مركز البحوث
   
بحوث المشايخ وطلبة العلم
   
أ.د/ عبد الوهاب لطف الديلمي
السيرة الذاتية
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأحد 25 نوفمبر 2012

P

السيرة الذاتية

 

الاسم رباعياً: عبدالوهاب بن لطف بن زيد الديلمي.

تاريخ ومكان الميلاد: محافظة ذمار – عام 1358 للهجرة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

الحالة الاجتماعية وعدد الأولاد: متزوج، عدد الأولاد 12 من الذكور والإناث.

نبذة تعريفية عن حياتكم العلمية كيف ومتى بدأت؟

وقد نشأت منذ نعومة أظفاري في حجر والدي رحمه الله بمدينة ذمار الذي لم يأل جهداً في تربيتي وتعليمي، وأمّا والدتي رحمها الله تعالى، فقد انتقلت إلى جوار ربها، وأنا في سنّ الحولين فلم أعرفها.

وكانت دراستي في الكتاتيب ثم على يد عدد من العلماء في عدد من الفنون، وكان والدي رحمه الله يحرص على أن يحملني على حفظ بعض المتون، في علوم متعددة، كأصول الفقه، والنحو, والبلاغة.

 وقد نشأت منذ الصغر – بحمد الله – على حب سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متأثراً في ذلك بوالدي الذي كان معدوداً في علماء اليمن من علماء السنة، والذين كانوا يشكلون آنذاك عدداً ضئيلاً، خاصة في المناطق الذي يكثر فيها علماء الزيدية.

ولم أتذوق حلاوة العلم، إلا عندما وهبني الله سبحانه فهماً للعلوم التي كنت أدرسها، وذلك بعد أن هجرت أهلي ومسقط رأسي واتجهت إلى صنعاء – بتوجيه من والدي رحمه الله ، وتشجيع من أحد الذين كانوا يتلقون العلم خارج ديارهم، حيث التحقت بـ(دار العلوم) التي كان مقرها صنعاء، والتي كانت تهتم – في الدرجة الأولى – بتعليم اللغة العربية ، وأصول الفقه، والفقه – على المذهب الزيدي – إلى جانب علوم أخرى، وكنت حينئذ قد بلغت الحُلمُ، ومكثت فيها أدرس العلم إلى أن قامت الثورة عام 1382هـ، 1962م، ثم اتجهت إلى القاهرة للدراسة ضمن بعثة دراسية على حساب الأزهر للدراسة في الأزهر، وذلك بعد مرور عام على قيام الثورة ومكثت في الأزهر أطلب العلم نحو ثلاث سنوات حتى تجاوزت المرحلة الثانوية التي قُبِلتُ في آخر سنة منها وذلك في معهد البعوث الإسلامية، الذي كان نظامه حينئذ خمس سنوات، ثم التحقت بكلية أصول الدين.

ولمّا لم تطب لي الحياة في القاهرة، حيث كانت تلك البيئة تختلف اختلافاً كبيراً عن البيئة التي ترعرعت فيها وألِفْتُها، فقد فضَّلت أن أتحول إلى أرض الحرمين.

وهناك عملت مدرّساً في بعض المدارس الأهلية، لنحو ثلاث سنوات، درست خلالها في كلية الشريعة بالرياض منتسباً، وتجاوزت السنة الأولى والثانية حيث طُلب مني إعادة الدراسة من السنة الأولى، ثم تفرّغت لطلب العلم، فأنهيت دراسة "الليسانس" في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية عام 1393هـ ، 1973م.

ثم حصلت على درجة الماجستير من "جامعة أم القرى" بمكة المكرمة ، التي كان يطلق عليها حينئذ، بفرع جامعة الملك عبدالعزيز، وذلك من فرع الكتاب والسنة، بكلية الشريعة عام 1398هـ، 1978م ، ثم تحولت إلى جامعة محمد بن سعود الإسلامية بالرياض كلية أصول الدين، وحصلت منها على درجة الدكتوراه من قسم التفسير، وذلك في عام 1404هـ 1984م.

أمّا مشايخي: فهم – بفضل الله عز وجل كثير، فمنهم من درست على أيديهم في محافظة ذمار، ومنهم من درست على أيديهم في صنعاء ومنهم من درست على أيديهم في الأزهر، ومنهم من درست على أيديهم في الحجاز.

وسأذكر بعض هؤلاء إن شاء الله تعالى:

فممن درست على أيديهم في محافظة ذمار:

1.  والدي لطف بن زيد الديلمي رحمه الله .

2.  والشيخ أحمد بن أحمد بن عبدالله سلام.

3.  الشيخ عبدالوهاب الوشلي رحمه الله، في مدينة الذاري: حضرت له دروساً في الفقه على يديه.

وفي العاصمة صنعاء؛ كان من مشايخي:

1.  الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني.

2.  الشيخ عبدالله الرقيحي.

3.  الشيخ يحيى العنسي.

4.  الشيخ حسين الظفري.

5.  الشيخ إبراهيم الزبيدي.

6.  الشيخ إسماعيل الزبيدي.

7.  الشيخ أحمد بن أحمد الوشلي.

8.  الشيخ محمد بن عبدالله الوشلي.

9.  الشيخ عبدالله حميد.

10. الشيخ علي بن محمد الشامي.

11. الشيخ محمد حمزة.

12. الشيخ أحمد بن أحمد البهلولي.

13. الشيخ عبدالله بن إبراهيم.. وغيرهم.

وبعض هؤلاء كُنّا نقصدهم للتعلّم على أيديهم خارج دار العلوم، وذلك في المساجد القريبة من منازلهم أو في منازلهم.

وممن درست على أيديهم في الأزهر:

1. الشيخ صالح شرف.

2.  الشيخ عبدالحليم محمود.

3.  الشيخ طه الدسوقي.

4.  الشيخ علي عبدالتواب.

5.  الشيخ محمد الغزالي.

6.  الشيخ محمد الفحّام ... وغيرهم.

وممن درست على أيديهم في الجامعة الإسلامية:

1. الشيخ عبدالمحسن العباد.

2. والشيخ عبداللطيف آل الشيخ.

3. الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – صاحب أضواء البيان.

4. الشيخ عبدالرؤوف اللبدي.

5. الشيخ عبدالعظيم الشنّاوي.

6. الشيخ عبدالعظيم فياض.

7. الشيخ أبو بكر الجزائري.

8. الشيخ حمّاد الأنصاري.

9. الشيخ سيد عبدالحكيم وغيرهم..

 

وممن درست على أيديهم في (أم القرى) (عبدالعزيز سابقاً):

1. الشيخ محمد بن أمين المصري.

2. الشيخ محمد السماحي.

3. الشيخ محمد الصادق عرجون.

4. الشيخ محمد محمد أبو شهبة.

5. الشيخ الحسيني هاشم.

وغير هؤلاء كثير لا تحضرني أسماؤهم، وكثير منهم قد انتقلوا إلى جوار ربهم، وهناك عدد كبير من العلماء الذين كنّا نحضر محاضراتهم العامة ومجالستهم العلمية سواء في مصر أو الحجاز، ومن بين هؤلاء الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

وأمّا رسالة الدكتوراه، فقد كان عنوانها: "معالم الدعوة في قصص القرآن الكريم"

حيث تتبعت فيها أساليب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة كما عرضها القرآن الكريم. وقد طبعت في أكثر من ألف صفحة في مجلدين، وجُدّدت طباعتها أكثر من مرة.

