جامعة الإيمان
ندوة تقوية الإيمان وزيادته
الدورة السادسة 1430هـ
الوسائل العملية للتزكية وأثرها في زيادة الإيمان
المحورالأول : الصلوات

أعده الفقير إلى الله : عبد الله بن علي الجودة
إشراف أ.د.عبدالمجيد بن عزيز الزنداني
تعريف الصلاة لغة وشرعا
مكانة الصلاة في الإسلام
ومن فضائل الصلاة
حكم تارك الصلاة عمدا
دور الصلاة في تزكية النفس
كيف تحقق الصلاة أثرها في النفس
تحقيق آثار الصلاة في المجتمع
برنامج مقترح لدورة حول الصلاة وأثرها في زيادة الإيمان
واجب الدولة في إقامة الصلاة
الصلاة لغة :
الصلاة في اللغة : الدعاء قال الله تعالى : ﴿ ..وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة : 103] أي ادع لهم و [ قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعي أحدكم فليجب فان كان مفطرا فليطعم وأن كان صائما فليصل ] وقال الشاعر :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ..... يا رب جنب أبي الأوصال والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فان لجنب المرء مضطجعا(1)
الصلاة شرعا :
عبادة لله تعالى فيها قيام وركوع وسجود وأذكار تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم.
مكانة الصلاة في الإسلام
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ، قال الله تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾[البينة : 5] وأمر تعالى بالمحافظة عليها فقال سبحانه:﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة:238]، وأما السنة فقد روى عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ] متفق عليه ، وهي عمود الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ....الحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني.
وعن عبد الله بن قرط رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله. رواه الطبراني في الأوسط وصححه الألباني.
والصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله تعالى ،قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال:الصلاة على وقتها...الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
ومن فضائل الصلاة :
هذا وتشتمل الصلاة على أنواع متعددة من العبادة من الاعتقاد بالقلب والانقياد والإخلاص والمحبة والخشوع والخضوع والمشاهدة والمراقبة والإقبال على الله عز وجل وإسلام الوجه له والصمود اليه والاطراح بين يديه وعلى أقوال اللسان وأعماله من الشهادتين وتلاوة القران والتسبيح والتحميد والتقديس والتمجيد والتهليل والتكبير والأدعية والتعوذ والإستغفار والاستغاثة والاستعانة والافتقار إلى الله تعالى والثناء عليه والاعتذار من الذنب إليه والإقرار بالنعم له وسائر أنواع الذكر وعلى عمل الجوارح من الركوع والسجود والقيام والاعتدال والخفض والرفع وغير ذلك هذا مع ما تضمنته من الشرائط والفضائل منها الطهارة الحسية من الأحداث والأنجاس الحسية والمعنوية من الإشراك والفحشاء والمنكر وسائر الأرجاس وإسباغ الوضوء علي المكاره ونقل الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة وغير ذلك مما لم يجتمع في غيرها من العبادات ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: وجعلت قرة عيني في الصلاة ولاشتمالها على معاني الإيمان سماها الله إيمانا في قوله سبحانه:﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة:143].
وهي ثانية أركان الإسلام في الفريضة فإنها فرضت في ليلة المعراج بعد عشر من البعثة لم يدع الرسول صلى الله عليه وسلم قبلها إلى شئ غير التوحيد الذي هو الركن الأول ففرضت خمسين ثم خففها الله عز وجل إلى خمس كما تواترت النصوص بذلك في الصحيحين وغيرهما وهي 4 ثانية في الذكر فما ذكرت شرائع الإسلام في آية من الآيات أو حديث من السنة الا وبدئ بها بعد التوحيد قبل غيرها كما في الآيات السابقة وكما في حديث جبريل وحديث بني الإسلام وحديث وفد عبد القيس وحديث معاذ بن جبل وحديث أمرت أن أقاتل الناس و غيرها مما لا يحصى .
