إجماعات الإمام ابن رشد في كتاب الطهارة
من كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد
(جمعاً ودراسةً)
1429هـ - 2008م
بحث تكميلي لنيل درجة المشيخة (الماجستير)
إعداد الطالب / عدنان عبده سعيد ناجي
إشراف أ.د / صالح عبد الله الظبياني
الإهداء
إلى روح أميَّ الطاهرة... إلى من غمرتني بوابل من الدعوات
إلى روح والدي الذي لم أحظ ببره حيّاً،
إلى من كانا النور الذي يهديني إلى الحق وهذا النور اليوم قد اختفى
إلى من كانا أملي بعد الله،
لم يبق لي بعدكما إلا رحمة الله، والأمل بلقاكما في رحاب الله
إلى أشقائي الذين طالما كانوا ورائي في عمل كل خير يدفعوني إليه ويشجعوني عليه ويفرحون به،
إلى شقيقي الأكبر الذي أحاطني بنصحه، وخصني بعونه، فكان سيفي الذي أنازل به الأضداد، والجواد الذي أصاول به الأنداد.
إلى زوجتي ورفيقة حياتي... إلى من هي أملي وعوني في السير على طريق الدعوة... إلى من كانت لي نعم العون في إنجاح هذا العمل.
إلى جميع إخواني العاملين في حقل الدعوة إلى الله
أهدي هذا الجهد المتواضع.
شكر وعرفان
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده على آلائه التي لا تحصى ونعمه الكثيرة المتجددة والمتكررة.
وإن من نعم الله تعالى عليَّ أن يسر لي إنجاز هذا البحث وإخراجه على هذا النحو، فله الحمد أولاً وآخراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وإن مما أدبنا ديننا الحنيف أن نذكر لكل ذي فضل فضله ونشكره عليه وندعو له بالخير إن لم نقدر على مكافأته.
وفي هذا المقام أخص بالشكر الجزيل جامعة الإيمان التي كان لي الشرف العظيم أن أكون أحد منتسبيها.
ثم أثني شكري وتقديري لرئيسها الوالد فضيلة الشيخ الداعية المجاهد/ عبد المجيد بن عزيز الزنداني، الذي شرفه الله تعالى أن يكون رائد هذا الصرح العلمي المبارك، فأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل جهده هذا في ميزان حسناته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أخص بالشكر أستاذي القدير فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور/ صالح بن عبد الله الظبياني الذي تفضل مشكوراً بقبوله أن يكون مشرفاً على رسالتي فكان نعم المشرف والموجه والمرشد، حيث كان خير عون بعد الله سبحانه وتعالى في سير البحث وتمامه، فجزاه الله خير الجزاء.
كما أخص بالشكر الجزيل المناقشين الفاضلين الأستاذ الدكتور/ حسن محمد مقبولي الأهدل، والشيخ الدكتور/ أمين علي مقبل على تفضليمها بمناقشة هذا البحث وما سيقدمانه من ملاحظات وتوجيهات آخذاً إياها بعين الاعتبار إن شاء الله تعالى.
ولا أنسى أن أشكر الأخ الأستاذ/ عبد الوهاب أحمد علي الدهاق الذي تفضل مشكوراً بطباعة هذه الرسالة فجزاه الله خيراً.
وأختم شكري وتقديري كل من تعاون معي أو أسدى إليَّ نصيحة أو أدلى إليَّ برأي من المشايخ والإخوة الزملاء، فجزى الله الجميع خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناتهم. والحمد لله رب العالمين.
المقدمة
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون(1).}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا(2)، }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(3)
أما بعد: فالشريعة الإسلامية شريعة كاملة شاملة صالحة لكل زمان ومكان بمصادرها الأصلية والتبعية التي تكفل الله بحفظها إلى قيام الساعة برجال يتقربون إلى الله تعالى بخدمتها وفهمها وتعليمها.
والإجماع هو الأصل الثالث من أصول الأحكام الشرعية بعد الكتاب والسنة ولمكانة هذا الأصل العظيم عند الفقهاء فقد أصبح الإجماع سمة للفرقة الناجية يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم، وقد تواترت أخبار أهل السنة والجماعة على إمكان وقوعه وحجيته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "مبنى أحكام الدين على ثلاثة أقسام الكتاب والسنة والإجماع". وقال: " إذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ".
ولما كان نظام جامعة الإيمان، ملزماً للدارسين في المراحل العليا تقديم بحث تكميلي أو دخول الامتحان الشامل لنيل درجة الماجستير كان من توفيق الله لي أن وقع اختياري على موضوع مسائل الإجماع عند الإمام ابن رشد في كتاب الطهارة.
أهمية الموضوع
-
تظهر أهمية البحث من خلال مكانة الإجماع بين الأدلة الشرعية.
-
إن الإجماع هو مصدر ثابت من مصادر الشريعة الإسلامية لا يجوز مخالفته.
-
حجية الأحكام الشرعية المجمع عليها بالجملة خاصة إذا كانت مستندة على دليل من كتاب أو سنة.