وقد اشتغلت بالتدريس، والخطابة، والكتابة، والمشاركة في كثير من المؤتمرات والندوات العلمية، ولي عدد من الكتب والبحوث والمقالات والخُطب وكان قيامي بالتدريس في كل من جامعة صنعاء، وجامعة الإيمان، وكثير من المساجد في العاصمة، كما زاولت الأعمال الأخرى: مثل المشاركة في الأعمال النيابية، وشغل منصب وزارة العدل، وإدارة جامعة الإيمان، وغيرها.

 

مروياتكم على المشائخ في مختلف الفنون؟ وأسماء العلماء الذين قرأتم عليهم؟

 

م

اسم الكتاب

اسم الشيخ

1

الأزهار(فقه)

أحمد بن أحمد الوشلي

2

الفرائض (فقه)

محمد عبدالله الوشلي

3

شرح ابن عقيل (نحو)

حسين الظفري

4

العقد الثمين (عقيدة)

أحمد حمزة

5

قطر ابن هشام (نحو)

محمد حمزة

6

القواعد لابن هشام (نحو)

إبراهيم الزبيدي

7

البلاغة (بلاغة)

إسماعيل النعمي الزبيدي

8

الأزهار (فقه)

علي محمد الشامي

9

الأحكام للآمدي (أصول فقه)

أحمد بن أحد البهلولي

10

في صحيح مسلم (حديث)

أحمد بن أحمد سلامة

11

سبل السلام (فقه حديثي)

والدي/ لطف بن زيد الديلمي

12

قطر ابن هشام (نحو)

عبدالله حميد

13

سبل السلام (فقه حديثي)

محمد بن إسماعيل العمراني

14

كافل لقمان (أصول فقه)

يحيى محمد العنسي

15

شرح الأزهار (فقه)

عبدالوهاب الوشلي

16

تيسير القواعد المنطقية (منطق)

صالح شرف

17

علوم الحديث لابن الصلاح (علوم الحديث)

عبدالمحسن العباد

18

بداية المجتهد (فقه مقارن)

عبدالمحسن العباد

19

بداية المجتهد (فقه مقارن)

عبداللطيف آل الشيخ

20

علم الجرح والتعديل (علوم الحديث)

عبدالغفار حسن

21

تفسير الشوكاني (تفسير)

أبو بكر الجزائري

22

شرح ابن عقيل (نحو)

عبدالرؤوف اللبدي

23

شرح ابن عقيل (نحو)

عبدالعظيم الشناوي

24

مغني اللبيب / في المسجد النبوي (نحو)

عبدالعظيم الشناوي

25

المنهاج الواضح (علم البلاغة)

يوسف الضبع

26

روضة الناظر (أصول فقه)

عبدالعظيم فياض

27

مذكرة أصول الفقه (أصول فقه)

محمد الأمين المختار الشنقيطي

28

القليوبي وعميرة على المنهاج (فقه شافعي)

طه الدسوقي

29

هذا ديننا (ثقافة)

محمد الغزالي

30

الأدب المفرد للمبرد (أدب)

محمد محمد القحام

31

السيرة النبوية (سيرة)

علي عبدالتواب

32

العقيدة الطحاوية (عقيدة)

حماد الأنصاري

33

سبل السلام (فقه حديثي)

سيد عبدالحكيم

34

المنقذ من الضلال للغزالي (تصوف)

عبد الحليم محمود

35

منهج التربية في ضوء سورة الأنفال (تربية)

محمد أمين المصري

26

شرح سنن أبي داود (حديث)

محمد الصادق عرجون

37

مدخل إلى علوم القرآن (علوم قرآن)

محمد محمد أبو شهبة

38

المنهج الحديث إلى علم الحديث (علوم الحديث)

محمد محمد السماحي

39

المدخل إلى علم الحديث (علوم الحديث)

الحسيني هاشم

 

 المؤهلات الدراسية العلمية التي تحملونها والإجازات التي حصلتم عليها من المشائخ؟

م

اسم المؤهل أو الإجازة العلمية

اسم الشيخ أو الجامعة

التاريخ

1

الثانوية

من الأزهر

1964م

2

البكالوريوس

الجامعة الإسلامية

1973م

3

الماجستير

أم القرى – عبد العزيز سابقاً

1978م

4

الدكتوراه

محمد بن سعود الإسلامية

1984م

 

الأعمال والمهام الإدارية التي توليتموها والتي تقومون بها الآن؟

1-    {C}{C}{C}عضو مجلس الشورى (مجلس النواب) من 1986-1993م .

2- وزير العدل من 1994-1997م .

3- عضو هيئة التدريس في جامعة صنعاء من نهاية عام 1984م حتى الآن.

4- مدير جامعة الإيمان منذ إنشائها لمدة 14 عاماً.

5- مدرس بجامعة الإيمان لمدة أربع سنوات.

من هم أبرز تلاميذكم؟

1- مئات من الطلاب في جامعة صنعاء وبعضهم الآن يحملون مؤهلات علمية عالية ويدرِّسون في الجامعات.

2- الدفعات الأولى من جامعة الإيمان.

3- عدد كبير من الدارسين في المساجد.

 

موقف له أثر في حياتكم؟

ما واجهت به خبر استشهاد ابني هشام في أفغانستان إبان الغزو الروسي لها، من الرضا والاستسلام لحكم الله وقضائه، وهو أمر الفضل فيه لله أولاً وآخراً، وقد ألقيت إثر الحادث عدداً من المحاضرات، كانت ثماراً قطفتها من هذا الحادث، وأحسب أنه كان لذلك أثر طيب عند كثير من الناس ولله الحمد والمنة.

 

الإنتاج العلمي من : مؤلفات - تحقيقات – خطب – مقالات.؟

1- معالم الدعوة في قصص القرآن الكريم.

2- العمل الجماعي – محاسنه وجوانب النقص فيه.

3- قضايا تهم المرأة المسلمة.

4- ضوابط الفتوى – في ضوء الكتاب والسنة ، ومنهج السلف الصالح.

5- منهج العقيدة الإسلامية – في ضوء الكتاب والسنة.

6- عوامل الافتراق في العمل الإسلامي.

7- العدل – في ضوء الكتاب والسنة (تحت الطبع).

8- تحقيق كتاب: (الأدلة الجلية – في تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية) لابن الأمير.

9- تحقيق كتاب: (الإيضاح والبيان في تحقيق عبارات قصص القرآن) لابن الأمير.

10- مجموعة كبيرة من الخطب، والمقالات، تُعدّ للإخراج.

 

وقد أشرفت على عدد من الرسائل العلمية في كل من جامعة صنعاء والجامعة اليمنية، وجامعة الإيمان ، كما حُكّمت في كثير من الرسائل والبحوث العلمية.

