جامعة الإيمان
ندوة تقوية الإيمان وزيادته
الدورة السادسة 1430هـ
الوسائل العملية للتزكية وأثرها في زيادة الإيمان
المحور الثامن عشر: مجاهدة الشيطان ومعرفة مداخله على النفس
أعده الفقير إلى الله : عبد الله بن علي الجودة
إشراف : فضيلة الشيخ / أ.د. عبد المجيد بن عزيز الزنداني
مقدمة حول أهمية الموضوع
هذا الموضوع هام لجميع بني البشر ، ذلك لأن الشيطان هو الشخصية التي جعلها الله سبباً لوقوع جميع المعاصي والفتن في الأرض مع ما هُيّء من أهواء النفوس وشهواتها.
وقد بين الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم سبل كيده وطرق النجاة منها ، وحذر سبحانه منه وأمر باتخاذه عدواً ، وذلك يعني بذل الوسع في محاربته ، لذا رجوت أن تكون الكتابة في هذا الموضوع تحقيقاً لمراد الله سبحانه في الأمر باتخاذه عدواً ، وذلك ببيان كيده وضرره وطرق النجاة منه حسب ما ورد في الهدى من كتاب الله وسنة رسوله .
المبحث الأول : تعريف الشيطان لغة وشرعاً
المطلب الأول : الشيطان في لغة العرب:-
الشيطان في اللغة :- كل عاتٍ متمردٍ من الجن والإنس والدواب .
ومما يدل على أن الشيطان هو كل ما عتا وتمرد من جنٍ أو إنس قوله تعالى : (...وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ...) (البقرة:14). قال الإمام ابن جرير : أي إذا خلوا إلى مردتهم وأهل العتو والشر منهم … وشياطين كل شيء مردته .
المطلب الثاني : الشيطان في نصوص الشرع :-
يمكن أن يعرف الشيطان في ضوء النصوص الشرعية بما يلي :- مخلوق ناري حي مكلف بعبادة الله تعالى متسلط على من شاء الله لإضلال بني آدم وإغوائهم .
وأما كونه مخلوقاً ناريا فلقوله سبحانه : (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (الحجر:27) وما حكاه سبحانه من قول إبليس : (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) (الأعراف:12) .
ولقوله صلى الله عليه وسلم :- (… وخلق الجان من مارج من نار …) .
ومارج النار : لهبها المختلط بسوادها .
- وأما كونه حياً فهذا هو المعلوم من شأنه يقينا .
- وأما كونه مكلفاً بعبادة الله تعالى ، فلأنه سبحانه إنما خلق الجن والإنس لعبادته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:56) .
- وأما كونه متسلطاً لإضلال بني آدم وإغوائهم ، فتدل عليه نصوص كثيرة ، منها ما حكاه سبحانه من قول إبليس وهو يتوعد بإضلال بني آدم :- (... وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً(6) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) (النساء:118-119) .
- وما حكاه سبحانه من قوله : (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (صّ:82-83) .
المبحث الثاني :- عداوته لبني آدم ومكيدته لأبوي البشر :
قررت النصوص عداوة الشيطان للإنسان منذ بداية خلق الإنسان فحين خلق الله آدم عليه السلام أبا البشر وأسكنه الجنة مع زوجه حواء حذره من الشيطان وبين له أنه عدو له ولزوجه فقال سبحانه :-
(فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (طـه:117) .
ومع ذلك وقع آدم في مكيدة الشيطان وأكل مع زوجه من الشجرة التي نهاهما الله سبحانه عنها فعاتبهما سبحانه كما قال تعالى :- (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (لأعراف: من الآية22) .
وعندئذ حكم الله سبحانه بإنزال آدم وزوجه والشيطان إلى الأرض قاضياً بثبوت العداوة بينهم كما قال سبحانه :- (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (لأعراف:24) .
وأخبر الله الناس جميعاً في كتابه أن الشيطان وذريته أعداء لبني آدم ، ونهى عن اتخاذهم أولياء مذكراً إياهم باستكبار الشيطان عن السجود لآدم فقال سبحانه :- (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً)(الكهف:50 .
وأمر الله سبحانه باتخاذ الشيطان عدواً فقال تعالى : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ) (فاطر: من الآية6) .قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية :- (فاتخذوه عدواً) :- أي فعادوه لا تطيعوه ، ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة ، وضمانه إضلالكم في قوله : (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) (النساء:119). وقوله :- (... لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ...) (لأعراف:16-17) ، فأخبرنا جلَّ وعز أن الشيطان لنا عدو مبين ، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وكيف انتدب لعدواتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده ، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا .
ويوم القيامة يبكت الله سبحانه من أطاع الشيطان وعبده بقوله سبحانه :
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يّـس:60) .
وعدو مبين أي : ظاهر العداوة " قد أبان لكم عداوته بإبائه عن السجود لأبيكم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة واستزله بالخطيئة وأكل من الشجرة" .
تحذير الله عزوجل من الشيطان وكيده .
تنوعت وجوه التحذير من الشيطان وكيده في القرآن الكريم ، هذا عدا ما ورد في شأنه من أساليب إضلاله ومكايده من نصوصٍ كثيرة في القرآن والسنة.
أساليب الشيطان للإيقاع في المعصية
للشيطان أساليب وطرق يكيد بها الإنسان ليوقعه في الخطيئة وفي معصية الله تعالى، وقد وردت النصوص الكريمة ببيان هذه الطرق والمكائد وإيضاحها إيضاحاً كافياً ليكون الإنسان على بصيرةٍ من أمره فلا يقع في هذه المزالق ، وإن من يستعرض النصوص ليشعر بأنها بينت هذا الموضوع وأعطته حقه ، فلنستعرض ما أمكننا من هذه النصوص لنرى دلالاتها الهامة في هذا الموضوع :-
المبحث الأول :- أمره بالمعصية ودعوته إليها :
فقد ذكر الله سبحانه أن الشيطان يأمر بالمعصية فقال سبحانه :-
(...وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:168-169) .
وأمره بالسوء هو أمره بالإثم ومعصية الله تعالى ، لأن السوء هو ما يسوء صاحبه ، والمعاصي تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند الله .
وأما الفحشاء فهي ما يقبح من المعاني ، وهي من فَحُشَ الشيءُ : إذا جاز قدره وهي كل ما استفحش ذكره وقبح مسموعه ، فقيل : هي المعاصي عموماً ، وقيل: هي كل معصية لها حد في الدنيا ، وقيل : هي الزنا خاصةً .
قال مقاتل(10) : كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى إلا قوله تعالى :-(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ...)(البقرة: من الآية268) فإنه منع الزكاة ، والله أعلم(11) .
قال ابن القيم: والصواب أن الفحشاء على بابها وهي كل فاحشة فهي صفة لموصوف محذوف فحذف موصوفها إرادة للعموم أي: بالفعلة الفحشاء والخلة الفحشاء ومن جملتها البخل فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره يأمرهم بالشر ويخوفهم من فعل الخير وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان فإنه إذا خوفه من فعل الخير تركه وإذا أمره بالفحشاء وزينها له ارتكبها وسمى سبحانه تخويفه وعداً لانتظار الذي خوفه إياه كما ينتظر الموعود ما وعد به.(12)
ومما يبين أن الشيطان يدعو للمعصية ما ذكره تعالى عنه حيث يقول لأتباعه الذين أضلهم يوم القيامة:- (... وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ...)(ابراهيم: من الآية22) .
والمعنى :- دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله فاستجبتم لدعائي(13) .
المبحث الثاني :- لمة الشيطان :
ولمة الشيطان جاء ذكرها في قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال : إن للملك لمة وللشيطان لمة ، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، فمن أحس من لمة الملك شيئا فليحمد الله عليه ، ومن أحس من لمة الشيطان شيئا فليتعوذ بالله منه ، ثم قرأ هذه الآية : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:268) .(14) وكلامه هذا له حكم الرفع؛ حيث إنه مما لامجال للاجتهاد فيه، وقد ورد هذا المعنى مرفوعا لكن إسناده ضعيف . (15)
قال ابن تيمية(16) رحمه الله : وقال ابن مسعود..: إن للملك لمة وللشيطان لمة ، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق وهذا الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ عنه ، وربما رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو كلام جامع لأصول ما يكون من العبد من علم وعمل (و) من شعور وإرادة .(17)
واللمة :- الهَمّة والخَطْرة تقع في القلب ، وذلك من أثر قرب ودنو الملك أو الشيطان منه ، لأن اللمّ في اللغة هو الجمع والضمّ(18) .
قال المناوي(19) :- اللمة : القرب والإصابة ، والمراد ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك … فإن الملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار ، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره ، وآخر بضده … والتمييز بين اللمتين لا يهتدي إليه أكثر الناس ، والخواطر بمنزله البذر فمنها ما هو بذر السعادة ومنها ما هو بذر الشقاوة ، ومما يسبب اشتباه الخواطر أربعة أشياء :-
1- ضعف اليقين .
2- قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها .
3- متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى .
4- محبة الدنيا ومالها وجاهها وطلب المنـزلة والرفعة بين الناس(20) .
فمن عصم من هذه الأربعة فرَّق بين لمة الملك ولمة الشيطان ومن ابتلي بها لم يفرق، وانكشاف بعض الخواطر دون بعض لوجود هذه الأربعة دون بعض ، واتفقوا على أن كل من أكل الحرام لا يفرق بين الوسوسة والإلهام(21) .
وذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله عدداً من الأمور يتم بها التفريق بين الخاطر الوارد من الشيطان والخاطر الوارد من الملك ، ومن ذلك :-
ـ أن كل واردٍ يبقى الإنسان بعد انفصاله نشيطاً مسروراً نشواناً فهو وارد ملكي، وكل وارد يبقي الإنسان بعد انفصاله خبيث النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور فهو وارد شيطاني .
ـ وكل وارد أعقب في القلب معرفة بالله ومحبة له وأنساً به وطمأنينة بذكره وسكوناً إليه فهو ملكي إلهي ، وخلافه بخلافه .
ـ وكل وارد أعقب صاحبه تقدماً إلى الله تعالى والدار الآخرة وحضوراً فيها حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت والجحيم قد سعرت ، فهو إلهي ملكي وخلافه شيطاني نفساني .
ـ وكل وارد استنار به القلب وانشرح له الصدر وقوي به القلب فهو إلهي ملكي ، وإلا فهو شيطاني .
ـ وكل وارد جمعك على الله فهو منه ، وكل وارد فرّقك عنه وأخذك عنه فمن الشيطان(22).
المبحث الثالث : أزّهُ للمعصية :
قال الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) (مريم:83).
ومعنى الآية : أن الشياطين تهيج الكافرين على المعاصي وتغريهم بها ، لأن الأزَّ في اللغة هو : التهييج والإغراء ، وأزَّه يؤزّه أزّا : أغراه وهيجه ، وأزَّه : حثّه(23) .
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال :- تؤزّ الكافرين إغراءً في الشرك : امض امض في هذا الأمر ، حتى توقعهم في النار ، امضوا في الغي امضوا .
وعن قتادة قال: تؤزهم أزاً : تزعجهم إزعاجا في معصية الله، وقرن ابن زيد(24) بين هذه الآية وبين قوله سبحانه : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف:36) .
