الفرض الكفائي عند الأصوليين
وأثره على اختلاف الفقهاء
بحث مقدم لنيل درجة المشيخة (الماجستير)
إعداد الطالب/ حسن حسين عبد الله الشامي
إشراف د/ أمين علي مقبل
1429 هـ - 2008م
الإهـــــداء
إلى من أمرني الله بطاعتهما، براً بهما.. واعترافاً بفضلهما.. ووفاءً لعطائهما.
فكم استشعرت دعواتكما لي مع كل خاطر جال في صدري، ومع كل فكرةٍ دارت في خلدي، ومع كل نقطةٍ مداد خطها قلمي.
إلى الحاضرين في القلب ...
إلى والديّ الكريمين... - أطال الله بقاءهما في طاعته-.
إلى جميع إخواني الفضلاء ... على دعمهم، ودعائهم الذي يغمرونني به دائماً.
إلى جميع مشايخي، وأساتذتي، وأقاربي، وأصدقائي، داخل الجامعة وخارجها.
إلى كل هؤلاء... أهدي هذا الجهد...
شكر وتقدير
الحمد، والشكر، والثناء، لله سبحانه وتعالى، صاحبِ الفضل والعون، على إتمام هذا البحث، فلولاه ما كتبتُ، ولولاه ما قرأتُ، ولولاه ما خرج هذا البحث بهذه الصورة، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
ثم: أتقدم بالشكر الجزيل إلى رئاسة جامعة الإيمان المباركة ومشايخها والقائمين عليها، وعلى رأسهم، فضيلة الشيخ العلامة/ عبد المجيد بن عزيز الزنداني-حفظه الله-، رئيس الجامعة، الذي بذل جهده ووقته لبناء هذا الصرح العلمي الشامخ، وأتاح الفرصة لي ولكافة طلبة العلم في الدراسة والتحصيل في هذا الصرح، فجزاه الله خيراً، وجعل ذلك في ميزان حسناته.
كما أخص بالشكر:
فضيلة الدكتور/ أمين علي مقبل- مشرف هذا البحث- على موافقته للإشراف على بحثي هذا، وعلى تحمله قراءته، وتصحيح الأخطاء الواردة فيه، وأشكره أيضاً على ما أحاطني به من جميل ملاحظاته، وحسن تشجيعه، فلم يأل جهداً في توجيهي، والرد على تساؤلاتي، مما كان له الفضل بعد فضل الله تعالى في خروج هذا البحث بهذه الصورة.
كما أخص بالشكر أيضاً المناقشَين الكريمَين: فضيلة الدكتور/ صالح عبد الله الظبياني-حفظه الله-، فضيلة الدكتور/ عبد اللطيف هايل ثابت-حفظه الله-.
على موافقتهما لمناقشة بحثي - وهو شيءٌ أتشرف به- وعلى تحملهما عناء القراءة، وكتابة الملاحظات، وأعِدهما أني سآخذ ما يبديانه من الملاحظات والتعديلات بعين الاعتبار.
ولا أنسى أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان، لكل من أعانني على إتمام بحثي، بملاحظةٍ، أو بمرجعٍ، أو بتصحيح، وعلى رأسهم: الشيخ/ طاهر صلاح، والشيخ/ محمد كرِش، سائلاً المولى -عز وجل- أن يجزي الجميع خير الجزاء، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العلمين.
الباحث
المقدمــة
إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
أما بعد:
فإن من توفيق الله وأمارات إرادته الخير بعبده في هذه الحياة وبعد الممات: أن يسلك به سبيل طلب العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة، وما يدور في فلكهما من العلوم التي تخدمهما وتوصل مبتغيها إلى معرفة أحكام دينه، من كتاب ربه وسنة رسوله- r- فتمنحه -بعد توفيق الله- الفقهَ في دينه، والبصيرة في أحكام شريعته، فيحوز الخير الذي أخبر عنه رسول الله- r- وهو الصادق المصدوق بقوله: {من يُرِد الله بِه خيرًا يفقّهْه في الدّين }(1).
وإنّ من أهم هذه العلوم، وأعظمها نفعاً، وأبلغها أثراً، وأكثرها فائدة: علم أصول الفقه. ذلك العلم الذي يمكن المجتهدين من النظر في أصول الشريعة ومقاصدها، وقواعد الدين ونصوصه، واستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية بإتقانٍ وبصيرة.