وهي ثانية في آيات الأمر بالجهاد وفي الآيات وعيد الكفار كما في قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة التوبة 5 الآية وقوله كلوا وتمتعوا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين المرسلات 46 49 وهي ثانية في مدح المؤمنين كما في قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون 1 2 وفي ذم الكفار بتركها كما في قوله عز وجل: ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الإنشقاق :20-21 ] وقوله: ﴿فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ﴾ [القيامة: 31 32 ]وكذا في ذم المنافقين بعدهم اهتمامهم لها كما في قوله تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ [النساء :142]
وهي ثانية في حساب العبد يوم القيامة كما في قوله صلى الله عليه وسلم أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة صلاته فإن تقبلت منه تقبل منه سائر عمله وإن ردت عليه رد عليه سائر عمله ومعنى قوله أول ما يسأل عنه العبد أي بعد التوحيد
وهي ثانية فيما ذكر المجرمون أنهم عوقبوا به كما في قوله تعالى: ﴿في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ﴾[ المدثر: 40 43 ]الآيات والنصوص في شأنها كثيرة لا تحصى وهي متنوعة فمنها ما فيه الأمر بها كقوله : ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [ البقرة: 238 ] وقوله ﴿وأقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ [الإسراء 78 وما في معناها
ومنها ما فيه بيان محلها من الدين كالنصوص السابقة وكقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله
ومنها في ثواب أهلها كقوله عزوجل :﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون :9-11]
ومنها ما فيه ذكر نجاتهم من النار كقوله صلى الله عليه وسلم في عصاة الموحدين فيعرفونهم بآثار السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود
ومنها ما في عقاب تاركها كقوله عز وجل فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون: 4ـ 5] وقوله تعالى:﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب﴾[ مريم 59 :60 ] الآية وقوله تعالى:﴿ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذله وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون﴾[ القلم: 42 43]
ومنها ما فيه تكفير تاركها ونفي الإيمان عنه وإلحاقه بإبليس كقوله تعالى فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا مريم 59ـ60 فإنه لو كان مضيع الصلاة مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان.
وقوله:﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة :11] فعلق أخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة للمؤمنين فلا يكونون مؤمنين
وقال تعالى:﴿ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾ [السجدة: 15 ]
وقوله تعالى:﴿ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾[ البقرة: 34]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول ... يا ويله وفي رواية يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار.
وفيه عن جابر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة رواه الترمذي وقال حسن صحيح
وله عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر قال وفي الباب عن أنس رضي الله عنه وابن عباس هذا حديث حسن صحيح غريب
وروى الإمام أحمد والنسائي عن محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس مع النبي صلى اله علسه وسلم فأذن بالصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم قال بلى ولكني صليت في أهلي فقال له إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت . فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة ، ولفظ الحديث يتضمن أنك لو كنت مسلما لصليت.وفي المسند والأربع السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال له من حافظ عليها كانت له نورا وبرهان ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ورجال أحمد ثقات
وتقدم الحديث الذي في البخاري في صفة المسلم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا الحديث(2)
حكم تارك الصلاة عمدا
لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة (3) ، وقد ورد الوعيد الشديد لمن ترك الصلاة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : [ بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ] رواه مسلم .
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: من لم يصل فهو كافر ، وعن عبد الله بن مسعود من لم يصل فلا دين له(4) .
دور الصلاة في تزكية النفس :
1ـ الصلاة نور
عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن ( أو تملأ ) ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها. أخرجه مسلم[جزء 1 - صفحة203 ]
2ـ الصلاة كفارة للسيئات ورفع في الدرجات
عن عثمان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وكذلك الدهر كله .رواه مسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء ،قال فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا.
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
وعنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر .
رواه مسلم وغيره
وعن معدان بن أبي طلحة رضي الله عنه قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته فسكت ثم سألته الثالثة فقال سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة .رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة فاستكثروا من السجود .رواه ابن ماجه بإسناد صحيح
عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه
رواه أبو داود وقال الألباني :حسن صحيح
قال عاصم بن سفيان الثقفي رضي الله عنه: يا أبا أيوب فاتنا الغزو العام ! وقد أخبرنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه ! فقال : يا ابن أخي : ألا أدلك على أيسر من ذلك ؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل .رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه ، وصححه الألباني .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم:
فجاءه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال ولم يسأله عنه قال وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام إليه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال ( أليس قد صليت معنا ) . قال نعم قال فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك.