بمعنى أن الشيطان الذي يرسله الله سبحانه على الكافر ليؤزّه إلى معصية الله هو نفسه المقيض له لإغوائه عند تركه ذكر الله سبحانه ، قال : تؤزهم أزاً : تشليهم إشلاءً على معاصي الله تبارك وتعالى وتغريهم عليها كما يغري الإنسان الآخر على الشيء(25) .
المبحث الرابع :- تزيين الأعمال السيئة :
وقد وردت النصوص مبينة أن الشيطان يزين الأعمال السيئة لأهلها حتى يقعوا فيها ويستمروا عليها ، ومن ذلك ما ذكره سبحانه عن بعض الأمم السابقة التي كذبت رسل الله وأبت الانقياد لأمره حيث قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:42-43) .
والمعنى :- أن الله أعلم نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد أرسل إلى أمم قبله رسلاً ، ولكن هذه الأمم بلغت من قسوة القلوب أنهم أخذوا بالشدائد فلم يخضعوا لله سبحانه ولم يتضرعوا إليه لكشفها وزين لهم الشيطان الاستمرار على ضلالتهم والتصميم عليها(26) .
ومثلُ هذه الآية قوله تعالى : (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النحل:63) .
ومن تزيين الأعمال السيئة لأهلها ما ذكره سبحانه عن المنافقين حيث زين لهم الشيطان الارتداد عن الحق بعد إذ عرفوه فقال سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (محمد:25) .
ومعنى سوّل لهم :- أي زين لهم ، والتسويل : تحسين الشيء وتحبيبه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله(27) ومنه يقال : سوّلت له نفسه كذا : أي حسنته وزينته له .
وأملى لهم :- أي مدَّلهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر فغرهم وخدعهم بذلك(28) لأن الإملاء هو : الإمهال في المدة والتأخير وإطالة العمر(29) .
قال ابن القيم رحمه الله في كيد الشيطان بتزيين الأعمال السيئة : ومن مكايده أنه يسحر العقل دائما حتى يكيده ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء ، وينفر من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له حتى يخيل له أنه يضره ، فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان ، وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة ، وكم بهرج من الزيوف على الناقدين وكم روج من الزغل على العارفين فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك ، وزين لهم عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان ، وأبرز لهم الشرك في صورة التعظيم والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس وحسن الخلق معهم والعمل بقوله (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ )(المائدة: من الآية105)(30) ، والإعراض عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام في قالب التقليد والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان في دين الله في قالب العقل المعيشي الذي يندرج به العبد بين الناس ، فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة وصاحب قابيل حين قتل أخاه وصاحب قوم نوح حين أغرقوا وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر وصاحب كل هالك ومفتون.(31)
خطوات الشيطان
وقد نهى الله سبحانه عن اتباع خطواته وحذّر من ذلك مبيناً العاقبة فيه فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...) (النور:21) .
وخطوات الشيطان هي :- طرقه ومسالكه وما يأمر به من الشر(32)، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية الكريمة :- وهذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها(33) .
وعندي – والله أعلم – أن هذا من باب الاستعارة ، لأن الخطوة هي ما بين قدمي الماشي ، والشيطان مشيه وخطواته هي في معصية الله سبحانه وما يكرهه ، فمن تبعه في ذلك وقع في معصية الله حتماً ووقع في الفحشاء والمنكر اللذين يأمر بهما الشيطان كما في الآية الكريمة .
ولذا قال قتادة رحمه الله :- كل معصية فهي من خطوات الشيطان ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خطوات الشيطان : عمله ، وعن مجاهد(34) قال : خطيئته وروي عن قتادة والضحاك(35) أيضا. وعنه أيضاً قال :- ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان ، وعن عكرمة(36) قال : (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) : نزغات الشيطان ، وعن سعيد بن جبير(37) في قوله : (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) قال :- تزيين الشيطان(38) .
وكان السلف رحمهم الله يعتبرون المعاصي والزلات من خطوات الشيطان ، ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما : ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان وكفارته كفارة يمين .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أتي بضرع وملح فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم ، فقال ابن مسعود : ناولوا صاحبكم. فقال : لا أريد .قال : أصائم أنت ؟ قال : لا ، قال : فما شأنك ؟ قال : حرمت أن آكل ضرعاً أبدا !قال ابن مسعود : هذا من خطوات الشيطان ، فاطعم وكفِّر عن يمينك .
وعن أبي مجلز(39) في قوله تعالى (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) قال : النذور في المعاصي. قلت : هذا ينبغي أن يكون على سبيل المثال لخطوات الشيطان لا على سبيل الحصر .
وروي أن رجلاً جاء إلى الحسن فقال له : حلفت إن لم أفعل كذا أن أحج حبواً !!فقال :- هذا من خطوات الشيطان ، فحج واركب وكفر عن يمينك .وسئل جابر بن زيد(40) عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقةً من ذهب !
قال :- هي من خطوات الشيطان ، ولا يزال عاصياً لله فليكفر عن يمينه(41) .
وقال الشعبي(42) :- نذر رجل أن يذبح ابنه !! فأفتاه مسروق بذبح كبش. وقال : هذا من خطوات الشيطان .
وعن أبي رافع(43) أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت : هي يوماً يهودية ويوماً نصرانية وكل مملوك لها حرّ إن لم تطلق امرأتك !! قال : فأتيت عبدالله بن عمر(44) فقال : إنما هذه من خطوات الشيطان(45) ، وأفتاها أن تكفر عن يمينها(46) .
استزلاله للعبد بسبب ذنوبه
ومن مكائد الشيطان الرجيم أنه يوقع العبد في الزلل بسبب ذنوب العبد السابقة ، ولذا قال بعض السلف : إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها(47) .
وقد دل على هذا قول الله سبحانه :- (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران:155) .
وقد نزلت هذه الآية الكريمة فيمن فرّ يوم أحدٍ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبين سبحانه أن الشيطان قد أوقعهم في هذا الزلل بسبب بعض ذنوبهم السالفة(48).
وأمّا كيفية استزلاله إياهم فقيل : ذكرهم خطاياهم السالفة التي سبقت منهم ، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا قبل إخلاص التوبة ، فانهزموا(49) ، وكان ذلك خطأً منهم ومن تشبيه الشيطان عليهم ، لأن الخطايا السابقة لا توجب الفرار من المعركة ، لأن الثبات في الجهاد من أعظم الحسنات التي يمحو الله بها السيئات ، وقد أخبر الله سبحانه في كتابه أن الحسنات يذهبن السيئات ، فأوقعهم الشيطان في هذا الخطأ بتذكيرهم خطأهم السابق والله أعلم .
ولذلك فمن الواجب علينا الحذر من الذنوب والمعاصي ، والاستغفار منها إذا وقعنا فيها ؛ لأن الشيطان يستخدمها كمصيدةٍ لنا لإيقاعنا في زلاتٍ وذنوبٍ ومعاصٍ أخرى ، وقد أفاد سيد قطب(50) رحمه الله أن هذه الآية في عمومها تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئة فتفقد ثقتها في قوتها ، ويضعف بالله ارتباطها ويختل توازنها وتماسكها ، وتصبح عرضةً للوساوس والهواجس بسبب تخلخل صلتها بالله ... وعندئذٍ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس فيقودها إلى الزلة بعد الزلة ، وهي بعيدة عن الحمى الآمن والركن الركين .
قال : ومن هنا كان الاستغفار من الذنب هو أول ما توجه به الربيون الذين قاتلوا مع النبيين في مواجهة الأعداء(51). الاستغفار الذي يردهم إلى الله ، ويقوي صلتهم به ، ويعفي قلوبهم من الأرجحة ويطرد عنها الوساوس ، ويسد الثغرة التي يدخل منها الشيطان : ثغرة الانقطاع عن الله والبعد عن حماه، هذه الثغرة التي يدخل منها فيزل أقدامهم مرة ومرة حتى ينقطع بهم في التيه ، بعيداً عن الحمى الذي لا ينالهم فيه ! ويحدثهم الله أن رحمته أدركتهم فلم يدع الشيطان ينقطع بهم ، فعفاعنهم ويعرفهم بنفسه سبحانه فهو غفور حليم ، لا يطرد الخطاة ولا يعجل عليهم متى علم من نفوسهم التطلع إليه والاتصال به ، ولم يعلم منها التمرد والتفلت والإباق(52) .
توكيل قرين من الجن بكل إنسان :
وُكِّل بكل إنسان قرينه من الجن ابتلاءً من الله عزوجل كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكل به قرينه من الجن !قالوا : وإياك يا رسول الله؟! قال : وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" .
ولعل هذا القرين هو الذي يقوم بجميع أو بأغلب المكائد التي ذكرناها في المباحث السابقة من الوسوسة والتزيين والتغرير والنـزغ وغير ذلك ، ولذا قال الإمام النووي رحمه الله عند شرحه لهذا الحديث :- وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه ، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان .
وقد روت أم المؤمنين عائشة (53) رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها ليلاً فأصابتها الغيرة : فقال : مالك يا عائشة ، أغرتِ؟ فقالت : وما لي لا يغار مثلي على مثلك ؟! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أقد جاءك شيطانك؟! قالت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟! قال: نعم قالت:- ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قالت: ومعك ؟! قال نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم(54) . ولكون كل إنسانٍ له قرين من الشياطين فإن الشيطان لا يغفل عن الإنسان بل يحضر عند كل شيء من شأنه كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه ... الحديث(55) .قال النووي رحمه الله : فيه التحذير منه والتنبيه على ملازمته للإنسان في تصرفاته فينبغي أن يتأهب ويحترز منه ولا يغتر بما يزينه له(56) .
أما قرين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد من الله على رسوله بإسلامه فلا يأمره إلا بخير فعصم من شر القرين ، وقد شرح الله صدره وأخرج حظ الشيطان منه كما حكى ذلك أنس رضي الله عنه فقال :- إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان [يعني وهو صغير] فأخذه فصرعه(57) فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقه(58) فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طستٍ(59) من ذهب بماء زمزم ثم لأمه(60) ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني : ظئره(61) فقالوا : إن محمداً قد قتل !! فاستقبلوه وهو ومنتقع اللون(62). قال أنس:- وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.(63)ففي هذا الحديث إثبات خصوصية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث أن الله تعالى قد أخرج من قلبه جزءاً عضوياً هو الذي تعلق به نصيب الشيطان منه من الإغواء ونحو ذلك، فسلم بهذا من كيد الشيطان له ، فاجتمع له صلى الله عليه وآله وسلم شرحان لصدره : شرح بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها ، وشرح حسي لصدره بإخراج حظ الشيطان منه فكان أشرح الخلق صدراً وأطيبهم نفساً وأنعمهم قلباً كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.(64)
مكائد الشيطان في العقيدة
الشيطان له أكبر الكيد في زعزعة الاعتقاد الذي هو أصل الإيمان كيف لا وقد توعد بني آدم بإغوائهم وإضلالهم واحتناكهم ، فلننظر ما ورد في النصوص بهذا الشأن من خلال المطالب الآتية :
المطلب الأول : إغواؤه بني آدم عن دينهم الحق إلى الكفر
وهذا هو مقصوده الأكبر الذي أقسم عليه أمام الحق تعالى قائلاً كما حكى الله عنه: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (صّ:82) .