وهو مأوى الأئمة، وملجأ المجتهدين، ومورد المفتين عند تحقيق المسائل، وتحرير الأقوال، وتقرير الأدلة، وتأصيل وتقعيد الحكم في النوازل، وما يَجِدُّ في حياة المسلمين.
فبعلم الأصول يستطيع الإنسان أن يضبط الأحكام بإتقانٍ، ويساير أحوال الناس مع تغير المكان، وتبدل الزمان.
وقد عُنِيَ علماء الإسلام وأئمة الدين- عبر العصور- بهذا العلم، فألّفت فيه المؤلفات، وتعددت فيه المدارس، وتباينت المناهج.
فمن العلماء من اعتنى بتحرير القواعد الأصولية، وإقامة الأدلة عليها واهتم بإيضاح منهجه في الاستدلال وأيده بالشواهد من اللغة العربية والأمثلة الشرعية، بغية الإيضاح والبيان(2).
ومنهم: من سار على هذا المنهج ولكن نحا منحى التوسع مع الشدة على المخالفين والحدة في مناقشة استدلالا تهم(3).
إننا في عصر سارت فيه عجلة الحياة بسرعة، وجدت فيه كثير من صور المعاملات، والنوازل التي يراد معرفة حكم الشرع فيها بإلحاح، وجاءت القضايا المعقدة، والحوادث الشائكة، تتطلب من علماء الأمة الاجتهاد والنظر لاستنباط الحكم الشرعي فيها، ومع ذلك فقد حصل تقصيرٌ من المسلمين في هذا الجانب العلمي المتطور، مما دعا أعداءَ الإسلام أن يصموا الإسلام بالجمود والتحجر، وأنه عاجز عن مواكبة متغيرات الحياة، ومجاراة روح العصر ومستجداته.
إن هذه القضايا والحوادث، لا يمكن أن تنتهي الأمة الإسلامية فيها إلى حلٍ شرعي، إلا إذا كان علماؤها، وأهل الحل والعقد فيها، على مستوى قويِّ، وإلمام نظري وعلميٍّ بقواعد علم أصول الفقه، الذي يؤهل لمعرفة حكم كل جديد، على ضوء النصوص والقواعد.
ولا يخفى على ذي لب أنَّ كثيراً من تكاليف الدين الحنيف يتم أداؤها بصورةٍ جماعية، كالصلاة والحج والجهاد..... إلخ.
وكم في إقامة هذه الفروض من إراحة للضمير، وإشعار بالوحدة الإسلامية، والأخوة بين المؤمنين.
وفي الوقت نفسه كم يحقق المسلمون من أهداف بإقامتها، فهي إغاظةٌ لأعداء الله، حين يرون المسلمين صفاً واحداً في نظام سوي لا يتشتت أو يتفرق.
وللأسف الشديد، أصبحت فروض الكفاية في زماننا متكأً يستند إليه كثير من الناس لتبرير تخلفهم عن أداء العبادة المطلوب أداؤها.
والمعروف فقهاً وشرعاً، أن الفروض والتكاليف الشرعية نوعان: فروض عينية، وفروض كفائية.
أما الفروض العينية: فهي التي تجب على كل إنسان بعينه، وفق استطاعته، ولا يخرج من عهدة التكليف الشرعي إلا بأدائها، والاضطلاع بها.
وأما الفروض الكفائية فهي التي يجب على الأمة تحقيقها بمجموعها، حيث لا ينجو الفرد من المسؤولية عنها، ولا يخرج من عهدة التكليف بها ما لم تحققه الأمة بمجموعها.
ومن مجموع ما سبق، من إشارةٍ إلى أهمية هذا العلم، وواجب الأمة تجاهه- تأتي رغبتي في البحث في هذا العلم، لعلي أشارك في تقديم شيء من الواجب نحوه، لما في ذلك من الثمرة الكبرى، والفائدة العظمى.
وقد منّ الله عليّ، وشرفني، بسلوك طلب العلم الشرعي، عن طريق هذه الجامعة المباركة(جامعة الإيمان) وتلك نعمة ينبغي التحدث بها وشكرها.