 

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
تذكر النعم
الأحد 25 نوفمبر 2012

تذكر النعم

 

كثيراً ما يشكو الإنسان من سوء الحال، وضيق اليد وقلة المال، وقد يتحسر وهو يرى تقلب الذين كفروا في البلاد، ويتمنى أن لو كان مثلهم في بذخ العيش وترف الحياة وينسى نعم الله تعالى عليه بل يجحدها وينكرها ولا يراها قد ران عليه الران واستولى عليه الشيطان كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ  [العاديات:6] أي لكفور بالنعمة، البخيل الجموع المنوع، وقيل هو الذي يعدد المصائب وينسى النعم. وحتى لا يقع المسلم في هذه الصفات السيئة كان لابد عليه أن يتذكر دائماً نعم الله تعالى عليه وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ النحل:18] .

وقد أمرنا الله تعالى بتذكر نعمه وشكرها وعدم نسيانها وجحودها فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ فاطر:3].

تذكروا نعم الله الجليلة عليكم، نعمه التي لا تعد ولا تحصى اذكروها بالشكر والثناء والطاعة والإنابة فهو سبحانه المنعم وحده على عباده بالرزق والعطاء ويرشدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طريقة عملية نتعرف من خلالها على نعم الله ونشكره عليها ونحمده ولا ننكر فضله، فقال كما في الصحيحين "انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم"(1).

وهذا الحديث جامع لأنواع الخير، لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر واحتقر ما عنده من نعمة الله تعالى وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، فيعيش في غم ونكد ومكابدة لا تنتهي، وهذه حالة أكثر الناس. لكن المؤمن الحصيف الذي يأخذ بتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه إذا نظر في أمور الدنيا نظر إلى من هو دونه فيها، فتتجلى له وتظهر نعم الله عليه فيشكرها ويتواضع لله ويفعل الخير ويرضى بما قسم الله له. قال الله تعالى معدداً على عباده نعمه داعياً لهم لعبادته تعظيماً له وشكراً ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ البقرة:21-22] .

أول نعمة امتن الله بها على عباده هي نعمة الخلق والإيجاد ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة:21]   وإذا تأمل الإنسان نفسه وذاته سيجد لديه من النعم ما لا يستطيع عدها، هذا العقل الذي وهبه الله لك أيها الإنسان من أعظم النعم, انظر إلى من فقد عقله كيف يكون حاله؟ ثم انظر إلى ما زودك الله به من حواس السمع الذي ندرك به الأصوات والبصر الذي تدرك به الألوان والشم الذي تدرك به الروائح، واللمس الذي تدرك به خشونة الشيء أو لينه، والطعم الذي تدرك به حلاوة المأكولات ومرارتها وحموضتها، وقد امتن الله علينا بذكر هذه النعم فقال: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ [ الملك:23] وقال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].

والمعنى أن الله تعالى جعل لكم هذه النعم وغمركم بها لتعبدوه وتشكروه وتخلصوا له العبودية.

من نعم الله على عباده أن أعطاهم البيان باللسان وبالقلم وامتن عليهم سبحانه بهذه النعمة العظيمة فقال سبحانه: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[الرحمن:1-4] , وقال: ﴿  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [ العلق:3-5], انظر إلى الأبكم الذي لا يستطيع الكلام والتعبير والبيان عن مراده كيف يكون حاله .

ومن نعمه تعالى عليك أيها الإنسان تسويغ الطعام والتلذذ بأكله، وإخراج فضلاته من مخرجه ، تصور لو أنك عفت الطعام فلم تستسغ أكله فماذا ستفعل، وتصور لو أن الطعام حبس في معدتك ولم تستطع إخراج الأذى من بطنك كيف سيكون حالك.

إن كل ذلك يتم لك بيسر وسهولة ولذة فلا تنسى الخالق المتفضل جل وعلا، فاعبده واشكره.

ومن نعم الله على عباده أن جعلهم ينامون فيستريحون بالنوم من أذى الإعياء والتعب والنصب، وتطيب به نفوسهم، وترتاح أبدانهم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً[ النبأ:9] يعني راحة لأبدانكم وتصور أيها الإنسان حالك إذا جاءك أرق وقلق فلم تستطع النوم كيف سيكون حالك في ليلة واحدة فكيف بالعمر كله .

وأجل النعم وأعظمها هذا الماء النازل من السماء أو المحفوظ في الأرض ينابيع وأنهاراً وآباراً وبحاراً، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ[الأنبياء:30], وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ [ السجدة:27] , وقال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة:68-69].

ومن أعظم النعم وأجلها على الإطلاق نعمة الإيمان والإسلام ونعمة القرآن والاستقامة على دين الله تعالى ونعمة الأخوة في الله حين تجتمع القلوب المتنافرة لتلتقي على حب الله ورسوله الأمم المتناحرة فتوحد الصفوف وتكون كالبنيان المرصوص، ولقد ذكر الله المؤمنين بهذه النعم العظيمة فقال سبحانه ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ آل عمران: 103].

اللهم اجعلنا معترفين بنعمك شاكرين لآلائك، راضين بقضائك.

أيها المؤمنون إن نعم الله علينا كثيرة جداً لا نستطيع لها عداً ولا إحصاءً، فعلينا دائماً أن نتذكر نعم الله فإذا ذكرناها عظمنا الله وكبرناه وأحببناه من كل قلوبنا لما يغذينا ويعمرنا من نعمه، وهذا التذكر لنعم الله يدفعنا إلى شكر الله تعالى، لأن العبد إذا قصر في شكر الله تعالى وأعرض يكون من الكافرين والله يقول: ﴿  وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة: 152] , وقال ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ سـبأ: 13] والواجب علينا أن نقابل نعم الله بشكره وذكره وحسن عبادته.

ومن ذلك أن نوقن أن الله قد أنعم فأكثر لنا وأجزل وأن كل ما بنا من نعمة فمنه وحده لا شريك له فالخير بيديه والشر ليس إليه، ومن ذلك الثناء على الله عز وجل وحده وإظهار ما في القلب من حقوق هذه النعم باللسان وبالقلب فتجمع عبادتان ومن ذلك علينا إن نجتهد في إقامة طاعته تعالى فعلاً بما أمر به وكفاً واجتناباً عما نهى عنه، فإن ذلك هو الذي يقتضيه تعظيمه وشكره ولا تعظيم أعظم من امتثال الأمر واجتناب النهي.

ثم لابد أن يكون الإنسان مشفقاً في عامة أحواله من زوال نعم الله تعالى عنه، وجلاً خائفاً من مفارقتها إياه مستعيذاً بالله تعالى من ذلك داعياً بالدعاء المأثور الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك.."(2) .

ولقد وعد الله الشاكرين بالمزيد وتوعد الكافرين بالعذاب الشديد فقال ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم:7].

ومن شكر نعمة الله أن ينفق الإنسان مما آتاه الله في سبيل الله تعالى، وأن يواسي منه أهل الحاجة وأن لا يدع باباً من أبواب الخير إلا أتاه.

ومن شكر نعم الله أن يظهر العبد فضل الله عليه ولا يكتم نعم الله ويجحدها ويظهر بمظهر الفقير المعدم وهو من الله في خير وسعة، ولكن دون المباهاة والإسراف.

على الإنسان أن يكثر من حمد الله وشكره في كل وقت وحين كما جاء في الحديث "من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر إلا أدى شكر ذلك اليوم"(3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : "أفضل الدعاء لا إله إلا الله وأفضل الذكر الحمد لله"(4).

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه الأمر يَسُرُّهُ قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: "الحمد لله على كل حال"(5) .