وكما قال سبحانه : (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (لأعراف:16) .
قال الحافظ الطبري – رحمه الله - : وأما قوله : (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) فإنه يقول : لأجلسن لبني آدم صراطك المستقيم يعني : طريقك القويم وذلك دين الله الحق ، وهو الإسلام وشرائعه.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- إن الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك مادامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب:- وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" .
ومما يدل على أثر الشياطين في صرف بني آدم عن الدين الحق ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكي عن الله عز وجل:- ... وإني خلقت عبادي كلهم حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً" .
فدلنا هذا الحديث وأمثاله أن الله سبحانه خلق الناس على الفطرة القابلة للهداية والاستقامة فاجتالتهم أي : فاستخفتهم الشياطين فذهبوا بهم عن دينهم الحق وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل وأمروهم بالشرك والكفر بالله عز وجل.
وقد وضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر برسم توضيحي بين حقيقته حيث خط خطاً ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال :- هذا سبيل الله ، وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه، وقرأ : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ...) (الأنعام:153)
والصراط المستقيم المذكور في الآية الكريمة في الحديث هو الإسلام ، والسبل المتفرقة تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات والشاهد أن سبل الضلالة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها. وفي الحقيقة فإن كل من يعبد غير الله فإنما يعبد الشيطان ، قال العلامة ابن تيمية :قال تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [يّـس:60] وكل من عبد غير الله فانما يعبد الشيطان و إن كان يظن أنه يعبد الملائكة و الأنبياء و قال تعالى : (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سـبأ:41ـ42] و لهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة و الأنبياء و الصالحين و يخاطبونهم فيظنون أن الذي خاطبهم ملك أو نبي أو ولي و إنما هو شيطان جعل نفسه ملكا من الملائكة ، كما يصيب عباد الكواكب و أصحاب العزائم و الطلسمات يسمون أسماء يقولون هي أسماء الملائكة مثل منططرون و غيره وإنما هي أسماء الجن وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء و الأولياء و الملائكة قد يتمثل لأحدهم من يخاطبه فيظنه النبى أو الصالح الذي دعاه و انما هو شيطان تصور فى صورته أو قال أنا هو لمن لم يعرف صورة ذلك المدعو ، وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين من النصارى و من المنتسبين الى الاسلام يدعونهم عند قبورهم أو مغيبهم و يستغيثون بهم فيأتيهم من يقول انه ذلك المستغاث به فى صورة آدمي اما راكبا و اما غير راكب فيعتقد المستغيث أنه ذلك النبى و الصالح أو انه سره أو روحانيته أو رقيقته أو المعنى تشكل أو يقول انه ملك جاء على صورته و انما هو شيطان يغويه لكونه أشرك بالله و دعا غيره الميت فمن دونه فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك فظن أنه يدعو النبى أو الصالح أو الملك و أنه هو الذي شفع له أو هو الذي أجاب دعوته و انما هو الشيطان ليزيده غلوا فى كفره و ضلاله فكل من لم يعبد الله مخلصا له الدين فلابد أن يكون مشركا عابدا لغير الله و هو فى الحقيقة عابد للشيطان فكل واحد من بني آدم اما عابد للرحمن واما عابد للشيطان قال تعالى : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف:36-38] (71).
ومن مكائد الشيطان ما زينه للجاهليين من اتخاذ الأنصاب والأزلام ، قال ابن القيم رحمه الله : ومن أعظم مكايده ما نصبه للناس من الأنصاب والأزلام التي هي من عمله ، وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك وعلق الفلاح باجتنابه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:90) فالأنصاب كل ما نصب يعبد من دون الله من حجر أو شجر أو وثن أو قبر وهي جمع واحدها نصب كطنب وأطناب ، قال مجاهد وقتادة وغيرهما : كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها قالوا وليست بأصنام إنما الصنم ما يصور وينقش ، وقال ابن عباس: هي الأصنام التي يعبدونها من دون الله تعالى ، وقال غيره : هي حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان ، والمقصود أن الناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام ، فالأنصاب للشرك والعبادة والأزلام للتكهن وطلب علم ما استأثر الله به ، هذه للعلم وتلك للعمل ودين الله سبحانه وتعالى مضاد لهذا وهذا ، والذي جاء به رسول الله إبطالهما وكسر الأنصاب والأزلام.
ومن مكائده أنه زين لأمم الشرك والضلال ما هم عليه من أعمال .وحتى من أراد أن يسلم من أهل هذه السبل والديانات الباطلة فإن الشيطان يقف أمامه صاداً له عن الهدى قال:- صلى الله عليه وآله وسلم :- إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال : تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟! .. الحديث .
وإن نظرةً اليوم في سكان العالم ندرك بها كيف استحوذ الشيطان على اغلب الخليقة وصرفهم عن دين الله الحق ما بين دياناتٍ محرفةٍ كديانات أهل الكتاب وأشباههم أو الديانات الوثنية المنتشرة على أوسع نطاق في العالم أو الإلحاد وإنكار الخالق بالكلية إلى أن وصل الأمر إلى عبادة الشيطان نفسه باسمه صراحةً فنسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الهدى وعلى الدين القويم آمين.
المطلب الثاني :- تزيينه الردة لمن كان من المسلمين
وإذا كان للشيطان جهده في صرف الخلق عن الدين الحق ابتداءً فإن له جهوداً أخرى في محاولة إخراج المؤمنين عن دينهم ، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف أن إبليس إذا أصبح بث جنوده فيقول :- من أضلَّ اليوم مسلماً ألبسته التاج ! قال : فيخرج هذا [يعني: أحد جنوده] فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته فيقول : أوشك أن يتزوج ، ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى عق والديه فيقول : أوشك أن يبرهما ، ويجيء هذا فيقول : لم أزل به حتى أشرك فيقول : أنت أنت ... الحديث.
فهذا يدل تعظيم الشيطان لجنديه الذي أوقع المسلم في الشرك .
وقد أخبر سبحانه وتعالى أن ارتداد من ارتد عن دينه إنما كان بتسويل الشيطان وإملائه فقال سبحانه :- (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) (محمد:25) .
قال الحافظ ابن كثير في معنى الآية :- إن الذين فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر من بعد ما تبين لهم الهدى ،الشيطان زين لهم ذلك وحسنه وغرهم وخدعهم بذلك.
وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما : كان عبدالله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان ، فأجاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومما يستأنس به في أثر الشيطان في صرف الأمم عن دينها ما قاله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال : إن أهل فارس لما مات نبيهم كتب لهم إبليس المجوسية. وهذا الخبر مثله لا يقال بالرأي .
وأما في آخر الزمان وحين يموت كل من في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان ، فيبقى شرار الناس الذين لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون؟ فيقولون : فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان" وعليهم تقوم الساعة ، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
المطلب الثالث :- إلقاؤه الشبهات والوساوس :
ومن ذلك ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج:52-54) .
ومعنى الآيات الكريمة :- أنه ما من نبيٍ ولا رسولٍ إلا إذا حدث أو تلا ما أوحي إليه إلا وألقى الشيطان في أثناء حديثه أو تلاوته شيئاً من الباطل والضلال بحيث يظن السامعون أنه من كلام النبي أو من الرسول وإنما هو من إلقاء الشيطان فيكون ذلك فتنةً لذوي القلوب المريضة ، ولكن الله عز وجل لا يترك الشيطان يتم مكيدته بلبس الحق بالباطل بل يبين سبحانه الضلال الذي ألقاه الشيطان ليكون منسوخاً ومرفوعاً ومزالاً فلا يلتبس الهدى به ، وهذا الأمر من حكمة الله عزوجل في خلقه.
ومن إلقائه الشبهات ماذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله :-
يأتي الشيطان أحدكم فيقول :- من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" .
المطلب الرابع : استدراجه الناس للوقوع في الشرك
ومن ذلك أن وفداً قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له :- أنت سيدنا ، فقال : السيد الله تبارك وتعالى قلنا : وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً فقال : قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان"
ومعنى قولوا بقولكم :- أي : بقول أهل دينكم وملتكم وادعوني نبياً ورسولاً كما سماني الله تعالى في كتابه .
أو معناه :- قولوا قولكم الذي جئتم لأجله ودعوا غيركم مما لا يعنيكم .
ولا يستجرينكم الشيطان :- أي : لا يستعملنكم فيما يريد من التعظيم للمخلوق بمقدارٍ لا يجوز.
المطلب الخامس :- التسليم بالقدر وعدم قول كلمة : "لو" احترازاً من كيد الشيطان
فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:- المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان"
فهذا الحديث يدلنا على أن الإنسان إذا أصابه ما يؤلمه فلا ينبغي أن يعارض ذلك بقوله :- لو فعلت كذا لكان كذا وكذا ؛ لأن ذلك مما يجلب وساوس الشيطان فيعارض بتوهم التدبير ما سبق من المقادير، وهذا هو عمل الشيطان المنهي عن تعاطي أسبابه ومحل النهي عن إطلاق لفظ "لو" فيما إذا أطلقت معارضة للقدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور ، فأما من أطلق لفظ "لو" تأسفاً على ما فات من طاعة الله تعالى أو ما تعذر منه فلا مانع من ذلك وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث ، والله أعلم.
المطلب السادس :- الاستعاذة من تخبط الشيطان للإنسان عند الموت
فقد صح في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ..."الحديث
ومعنى يتخبطني : أي يمسني بنـزعاته التي تزل الأقدام وتصرع العقول والأوهام ، فهي استعاذة من استيلاء الشيطان عليه عند مفارقته الدنيا فيضله أو يحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله أو ييئسه من رحمه الله تعالى أو يكره الموت ويتأسف على حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بسوء ويلقى الله وهو ساخط عليه .
وهذا إرشاد للأمة أيضاً أن تستعيذ مما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
مكائده في العبادات
كما حرص الشيطان الرجيم على إضلال الناس وصدهم عن دين الله تعالى الذي بعث به رسله وهو الإسلام ، حرص كذلك على صد المسلمين عن العبادات التي فرضها الله سبحانه عليهم ، وتثبيطهم عنها ، وتشويشها عليهم حتى لا يستفيدوا منها كما ينبغي وسوف نستعرض في المباحث الثلاثة الآتية -بإذن الله – ما وردت به النصوص بهذا الشأن :
مكائده في الصلاة :
الصلاة عمود الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأهم الفرائض بعد الشهادتين ولذا حرص الشيطان على الصد عنها ، والكيد فيها وسنستعرض حديث النصوص عن ذلك في المطالب الآتية :-
المطلب الأول :- صده عن الصلاة :
يستاء الشيطان ويفر هارباً بمجرد سماعه النداء للصلاة وعند إقامتها أيضاً كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر ... الحديث.
ولذا يحرص على تثبيط الإنسان عن الصلاة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد! فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة ، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان .
ففي هذا الحديث بيان أن عقد الشيطان على قافية رأس النائم هدفه تثبيط الإنسان عن القيام للصلاة ، وأما حقيقة العقد المذكور فقيل : هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، حيث يأخذ الساحر الخيط فيعقده ويتكلم عليه بالسحر فيتأثر المسحور ومن ذلك قوله تعالى : (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) (الفلق:4) .