فجاء هذا البحث إسهاماً في هذا الأمر المهم، فاستعنت بالله، واستشرت أهل الدراية والاختصاص- ثم عزمت على الكتابة فيه معنوناً له: بـ: "الفرض الكفائي عند الأصوليين وأثره على اختلاف الفقهاء".
راجياً من الله -عز وجل- أن يوفقني فيما أقدمت عليه، وإن كنت لست من فرسان هذا الميدان. والله المستعان(4).
أهمية البحث
لا شك أنّ الكلام عن فروض الكفاية، وكيفية إقامتها من الأهمية بمكان، ويظهر ذلك من خلال:
اعتناء الإسلام بهذه الفروض، وذكرها في الكتاب والسنة، يحتم علينا معرفتها وكيفية الوصول إلى تحقيقها.
الوصول إلى تحقيق هذه الفروض ينمي في المسلم روح الوحدة والأخوة بينه وبين سائر المسلمين.
تعريف الإنسان بواجبه نحو أمته الإسلامية، وأن هذا الدين قائم على جهود جماعية، متكاتفة.
ذكر بعض الفروض التي كانت غائبة لدى كثير من الناس، أو كانت حاضرة في أذهانهم لكنهم، يرونها من باب المندوب أو المستحب، جهلاً أو تجاهلا منهم بذلك
سبب اختياري للبحث
إن السبب في اختياري للبحث لا يبعد تماماً عن أهمية البحث لديَّ، ومع ذلك فمن أهم الأسباب ما يلي:
1_ قيمة هذا الموضوع العلمية، حيث يضم كماً لا بأس به من المسائل العلمية المتعلقة بالفرض الكفائي.
2_ قصر الاهتمام من كثير من الناس على التكاليف العينية دون الكفائية.
3_ الاطلاع على أكبر قدر ممكن من اختلاف الأئمة في فروض الكفاية.
4_ قرأت - قبل سنتين تقريباً- كُتيباً يتكلم عن هذا العنوان الذي كتبت فيه، يحمل عنواناً: "إحياء الفروض الكفائية سبيل تنمية المجتمع" من كتب الأمة الصادرة عن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية- قطر-، العدد: 105 المحرم 1426هـ تأليف: د. عبد الباقي عبد الكبير.
إلا أنه ركز على جانب التوعية الثقافية، وأهمية الفروض الكفائية لبناء المجتمع، ولم يدرس المسألة دراسة أصولية، كما حاولت إيضاحها في بحثي، إلا ما كان يذكره عرضاً، وباختصار.
فأعجبتُ به كثيراً، وعزمت من حينها، أن أبحث في هذا العنوان بطريقة أوسع وأشمل، ليتم دراسة المسألة في أكثر من جانب.
عملي في البحث
من المسلَّم أن البحث العلمي لا بد أن يلتزم فيه صاحبُه منهجاً معيناً، يسير عليه، وطريقةً محددة يسلكها فيه.
استخدمت المنهج الاستقرائي؛ فقمت بتجميع وقراءة الكتب التي لها علاقة بالبحث.
أكثرت من الرجوع إلى المصادر التي لها علاقة بالموضوع، سواء من الناحية الأصولية أم من الناحية الفقهية.
في المسائل الخلافية بين العلماء، قمت بذكر الأقوال في المسألة، وإلحاق كل قول بأدلته، ثم مناقشة الأدلة غالباً، ثم الترجيح.
قمت بعزو الآيات القرآنية إلى سورها؛ بذكر السورة ورقم الآية بين قوسين، هكذا ( اسم السورة: رقم الآية).
خرجت الأحاديث النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة أو عن التابعين -رضي الله عنهم جميعاً- بذكر الجزء والصفحة، ورقم الحديث، والكتاب، والباب، ومن روى الحديث، وإذا كان الحديث موجوداً في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفيت بالإحالة إلى مكانه فيهما، وإذا كان في غيرهما فإني أذكر موضعه في كتب السنة الأخرى، وأبين حكمه نقلاً عن أئمة هذا الشأن.
قمت بترجمة موجزة، للأعلام الواردة أسماؤهم في البحث، وأحيل في كل ترجمة على التراجم الأصلية، وكتب الطبقات.
بينت معاني الألفاظ الغريبة، من المصادر اللغوية المعتمدة.
ذيّلتُ البحث بفهارس متعددة متنوعة تسهّل حصول المأمول، والعثور على البغية المرجوة، دون تعبٍ وعناء.