وروى عن نبي الله داؤود عليه السلام أنه قال يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً مني فأوحى الله إليه نعم الضفدع، وحين أمره الله بالشكر في قوله ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ سـبأ: من الآية13] قال يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر ثم تزيد في نعمة بعد نعمة، فالنعمة منك يا رب والشكر منك وكيف أطيق شكرك . قال الآن عرفتني يا داؤود حق معرفتي .

ومدح الله نبيه نوحاً عليه السلام فقال عنه ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً[الإسراء:3]

 روي أنه إذا أكل قال الحمد لله، وإذا شرب قال الحمد لله، وإذا لبس قال الحمد لله، وإذا ركب قال الحمد لله فسماه الله عبداً شكوراً .

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمد عليها.."(6) .

فاشكروا الله واحمدوه واذكروه وسبحوه وافعلوا الخير لعلكم تفلحون . وصلوا وسلموا على نبيكم.

تخريج / علي عمر بلعجم.

عبد الحميد أحمد مرشد.


(1)  أخرجه مسلم في صحيحه 4/2275,برقم: 2963, والترمذي في السنن 4/665, برقم: 2513, وابن ماجة في سننه 2/1387, برقم: 4142, وأحمد في المسند 2/254, برقم: 7442, وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/400, برقم:3341. 

(2)  أخرجه مسلم في صحيحه 4/2097, برقم: 2739, وأبو داوود في السنن 1/482, برقم: 1545, والحاكم في المستدرك 1/713, برقم: 1946, والبخاري في الأدب المفرد 1/238, برقم: 685.

(3)   أخرجه مسلم في صحيحه 4/2071,برقم: 2692, والترمذي في السنن 5/513, برقم: 3469,وأحمد في المسند 2/25, برقم: 4785.

(4)  أخرجه ابن ماجة في السنن 2/1249, برقم: 3800, وابن حبان في صحيحه 3/126, برقم: 846, والبيهقي في شعب الإيمان 4/90, برقم: 4371, وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/319, برقم: 3065.

(5)  أخرجه  ابن ماجة في سننه 2/1250, برقم: 3803, والحاكم في المستدرك 1/677, برقم: 1840, والطبراني في المعجم الأوسط 7/109, برقم: 6999,  وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة1/530, برقم: 265, وفي صحيح ابن ماجة 2/319, برقم: 3066.

(6)   أخرجه مسلم في صحيحه 4/2095, برقم: 2734, والترمذي في سننه 4/265, برقم: 1816, وأحمد في المسند 3/100, برقم:11992.

 

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
صفات ولي الأمر
الأحد 25 نوفمبر 2012

صفات ولي الأمر

 

1- أن يكونوا مؤمنين بالمبادئ والنظم والقوانين الشرعية التي يتحملون المسئولية للقيام بها : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ النساء59 ].

وقال تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ[آل عمران118].

2- أن لا يكونوا من أهل الظلم والفسق والفجور والغفلة عن الله سبحانه :

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124].

وقال الله عز وجل: ﴿  وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ [الشعراء:151].

3- أن لا يكونوا عديمي العلم والرشد والبصيرة والكفاءة:

قال الله تعالى: ﴿ ولاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً[ النساء:5].

وقال سبحانه:﴿ قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 247].

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  [يوسف: 55].

4- أن تتوفر فيهم صفة الأمانة ، حتى يثق الناس بهم، ويطمئنون إليهم.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  [ النساء : 58 ].

 

الغاية من إقامة الدولة :

1- إقامة العدل بين الناس، والقضاء على كل مظاهر الظلم أيا كان مصدره ونوعه: قال الله عز وجل: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىبِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً[ النساء: 135].

وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً   [النساء : 58].

  ، وقال عز وجل: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[ المائدة:2]. ، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: 8]. ،﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ المائدة42].

2- إقامة معالم الحق والخير والفضيلة وشعائر الدين الإسلامي، وإيجاد النظام المالي الكفيل برعاية الناس وسد حاجاتهم، ونشر الدعوة والخير والبر:

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[الحج :41].

 

الآيات القرآنية:

﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  [ النساء : 58].

 ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ  [النساء59].

 ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً[ النساء: 135].

﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ المائدة42].

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:48].

 ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[المائدة:50].

﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[الأنعام: 152].

﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ الحجرات :9].

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً [النساء :60].

﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً[ النساء :65].

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور :63 ].

﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [النور:51].

﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ[محمد:25] .

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ[ الكافرون 1-2] إلى آخر السورة.

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
التضليل النصراني
الأحد 25 نوفمبر 2012

التضليل النصراني

بمناسبة العثور على نسخة من الإنجيل وصلت هدية من بعض المؤسسات التبشيرية في بيروت إلى أحد المواطنين في السعودية:

ما تزال الأيام تكشف لنا عن الحقد الذي وصلت إليه نفوس أعداء الإسلام من اليهودية والصليبية والذي ما هو إلا امتداد لذلك الحقد الذي بدرت ملامحه الأولى في فجر الإسلام حين حاول هؤلاء أن يقضوا عليه في مهده والتاريخ حافل بمكايدهم العديدة التي كان مآلها الخيبة والخسران على من يحيكها وينسج خيوطها ولين يغيب أبداً أمام المؤمن المعتز بدينه قول الله تعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ[ البقرة: 120].

وإذا ما أردنا البراهين القريبة إلى عصرنا فلننظر نظرة فاحص متتبع للغايات البعيدة التي تكشف حقيقتها والتي هدف إليها أعداؤنا منذ نشبت الحروب الصليبية إلى أن رضخت كثير من البلدان الإسلامية تحت نير الاستعمار الصليبي بالمعنى الصحيح.

وعلماء الإسلام الذين عاصروا كوارث الاستعمار واستعباده والذين هيأهم الله تعالى للدفاع عن الإسلام وإظهار أباطيل وكيد المستعمرين وما كانوا ينوونه بخططهم اللئيمة من القضاء على الإسلام وتحويل المسلمين عن معتقداتهم بزخارف المادة والحضارة والطعن في الإسلام بالرجعية والتعفن وأن كل قديم منبوذ وكل جديد مقبول، وهؤلاء العلماء لم يألوا جهداً في إظهار الحق في صوره الناصعة وتزييف الباطل وهم على قلتهم قد أرشدوا الناس إلى ما فيه الكفاية إن كان هناك آذان صاغية تسمع وقلوب تعي.

وما أظن الكثير من شبابنا الإسلامي إلا أصبح على علم بأساطير المسيحيين التي يلصقونها بالمعتقدات ويجعلونها من لب الدين وما هي إلا خرافة وأوهام مدسوسة عليهم والإنسان بما كرمه الله من العقل الناضج الذي لا يؤمن بما لا يعقل ولا يمكن أن يقبل الإيمان بشيء لا يقبل الجدال ولا النقاش ولا التقبل بقاعة تامة فإنه عند الغربلة يعود سراباً وهو إلى الخرافة والوهم أحرى من أن يكون معتقداً يتعلق به مصير الإنسان في المحيا والممات، هذا العقل لا يمكن أن يكون ألعوبة لمثل هذه الأساطير التي أثقلت كاهل التافهين ممن يعتقد صحتها وهم الذين أهانوا كرامة العقل البشري وعظم مكانته بين المخلوقات فحولوه إلى آلة مسلوبة التفكير والنظر والتفريق بين ما هو حق وباطل، وحقيقة ووهم، فما عليهم إلا أن يقبل مالا يعرف ويعي ولا يعقل.