-
اتفق الأصوليون وغيرهم أن معرفة مسائل الإجماع من شروط الاجتهاد، فيلزم المجتهد والمفتي معرفتها حتى لا يفتي بخلافها كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتي بخلافها.
-
رفد المكتبة الإسلامية بمزيد من البحوث المستقلة، والتي تعنى بموضوع معين حتى يسهل الرجوع إليها.
أسباب اختيار الموضوع
-
أن الإمام بن رشد ذكر الإجماع في كثير من المسائل الفقهية في كتاب بداية المجتهد، فكان لا بد من الوقوف معها من الناحية العلمية.
-
الرغبة في التعرف على منهج الإمام ابن رشد في مسائل الإجماع.
-
التعرف على مصطلحات الفقهاء في قضية الإجماع.
-
المساهمة بهذا البحث المتواضع في خدمة منهج جامعة الإيمان على اعتبار أن الكتاب المذكور يدرس ضمن منهجها.
-
جمع وإخراج هذه الاجماعات في مصنف حتى يسهل للباحثين وطلبة العلم الرجوع إليها.
-
الرغبة في الحصول على الملكة في البحث.
منهجي في البحث
-
اتبعت المنهج الاستقرائي التتبعي فقمت بقراءة مركزه لكتاب الطهارة في بداية المجتهد للإمام ابن رشد، وتحديد مواطن الإجماع في المسائل الفقهية ذات الصلة بموضوعي.
-
قدمت للبحث بمقدمة تأصيلية تتعلق بتعريف الإجماع وحجيته وأنواعه وأهميته بين مصادر التشريع الإسلامي.
-
نقلت كلام ابن رشد في حكاية الإجماع بنصه، وأجعله بين علامتي تنصيص هكذا ".....".
-
ذكرت مستند الإجماع لكل مسألة قدر الإمكان واقتصرت من ذلك على ما هو واضح الدلالة من الكتاب والسنة والقياس الجلي.
-
في النقل عن مذاهب العلماء أنقل من كتبهم المعتمدة وأعزو إليها، وأؤكد ذلك بالنقل من أكثر من كتاب.
-
أشير إلى المراجع التي وافقت الإمام ابن رشد في نقل الإجماع أو ذكر حكمه، بذكرها في الحاشية مع الإشارة إلى الموضع من الكتاب بالجزء والصفحة.
-
ذكرت معلومات النشر للمراجع والمصادر عند أول موضع أعزو إليه منه في الحاشية.
-
وضعت لكل مسألة خلاصة أبين فيها صحة الإجماع من عدمه.
-
المسائل التي ذكر فيه الخلاف أذكره عن أهل العلم ومن خالف في ذلك وأبين أدلتهم ثم أبين الراجح في ذلك..
-
فسرت غريب الألفاظ غالباً بالرجوع إلى مصادر اللغة، وغريب الحديث .
-
بينت مواضع الآيات من السور، وجعلت كتابتها بالرسم العثماني، وميزتها بين أقواس مزهرية. هكذا:﴿.... ﴾.
-
جعلت الأحاديث بين حاصرتين هكذا{....}، والمنقولات عن الكتب بين علامتي تنصيص "....".
-
قد أحتاج لزيادة كلمة داخل النص المنقول من كلام العلماء لبيان مرجع الضمير أو تفسير كلمة أو نحو ذلك، فأجعل ما أزيده بين علامتي اعتراض هكذا -.....-.
-
خرجت الأحاديث والآثار وعزوتها إلى مصادرها الأصلية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليه للاتفاق على صحة ما فيها وتلقي الأمة لهما بالقبول، وإن لم يكن الحديث في أحدهما عزوته إلى مصادره ونقلت درجته صحةً وضعفاً عن أهل الحديث.
-
ترجمت للأعلام الواردة أسماؤهم في صلب البحث ترجمة موجزة تعرف بهم، وأحرص فيها على ذكر اسمه ونسبه وما ينتمي إليه من بلد أو مذهب، وأذكر أيضاً تاريخ وفاته وأشهر مؤلفاته إن كان من المصنفين.
-
ضبطت أسماء الأماكن مع بيان مواضعها.
-
وضعت فهرساً للآيات القرآنية. وللأحاديث الشريفة.وللأعلام.
-
ألحقت المصادر التي استعنت بها في البحث في آخر الكتاب.
-
وضعت فهرساً لموضوعات الكتاب.
خطة البحث
التمهيد ويشمل على: نبذة مختصرة عن الإمام بن رشد. ونبذة مختصرة عن الإجماع.
الباب الأول: الطهارة من الحدث: وفيه خمسة فصول.
الفصل الأول: حكم الطهارة وأقسامها: وفيه ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: على من تجب.
المبحث الثاني: أقسام الطهارة الشرعية: وفيه مطلبان
المطلب الأول: الطهارة من الحدث: وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: وجوب الوضوء.
المسألة الثانية: وجوب الغسل.
