعة بتقديم بحث تكميلي في مجال تخصصه لنيل درجة الماجستير، فقد قمت بالبحث عن موضوع للكتابة فيه, فوقع الاختيار على موضوع أحكام القسامة في الفقه الإسلامي فقدمته الى قسم البحوث والدراسات العليا بالجامعة فتم قبوله ولله الحمد والمنة.
ومن خلال هذا البحث تتجلى لنا عظمة الإسلام وشمولية منهجه فلم يضيع حقوق الناس ولم يتركها سدىً ولم تذهب هدراً وأسأل الله أن أكون قد قمت بتحقيق هذا الهدف الغالي وأن أكون قد وفيت بما ألزمت نفسي به من دقة في النقل وعرض مناسب ميسر للموضوع وان يجعله خالصاً لوجهه الكريم وان ينفع به المسلمين0
أهمية الموضوع
تمكن أهمية موضوع البحث في القسامة من وجهة نظري فيما يلي:
أولاً: أن هذا الموضوع من المواضيع الحساسة والضرورية التي يحتاجها الناس خاصة في بلادنا فان القسامة في العرف السائد بين الناس تختلف اختلافا كلياً من حيث الكيفية والشروط والأيمان وعدد الحالفين.
ثانياً: أن موضوع القسامة يحتوي على مسائل وجزئيات كثيرة ومتفرقة، هو بحاجة إلى لم أطرافها وجمع ما تفرق من مسائلها وجزئياتها في رسالة مستقلة.
أسباب اختيار البحث
ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع جملة من الأسباب يمكن أن ألخصها فيما يلي:
أولاً: أهمية الموضوع البالغة، وتظهر أهميته فيما نراه ونشاهده من مخالفات عظيمة للقسامة المشروعة التي أقرها الإسلام وشدة حاجة الناس إلي طرقه من جميع جوانبه وعرض أقوال أهل العلم فيه فان القسامة في العرف السائد بين الناس تختلف اختلافا كلياً من حيث الكيفية والشروط والإيمان وعدد الحالفين فالناس بحاجة إلى جمع مسائله وجزئياته في مؤلف واحد ليسهل الرجوع إليها.
ثانياً: عدم وجود بحوث خاصة أو عامة معاصرة على حسب علمي ناقشت هذا الموضوع ولملمت شتاته وحققت أقواله وبينت شروطه وقيوده0
ثالثاً: دافع الرغبة في البحث العلمي عموما, وبحث هذا الموضوع وما يتعلق به خصوصا, لما فيه من عظيم النفع والفائدة.
رابعاً: تشجيع بعض الإخوة من طلاب العلم على المضي قدما في بحث هذا الموضوع.
كل هذه الأسباب جعلتني مندفعا لاختيار هذا الموضوع فاستعنت بالله وأقدمت على الشروع في بحثه والله الموفق والهادي إلى الصواب, وبه أستعين، وعليه أتوكل.
منهجيتي في البحث
تعريف ما يحتاج إلى تعريف في اللغة والاصطلاح ذكر أراء الفقهاء في المسائل المختلف فيها مع بيان أدلتها واختيار ما يظهر رجحانه مع ذكر وجه الترجيح بحسب الإمكان التوثيق غالباً لأقوال الفقهاء الواردة في المسألة وعزوها إلى مصادرها الأصلية ما أمكن عزو الآيات إلى مصادرها وتخريج الأحاديث وبيان أقوال المحققين من أهل العلم فيها ما أمكن طرق الموضوع في الواقع المعاصر ما أمكن الترجمة للأعلام ما أمكن
خطة البحث
أولاً: المقدمة وفيها عرض لأهمية الموضوع وأسباب اختياره ومنهجية البحث والدراسات السابقة وعرض لخطة البحث0
ثانياً: تمهيد لدراسة البحث وفيه عرض لأهمية الدماء وحرمتها عند الله.
ثالثاً: الألفاظ المتعلقة بالموضوع.
والبحث يشمل أربعة فصول هي التالي:
الفصل الأول: حكم القسامة وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف القسامة في اللغة.
المبحث الثاني: تعريف القسامة شرعاً.
المبحث الثالث: أصل القسامة.
المبحث الرابع: مشروعية القسامة.
الفصل الثاني: شروط القسامة وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اللوث ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الثاني: حكم اللوث.
المطلب الثالث: ما يترتب على اللوث.
المطلب الرابع: دلائل اللوث.
المطلب الخامس:مسقطات اللوث.
المبحث الثاني الشروط المتعلقة بوصف الدعوى.