والرسالة المحمدية قد جعلت الآفاق أمامه مفتوحة، وطلبت منه أن يتفكر في مخلوقات الله تعالى وملكوته وصنعه وقدرته ودعته إلى الإيمان بالحق عن طمأنينة واقتناع قال تعالى:﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 256].

يا ترى إلى أين نذهب في حديثنا؟ وما الباعث على مثل هذا؟ ألم يكن هذا حديث قد أبدأ فيه وأعيد وسبقنا إلى خوضه ذوو الباع الواسع والإطلاع الشاسع وألجموا هذه الببغاوات التي لا تعي ما تقول بحجة المنطق وقوة الدليل ونصاعة البرهان هذا سؤال؟ والجواب عنه:

إن كاتب هذه الأسطر يقول بلسان حاله وهو يكتبها: اعط القوس باريها. والسهم راميها. ولكن هناك واجب وهناك الشعور باللامسئولية عن هذا الواجب، أما الواجب فهو الدفاع عن الإسلام، وقد جعل الإسلام كل مسلم على ثغرة من ثغرات هذا الدين وحذر أن يؤتى من قبله. ولكن الواجب ولا ريب هو في الدرجة الأولى على ذوي السلطان والعلم فإن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه حتى الرجل عن أهل بيته.

ولا نكاد الآن نرى اليقظة الكاملة لدى هذين الصنفين حتى لا يتركوا مجالاً لأي عامل من عوامل الهدم تتسرب إلى العجب فعجب تسرب كتب التبشير المسيحي إلى أرض القداسات ومهبط الوحي ومنبع الرسالة المحمدية. ولكن ألم يعلم هؤلاء العلماء المبشرون أن خاتم النبيين قال: لقد أيس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض"(1)، كما قلت سابقاً أن غفلة الحكام والعلماء هي التي تركت مجالاً لهؤلاء الحاقدين على ديننا ليقوموا بمحاولات المكر والدعوة إلى المسيحية التي أدخل عليها التحريف حتى أصبحت إلى الوثنية أقرب منها إلى الديانة السماوية، فهناك عامل آخر بما يجعل الشباب يميل بعض الميل وينحرف أو على الأقل يرمى في حمأة الريب والشك، هذا العام هو جهل هؤلاء الشباب بدينهم، لا يكاد يعرفهم الكثير منهم عن هذا الدين إلا أنه دين آبائهم الذي وجد وعاش بفطرته عليه وهذا النوع من الشباب لا يوجد لديه المنعة الكاملة لدفع الأباطيل والشبهات ورمي كل فرية تناقض هذا الدين في وجه صاحبها، ومجرد كلمات أو مقال نحاول فيه الرد على مزاعم المبشرين ونضيء به الطريق للشباب ليهتدوا به إلى الحق قد لا ينفع هؤلاء البعيدين عن الجو الإسلامي والروح الدينية السامية لذا فإني أهيب بشبابنا أن يكونوا أوعية صالحة تنهل من فيض التراث الإسلامي الخالد الذي ملأ آفاق الدنيا وأن لا يوجد في أفئدتهم مكان للكتب التي تدعو إلى محاربة الدين أو إلى المجون والخلاعة حتى ترتفع عقولهم وتسمو عقائدهم عن الشبهات وتصفو نفوسهم وضمائرهم بالحق.

والآن سوف ألقي ملامح يسيره عند الديانة المسيحية: لا شك أن الديانات السماوية كلها ديانة واحدة تدعو إلى شيء واحد هو عبادة الإله الواحد الذي لا شريك له المنزه عن التجسيم والتعدد، والمسيح عليه السلام لم يدع الناس إلى غير هذا وإذا كان المسيحيون اليوم يضفون عليه صفة الأولوهية والنبوة لله ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً ـ فهذه هي عين الوثنية والشرك التي جاء عيسى ومن قبله ومن بعده من الأنبياء لينقذوا الناس منها.

وانظر إلى ما يقوله أحد المسيحيين المعاصرين ممن عرف الحق ودافع عنه (لا يدع القرآن شائبة من ريب في مسألة وحدانية الله فجاء في سورة الإخلاص ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ[الإخلاص: 1- 4]. وفي ذلك نقض لعقائد الشرك وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضاً.

فقد صار أتباع المسيح إلى القول بألوهيته، وأنه ابن الله، وأن الإله الواحد جوهر واحد له ثلاثة أقانيم هي الله الأب، والله الابن –وهو المسيح-، وروح القدس، وشبهوا ذلك السر الإيماني المسيحي بالشمس، وكيف أنها حقيقة واحدة، تقع على الحواس قرصاً ونوراً وحرارة –جل ربنا عن التشبيه والتمثيل والتجسيم والتعدد وتعالى عما يقولون علواً كبيراً- ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى شيء من ذلك بل كان يدعو نفسه على الدوام بـ"ابن الإنسان" وأما البنوة لله عز وجل فما ورد لها ذكر إلا على سبيل المجاز المطلق، وبمعنى يشمل البشر كافة حين أوصى أن تكون صلاة الناس إلى الله بادئة بقوله "يا أبانا الذي في السماء".

وحين طالب أتباعه وجميع الناس أن يسلكوا طريق البر كي يكونوا جديرين بنسبتهم إلى الله، فالمسيح رفع خصوصية البر عن اليهود الذين قالوا "إن أبناء إبراهيم وحدهم هن الناجون الظافرون برضوان الله".

لأن الناس كافة أبناء الله ما سلكوا طريق البر، وأحبوا الله وأحبوا إخوانهم في الله حتى أعداءهم.

بل إن المسيح وعظ الناس فضرب لهم المثل في رعاية الله وعنايته بما ينتجه من الرزق لطيور السماء ووحش الفلاة، وما ينتجه من الزينة لزنابق الحقل، فلا ينبغي أن يكون حرصهم كله على مال الدنيا وقوتها وجاهها وزخرفها.

وما أقرب هذا أن يجعل رعاية الأبوة مطلقة شاملة لجميع الكائنات، وما أبعد هذا أن يكون ذلك "السر" أو "اللغز" المعقد الذي اختلفت فيه أقوال المفسرين من أساطين اليهود وعلماء اللاهوت.

وقد أدى هذا اللبس إلى فتنة، بل فتنة بين صفوف أتباع المسيح والمنتسبين إليه، وجمعت المجامع، ووقعت المذابح، وصار الإيمان سبيلاً إلى اللدد والفرقة لا إلى الألفة والاجتماع على عقيدة يطمئن الجميع إليها. وناهيك بعقيدة لبابها المحبة حتى للأعداء.. تكون مثار ذلك كله.

وناهيك بعقول السواد ممن غيرت لهم في الوثنية جذور عقلية وحسية منذ ألوف السنين، كيف لا تنزلق إلى الشرق من باب هذا "السر" الذي يجعل الواحد الفرد ثلاثة أقانيم.

لابد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولابد من نفي اللبس وشوائب الريب عن جوهر هذه العقيدة، وهو التوحيد مطلق التوحيد.