رواه البخاري ومسلم
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه و عاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه.( طب حل هق ). قال الألباني: ( صحيح ) حديث رقم : 1671 في صحيح الجامع.
قال ابن القيم رحمه الله:
إن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها وأكمل خشوعها ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه وأحس بأثقال قد وضعت عنه فوجد نشاطا وراحة وروحا حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها فالمحبون يقولون : نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم يا بلال أرحنا بالصلاة ولم يقل أرحنا منها وقال صلى الله عليه وسلم [ جعلت قرة عيني في الصلاة ] فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه صلى الله عليه وسلم بدونها وكيف يطيق الصبر عنها ؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان حتى يستقبل بها الرحمن عز وجل فتقول حفظك الله تعالى كما حفظتني وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يرفعه أنه قال [ ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله عز وجل لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئا إلا رفعت له إلى الله عز وجل بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن عز وجل ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول : ضيعك الله كما ضيعتني ضيعك كما ضيعتني ]
فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه عز وجل فإذا كانت صلاة تصلح لربه تبارك وتعالى وتليق به كانت مقبولة(5) .
3 ـ الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر
قال تعالى : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت:45].
نقل القرطبي رحمه الله عن ابن عطية قوله :
المراد ب ( أقم الصلاة ) إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها و ممتثلها عن الفحشاء والمنكر وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة والصلاة تشغل كل لدن المصلي فإذا دخل المصلى في محرابه وخشع وأخبت لربه وادكر أنه واقف بين يديه وأنه مطلع عليه ويراه صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى وظهرت على جوارحه هيبتها ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلا ة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة فهذا معنى هذه الأخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن يكون .
قال القرطبي : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد فإن الموت ليس له سن محدود ولا زمن مخصوص ولا مرض معلوم وهذا مما لا خلا ف فيه وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا ، فكيف مع ملك الملوك ؟! فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر(6).
4ـ الصلاة قرب من الله عز وجل
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء . أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي
5ـ الازدياد من النوافل سبب لمحبة الله عز وجل وسبب لاستجابة الدعاء
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه . رواه البخاري وابن حبان في صحيحه.
قال الخطابي : المعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الاصغاء إلى اللهو بسمعه ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره ومن البطش فيما لا يحل له بيده ومن السعي إلى الباطل برجله(7) .
قال ابن القيم رحمه الله:ولما حصلت هذه الموافقة مع العبد لربه تعالى في محابه حصلت موافقة الرب لعبده فى حوائجه ومطالبه فقال ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه أي كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب الى بمحابي فانا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعل به ويستعيذني أن يناله مكروه (8).
كيف تحقق الصلاة أثرها في النفس :
1) معرفة فضل الصلاة وما ورد فيها من الترغيب وما تكفره من السيئات وترفعه في الدرجات .
2) الاهتمام بأوقات الصلاة : استعداداً لها وتبكيراً للذهاب إلى المسجد لأدائها وفي الصف الأول .
3) تقديم نوافلها قبلها ثم بعدها لإكمال ما فيها من النقص إن حصل .
4) التركيز على الخشوع في الصلاة ، وكونه سبباً للفلاح وتدبر معاني القرآن والأذكار التي تقرأ في الصلاة ، ومعرفة تفسير سورة الفاتحة خاصة لتكرارها، وكذلك قصار السور التي تقرأ كثيراً في الصلاة .
5) معرفة أحكام الصلاة (فقه الصلاة) .
6) أداء الصلاة جماعة في المسجد ، وتعليق القلب في لمسجد واتخاذ الإخوان في الله من جماعة المسجد الذين يعينون الإنسان على طاعة الله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾[الكهف: من الآية28].