وقيل : العقد : كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه : عقدت فلاناً عن امرأته إذا منعته عنها ، أو هو كناية عن تثقيله عليه النوم كأنه قد شد عليه شدادا، وقال بعضهم : المراد بالعقد الثلاث الأكل والشرب والنوم؛ لأن من أكثر الأكل والشرب كثر نومه ، لكن لا يصح ذلك ، لأن الحديث يقتضي أن العقد تقع عند نوم الإنسان لا قبله .
والأقرب - والله أعلم – أن ذلك العقد على الحقيقة لأن الأصل هو الحقيقة ولا يعدل إلى المجاز إلا بدليل ، وأنه فعل يفعله الشيطان ثم يقول عليه ذلك القول المذكور ليحصل به تثبيط الإنسان عن الصلاة ، فأرشد الشارع الحكيم إلى ما يحصل به حل تلك العقد من الذكر والوضوء والصلاة ، ولعل العلم الحديث يكشف عن علاقة النوم بقافية الإنسان فيكون ذلك كشفاً لما تضمنه هذا الحديث من الهدى في ذلك والله أعلم .
ومما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من صد الشيطان عن الصلاة أن رجلاً نام ليلةً حتى أصبح لم يقم إلى الصلاة ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : بال الشيطان في أذنه.
وهذا البول المنسوب إلى الشيطان قيل : هو على حقيقته وليس بمحال لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب وينكح فلا مانع أن يبول، وقيل : هو كناية عن سد الشيطان أذن النائم عن الصلاة فلا يسمع الذكر وقيل : معناه : أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر وقيل : هو كناية عن ازدراء الشيطان له ، وقيل : معناه : أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه ، يقال لمن استخف بإنسان وخدعه : بال في أذنه، قيل : أصل ذلك دابة تفعل ذلك بالأسد إذلالاً له ، وقيل: هو مثل مضروب للغافل بثقل النوم كمن وقع البول في أذنه فثقل أذنه وأفسد حسه ، والعرب تكني عن الفساد بالبول ، قال الراجز : بال سهيل في الفضيخ ففسد ، وكنى بذلك عن طلوعه لأنه وقت إفساد الفضيخ فعبر عنه بالبول .قال القاضي عياض : ولا يبعد أن يكون على ظاهره، وخص الأذن لأنها حاسة الانتباه .
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : كفى بالمرء من الشقاء أو من الخيبة أن يبيت وقد بال الشيطان في أذنه فيصبح ولم يذكر الله .وقال الحسن البصري رحمه الله :- إن بوله والله لثقيل.
وقد حصل ذات مرةٍ أن نام النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه في سفرٍ قال أبو هريرة : فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليأخذ كل رجل برأس راحلته ؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، قال : ففعلنا ثم دعاء بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة" .
ويؤخذ من الحديث أن حضور الشيطان كان سبباً في نومهم حتى خروج وقت الصلاة ، ويؤيد هذا ويبينه ما رواه مالك من مرسل زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما عرس بطريق مكة وكل بلالاً أن يوقظهم للصلاة ، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس فاستيقظ القوم وقد فزعوا ، فأمرهم رسول الله صلى عليه وآله وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي وقال : إن هذا وادٍ به شيطان فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي ، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزلوا وأن يتوضأوا وأمر بلالاً أن ينادي بالصلاة أو يقيم فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم فقال : يا أيها الناس : إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردّها إلينا في حينٍ غير هذا ، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كماكان يصليها في وقتها ، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر فقال : إن الشيطان أتى بلالاً وهو قائم يصلي فأضجعه فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلالاً ، فأخبر بلال رسول الله مثل ما أخبر رسول الله أبا بكرٍ ، فقال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله" .ويؤخذ من الحديث أيضاً سبب أمرهم بالارتحال من ذلك الموضع والسبب هو حضور الشيطان فيه ولذا قال النووي رحمه الله :-فيه دليل على استحباب اجتناب مواضع الشيطان .قلت : أو يقال : فيه دليل على استحباب مفارقة الموضع الذي أصيب فيه العبد بالغفلة بسبب حضور الشيطان ويؤيده ما في رواية أبي داود لهذه القصة عن أبي هريرة وفيها أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة" .
وقد حرم الله سبحانه في كتابه الخمر والميسر وبين أن من أسباب وحكم تحريمهما أن الشيطان يجعلهما وسيلةً للصد عن ذكره سبحانه وعن الصلاة التي فرضها فقال سبحانه :- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:90-91) .
قال سيد رحمه الله :- وبهذا ينكشف لضمير المسلم هدف الشيطان ، وغاية كيده وثمرة رجسه، إنها إيقاع العداوة والبغضاء في الصف المسلم – في الخمر والميسر- كما أنها هي: صد "الذين آمنوا" عن ذكر الله وعن الصلاة ويالها من مكيدة ..... وأما الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فلا يحتاجان إلى نظر فالخمر تنسي والميسر يلهي ، وغيبوبة الميسر لا تقل عن غيبوبة الخمر عند المقامرين، وعالم المقامر كعالم السكير لا يتعدى الموائد والأقداح والقداح!
ومن هذه الآية الكريمة نستنبط أن أي أمرٍ صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو لا شك منهي عنه ومحرم وهو حينئذٍ من وسائل الشيطان الرجيم للصد عن ذكر الله، وذلك كما نرى كثيراً من الجماهير في عصرنا قد صدهم الشيطان عن ذكر الله إما باستغراقهم لأوقاتهم في أعمالهم الدنيوية التي يقدمونها على فرائض الله تعالى وأعظمها الصلاة ، أو بغفلتهم في مجالات اللهو الواسعة في عصرنا كأندية القمار وقاعات السينما والغناء والرقص ، أو متابعة الألعاب الرياضية ككرة القدم أو المكوث الساعات الطويلة أمام القنوات الفضائية بما تبثة من برامج سيئة تؤدي إلى إفساد الأخلاق والقيم وتضييع الأوقات وإهدار الطاقات ، أو حتى في مجالس القيل والقال التي تعتمد على المؤانسة غافلةً عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة ؛ وهذا مما نراه في الواقع فيعلم أن هؤلاء ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله تعالى .قال القرطبي رحمه الله :- فكل لهوٍ دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه ، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب ان يكون حراماً مثله.
بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن أهل القرية أو البادية الذين لا يقيمون الصلاة في جماعة يكون ذلك سبباً في استحواذ الشيطان عليهم .فقال عليه الصلاة والسلام :- "ما من ثلاثةٍ في قريةٍ لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان" ومعنى استحوذ عليهم : أي : استولى عليهم وحولهم إليه .
ولذا بوب ابن خزيمة رحمه الله على هذا الحديث بقوله : "باب التغليظ في ترك صلاة الجماعة في القرى والبوادي واستحواذ الشيطان على تاركها" .وإنما كان الشيطان مستولياً على هؤلاء لأن المصلي منفرداً بشكل مستمر قد يصيبه التهاون في الصلاة بتأخيرها عن وقتها أو عدم الخشوع فيها ، وربما تمادى به الحال إلى ترك الصلاة بالكلية وهذا هو مراد الشيطان أن يصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة ، فنسأل الله السلامة والعافية منه ومن شره .
المبحث الثالث : كيد الشيطان عند قراءة القرآن الكريم :
تلاوة القرآن العظيم عبادة عظيمة ورد الأمر بها والحث عليها وبيان الثواب الجزيل عليها ؛ لأن القرآن هو كلام الله الذي فيه الهداية لأقوم طريق ، وهو النور والهدى والسداد ، وبه ينجو الإنسان من أمراض الشهوات والشبهات ، ويعرف به الحق ويميز به بين الحق والباطل، والضلال والهدى ، والغي والرشاد ، وبتدبره يزداد الإنسان نوراً وهدى وإيمانا إذ هو سبيل النجاة من عذاب الله تعالى ومن الضلال ومن كيد الشيطان وفتنته ، فهو أساس الهدى الذي توعد الشيطان أن يصدَّ الإنسان عنه وعن تدبره وتفهمه وتعقله حتى لا ينتفع به كما ينبغي وينجو به من كيده ، ولذا أمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن فقال سبحانه : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98)
ومعنى الآية الكريمة : إذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل بما فيه.
تخويفه المؤمنين
ومن كيد الشيطان في الجهاد أنَّه يخوف المؤمنين من قتال الكفار ليجبن المسلمون عن قتال أوليائه الكافرين ، ومن ذلك أن المسلمين بعد معركة أحد وما ابتلاهم الله به من المصاب هم عدوهم من قريش أن يعود إلى المدينة ليستأصل المسلمين ولكن الله ردّ كيدهم في نحورهم فلم يرجعوا ، واكتفوا بإرسال رسالةٍ إلى المسلمين لتخويفهم أنهم سيرجعون لاستئصالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حين بلغهم ذلك التهديد والتخويف ، قالوا ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)(آل عمران: من الآية173).
