ذنوبنا أخطر علينا من عدونا
لفضيلة الشيخ القاضي: محمد الصادق
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن عمر قال: قد كنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل- أي تجهز النعال للخيل- لغزونا فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلينا عشاء فضرب بأبي ضرباً شديداً، وقال أثَمَّ هو؟ ففرعتُ فخرجت إليه، فقال قد حدث اليوم أمر عظيم! قلت ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأهول! طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه... ثم قال: فجمعت على ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة، غرفة في مكان مرتفع له واعتزل فيها... فخرجت فجئت إلى المنبر – يعني في المسجد – فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: أستأذن لعمر.
فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهب الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام استأذن لعمر. فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك له فصمت، فرجع فجلست مع الرهب الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت استاذن لعمر. فدخل ثم رجع إلي فقال قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال – حبال – حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدم – جلد – حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم يا رسول الله أطلقت نساءك؟ فرفع إلي بصره فقال: "لا" فقلت الله أكبر – وكان الرسول صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه لمدة شهر بسبب بعض تصرفاتهن في أمور ترجع إلى الغيرة ونحوها.. وفي صحيح مسلم أن عمر هو الذي استنبط الحقيقة في تطليق الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه وتأكد أنه لم يحدث ونزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء:83] أهـ.
ويظهر جليا في هذا الحديث شدة اعتناء الصحابة بما يشغل خاطر النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان أعظم عليهم من غزوة غسان حتى صار بعضهم يبكي من ذلك، وأنهم كانوا لا يبالون كثيرا بالغزو الخارجي إذا كان وضعهم الداخلي مستقرا رغم أنه ورد في بعض روايات الحديث أن عمر قال عن غزو غسان إنه ملأ صدورنا، وفي رواية أنهم كانوا يخافون ذلك.. ولكن الله كفاهم هذا الغزو، كما أن الحديث يفيد أن مرجعية الاستنباط إلى العلماء، ويدل على مكانتهم؛ فعمر هو الذي تابع شائعة الطلاق حتى عرف الحقيقة وأخبر الناس.
وأن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم أو إيذاء ورثته وهم العلماء، أو إيذاء الصالحين أمر خطير وإخلال بالجبهة الداخلية قال تعالى: ﴿وَالذِينَ يؤْذُونَ الْمؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: 58].
وعن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها وكان هذا قبل إسلام أبي سفيان عندما جاء إلى المدينة لمحاولة تثبيت صلح الحديبية عندما أخلت قريش وحلفاؤها به، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ من قريش وسيدهم؟ قأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك»، فأتاهم أبو بكر فقال يا أخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. رواه مسلم وغيره.
ونحن اليوم نتوقع الخطر الكبير من التآمر الأجنبي على بلدنا، فالبوارج في البحار المحيطة، والفوضى الخلاقة على أشدها، ولقاء لندن الذي انعقد بدون استئذان اليمن بغرض فرض الوصاية على اليمن خرج بقرارات برقعها التفضل وحقيقتها التدخل، ولا خطر أعظم علينا من أن نؤتى من قبل أنفسنا وذنوبنا والأصل أن نتوب ونرجع إلى الله ثم إلى أولي الأمر وهم علماؤنا وإلى أهل الحل والعقد فينا، ونجمع كلمتنا ونحرص على أخوتنا ووحدتنا من أجل المخرج ومعالجة الأوضاع، ونخلص في التوبة والرجوع إلى الله ونلح في الدعاء والقنوت كما ذكر العلماء في بيانهم وقد نال البيان قبولاً واسعاً في الداخل والخارج والحمد لله.
وإذا اجتهد الناس في تقوية علاقتهم بالله فالله يدفع عنهم, والأمور كلها بيده، قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾[النساء:141]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ آمَنُوا﴾[الحج : 38] الحج وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران: 120] وقال تعالى مخاطبا الكافرين: ﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمؤْمِنِينَ﴾[الأنفال:19]، وقال تعالى: ﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلوكُمُ الأَدُبَارَ ثمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران:111] ، فالنصر بعيد عن الكافرين إلا أنهم قد يسلطون عليهم بسبب الذنوب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾[محمد:11].
وفي (حلية الأولياء) عن رجل من قريش أن عمر بن عبد العزيز عهد إلى بعض عماله: عليك بتقوى الله في كل حال ينزل بك، فإن تقوى الله أفضل العدة وأبلغ المكيدة، وأقوى القوة، ولا تكن في شيء من عداوة عدوك أشد احتراسا لنفسك ومن معك من معاصي الله، فإن الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوهم، وإنما نعادي عدونا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا ذلك لم تكن لنا قوة بهم، لأن عددنا ليس كعددهم ولا قوتنا كقوتهم، فإن لا ننصر عليهم بطاعتنا لا نغلبهم بقوتنا، ولا تكونن لعداوة أحد من الناس احذر منكم لذنوبكم، ولا أشد تعاهدا منكم لذنوبكم، واعلموا أن هناك ملائكة لله حفظة عليكم يعلمون ما تفعلون في مسيركم ومنازلكم، فاستحيوا منهم وأحسنوا صحابتهم ولا تؤذوهم بمعاصي الله، وأنتم زعمتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منا ولن ينصروا علينا، وإن أذنبنا، فكم من قوم قد سلط أو سخط عليهم بأشر منهم لذنوبهم، وسلوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه العون على عدوكم.. نسأل الله ذلك لنا ولكم. أهـ.
وأملنا في الله عظيم أن يوفقنا للتوبة النصوح، وأن يستجيب دعاءنا وأن يجمع كلمتنا وأن يكفينا تدخلات أعدائنا، فقد عودنا الله سبحانه في كل مرة أن يحفظ هذا البلد ويحفظ أبناءه ويحفظ الخير الذي فيه رغم كثافة المؤامرات، وأن نفس – فرج – الرحمن من قبل اليمن.
والحمد لله رب العالمين.