7)معرفة فضل الجلوس في المساجد لذكر الله وانتظار الصلاة وتلاوة القرآن وطلب العلم والاعتكاف .
تحقيق آثار الصلاة في المجتمع
ولتحقيق آثار الصلاة في المجتمع أقترح إقامة دورات متخصصة عن الصلاة ومكانتها وفقهها وآثارها على الأفراد والمجتمعات وفوائدها وأثرها في تزكية النفس وزيادة الإيمان.
وتكون هذه الدورات على مستويين :
أ ـ دورات خاصة بالرجال . ب ـ دورات خاصة بالنساء .
يقيمها العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية .
وهذا برنامج مقترح لدورة حول الصلاة وأثرها في زيادة الإيمان :
1- محاضرة حول مكانة الصلاة في الإسلام وأهميتها وحكم تاركها .
2- محاضرة حول آثار إقامة الصلاة على الفرد والمجتمع .
3- محاضرة حول الخشوع في الصلاة : وسائله وآثاره .
4- محاضرة حول صلاة الجماعة : فضلها وآثارها على الأفراد والمجتمعات .
5- محاضرة حول فقه الصلاة (أو عدد من المحاضرات) :
أ- أركانها ب- سننها ج- المكروهات د. مبطلات الصلاة .
6- ورشة عمل أو ندوة حول المعوقات المتعلقة بالصلاة وآثارها .
7- محاضرة أو ندوة حول فضل المكوث في المساجد لانتظار الصلاة والتلاوة وطلب العلم والاعتكاف وذكر الله تعالى .
واجب الدولة في إقامة الصلاة :
قال تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:41] .
وقال عمر رضي الله عنه : " ... لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحث الأمة على الصلاة وأدائها بل هم بحرق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة . وأخبر أنه أمر بقتال الناس حتى يوحدوا ويصلوا ... وعندما بعث معاذاً على اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم....الحديث وكان قوداه على الجيوش إن سمعوا الأذان عرفوا أن البلد مسلمة .
ويمكن للدولة تحقيق هذا الواجب المناط بها عبر الوسائل التالية :-
1- استخدام وسائل الإعلام المختلفة لحث الناس على الصلاة في التلفزيون والراديو والصحف الرسمية ومواقع الإنترنت ونحو ذلك .
2- إقامة المساجد في الحارات التي تحتاج لذلك ، وكذلك في القرى والأرياف التي تفتقر إلى المساجد ، وتخصيص ميزانية خاصة في موازنة الدولة لهذا الغرض .
3- نشر اللوحات الإرشادية التي تحث على أداء الصلاة في أماكن التجمع العامة ، والأسواق ، والمدارس ، والجامعات ، والطرقات العامة ، والمرافق الحكومية ونحو ذلك .
4- إقامة المساجد والمصليات في جميع المرافق الحكومية من المدارس والجامعات والوزارات والمعسكرات ونحو ذلك وإلزام جميع منتسبيها بأداء الصلاة فيها في أوقاتها .
5- إلزام جميع موظفي جهاز الدولة بأداء الصلوات في أوقاتها وقت الدوام الوظيفي ، واعتبار التخلف عنها إخلالاً بأهم مقومات الأداء الوظيفي ، ويستحق العقوبة من الجهات الرسمية .
6- عدم عرض أي برامج إعلامية في القنوات العامة أثناء وقت الصلاة ، وإنما تنقل شعائر الأذان والصلاة .
7- تنقية وسائل الإعلام من جميع البرامج التي تتنافى مع القيم والأخلاق ، لكونها تؤثر سلباً على أداء الصلاة .
8- إنشاء شرطة خاصة بالصلاة ، مهمتها حث أفراد المجتمع الذين يكونون في أماكن التجمع العامة والأسواق على التوجه لأداء الصلاة في المساجد في أوقات الصلاة.
9- تزويد المساجد بكافة المستلزمات التي تعين على أداء الصلاة والعبادة في جو مريح ومحبب إلى النفوس .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ،،،
تم بحمد الله
ولا تنسونا من صالح دعائكم