أولاً: الشروط المتفق عليها.
الشرط الأول:أن تكون القسامة في قتل عمد أوشبه عمد أو خطأ.
الشرط الثاني: عدم معرفة القاتل.
الشرط الثالث: أن لا يكون للمدعين بينة.
الشرط الرابع:أن تكون خمسين يميناً.
الشرط الخامس: أن يكون معصوم الدم.
ثانياً: الشروط المختلف فيها: وهي ستة شروط.
الشرط الأول: الحرية.
الشرط الثاني: أن تكون دعوى القتل في القسامة مفصلة.
الشرط الثالث: أن يكون القتيل في محلٍ مملوكٍ لأحدٍ أو في يد أحد الشرط الرابع: أن يكون بالقتيل اثر قتل.
الشرط الخامس: الإسلام.
الشرط السادس: أن يكون المقتول من بني آدم.
المبحث الثالث: الشروط المتعلقة بالمدعي.
أولاً: الشروط المتفق عليها.
الشرط الأول: أن يكون أولياء القتيل المدعين للقسامة مكلفين.
الشرط الثاني: أن يتفق أولياء الدم على رفع الدعوى إلى القضاء.
ثانيا: الشروط المختلف فيها.
الشرط الأول: اتفاق الأولياء في الدعوى.
الشرط الثاني: أن لا تتناقض دعوى المدعي للدم.
المبحث الرابع: الشروط المتعلقة بالمدعى عليه.
الشرط الأول: أن يكون المدعي عليه معينا.
الشرط الثاني: أن يكون المدعى عليه مكلفا.
الشرط الثالث: أن ينكر المدعى عليه يشترط أيضا
الشرط الرابع: إمكان القتل منه أي من المدعى عليه
الفصل الثالث: كيفية القسامة والآثار المترتبة عليها وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: كيفية القسامة.
المبحث الثاني: من توجه إليهم القسامة.
الفرع الأول: حكم توجيه القسامة إلى الرجال الأحرار البالغين العقلاء في القسامة.
الفرع الثاني: حكم توجيه القسامة إلى الصبيان والمجانين.
الفرع الثالث: حكمت وجيه القسامة إلى النساء.
الفرع الرابع: حكم توجيه القسامة إلى غير الورثة.
المبحث الثالث: الأحكام المترتبة على القسامة.
المبحث الرابع: القسامة في القانون اليمني.
الفصل الرابع: إيمان القسامة.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: شروطها.
المبحث الثاني: ألفاظ القسامة ومحلها.
الفرع الأول: ألفاظ أيمان القسامة.
الفرع الثاني: ما يستحب فيها
الفرع الثالث: محلها.
المبحث الثالث: النكول في إيمان القسامة والأحكام المترتبة عليها.
الفصل الخامس: مبطلات القسامة والآثار المترتبة عليها وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مبطلات القسامة والآثار المترتبة عليها.
الفرع الأول: مبطلات القسامة.
الفرع الثاني: الآثار المترتبة علي مبطلات القسامة.
المبحث الثاني: بعض صور القسامة في العرف السائد بين الناس ومناقشتها في ميزان الفقه الإسلامي
ثامنا: الخاتمة.
تاسعا: المراجع والفهارس.
الخاتمة
وفي ختام هذا البحث يتلخص لنا ما يلي:
أولا: شمولية الإسلام وعظمته ومعالجته لكل الأمور المتعلقة بحياة الإنسان ومنها الدماء فيها نحن نجد أدلة شرعية محكمة البيان والأسلوب تنظم حياة الإنسان والمجتمع وتقرر الحلول الشرعية المناسبة لكل ما يتعلق بأمنه واستقراره وتحارب الجريمة وتشدد عليها ونرى مبادئ خالدة لحقوق الإنسان لا يبلغها منهج وضعي، ولا قانون بشري فالإسلام يرعى حق الإنسان في حفظ حياته لتكون حياة كريمة, يحوطها الأمن والاستقرار والاطمئنان, يبني الإسلام الأمن في نفس المسلم, ثم يبني به حياته, فيقم العدل بين الناس على شرع الله,ويبني القوة والسلطان, الذي يقيم شرع الله في الأرض.
ثانيا: يقتبس هذا الموضوع أهمية خاصة لكونه يتعلق بأمر الدماء من حيث المحافظة عليها ووضع الأحكام الشرعية لعقاب ما أريق منها سواء كان ذلك خطأ أو عدوانا فلا يضيع دم إنسان هدرا مطلقا بغض النظر عن جنس القتيل أو لونه أو معتقده، وسواء أكان في محله أم في فلاة، أم ضحية زحام أم نتيجة إرهاب أم نحوه، فالتعويض إما على أهل البلد وإما على بيت مال المسلمين.