خطة البحث
وتتكون من: المقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.
الفصل الأول: في التعريفات والأقسام: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الفرض الكفائي لغةً واصطلاحاً:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الواجب لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: تعريف الفرض لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثالث: تعريف الكفائي لغةً واصطلاحاً.
المطلب الرابع: تعريف الفرض الكفائي(مركباً).
المبحث الثاني: أقسام الواجب، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الواجب باعتبار وقته وزمن أدائه، وفيه فرعان:
الفرع الأول: الواجب المؤقت، وينقسم إلى:
أ: الواجب المضيق.
ب: الواجب الموسع.
الفرع الثاني: الواجب غير المؤقت(المطلق).
المطلب الثاني: الواجب باعتبار المطلوب (بحسب الفعل المأمور به) وفيه فرعان:
الفرع الأول: الواجب المعين.
الفرع الثاني: الواجب المخير.
المطلب الثالث: الواجب باعتبار التقدير(تحديده وعدم تحديده)، وفيه فرعان:
الفرع الأول: واجب محدد.
الفرع الثاني: واجب غير محدد.
المطلب الرابع: الواجب باعتبار المخاطب، وفيه فرعان:
الفرع الأول: الواجب العيني.
الفرع الثاني: الواجب الكفائي.
المبحث الثالث: أقسام الفرض الكفائي، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التقسيم الثنائي (الأول).
المطلب الثاني: التقسيم الثنائي (الثاني).
المطلب الثالث: التقسيم الثلاثي.
المبحث الرابع: اختلاف العلماء في الفرض والواجب.
الفصل الثاني: الأحكام المتعلقة بالفرض الكفائي:
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: مقاصد الشرع بالواجبات العينية، والكفائية.
المبحث الثاني: أيُّ الفرضين أهم، فرض الكفاية أم فرض العين؟
المبحث الثالث: من المخاطب بفرض الكفاية؟
المبحث الرابع: متى يتحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟
المبحث الخامس: الفرق بين فرض الكفاية وفرض العين.
المبحث السادس: متى يتحقق فرض الكفاية؟
المبحث السابع: (ملحق للفرض الكفائي): الفرق بين سنة الكفاية وسنة العين.
الفصل الثالث(التطبيقي): أثر الفرض الكفائي في اختلاف الفقهاء، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: صلاة الجماعة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف صلاة الجماعة لغةً واصطلاحاًً.
المطلب الثاني: مشروعية صلاة الجماعة.
المبحث الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المطلب الثالث: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المبحث الثالث: الجهاد، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الجهاد لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: مشروعية الجهاد.
المطلب الثالث: حكم الجهاد.
المبحث الرابع: حكم النكاح، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف النكاح لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: مشروعية النكاح.
المطلب الثالث: حكم النكاح.
الخاتمة: واشتملت على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
الفهارس: وقد قسمتها إلى ستة فهارس على النحو الآتي:
أولاً: فِهرس الآيات القرآنية.
ثانياً: فهرس الأحاديث النبوية والآثار.
ثالثاً: فهرس الألفاظ الغريبة.
رابعاً: فهرس الأعلام.
خامساً: فهرس المراجع.
سادساً: فهرس الموضوعات.
الخـــــاتمة:
ولكل بداية نهاية، وبعد أن تجولنا في رحاب هذا البحث العلمي، في مسائله الكلية والجزئية، لا يمنع أن آتي بخلاصة، لأختم بها بحثي، وأحقق بها غرضي بصورةٍ قريبة ووقت يسير.
ولقد توصلت إلى مجموعةٍ من المسائل أهمها ما يلي:
ما وقع من خلاف بين الجمهور والحنفية في الفرق بين الفرض والواجب هو مجرد خلاف لفظي، وما ذهب إليه الجمهور من أن الفرض بمعنى الواجب هو الأصوب.
إن مقصود الشارع الحكيم من الواجبات الكفائية حماية المصالح العامة للأمة، من جلب مصلحة ودرء مفسدة؛ لذلك فإن التقصير في هذه الواجبات يؤدي إلى ضياع المصالح العامة.
لا يفضل فرض الكفاية على فرض العين، ولا العكس، إلا في الموضع الذي يتم فيه تحقق مصلحة أو درء مفسدة.
ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن المخاطب بفرض الكفاية هم الكل، هو الصواب، لما في ذلك من استشعار المسؤولية، وعدم الاتكال.
عدم الاهتمام بالواجبات الكفائية الدنيوية، أدى إلى تأخرنا في مجال الزراعة والصناعة والاقتصاد، ومجالات كثيرة التي بها قوام الحياة.
إن الإسلام يدعو إلى رعاية الموهوبين في التخصصات المختلفة من أجل القيام بالفروض الكفائية على أكمل وجه.
إن المسؤولية المشتركة في أداء الواجبات الكفائية تتجلى في شتى شؤون الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والعلمية، وفي هذا دلالة على واقعية التشريع الإسلامي وصلته القوية بالحياة الإنسانية تشريعاً وتدبيراً.
كل ما قيل في فرض الكفاية من خلاف، حول من يعلق به التكليف، والأفضلية، والفرق بينهما، و.. يأتي في سنة الكفاية.
لا ينبغي ترك صلاة الجماعة لغير عذر، وما ذهب إليه الجمهور، من أنها سنة مؤكدة هو الراجح.
يجب على كل مكلفٍ أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كلٍ حسب استطاعته، وقدرته.
الأصل في الجهاد، أنه فرض كفاية، إلا في المواضع التي يتعين فيها، بتعين الإمام، أو نحو ذلك.
حكم النكاح بالنسبة للنظر الكلي للناس فرض كفاية، وبالنسبة لآحادهم، فالحكم في هذا حسب استطاعة الشخص، وحسب قدرته على مؤونة النكاح، فتدور عليه الأحكام التكليفية الخمسة.
التوصيات والمقترحات:
عملاً بقوله تعالى: )إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ((5) أرى أنه لابد من توصيات ومقترحات أضعها، علّي أجد لها آذاناً صاغية وقلوباً واعية، من خلالها يتم إكمال تحقق الغرض المنشود.
وأهم هذه التوصيات ما يلي:
ضرورة العناية بعلم الأصول، لا سيما في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الحوادث والابتكارات والنوازل والمستجدات، وهذه العناية شاملة لكل ما يتعلق بهذا العلم دراسةً، وتعليماً، وتصنيفاً، وتحقيقاً، وغير ذلك.
أرى ضرورة تسهيل علم الأصول، وبذل الجهود لتيسيره، وجعله في متناول الأفهام المتوسطة، ليعم نفعه.
أرى أنه لا بد من ربط علم الأصول بدنيا الواقع، ولا بد من نزول أهل الأصول إلى ميدان الناس وواقعهم، فيفيدون، ويوجهون، ويؤثرون أكثر مما هو حاصل.
أتمنى أن يكتب في هذا العنوان أكثر مما كتب فيه، ويكون التركيز فيه من جانب تحقق الفروض الكفائية، وتبصير الأمة بواجبها نحو ذلك.
وبعدُ:
فإنه بانتهاء هذه المقترحات والتوصيات، يتم ما أردت الوصول إليه من الكتابة في هذا البحث المهم.
ومن المسلم، أن الإنسان لو كتب كتاباً، فأحسنه، وظن أنه بلغ الغاية فيه، ثم عاود النظر فيه مرةً أخرى لقال: لو قلت كذا لكان أحسن، ولو فعلت كذا لكان يستحسن، ولو نقصت كذا لكان أقرب، ولو زدت كذا لكان أصوب، ولو قدمت كذا لكان أولى، ولو أخرت كذا لكان أحرى، وهذا دليل على ضعف البشر وكثرة أخطائهم، وعدم عصمتهم، ويأبى الله الكمال إلا لكتابه.
وبهذه المناسبة أعتذر عما في هذا البحث من قصور وما كان فيه من إطالةٍ أو تكرار، أو تقصير، فلم أُرِد يعلم الله إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
فإن حققت ذلك فهو ما كنت أبتغيه، وإن كانت الأخرى فهو جهد المقل، ولا أدعي لنفسي إكمال الموضوع تماماً، فإن الكمال لله وحده، ولكنّ حسبي أني بذلت جهدي، وأفرغت وسعي، رجاء أن يصل العمل إلى المبتغى المنشود.
وقبل أن أضع القلم، ألهج بالشكر والثناء- لله جل وعلا- على توفيقه للإتمام، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.