وقد حكى الله عز وجل ذلك في كتابه وبين أن مصدر ذلك التخويف والتهديد هو الشيطان الرجيم ، وذلك ليرهب المسلمين من أوليائه فقال سبحانه :- (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران : 173- 175) .والمعنى على ما ذكره الحافظ الطبري : إنما الذي قال لكم أيها المؤمنون : إن الناس قد جمعوا فخوفوكم بجموع عدوكم ومسيرهم إليكم من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم يخوفكم بأوليائه من المشركين أبي سفيان وأصحابه من قريش لترهبوهم وتجبنوا عنهم.ثم روى عن قتادة أن معنى قوله تعالى : (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) قال : يخوف والله المؤمن بالكافر ويرهب المؤمن بالكافر .وعن مجاهد قال :- يخوف المؤمنين بالكفار .وعن ابن اسحاق قال في قوله سبحانه : (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) : يرهبكم بأوليائه.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في هذا المعنى :- ومن كيد عدو الله تعالى أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر ، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان ، وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا قال : (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران : 175) .المعنى عند جميع المفسرين : يخوفكم بأوليائه، قال قتادة : يعظمهم في صدوركم، لهذا قال : (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان ، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم. ويعبر الأستاذ سيد قطب رحمه الله عن هذه المعاني فيقول :-
إن الشيطان هو الذي يضخم من شأن أوليائه. ويلبسهم لباس القوة والقدرة ، ويوقع في القلوب أنه ذوو حول وطول وأنهم يملكون النفع والضر ..ذلك ليقضي بهم لباناته وأغراضه ، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد ، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب ، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار ؛ ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم ، ودفعهم عن الشر والفساد .والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل ، وأن يتضخم الشر ، وأن يتبدى قوياً قادراً ، قاهراً بطاشاً جباراً ، لا تقف في وجهه معارضة ، ولا يصمد له مدافع ولا يغلبه من المعارضين غالب ...الشيطان صاحب مصلحة في أن يبدو الأمر هكذا .فتحت ستار الخوف والرهبة ، وفي ظل الإرهاب والبطش ، يفعل أولياؤه في الأرض ما يقر عينه ! يقلبون المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، وينشرون الفساد والباطل والضلال ، ويخفتون صوت الحق والرشد والعدل ، ويقيمون أنفسهم آلهة في الأرض تحمي الشر وتقتل الخير ... دون أن يجرؤ أحد على مناهضتهم والوقوف في وجههم ، ومطاردتهم وطردهم من مقام القيادة. بل دون أن يجرؤ أحد على تزييف الباطل الذي يروجون له ، وجلاء الحق الذي يطمسونه..والشيطان ماكر خادع غادر ، يختفي وراء أوليائه ، وينشر الخوف منهم في صدور الذين لا يحتاطون لوسوسته .. ومن هنا يكشفه الله ، ويوقفه عارياً لا يستره ثوب من كيده ومكره ويعرف المؤمنين الحقيقة .حقيقة مكره ووسوسته، ليكونوا منها على حذر. فلا يرهبوا أولياء الشيطان ولا يخافوهم. فهم وهو أضعف من أن يخافهم مؤمن يركن إلى ربه، ويستند إلى قوته.. إن القوة الوحيدة التي تخشى وتخاف هي القوة التي تملك النفع والضر هي قوة الله.وهي القوة التي يخشاها المؤمنون بالله ، وهم حين يخشونها وحدها أقوى الأقوياء. فلا تقف لهم قوة في الأرض ...لا قوة الشيطان ولا قوة أولياء الشيطان .(فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وكما أن الشيطان الرجيم يخوف المؤمنين بأوليائه ، فإنه من جانب آخر يشجع أوليائه على قتال المؤمنين ليتم مقصوده من إخماد صوت الحق ، وقد فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث حرضّ المشركين على قتاله وقتال أصحابه في معركة بدر ، وقد نزل القرآن الكريم بذلك ، فقال سبحانه يصف حال الشيطان مع المشركين : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ...) (لأنفال:48) وورد في السيرة النبوية ما يفسر ذلك وهو أن قريشاً لما أزمعت الخروج لمعركة بدر تذكرت ما بينها وبين قبيلة بني بكر من كنانة من الحرب ، فكاد ذلك أن يثبطهم فتبدى لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من أشراف كنانة فقال لهم :- أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه ، وقال لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس.ولكن الله عزَّوجل دحر كيده في ذلك اليوم حيث أنزل جنوداً من الملائكة تقاتل مع المسلمين عدوهم فلما رآهم عدو الله فر هارباً متبرئاً من أوليائه المشركين وفي ذلك يقول الحق تعالى : (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:48) .قال قتادة رحمه الله :- وذكر لنا أنه رأى جبريل عليه السلام تنـزل معه الملائكة فعلم عدو الله أنه لايدان له بالملائكة فقال : إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم وتبرأ منهم.
كيده في الأخلاق
وفي هذا المبحث ستة مطالب :-
المطلب الأول :- النهي عن اتباع خطوات الشيطان خشية الوقوع في الفحشاء والمنكر .
قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ...) (النور:21) .
وقد سبق معنا الكلام على معنى خطوات الشيطان وأنها مسالكه إلى الباطل، والسبب في النهي عن إتباع خطواته لأنه يصل بها إلى الأمر بالفحشاء وهي الزنا كما ذكره الحافظ الطبري رحمه الله.
وقد تقدم معنا قول مقاتل : إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى إلا قوله تعالى : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ...) (البقرة:268) فإنه منع الزكاة .
ومن خطواته في هذا الباب الغناء الذي يجر إلى الفحشاء وهو من صوته وقد قال مجاهد رحمه الله في تفسير قوله سبحانه مخاطب الشيطان (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ...) (الإسراء:64) قال : الغناء واللهو والمزامير ، قيل : صوته : كل داعٍ يدعو إلى معصية الله تعالى قلت :- ولاشك أن صوت الغناء مما يدعو إلى معصية الله تعالى فيكون من صوته .وقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيته عند عائشة أم المؤمنين وعندها جاريتان تضربان بالدف وتغنيان بشعرٍ قيل في بعض الحروب ، فاضطجع على فراشه وحول وجهه إلى الجدار وتغشى بثوبه ، فدخل أبوبكر رضي الله عنه فانتهر ابنته عائشة قائلاً :- أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟! فكشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثوب عن وجهه قائلاً لأبي بكر:- دعهما يا أبابكر فإنها أيام عيد" فقد أقرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسمية الدف الذي يتغنى به مزمار الشيطان ، وإنما سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إنكاره لكون ذلك الشعر من غناء الأعراب قيل في حربٍ وشجاعةٍ ولكون ذلك اليوم عيداً ، والجاريتان غير مكلفتين ، فقد تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم علاقة الشيطان بالغناء وآلات اللهو .وإذا كان هذا قد قيل في أشعارٍ فيها ذكر الحروب وما أشبه ذلك فما الظن بالأغاني التي تحتوي على ذكر الغرام وتهيج إلى الفحشاء وإلى معصية الله تعالى؟!ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- إنما نهيت عن صوتين أحمقين عند لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة : خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان"
وقال بعض السلف :- الغناء رقية الزنا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى :- ومن مكايد عدو الله ومصايده ، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين ، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين :سماع المكاء ، والتصدية ، والغناء بالآلات المحرمة ، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان . والحجاب الكثيف عن الرحمن. وهو رقية اللواط والزنا ، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى. كاد به الشيطان النفوس المبطلة. وحسنه لها مكراً منه وغرورا. وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا.
المطلب الثاني :- التحذير من الافتتان بالنساء
فقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمة عامة من الافتتان بالنساء فقال :- إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" .
وأما ما يتعلق بالشيطان في هذا الموضوع فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان ، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يردُّ ما في نفسه"
ومعنى إقبال المرأة وإدبارها في صورة شيطان : أي : في صفته فشبهها به في صفة الوسوسة والإضلال حيث أن رؤيتها تثير الشهوة التي هي من وسائل الشيطان للإضلال ، فالمراد أنها تشبه الشيطان في دعائه إلى الشر ووسوسته وتزيينه.ثم بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم العلاج لمن رأى امرأة فوقعت في نفسه وهو أن يأتي امرأته فيقضي حاجته فإن ذلك يطفئ الشهوة التي وقعت في نفسه .وأما من لم يكن له زوجة فقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيفية دفعه عن نفسه الشهوة فقال :- يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"فأرشد من كان قادراً على النكاح ومؤنته أن يتزوج ، ومن لم يقدر على ذلك أن يصوم فإن الصيام يضعف أثر الشهوة ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم إنه "وجاء" أي كسر لشهوته فالوجاء في الأصل :- رض الخصيتين ودقهما لتضعف الفحولة فالمعنى : أن الصوم يدفع شر الشهوة كالوجاء.
ومما يدل على كيد الشيطان للمرأة وبالمرأة قوله صلى الله عليه وآله وسلم :- "المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" .ومعنى كون المرأة عورة : أي أنه يستقبح تبرجها وظهورها للأجانب وهو كناية عن وجوب الاستتار في حقها محافظة وصيانةً لها ، ومعنى استشرفها الشيطان : أي رفع بصره إليها ليغويها ويغوي بها ، وأصل الاستشراف : وضع الكف فوق الحاجب ورفع الرأس للنظر ، والمعنى :- أن المرأة ما دامت في بيتها لم يطمع الشيطان بها، فإذا خرجت طمع فيها وأطمع . وهذا مما يدل على كيده العظيم لها وبها نسأل الله السلامة والعافية ، وقد ذكر عبدالله بن مسعود رضي الله عنه نموذجاً مما يسوله الشيطان للمرأة إذا خرجت من بيتها حيث يقول لها:- إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته !!
وما ذكر في الحديث من إغواء الشيطان للمرأة وللناس عند خروجها من بيتها أمر نشاهد تصديقه الواضح في واقع عالمنا المعاصر ، فكم من فتنٍ وفسقٍ وفجورٍ جره خروج المرأة من بيتها لغير حاجةٍ ، وكم من امرأةٍ هتك عرضها وامتهنت كرامتها نتيجة ذلك ، حتى أصبحت المرأة في العالم المعاصر كسلعةٍ من السلع تستخدم للعرض والاستغلال والاستجلاب ، وكم فتن بذلك من الأعداد الهائلة جداً من الرجال مما حقق مقصود عدو الله تعالى في هذه الفتنة ، نسأل الله السلامة والعافية.
المطلب الثالث :- النهي عن الخلوة بالأجنبية وسفرها بدون محرم خشية كيد الشيطان
فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :- لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرنَّ امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال :- يا رسول : اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجّةً ، قال : أذهب فحج مع امرأتك"
وحتى لو كان هذا الذي يدخل على المرأة من الأقارب فقد جاء تحريم ذلك فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :- إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال : الحمو الموت !!
والحمو هنا قريب الزوج من غير آبائه وأبنائه ، فقد جرت العادة بالتساهل في دخوله على المرأة مما قد يؤدي إلى العاقبة السيئة التي عبر عنها بالموت ، كما تقول العرب : الأسدُ الموت يعني لقاؤه يفضي إلى الموت. فالخوف من الحمو أكثر من غيره لتمكنه من الوصول إلى المرأة بدون نكير. أي : فلا تتساهلوا في ذلك .
وقد جاء تعليل هذا التحريم في قوله صلى الله عليه وآله وسلم "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان".ومعنى ذلك أن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية يحضرها الشيطان ليسوّل الوقوع في المنكر والعياذ بالله .
المطلب الرابع :- الحرص على غض البصر خشية نزغات الشيطان
فإن العين رائد القلب ، ولذا أمر الله عزوجل بغض البصر حفظاً للفرج فقال سبحانه :- (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ...) (النور:30-31) .وحث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على غض البصر في عددٍ من أحاديثه، وبين دور الشيطان في ذلك في موقفٍ عملي حيث جاءته امرأة تستفتيه فجعل الفضل بن العباس ابن عمه ينظر إليها، فصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجهه بيده ، فقال له العباس :- يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما ..." أي :- فلم آمن أن يفتنهما الشيطان فلذا صرفت بصره عنها .وقال عبدالله بن مسعود :- ما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع.
المطلب الخامس :- الحرص على الابتعاد عن الشبهات في هذا الباب درءاً لكيد الشيطان
ومما يدلنا على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذهب ليوصل زوجته صفية إلى بيتها ليلاً بعد أن زارته في معتكفه فمرَّ به رجلان من أصحابه فأسرعا المشي فقال لهما : على رسلكما إنها صفية بنت حيي فقالا : سبحان الله يا رسول ! قال :- إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا أو قال :- شيئاً.
وقد بوّب النووي رحمه الله لهذا الحديث بقوله : باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرماً له أن يقول : هذه فلانة ليدفع ظن السوء به.
واستنبط من الحديث شفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمته وخوفه أن يلقي الشيطان في قلوبهم ظناً يهلكون به ، قال : وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء الظن في الناس وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق وقد يخفي أن يبين حاله ليدفع ظن السوء وفيه الاستعداد للتحفظ من مكائد الشيطان.
مكائده في أمور الحياة المختلفـة وسبـل الاحـــتراز منهـــا
[وفيه ثلاثة عشر مبحثا]
المبحث الأول :- حضوره كل شيء من شأن الإنسان .