إذن تعني أن يأتي الدين الجديد بحسم هذا الاختلاف الوبيل "﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4]. فأقرب إلى العقل أن من يلد أحرى بأن يولد.. وما كان سبحانه فرداً من جنس، ولا واحداً في سلالة من نوعه. حاشا! بل جل عن النظراء والأكفاء فمن ذا الكفء لله(2).

وأسطورة الصلب التي يقول عنها المسيحيون، أن عيسى عليه السلام صلب نفسه ليكفر عن بني البشر الخطيئة التي تحملوها من أبيهم آدم، تلك الخطيئة التي هي وزر أبيهم آدم حين نهاه الله عن الأكل من الشجرة فأكل منها، وهذه الأكذوبة ذات ثلاث جوانب:

 أولها: الصلب.

وثانيها: جعل عيسى عليه السلام إلهاً ثم حكمهم عليه بالصلب وأي إهانة للألوهية حين يصلون بها إلى درجة الصلب.

وثالثها: تحمل بني البشر خطيئة لم يقترفوها وهذا ينافي العدل الإلهي وقد جاء الرد على هذه الأباطيل من شتى الطرق العقلية والنقلية:

 يقول محمد نظمي لوقا:في كتابه (محمد الرسالة والرسول) (3): "أما الإنسان، فوقف بعد اليهودية والمسيحية موقفاً لا يحسد عليه كثيراً، بسبب ما التصق به من وزر أبيه الأول آدم، ذلك الوزر الذي اعتبر خطيئة أولى، وخطيئته باقية موروثة لابد لها من كفارة وفداء حتى لا يذهب بجريرتها أبناء الجنس البشري كافة".

(ويقول عن نفسه وهو مسيحي): وإن أنسى لا أنسى ما ركبني صغيراً من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى، وما سبقت فيه من سباق مروع يقترن بوصف جهنم ذلك الوصف المثير لمخيلة الأطفال، وكيف تتجدد فيها الجلود كلما أكلتها النيران، جزاء وفاقاً على خطيئة آدم، بإيعاز من حواء، وأنه لولا النجاة على يد المسيح الذي فدى البشر بدمه الطهور، لكان مصير البشرية كلها الهلاك المبين.

وإن أنسى لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري عن ملايين البشر قبل المسيح أين هم وما دينهم؟ حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة.

فكان لابد عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللغة، وتطمئنهم إلى العدالة التي تأخذ البريء بالمجرم، أو تزر الولد بوزر  الوالد، وتجعل للبشرية كرامة مضمونة ويحسم القرآن هذا الأمر، حين يتعرض لقصة آدم وما يروي فيها من أكل الثمرة المحرمة فيقول الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: 121، 122]. وفي سورة البقرة :﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  [البقرة: 37]. ويقول: إن المسئولية هي أساس الكرامة الإنسانية، وأساس كل حرية وكل أخلاق ممكنة وهذا ما قطع به الإسلام، ووضع به الحجر الأساسي لكرامة بني آدم، فيقول في سورة النجم: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى[ النجم: 39، 40].ويقول في أكثر من سورة على سبيل التأكيد: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر: 18 ].

ويقول الكاتب: والحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القائمة، التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال المرء، فيمضي في حياته مضي المتردد، ولا يقبل عليها إقبال الواثق، بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث.

إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها، ورفعها عن كاهل الإنسان منة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة حديثة فيه، بل هو ولادة جديدة حقاً، ورد اعتبار لا شك فيه، إنه تمزيق صحيفة السوابق، ووضع زمام كل إنسان بيد نفسه".

تأمل هذا الكلام الذي يعتبر كاتبه الإسلام منقذاً من تلك الأحمال الثقيلة التي أثقلت كاهل البشرية وسلبته كرامته ونفت عن الله عز وجل العدل الذي به لا يؤاخذ أحد بذنب غيره.

وهناك عدة مسائل أدخلت في الديانة المسيحية افتراءاً وبهتاناً، وما هي إلا من صنع أعداء الديانة المسيحية الحقة، ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا من يتتبع تاريخ المرحلة التي مرت بعيسى عليه السلام، ثم بأتباعه الذين تمسكوا بما دعا إليه، ثم ماذا صنعه اليهود وحكام الروم آنذاك من محاربة دس في دين المسيح عليه السلام، وهناك إشارات يسيرة لتلفت نظر الذين لا يعرفون الحقيقة، ولتبعثهم إلى التوسع في معرفة النشأة والرجوع إلى الكتب التي لم تدع مجالاً للشك والريب في بطلان ما عليه المسيحيون اليوم.

 

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد. 


(1) يشير إلى الحديث الصحيح عند مسلم وهو عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم). ج4 كتاب المنافقين 65-2812، وأورده الألباني في صحيح بن ماجه برقم 2479عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه. وقال عنه صحيح، وفي الإرواء 5/279. وفي صحيح أبي داؤود تحت الحديث 1700. وغيرهم.

(2) من كتاب محمد الرسالة والرسول :65 وما بعدها: لنظمي لوقا.

(3) الرسالة والرسول، ص :75.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
القلب
الأحد 25 نوفمبر 2012

 

 

القلب

 

القلب هو محل نظر الرب تبارك وتعالى، ولهذا جاء في الحديث: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(1).

جعل الله مدار السعادة أو الشقاوة على القلب، فإذا ملئ القلب إيماناً وتصديقاً وفقهاً وإدراكاً لمراد الله ومراد رسوله كان ذلك دليل الصحة والسلامة، وصاحبه ناج في الدنيا من الفتن والشبهات والشهوات، وسالم ناج يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء:88ـ89].

وهذا القلب إذا لم يتعهده صاحبه بذكر الله تعالى ومراقبته، ودوام الخشية منه، فإن الشهوات سرعان ما تتسرب إليه، وتبدأ بوادر المرض تغزوه بواسطة المعاصي والذنوب والمخالفات فيمرض القلب وقد يموت والعياذ بالله، فإذا لم يتدارك العبد هذا المرض، واستمر على العصيان، فإن القلب يصاب بعدد من العقوبات حيث يقسو ويشتد ويغلف ويطمس ويقفل ويطبع عليه ويزيغ عن الحق وعندها تكون حالة موت القلب التي هي أسوأ الحالات لأنها تنقل صاحبها من الإيمان إلى الكفر وتجعله في مرتبة هي أحطَّ من البهائم كما قال تعالى عن هؤلاء ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[ الأعراف:179].

ومما يصاب به القلب من العقوبات العمى الذي يصاب به فلا يكاد صاحبه يرى شيئاً من الحق ولهذا وصف الله قلوب الكفار بالعمى فقال: ﴿ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج: من الآية46],فالعمى الحقيقي ليس عمى البصر وإنما هو عمى القلب والبصيرة، لأن أعمى البصر يستطيع السير في الطريق بالاستعانة بعصا أو دليل، أما أعمى القلب فلا دليل يرشده فهو يتخبط في كل اتجاه ويقع في كل هاوية ويصطدم بكل شيء فهو في زيغ دائم، وقلبه مقفل مختوم.

أيها المؤمنون:

إن مرض القلوب أكثر بكثير من مرض الأبدان ولكن الناس لا يحسون بأمراضهم ولا يشعرون، فمريض القلب بالشهوة أو الشبهة لا يدري أنه مريض، ثم إن عاقبة مرض القلوب غير مشاهدة لكثير من الناس والإحساس بالألم هذا المرض قليل بخلاف مرض البدن وأيضاً عدم وجود أو ندرة أطباء القلوب وأطباء القلوب هم العلماء الربانيون العاملون بعلمهم وراثوا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أقل هؤلاء وما أندرهم.