ثالثا: مدى عمق الشريعة ورسوخا والفرق بينها وبين الشرائع البشرية الأرضية فنجد أن الشريعة تشدد بخصوص الجرائم الخطيرة التي يتأثر بها أمن الجماعة ونظامها تشددا بالغا يتحرى التدقيق في تحديد الجريمة وترتيب العقوبات عليها، على غير المنحى في القوانين الوضعية وبهذا تنجلي عظمة الإسلام وعالميته وشموله في سن كل ما يؤدي إلى حفظ دماء البشر ويصون كرامة الإنسان ويحمي حياته من جميع ضروب العدوان عليها بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين أو العرق فدين الإسلام دين الرحمة والعدل والشفقة للإنسان وتشريعاته وأحكامه وتاريخه التطبيقي خير دليل وأظهر برهان والسبب أن الإسلام دين رب العالمين الذي خلق الإنسان والذي هو أعلم بمصلحة الإنسان فشرع من الأحكام ما فيه الخير والصلاح والأمن لعباده في الدنيا والآخرة والقسامة، في هذا الباب تزخر بالدفاع الجميل عما يسمى بحقوق الإنسان في أيامنا فالقاتل لا تبرأ ساحته حتى يدان أو يقدم أدلة تبرئه من التهمة المدان بها فلننظر إلى الفرق الكبير بين التشريع الإلهي وبين قانون الغاب الذي يحكم العالم اليوم من لم يكن معنا فهو ضدنا وإلى غيره من قوانين البشر القاصرة الخاسرة والذي ذهب ضحية لها عشرات الملايين من البشر وخاصة من المسلمين كما هو الحال في العراق وفلسطين وبوما وكشمير وأفغانستان والشيشان والصومال وتركمانستان وغيرها من بلاد الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رابعا: يتجلى لنا أثر القسامة في إثبات القتل ومعرفة الجاني بصور عدة وشرائط لا مثيل لها في ضبط الحكم وتنفيذه حتى لا تتعدى الجريمة إلى غير فاعلها من اعتبار اللوث إلى تكليف المدعي والمدعى عليه إلى وصف القتل إلى اليمين وعددها وصيغتها وغير ذلك من الشروط التي ذكرها الفقهاء وضبطوا حكم القسامة والسبب في كثرة الشروط في القسامة يكمن في تعلقها بحياة الناس وأرواحهم وهذا مالا يمكن أن يصل إليه الإنسان بعقله أو بتجربته وخبرته مما يزيدنا إيمانا بديننا وثقة بشريعتنا ويقينا أن صلاح العالم وخيره مرتبط بتطبيقه لشريعة الإسلام والتي هي تنزيل من حكيم حميد ويتأكد لنا مدى أهمية لجوء الشريعة الإسلامية بما لا نظير له من الوسائل التي لا تتيحها مدونات القوانين البشرية الأخرى وإن هي أبقت في أنظمتها المختلفة على بعض هذه الشروط.
خامسا: أن القسامة مخالفة لسائر الدعاوي من جهة أن اليمين يبتدئ بها المدعي وأنها خمسون يمينا وأنها لا تنقل إلى المدعى عليه إلا عند امتناع المدعين وطلبهم اليمين من المدعى عليهم وهذا الحكم مخصص لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) فهذا الحديث أصل عام لكل يمين عدا ما خصه الشرع كالقسامة.
وأخيرا: فإنني من خلال هذا البحث أردت أن أحقق بعض ما يتقاضى به الناس ويتحاكمون به في حياتهم وعلاقاتهم ببعضهم واضعه في ميزان الشريعة وقد اجتهدت قدر استطاعتي أن أبين ما استطعت تبيينه واعترف اعترافا تاما لا شك فيه أنني بشر وأن عملي معرض للقصور والزلل ولا أدعي أني قد وفيت البحث حقه، فإن موضوعا مثل هذا الموضوع يستحق بحثا أوسع وأشمل، ولكن حسبي أني جمعت ما أمكنني جمعه من كلام أئمتنا وعلمائنا، ليكون في هذا عبرة لمن اعتبر والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وأرجو من الله أن يغفر لي كل ذنب وزلل وأن يعفو عن كل خطأ وخلل وأن يكتب لهذا البحث القبول ولهذه الكلمات أن ترى النور وأن تجد من يتأثر بها فيغير الواقع السيئ الذي حل بمجتمعاتنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.