المسألة الثالثة: وجوب التيمم.
المطلب الثاني: الطهارة من الخبث
المبحث الثالث: اشتراط النية وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العبادة المفتقرة إلى نية.
المطلب الثاني: العبادة غير المفتقرة إلى نية.
المبحث الرابع: في فرائض الوضوء وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: في أن غسل الوجه من فرائض الوضوء.
المطلب الثاني: في أن غسل اليدين والذراعين من فرائض الوضوء.
المطلب الثالث: في أن مسح الرأس من فرائض الوضوء.
المطلب الرابع: في أن الرجلين من أعضاء الوضوء.
المطلب الخامس: في العدد الواجب في الأجزاء المغسولة.
الفصل الثاني: في أحكام المياه وأقسامها: وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: طهارة جميع أنواع المياه.
المبحث الثاني: في كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً.
المبحث الثالث: في الماء الذي غيرت النجاسة أوصافه الثلاثة أو أحدها.
المبحث الرابع: في الماء الكثير المستبحر الذي لم تغير النجاسة أحد أوصافه الثلاثة.
المبحث الخامس: في الماء الذي خالطه زعفران أو غيره من الأشياء الطاهرة التي تنفك عنه غالباً متى غيرت أحد أوصافه.
المبحث السادس: حكم الوضوء بالماء المطبوخ مع شيء طاهر وكذلك في مياه النبات المستخرجة منه.
المبحث السابع: في طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام وفيه مطلبان.
المطلب الأول: طهارة أسآر المسلمين.
المطلب الثاني: طهارة أسآر بهيمة الأنعام.
الفصل الثالث: (في نواقض الوضوء) وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في انتقاض الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي.
المبحث الثاني: إيجاب الوضوء من الريح إذا خرج من أسفل وعدم إيجابه منه إذا خرج من فوق.
المبحث الثالث: سقوط إيجاب الوضوء مما مست النار.
الفصل الرابع: (الغسل وأحكامه): وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في وجوب هذه الطهارة.
المبحث الثاني: في معرفة نواقض هذه الطهارة: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: خروج المني على وجه الصحة في النوم أو في اليقظة من ذكر كان أو أنثى.
المطلب الثاني: دم الحيض.
المبحث الثالث: في أحكام الحيض والاستحاضة: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في أنواع الدماء التي تخرج من الرحم.
المطلب الثاني: في ماذا يمنع الحيض.
الفصل الخامس: (في التيمم) وفيه: أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها.
المبحث الثاني: في معرفة من تجوز له هذه الطهارة.
المبحث الثالث: في ما تصنع به هذه الطهارة.
المبحث الرابع: في نواقض هذه الطهارة.
الباب الثاني: الطهارة من النجس: وفيه فصلان
الفصل الأول: في معرفة حكم هذه الطهارة وأنواع النجاسات: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في معرفة حكم هذه الطهارة.
المبحث الثاني: في معرفة أعيان النجاسات: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي.
المطلب الثاني: لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته.
المطلب الثالث: الدم المسفوح.
المطلب الرابع: بول ابن آدم ورجيعه.
المبحث الثالث: في حكم الشعر الذي قطع من الحي.
الفصل الثاني: في معرفة المحال التي تجب إزالة النجاسات عنها والشيء الذي تزال به: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معرفة المحال التي تجب إزالة النجاسات عنها.
المبحث الثاني: في الشيء الذي تزال به النجاسات: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الماء الطاهر المطهر.
المطلب الثاني: الحجارة.
المبحث الثالث: في صفة إزالة النجاسة.
المبحث الرابع: في طهارة ذيل المرأة الطويل.
الخاتمة
الفهارس
الخاتمة
فقد وقفت في هذا البحث على النتائج التالية:
-
تعرفت على منهج الإمام بن رشد رحمه الله في تعاطيه لمسائل الإجماع فظهر لي ما يلي:
- أن لفظ الاتفاق والإجماع مترادفان عند الإمام بن رشد رحمه الله.
- أنه لا يعتد بالخلاف الوارد من بعض الفرق ولا يراه خرقاً للإجماع.
- أنه لا يعتد بخلاف الواحد أو الاثنين.
-
تبين لي أن لفظ الإجماع مراتب متفاوتة من حيث القوة والضعف، فأقواها الإجماع ويلي ذلك الاتفاق.
-
تبين لي أن الإجماع له مستند شرعي من الكتاب أو السنة أو القياس.
-
تبين لي أن المؤلفات التي صنفت في الإجماعات قليلة.
-
تبين لي مدى قوة إجماعات ابن رشد من خلال ما ثبت وصح من الإجماعات التي حكاها في كتاب الطهارة حيث إن جملة ما صح هو اثنان وأربعون إجماعاً من جملة خمس وأربعين.
أخيراً: أوصي طلبة العلم والباحثين بالاهتمام بالإجماعات جمعاً ودراسةً وذلك لأهمية هذا الأصل العظيم من أصول الأحكام الشرعية.