ولخطورة مرض القلب نجد الآيات القرآنية تحذر منه غاية التحذير وتنذر مرضى القلوب بالعذاب الشديد، ويبين الرسول الكريم صلوات وسلامه عليه بدايات المرض وحذر من مغبته في أحاديث كثيرة منها ما رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العبد إذا اخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين:14](2).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن الرجل ليذنب الذنب فينكت في قلبه نكتة سوداء ثم يذنب الذنب فينكت فيه نكتة أخرى، حتى يصير لون قلبه لون الشاة الربداء يعني السوداء.

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: القلب بمنزلة الكف، فإذا أذنب تقبض.. حتى يجتمع، فإذا اجتمع طبع عليه، فإذا سمع خيراً دخل في أذنيه حتى يأتي القلب فلا يجد منه مدخلاً فيخرج فذلك قوله عز وجل﴿ كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[المطففين:14].

فهذه الأحاديث تبين بأن كثرة المعاصي وعدم المبالاة بها تجعل القلب يصد أو يسود ويعلوه الران حتى يكون عليه حجاب كثيف يحجب عنه أنوار الهداية والإيمان   شيئاً فشيئاً حتى يتبلد ويموت.

والقلوب لا يدعها الله تعالى حتى يبتليها ويفتنها بالفتن الكثيرة حتى تظهر حقيقتها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصف وصفاً دقيقاً الفتن التي تتوارد على القلب وبين التأثير البالغ الذي تحدثه فتن الأهواء والشهوات كما جاء في صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله عليه وآله وسلم يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل  الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه"(3)، فالقلب المفتون هو المجخي المائل المنكوس الذي خرج منه كل خير وإيمان، كالكأس إذا انتكس وسكب ما بداخله صار فارغاً إلا من الهواء. وصاحب هذا القلب هو شر الناس وأخبثهم فإنه يعتقد الباطل حقاً والحق باطلاً، لا يوجد بقلبه سوى الهوى والضلال.

ويشرح حذيفة رضي الله عنه أحوال القلوب بحسب صحتها ومرضها وحياتها وموتها فقال: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط عليه غلافه، وقلب منكوس وقلب مصفح. فأما القلب الأغلف فقلب الكافر .

وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر.

وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، مثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه.

فالقلب السليم هو قلب المؤمن المستضيء بنور إيمانه المتجرد في إخلاصه لربه، وأما الفاسق فقد اختلط في قلبه الماء مع القيح المؤذي، فأي المادتين غلبت أحالت القلب إليها، والظاهر أنه يقصد بالقلب المصفح الذي فيه إيمان ونفاق أنه الرياء ونحو ذلك من نفاق الأعمال وليس النفاق الاعتقادي الذي يكون أصحابه في الدرك الأسفل من النار.

فالقلب إذاً يمرض كما يمرض البدن وشقاؤه في التوبة والحمية من الوقوع في المعاصي والآثام، والقلب يصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر.

والقلب يعرى كما يعرى الجسم وزينته ولباسه التقوى والقلب يجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وغذاؤه وشرابه هو في معرفة الله تعالى وحبه والتوكل عليه والإنابة له سبحانه ودوام طاعته وعبادته.

فعلى المؤمن أن يضرع إلى الله ويلجأ إليه ويلح في الدعاء بأن يثبت الله قلبه على الإيمان، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الدعاء ويقول في دعائه "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقال أنس راوي الحديث: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء"(4) .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى عليه وآله وسلم يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"(5). وإذا كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يدعو الله بهذا الدعاء فكيف بنا نحن، المقصرون في حق الله المسرفون على أنفسنا. إن علينا جميعاً أن نهتف ضارعين من سويداء قلوبنا سيما في الأسحار وفي السجود قائلين ﴿ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ آل عمران:8].

من علامات صحة القلب وسلامته: نفرته من المعاصي وكرهه للذنوب صغيرها وكبيرها، ومن علامات المعصية: تهاونه واستخفافه بها واقتحام المحقرات من الذنوب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: "إياك ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه"(6).

ولقد كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يتخوفون من الذنوب، ويستعظمون الوقوع فيها حتى أن أنس بن مالك رضي الله عنه وهو من المعمَّرين من الصحابة كان يقول للتابعين: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله من الموبقات.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مثل المحقرات كمثل قوم على سَفَرٍ، نزلوا بأرض قفر، معهم طعام لا يصلحه إلا النار، فتفرقوا فجعل يجيء هذا بالروثة، ويجيء هذا بالعظم، ويجيء هذا بالعود حتى جمعوا من ذلك ما أصلحوا به طعامهم، قال: فكذلك صاحب المحقرات يكذب الكذبة، ويذنب الذنب ويجمع من ذلك ما يكبه الله على وجهه في نار جهنم.

وقال بعض السلف في التحذير من الوقوع في المحقرات لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت وقال كفى به ذنباً أن الله يزهدنا في الدنيا، ونحن نرغب فيها.

أيها المؤمنون إن من أسباب غفلة القلب وانحرافه انصراف العبد عن مواطن العبادات وأماكن الطاعات التي أمر الله بعمارتها وجعل عمارها أهل الإيمان والتقوى وامتدحهم الله بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ التوبة:18] وقال: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [ النور:36ـ37].

فالمحافظة على الصلوات جماعة في المساجد، والحرص على إقامة الجمع هو من الإيمان ودليل سلامة القلب وطهارته. والابتعاد عن المساجد وترك الصلوات بها وترك الجمع دليل الغفلة والشؤم والطبع على القلب كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من التخلف عن الجمعة والجماعات كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين.."(7) .

وفي سنن الترمذي وأبي داؤود عن أبي الجعد الضمري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه"(8) فاحذروا رحمكم الله من التهاون في فرائض الله، وابتعدوا عن محاربة الله فلا تقربوها، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

تخريج :علي عمر بلعجم

عبد الحميد أحمد مرشد



(1) أخرجه مسلم في صحيحه 4/1986, برقم: 2564, وأحمد في المسند 2/284, برقم:7814, وابن حبان في صحيحه 2/119, برقم: 394.

(2) أخرجه  الترمذي في سننه 5/434, برقم: 3334, وابن ماجة في سننه 2/1418, برقم: 4244, والحاكم في المستدرك 1/45, برقم:6, وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/122, برقم: 3141, وفي صحيح الترمذي 3/127, برقم: 2654.

(3) أخرجه  مسلم في صحيحه 1/128, برقم: 144, وأحمد في المسند 5/386, برقم: 23328 .

(4) أخرجه الترمذي في سننه 4/448, برقم: 2140, وأحمد في المسند 3/257, برقم:13721, والحاكم في المستدرك 2/317, برقم: 3140, والبخاري في الأدب المفرد 1/237, برقم: 683, وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/894, برقم:8932, وفي صحيح الترمذي 3/171, برقم: 2792.