المبحث الثاني :- أثره عند ولادة ابن آدم .
المبحث الثالث :- التحرز من الشيطان عند دخول المنزل وعند الخروج منه.
المبحث الرابع :- التحرز من كيد الشيطان عند الطعام والشراب .
المبحث الخامس :- التحرز من الشيطان عند دخول الخلاء .
المبحث السادس :- التحرز من كيد الشيطان عند النوم .
المبحث السابع :- كيد الشيطان في الغضب والاحتراز منه .
المبحث الثامن :- أثر الشيطان في الفتن والتحريش والعداوة.
المبحث التاسع :- كيد الشيطان في السحر والمس والكهانه ونحو ذلك.
المبحث العاشر :- أثر الشيطان في المرض .
المبحث الحادي عشر :- أثر الشيطان في النسيان والخطأ .
المبحث الثاني عشر :- الأمر بمخالفة عادة الشيطان .
المبحث الثالث عشر :- الاحتراز من الجن عند دخول الليل وفي المنازل.
السبل العامة للخلاص من مكائد الشيطان [وفيه أربعة مباحث]
المبحث الأول :- الإخلاص في العبـادة .
المبحث الثاني :- ذكر الله عزوجـل .
المبحث الثالث :- الاستعاذة بالله منـه .
المبحث الرابع :- الأخذ بالإرشادات الشرعية في مواجهة مكائده والاحتياط منها .
تمهيـد :-
وفي هذا الفصل نذكر السبل العامة للخلاص من مكائد الشيطان بعد أن يسر الله عز وجل ذكر ما أمكن من الطرق التفصيلية الواردة في النصوص للخلاص من مكائده ، ويحتوي هذا الفصل على أربعة مباحث :-
المبحث الأول :- الإخلاص لله في العبادة
وقد حكى الله سبحانه ماكان من قول الشيطان حين لعنه وطرده من رحمته فأقسم عدو الله قائلاً ما حكاه الحق سبحانه عنه بقوله :-
(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (صّ:82-83) .
فأقسم أنه سيعمل على إغواء بني آدم جميعاً إلا المخلصين ، وكلمة المخلصين قرئت بفتح اللام(158) ، فيكون معناها : الذين أخلصتهم لعبادتك ووفقتهم وعصمتهم مني ، أي : فإن هؤلاء لا طاقة لي بهم(159).
وقرئت بكسر اللام(160) فيكون معناها : من أخلص طاعتك فإنه لا سبيل لي عليه.(161)
فالحاصل أن معنى استثناء الشيطان هو لمن اجتباهم الله عز وجل واصطفاهم فعصمهم منه وهذا على قراءة من فتح اللام ، أو يكون معناه : أن من أخلص عبادته لله فلا قدرة للشيطان عليه، وهذا على قراءة من كسر اللام ، والحق أن المعنيين متلائمان فمن اصطفاه الله لا شك أنه مخلص لله سبحانه في أعماله فإنه سبحانه لا يصطفى المشركين ، ومن كان من المخلصين في عبادة الله سبحانه فذلك دليل على أن الله سبحانه قد اجتباه لذلك .
وبهذا تظهر أهمية الإخلاص في عبادة الله وحده وابتغاء وجهه وحده بالأعمال الصالحة ، ولهذا كان سلطان الشيطان على المشركين كما قال سبحانه :- (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل:100) .
وأما من كان مؤمناً موحداً لله مخلصاً فلا سلطان للشيطان عليه كما قال سبحانه في الآية السابقة للآية المذكورة : (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل:99) ، فنفى سلطانه على المؤمنين المعتمدين على الله وحده في جميع أمورهم وهؤلاء هم المخلِصون والمخلَصون ، ومن هنا قال الضحاك في معنى المخلصين : أي : المؤمنين.(162)بل إن الله سبحانه أعلم أنه ليس للشيطان من سبيل على العباد إلا من تبع أوامره ووساوسه وتغريره من الغاوين فقال سبحانه مخاطباً الشيطان الرجيم : (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (الحجر:42) .وعلى هذا فمن أهم ما يحرز من الشيطان الرجيم عدم متابعة أمره ووسوسته وتزيينه ، أعاذنا الله منه .فإن قيل : فإنا نرى أن كثيراً من الصالحين قد أوقعهم الشيطان في الزلات، ولا يزال يوسوس لجميع المتقين إلا من عصم الله ، فما معنى نفي سلطانه عنهم ؟ قيل :- نفي سلطانه عليهم قيل : معناه : أي لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي ،وهذا لاشك أنه حق وقيل : بل المعنى لا سلطان له عليهم أن يغويهم فيوقعهم في الكفر بالله عز وجل(163) فيخرجهم عن الصراط المستقيم الذي هو الإسلام ، أما الوساوس والزلات فهذه لا يسلم منها أحد من البشر لما قضاه الله بحكمته من توكيل قرين من الجن بكل إنسان وعدم عصمة أغلب البشر من الوقوع في المعاصي والسيئات إلا من عصمه الله من القرين كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .ولعل هذا هو الأقرب والله أعلم .
ومن نماذج عباد الله المخلصين الذين نجوا من كيد الشيطان – غير الأنبياء – أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث بلغ بإخلاصه وباجتباء الله عزوجل له أن يفر منه الشيطان حيث قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً(164) إلا سلك فجاً غير فجك"(165)
قال النووي رحمه الله :- وهذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان متى رأى عمر سالكاً فجاً هرب هيبة من عمر وترك ذلك الفج وذهب في فج آخر لشدة خوفه من بأس عمر" ثم ذكر ما قال بعض العلماء أن ذلك يحتمل أن يكون من باب ضرب المثال وأن الشيطان لبعده عن إغواء عمر فكأنه يسلك فجاً غير فجه .
قال : "والصحيح الأول"(166) يعني أنه على ظاهره .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :- فيه فضيلة عظيمة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه ، لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها ، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته ، فإن قيل :- عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له، فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة.(167)
وممن أجاره الله من الشيطان أيضا عمار بن ياسر رضي الله عنه ، فقد ذهب رجل من أهل الكوفة من التابعين إلى الشام فلما دخل المسجد قال : اللهم يسر لي جليسا صالحا ، فجلس إلى أبي الدرداء ، فقال أبو الدرداء : ممن أنت ؟ قال : من أهل الكوفة ، قال أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره يعني حذيفة ؟ قال: قلت: بلى ، قال : أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم يعني من الشيطان يعني عمارا ؟ قلت : بلى .(168) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث : زعم بعضهم أن المراد بقوله : على لسان نبيه : قول النبي صلى الله عليه وسلم : "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار "(169) وهو محتمل ، ويحتمل أن يكون المراد بذلك حديث عائشة مرفوعا : "ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما " أخرجه الترمذي ، ولأحمد من حديث ابن مسعود مثله أخرجهما الحاكم(170) فكونه يختار أرشد الامرين دائما يقتضي انه قد أجير من الشيطان الذي من شأنه الأمر بالغي ، وروى البزار من حديث عائشة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ملىء إيمانا إلى مشاشه يعني عمارا وإسناده صحيح(171) ، ولابن سعد في الطبقات من طريق الحسن قال : قال عمار : نزلنا منزلا فأخذت قربتي ودلوي لأستقي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيأتيك من يمنعك من الماء ، فلما كنت على رأس الماء إذا رجل أسود كأنه مرس(172) فصرعته فذكر الحديث(173) وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الشيطان ، فلعل ابن مسعود أشار الى هذه القصة ، ويحتمل ان تكون الإشارة بالاجارة المذكورة إلى ثباته على الإيمان لما أكرهه المشركون على النطق بكلمة الكفر فنزلت فيه : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ )(النحل: من الآية106 )وقد جاء في حديث آخر أن عمارا ملىء إيمانا إلى مشاشه أخرجه النسائي بسند صحيح (174) ، والمشاش بضم الميم ومعجمتين الأولى خفيفة ، وهذه الصفة لاتقع إلا ممن أجاره الله من الشيطان .(175) قلت : ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعمار أن يجيره الله من الشيطان ، أو أخبر أن عمارا قد أجاره الله من الشيطان والله أعلم .
المبحث الثاني :- ذكر الله عز وجل
فهو الحصن المنيع من الشيطان الرجيم ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حيث أخبرنا أنه كان مما أوحى الله عزوجل إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام خمس كلمات أمره أن يعمل بها ويأمر بها بني إسرائيل ، ومنها قوله لهم : وآمركم أن تذكروا الله ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم ، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ... الحديث(176) .
قال ابن القيم رحمه الله : ولو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة ، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى ، وأن لا يزال لهجاً بذكره ، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر ، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة ، فهو يرصده ، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع ... (177) .وقد مر بنا في البحث أثناء الكلام على مكايده إرشاد الشارع إلى ذكر الله تعالى احترازاً من شره وذلك في المواضع التالية :-
1- عند دخول المسجد وعند الخروج منه .
2- عند الطعام والشراب .
3- عند دخول الخلاء .
4- عند إتيان الرجل أهله .
5- عند غلق الباب وإيكاء السقاء وتخمير الآنية .
6- عند النوم وعند الاستيقاظ منه .
ولا يعني هذا الاقتصار على الذكر في هذه المواضع ، لأن ذكر الله عز وجل هو حرز من الشيطان دائماً وأبداً كما يرشدنا إليه الحديث النبوي الشريف،ولأنا بحاجة دائمة إلى الاحتراز من شره ، وذكر الله هو الحصن المنيع لنا منه .
ومما ورد من الذكر النبوي للاحتراز من شره الذكر الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكرٍ الصديق حيث سأله أبو بكر فقال : يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي . فقال :- يا أبا بكر قل : اللهم فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه".(178)
وشرك الشيطان هو ما يدعو إليه من الإشراك بالله تعالى ، ويروى بفتحتين أي:- مصائده وحبائله التي يفتن بها الناس.(179)وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من الشر وأٍسبابه وغايته فإن الشر إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان ، وغايته إما أن يعود على العامل أو على أخيه المسلم فتضمن الحديث التعوذ من مصدري الشر اللذين يصدر عنهما وغايتيه اللتين يصل إليهما.(180)فقد أرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم صاحبه الصديق إلى الاستعاذة من الشيطان صباحاً ومساءاً وعند نومه ، فيسن لكل مسلم ومسلمةً الاقتداء بذلك.
ومن الأذكار التي هي حرز من الشيطان ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال:- من قال : لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك".(181)
فأرشدنا هذا الحديث العظيم إلى ذكرٍ يكون لنا حرزاً من الشيطان طوال يومنا إلى أن نمسي، ألا وهو قول لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك ، وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة وإنه ليسير على من يسره الله عليه ، إلى جانب ما نكسبه من الأجور المضاعفة في قوله.
ومعنى كونها للعبد حرزاً من الشيطان أي :- حفظاً وصيانة(182) والحرز هو الموضع الحصين(183) فتكون حفظاً له من غوائله ووساوسه في يومه ذلك حتى يمسي.(184)قال النووي رحمه الله :- وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في هذا الحديث لمن قال هذا التهليل مائة مرة في يومه سواء قالها متوالية أو متفرقة في مجالس ، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره ، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار ليكون حرزاً له في جميع نهاره.(185)
ومن الأذكار التي تكون أيضاً حرزاً من الشيطان قول ذلك التهليل المذكور في الحديث السابق عشر مرات عقب صلاة الصبح وعشراً عقب صلاة المغرب فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- من قال إذا صلى الصبح : لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كن كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر حسنات ، ومحي عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات ، وكن له حرساً من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك.(186)فهذا – ولله الحمد – ذكر ميسر يحترس به المسلم والمسلمة من الشيطان ليله ونهاره .بل جاء ولله الحمد والمنة ماهو أيسر من ذلك وهو أن قول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مرةً حرز لقائله من الشيطان الرجيم ، فقد روى الصحابي أبو عياش(187) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قال حين يصبح : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، كان له كعدل رقبة من ولد إسماعيل وكتب له بها عشر حسنات وحط عنه بها عشر سيئات ورفعت له بها عشر درجات ، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإذا أمسى مثل ذلك حتى يصبح ، قال : فرأى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم فقال : يا رسول الله إن أبا عياش يروي عنك كذا وكذا ، قال : صدق أبو عياش.(188)
فهذا الذكر الميسر حرز من الشيطان لمن قاله حين يمسي حتى يصبح ، ولمن قاله حين يصبح حتى يمسي ولله الفضل والمنة . ومما ورد في الاحتراز من كيد الشيطان الرجيم من الذكر قراءة آية الكرسي ، فقد كان أبي بن كعب رضي الله عنه له جرن(189) فيه تمر، وكان يتعاهده فوجده ينقص فحرسه فإذا هو بدابة تشبه الغلام المحتلم ، قال : فسلمت فرد السلام ، فقلت : من أنت؟ أجن أم إنس ؟ قال :- جن ، قلت : فناولني يدك فناولني يده فإذا يد كلب وشعر كلب، قال :- هكذا خلق الجن ؟
قال :- لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني، قال أُبي :- ما حملك على ما صنعت ؟ قال:- بلغنا أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك ، قال أُبي :- فما الذي يجيرنا منكم؟قال : هذه الآية التي في سورة البقرة : (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ )(البقرة: من الآية255) إذا قلتها حين تصبح أُجرت منا إلى أن تمسي وإذا قلتها حين تمسي أُجرت منا إلى أن تصبح ، فغدا أُبي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره خبره فقال :- صدق الخبيث".(190)
فدلتنا هذه القصة على أن قراءة آية الكرسي حين الصباح وحين المساء عاصمة وحرز من الشيطان الرجيم .
ومن أعظم الذكر العاصم من الشيطان الرجيم في المنازل قراءة سورة البقرة فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- لا تجعلوا بيوتكم مقابر(191) ، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة".(192)
فقراءة سورة البقرة طاردة للشيطان من المنـزل ، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : إن البيت ليتسع على أهله وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويكثر خيره أن يقرأ فيه القرآن ، وإن البيت ليضيق على أهله وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين ويقل خيره أن لا يقرأ فيه القرآن .(193)
فعلى الإنسان المسلم أن يعاود تلاوة هذه السورة العظيمة في منـزله فإنه يكتسب بذلك طرد الشيطان من منزله إلى جوار ما يكسبه من أجرٍ وعلمٍ بأحكام الله عزوجل التي تضمنت هذه السورة كثيراً منها ، وأما السر في تخصيص سورة البقرة بهذه المزية أي كونها طاردة للشيطان من البيت فقيل : لكثرة أحكامها وأسماء الله فيها أو لسرٍ علمه الشارع.(194) قلت :- وأيضاً هي تحتوي على آية الكرسي التي هي أفضل آيةٍ في كتاب الله والتي هي سبب للاحتراز من الشيطان الرجيم ، وأيضاً قد ختمت بآيتين عظيمتين قرآتهما سبب لحرمان الشيطان من دخول المنـزل ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :- إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بها سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان".
وفي رواية :- ولا يقرآن في بيتٍ فيقربه شيطان ثلاث ليال"(195)
فالرواية الأولى تفيد أن تكرار قراءتها في ثلاث ليالٍ يُحرز البيت من الشيطان(196) ، والرواية الثانية تفيد أن قراءتها تحرز البيت من الشيطان ثلاث ليالٍ ، وعلى كل حال فالأفضل للمسلم المداومة على تلاوة هاتين الآيتين كل ليلةٍ ليحصل على الفضل المشار إليه في الحديث على كلتا الروايتين ، ولاسيما أنه قد صح في الحديث النبوي أن :"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"(197) فقيل المعنى :- كفتاه شر الشيطان ويؤيده الحديث الذي ذكرناه آنفا ، وقيل:- أجزأتاه عن قيام الليل أو عن قراءة القرآن أو كفتاه الآفات ويحتمل الجميع.(198)
وعلى هذا فينبغي الحرص والمداومة على قراءتها تحصيلاً لفضيلتها وثمرتها وبالله التوفيق.
المبحث الثالث :- الاستعاذة بالله منه
ومن طرق درء كيد الشيطان التي جاء بها النص الاستعاذة بالله منه ، وقد ورد ذلك في آيات من كتاب الله عزوجل حيث قال سبحانه آمراً نبيه :- (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (المؤمنون:97-98) .
وهمزات الشياطين هي وساوسهم الدافعة للمعصية كما سبق معنا وسبق أيضاً أن في هذه الآية استعاذة من إغواء الشياطين ومن حضورهم لدى الإنسان أي قربهم ودنوهم منه.(199)
وعلى هذا فينبغي للمسلم أن يستعيذ بالله من الشيطان كلما أحس بوسوسته له لئلا يقع في معصية الله تعالى .
وقال سبحانه :- (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36) .
وقد سبق الكلام على هاتين الآيتين الكريمتين أيضاً.(200)
وقد ورد إرشاد الشارع بالاستعاذة بالله من شره في مواضع مخصوصة سبقت معنا أثناء الكلام على مكائده ، ونعددها هنا تذكيراً بها وهي :-
1- عند تلاوة القرآن الكريم .
2- عند استفتاح القراءة في الصلاة .
3- عند الوسوسة في الصلاة .
4- عند الغضب .
5- عند إلقاء الشيطان الشبهات القادحة في الإيمان .
6- عند إلقائه الوساوس بالمعاصي والسيئات.
7- عند لمته و إيعاده بالشر وتكذيبه بالوعد .
8- عند الرؤيا السيئة وعند الفزع في المنام.
9- الاستعاذة من تخبطه للإنسان عند الموت .
10- عند دخول الخلاء .
وقد سبقت معنا الأدلة على جميع ذلك أثناء البحث ، ومن المواضع التي يشرع فيها الاستعاذة بالله من الشيطان عند سماع نباح الكلاب ونهيق الحمير .فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :- إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً ، وإذا سمعتم نهيق(201) الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا".(202)
فتضمن هذا الحديث مشروعية الاستعاذة بالله عند سماع نهيق الحمار وبيان علة ذلك لكونه رأى شيطاناً ، وبيان أن الله سبحانه قد أمكن هذا الحيوان وأعطاه قدرةً بصريةً لرؤية الشيطان، وهذا خبر غيبي لا يمكن إداركه إلا بوحيٍ من الله عزوجل الذي خلق هذه الحيوانات وصرفها كيف شاء ."وفائدة التعوذ عند ذلك لما يخشى من شر الشيطان وشر وسوسته فيلجأ إلى الله في دفع ذلك".(203)وأما الاستعاذة عند نباح(204) الكلب فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :- إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير من الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنها ترى ما لا ترون.."(205).فدل الحديث على أن الكلب كالحمار يرى الشيطان فينبح عند ذلك فأمرنا بالاستعاذة بالله من الشيطان .وقوله صلى الله عليه وآله وسلم :- فإنها ترى ما لاترون :- بيان لخصوصيتها في ذلك دون بني آدم ، وتخصيص الليل بذلك لانتشار الشياطين والجن فيه أكثر ، فلو وقع في النهار لكان كذلك .
ويحتمل أن التقييد بالليل هنا لخاصية الليل في ذلك وعليه فيحمل الحديث المطلق السابق على هذا المقيد بالليل.(206)
قلت : ولعل هذا أقرب ، وبه تظهر فائدة التقييد والله أعلم .
ومما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ به قراءة المعوذتين : (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :- كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان ، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما".(207)
وإنما اجتزأ بهما صلى الله عليه وآله وسلم لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا ، وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين بل يدل على الأولوية ولاسيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما.(208)
المبحث الرابع :- الأخذ بالإرشادات الشرعية في مواجهة مكائده والاحتياط منها
وبعد أن ذكرنا أن إخلاص العبادة لله عز وجل من أهم أسباب الحفظ من تسلط الشيطان على العبد ، وكذلك ذكر الله تعالى ، وكذا الاستعاذة به سبحانه من شره نذكر هنا أن من السبل العامة للخلاص من مكائده استخدام ما أرشدت إليه الشريعة مما يقي من مكائده كما ورد معنا تفصيلاً أثناء البحث وذلك غير ما ورد من ذكر الله تعالى ومن الاستعاذة .
ومما أرشدت إليه الشريعة في هذا الموضوع :
1- استشعار عداوة الشيطان للإنسان واتخاذ عدواً .
2- الحذر من تغريره ووسوسته وتزيينه الكفر والمعاصي والأماني الباطلة وتثبيطه عن فعل الطاعات.
3- التنبه والتذكر عند وسوسته وإلقائه الشبهات .
4- كظم الغيظ ودفع الغضب والحذر من تحريشه ونزغه بين الناس .
5- الحذر من الكبر لأنه من نفخه ، والشعر المذموم لكونه نفثه أو من نفثه .
6- الحذر من استزلاله للعبد بسبب ذنب سابق ، وعليه فيحذر من الذنوب جميعاً لكونها من مصائده .
7- عدم قوله كلمة : "لو" على سبيل معارضة القدر التي تفتح عمله .
8- الذكر والوضوء والصلاة عند القيام من النوم لحل عقده .
9- الاستنثار ثلاثاً عند القيام من النوم .
10- مفارقة الموضع الذي حصلت فيه الغفلة عن العبادة بسبب حضور الشيطان كما فارقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه حين ناموا عن صلاة الفجر .
11- اجتناب شرب الخمر ولعب الميسر حذراً من كيده في ذلك لتضييع الصلاة والذكر وإلقاء العداوة ، وكذلك الحذر من كل أمر يصد عن الذكر والعبادة ويلقي العداوة .
12- عدم ترك خلل في صف الصلاة لئلا ينفذ منه .
13- سجود السهو إذا ضل العبد في صلاته فلم يدركم صلى.
14- التعوذ بالله منه والتفل عن اليسار ثلاثاً حين الوسوسة في الصلاة .
15- الحذر من الالتفات في الصلاة .
16- اتخاذ السترة في الصلاة والدنو منها لئلا يقطع صلاة العبد .
17- دفع المار بين يدي المصلي ،وكذا دفع الكلب الأسود عن المرور بين يدي المصلي.
18- كظم التثاؤب ودفعه سواء داخل الصلاة أو خارجها .
19- إحسان الطهارة حفظاً للصلاة من كيده .
20- ترك الصلاة النافلة حال طلوع الشمس وحال غروبها .
21- عدم الصلاة في مبارك الإبل ، وأماكن النجاسات التي تألفها الشياطين .
22- عدم عقص الشعر وجلسة الإقعاء المنهي عنهما في الصلاة .
23- عدم الأكل والشرب بالشمال ، وكذا عدم الأخذ والإعطاء بالشمال تركا لمشابهته .
24- رفع اللقمة الساقطة وعدم تركها للشيطان .
25- التفل عن اليسار ثلاثاً والتعوذ بالله من شر الشيطان عند الرؤيا المنامية السيئة وكذلك التعوذ من شرها وعدم إخبار أحدٍ بها ، والقيام إلى الصلاة إن تيسر.
26-قول الكلمة الطيبة ، وترك السباب والجدال المذموم والمخاصمة احترازاً من كيده ، وترك النجوى السيئة كذلك .
27- لزوم الجماعة وعدم الفرقة احترازاً من كيده للمنفرد .
28- عدم جواز الإشارة بالسلاح إلى برئ خشية نزغه .
29- تحريم تعلم السحر أو تعاطيه وكذا الحذر من التعامل والذهاب إلى الكهنة الأفاكين.
30- عدم الجلوس بين الشمس والظل كما يفعل .
31- عدم التبذير تركاً لمشابهتة .
32- كف الصبيان والمواشي عند دخول الليل .
33- إغلاق الأبواب وإيكاء القرب وتخمير الآنية ليلاً إتقاء كيده .
34- إطفاء المصابيح ،وكذا أي نارٍ بالمنـزل عند النوم .
35- الحذر من تغيير خلق الله سواء بقطع آذان الأنعام أو بالنمص أو الفلج أو غير ذلك.
36- الحذر من استدراجه الإنسان للوقوع في الشرك عبر الغلو مثلاً .
37- الحذر من اتباع خطواته الداعية للفحشاء والمنكر .
38- الحذر من افتتان الرجال بالنساء والعكس .
39- أمر المرأة بالاحتشام ولزوم البيت تعففاً إلا لحاجة .
40- النهي عن الخلوة بالأجنبية ولو من الأقارب خشية كيده .
41- غض البصر والحرص على الزواج أو الصوم دفعاً لكيده في هذا الباب .
42- الحرص على ذكر الله تعالى وعدم الغفلة عنه سواء كان من الأذكار المطلقة أو المقيدة بأحوالٍ أو بأوقات معينة .
وجميع هذه الأمور سبق بيان أدلتها والكلام عليها أثناء البحث ولله الحمد .
ولاشك أن من أهم الأمور في دفع مكائده الاعتصام والالتجاء إلى الله وحده ودوام ذكره وشكره وحسن عبادته إضافة إلى استعمال ما أرشدت إليه الشريعة في دفع مكائده .
وبعد فهذا ما يسر الله سبحانه جمعه من الكلام على الشيطان ومكائده على ضوء ما ورد في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ،وأنا أسأل الله سبحانه أن ينفع به كاتبه وكذلك كل من قرأه أو سمعه ، وكذا أساله سبحانه أن يجعل كتابتي في هذا الموضوع سبباً لخلاصي ونجاتي من كيد عدو الله تعالى ، كما أسأله سبحانه أن يقي المسلمين من شر عدوهم اللعين ، وما كان من صوابٍ وفائدةٍ في هذا البحث فمحض فضل الله سبحانه ونعمته وتوفيقه ، وما كان فيه من خطأٍ فمن نفسي ومن الشيطان ، وأسال الله سبحانه أن يغفر لي الخطأ والزلل والتقصير ، وأن يجزي خيراً كل من أرشدني إلى صوابٍ وفائدة في هذا البحث ،والله أعلم.
خاتمة البحث وتحتوي على:-
1) أهم نتائج البحث :-
1- معرفة عظم فضل الله علينا حيث بين لنا مكائد عدونا الذي لا نراه ، وأطعلنا عليها وعلى طرق الاحتراز منها رغم أنها من الأمور الغيبية التي لا تدرك إلا بالوحي منه سبحانه .
2- كثرة مكايد الشيطان وأنها شاملة لجميع أمور الحياة سواء في أمر الاعتقاد أو العبادة أو الأخلاق أو المعاملات أو غيرها من الأمور الحياتية ، ويؤكد ذلك توكيل قرين من الجن بكل إنسان .
3- تعدد وسائل الشيطان للإيقاع في المعاصي من أمرٍ بها إلى تزيينها إلى الحث عليها إلى التغرير وخداع صاحبها إلى تشويه صورة الحق وإلباسه صورةً مشوهة إلى تكذيبه بوعد الله عزوجل إلى نفخٍ ونفثٍ وغير ذلك .
4- أن الشيطان له مكائده في باب العقيدة والإيمان من صده عن دين الله الحق إلى تزيينه الردة لمن كان من المسلمين إلى القاء الشبهات والوساوس إلى استدراجه للوقوع في الشرك إلى معارضته القدر بقول : "لو" ونحو ذلك.
5- أن الشيطان قد يزين للعبد الردة عن الإسلام ، ومن لم يستجب له فإنه يوقعه فيما دون ذلك من المعاصي والآثام ، أو يشوش عليه في عبادته.
6- أن للشيطان حرصاً عظيماً على إفساد عبادة الصلاة لأهميتها العظيمة إما بالصد عنها أو بالتشويش والوسوسة فيها أو غير ذلك.
7- حرص الشيطان على حرمان العبد من الاستفادة من القرآن ولذا أمرنا بالاستعاذة منه عند تلاوة القرآن .
8- حرص الشيطان على تثبيط الإنسان عن الجهاد في سبيل الله وعن الهجرة في سبيل الله وتصويرهما بصورة منفرة لينفر الإنسان عنهما وليستمر الباطل وينتشر في الأرض .
9- للشيطان مكائده في باب الأخلاق لفتنة الرجال بالنساء وللدعوة للفحشاء ولذا أغلقت الشريعة مكائده بالأمر بالعفة وغض البصر ولزوم النساء للبيوت إلا لحاجة والمنع من الخلوة بالأجنبية واتقاء الشبهات في هذا الباب.
10- كما أن للشيطان مكائده في العقيدة والعبادة والأخلاق فله مكائده الكثيرة في أمور الحياة المختلفة لأنه يحضر الإنسان عند كل شيء من شأنه، فله أثر سيء عند ولادة الإنسان وأثر عند دخوله المنزل وخروجه منه وعند الطعام والشراب وعند دخول الخلاء وله مكائد أيضاً في النوم ، كما أن له كيداً في الغضب والتحريش والتفريق بين الزوجين وإلقاء العداوة والفتن بين الناس ، كما إن له دوراً رئيسياً في السحر والكهانة والمس ، وبعض الأمراض التي ورد النص بها ، كما إنه سبب للخطأ والنسيان ، وقد بينت الشريعة الموقف الصحيح في كل موقفٍ من هذه المواقف المذكورة وبينت حقيقة ما يفعله الشيطان وما يقصده وكيفية الاحتراز منه .
11- أن الأمور والأفعال التي نسبها الشارع للشيطان ينبغي حملها على الحقيقة ولا تصرف إلى المجاز إلا بدليل سائغ، وأن منهج التأويل الذي جنح إليه البعض في الأفعال المنسوبة للشيطان يعتبر مرجوحاً حيث لا قرينة تدل عليه .
12- ورد النهي عن مشابهة الشيطان أيضاً في عددٍ من الأمور كالأكل والشرب بالشمال أو الأخذ والإعطاء بها ، أو الجلوس بين الشمس والظل أو التبذير .
13- أن مكائد الشيطان منها المتعلق بالفرد ككيده للإنسان في عقيدته وعبادته وأموره الحياتية الخاصة ، ومنها ما يتعلق بالمجتمع ككيده بالفتنة والتحريش والعداوة وإشاعة الفحشاء ونحو ذلك.
14- أن الأنبياء عليهم السلام نالهم شيء من كيد الشيطان وضرره كالكيد لأبينا آدم عليه السلام وزوجه ، والضرر الذي لحق نبي الله أيوب عليه السلام ونبي الله موسى عليه السلام في قتله القبطي ، وككيد الشيطان في إلقائه الشبهة في تلاوة الأنبياء .
15- أن تحقيق العبودية الخالصة لله عزوجل من أعظم الأسباب للخلاص من كيد الشيطان الرجيم كما نطق بذلك الكتاب العزيز .
16- أن ذكر الله عزوجل هو الحصن الحصين من كيد الشيطان الرجيم سواء كان من الأذكار المطلقة أوالمقيدة بوقت أو حالٍ ، ولاسيما الذكر الذي نص الشارع عليه في مقابلة كيد الشيطان الرجيم .
17- أن الاستعاذة بالله عزوجل من أهم أسباب النجاة من كيد الشيطان الرجيم ، ولاسيما الاستعاذة في الأحوال التي نص الشارع على الاستعاذة فيها منه .
18- أن كثيراً من مكائد الشيطان التفصيلية قد ورد ذكرها في السنة النبوية الثابتة وهذا مما يؤكد كون السنة شارحةً وموضحةً للقرآن .
19- أن اسم الشيطان يطلق في لغة العرب على كل عاتٍ متمردٍ سواء كان من الجن أو من الإنس أومن الدواب ، ويفهم المقصود من خلال السياق .
20- أن علماءنا الأجلاء رحمهم الله قد اعتنوا بالكلام على مكائد الشيطان سواء من خلال تفسيرهم لآيات الكتاب العزيز الواردة في الموضوع أو من خلال شروحهم للأحاديث والاثار الواردة أيضاً في الموضوع ، أو من خلال تآليف مستقلة في الموضوع .
2) أهم التوصيات
ومن أهم ما يوصي به الباحث من خلال بحثه مايلي:-
1- الاعتناء بتعريف الناس بكافة الوسائل الإعلامية المتاحة بمكائد الشيطان الإجمالية والتفصيلية التي وردت في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، حيث إن كثيراً من الناس - وحتى بعض الخاصة – يجهلون كثيراً من النصوص والإرشادات الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع فيقعون نتيجة لذلك في إشكالات ومشكلات لا حصر لها .
2- الاهتمام بتحقيق بعض المسائل الواردة في الموضوع من ناحية علميةٍ مثل : كون الكلب الأسود شيطاناً ، وكون الطاعون والاستحاضة وذات الجنب من الشيطان، وكون الحمار والكلب أعطيا القدرة على رؤية الشيطان فيسبب ذلك نهيق الحمار وتصويت الكلب ونحو ذلك ، ولعل هذا يكون فتحاً جديداً في مجال الإعجاز العلمي .
3 ـ عدم اللجوء إلى منهج التأويل بلا دليل في المسائل الغيبية التي لا ندرك حقيقتها وكنهها ، والتسليم بالظاهر وهو المنهج المنقول عن السلف – رحمهم الله – في ذلك ، وقد أثبتت أبحاث الإعجاز العلمي صحة هذا المنهج حيث لجأ بعض العلماء الأقدمين – رحمهم الله – إلى التأويل في بعض المسائل ثم تبين بالاكتشاف العلمي التجريبي صحة الظاهر ومطابقته للحقيقة وخطأ التأويل .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ،،،
تم بحمد الله
ولا تنسونا من صالح دعائكم