(5) أخرجه مسلم في صحيحه 4/2045, برقم: 2654, وأحمد في المسند 2/168, برقم: 6569, والنسائي في السنن الكبرى 4/414, برقم: 7739, وصححه الألباني في السلسة الصحيحة4/261, برقم: 1689.

(6)  أخرجه أحمد في المسند 1/401, برقم: 3818,والطبراني في المعجم الكبير6/165, برقم: 5872, والبيهقي 5/456, برقم:7267,وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/446, برقم: 4451, وفي صحيح الترغيب والترهيب 2/324, برقم:2471,وفي السلسة الصحيحة 1/744, برقم: 389.    

(7) أخرجه مسلم في صحيحه 2/591, برقم: 865, والنسائي في سننه 3/88, برقم: 1370, وأحمد في المسند 1/239, برقم:2132.

(8) أخرجه مالك في الموطأ 1/111, برقم: 246, والترمذي في السنن 2/373, برقم:500, وابن ماجة في السنن 1/357, برقم:1125, وأحمد في المسند 5/300, برقم:22611, وصححه الألباني في صحيح الترغيب 1/178, برقم: 728, وصحيح ابن ماجة1/185, برقم:923 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أحاديث فيها بيان وجود الجهاد إلى يوم القيامة
الأحد 25 نوفمبر 2012

أحاديث فيها بيان وجود الجهاد إلى يوم القيامة

 

قال أبو داؤد حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب ، حدثني معاوية بن صالح ، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم ، برَّاً كان أو فاجراً ، وإن عمل الكبائر"(1).

ورواه أيضاً بالسند المذكور عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر"(2).

قال أبو داؤود : حدثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية، ثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن أبي نشبة عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال : لا إله إلا الله ، ولا تكفره بذنب ، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ، ولا عدل عادل ، والإيمان بالأقدار"(3).

وقال الإمام البخاري ـ في كتاب الجهاد56 ـ :باب الجهاد ماض مع البر والفاجر:

لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"(4) .

حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكريا ، عن عامر، حدثنا عروة البارقي، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة"(5).

وقد بين الحافظ ابن حجر وجه استدلال البخاري بالحديث المذكور على استمرار الجهاد إلى يوم القيامة مع البر والفاجر، فقال: لأنه ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسّره بالأجر والمغنم، والمغنَمُ المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً، فدلَّ على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر...

ثم قال :وهو مثل الحديث: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق... الحديث(6) اهـ.



(1)     سنن أبي داؤود برقم 594,والحديث ضعيف كما قال الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (120)، باب: إمامة البر والفاجر ص57 .

(2) سنن أبي داود رقم(2533), والحديث ضعيف ضعفه الألباني في ضعيف أبي داؤود برقم (545) ص249 . وأورده الحافظ بن حجر في الفتح (6/56) كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد ماض مع البر والفاجر برقم (44) – ذكره الحافظ في تعليقه على حديث "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة..) برقم 2852 ، وقال: أخرجه أبو داود وأبو يعلى مرفوعاً وموقوفاً عن أبي هريرة ، ولا بأس بروايته إلا أن مكحولاً لم يسمع من أبي هريرة وذكره في ضعيف الجامع الصغير 2673 ، ومشكاة المصابيح 1125 ، وقال الألباني إن علة ضعفه اختلاط العلاء بن الحارث وعدمه لقيا مكحول لأبي هريرة كما قال الدارقطني اهـ. المشكاة ص351.

(3) سنن أبي داود رقم (2532), والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم (544) ص248 ، وفي ضعيف الجامع الصغير وزيادته ص373 وهو في المشكاة برقم (59) ص25 قال الألباني إسناد ضعيف ، فيه مجهول وإن كان معناه صحيح .

(4) أخرجه البخاري في صحيحه 3/1047, برقم: 2695, ومسلم في صحيحه 3/1493, برقم: 1872.

(5) البخاري ج4 ص34 .

(6)  (فتح الباري 6/56).

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أسباب النصر
الأحد 25 نوفمبر 2012

أسباب النصر

1ـ كمال التقوى والاستقامة على دين الله تعالى:

قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  [محمد :7 ].

وقال تعالى ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  [الروم : 47 .

2ـ اجتماع الكلمة والحذر من الاختلاف والتنازع: والصبر والثبات عند ملاقاة العدو والإكثار من ذكر الله تعالى واستدامة طاعة الله ورسوله:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال : 45،46].

3ـ إعداد العدة الكافية والممكنة لملاقاة العدو:

قال تعالى ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ[الأنفال :60].

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
خطبة بمناسبة العام الدراسي الجديد
الأحد 25 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خطبة بمناسبة العام الدراسي الجديد

 

بمناسبة افتتاح العام الدراسي الجديد واندفاع مئات الألوف من الطلاب والطالبات على المدارس يحسن بنا أن نقف مع التعليم والتربية وقفة تأمل وتفكر هل نحن في تعليمنا وتربيتنا نسير وفقاً لما أراد الله لنا، فإن الله أناط بأمة الإسلام أن تكون الموجهة والفائدة والمعلمة لسائر الأمم كما قال الله جل ذكره ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة: 143] فأمة الإسلام هي مصدر الأصالة والتوجيه للعالم أجمع، هكذا أراد الله لها إن هي استقامت على النهج وقامت بالحق وأخذت بميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأمة التي رفع الله شأنها وأعلى مكانتها ليس لها أن تنحدر إلى مستنقع التقليد والتبعية يغويها كل مبطل ويصيح بها كل ناعق .

إن أهل الإسلام هم مفصل الحق ومأرز الإيمان رسالتهم التي أكرمهم الله بها عالمية وهي الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده، حملهم الله أمانة المحافظة عليها ، وتبليغها في كل عصر ، وفي كل مصر .

وإنما تبقى الأمة محافظة على أصولها وثوابتها محافظة على كيانها ووجودها، مستشعرة لمسئوليتها ، إذا عُلِّم أجيالها ووجودها، مستشعرة لمسئوليتها، إذ عُلِّم أجيالها ورُبُّوا على الدين والأخلاق.

وحين يربى الصغار على ذلك ليكونوا ورثة صالحين مصلحين أمناء على ميراث النبي ونهجه، تعيش الأجيال على الإسلام ومكارم الأخلاق وتعيش في الحياة لتحقيق رسالتها العظيمة في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله عقيدة راسخة تكافح من أجلها وتنقلها إلى الأجيال المتعاقبة صافية نقية بواسطة التربية والتعليم.

أيها المؤمنون إن التربية والتعليم لباس يفصل على قامة الشعوب ومقامها، منبثقاً من عقائدها منسجماً مع أهدافها وآدابها.

فمناهج التربية والتعليم يجب أن تكون قائدة إلى الإيمان، قاصدة إصلاح الأنفس، وتهذيب الأخلاق إن مظاهر القوة المادية وحدها لا تغني شيئاً، إذا تداخلت في العقول الثقافات المتناقضة والنظريات المتنافرة، فتفرقت بطلابها السبل وتنازعتها التيارات والأهواء .

ليس مقياس النجاح مجرد معرفة القراءة والكتابة، وليس دليل التفوق كثرة دور العلم وأفواج الخريجين، مع انحراف التوجه وذهاب الإيمان وفساد الأخلاق، هذا النوع من التعليم المادي الجاف البعيد عن الله المقطوع الصلة بالخالق جل وعلا هو ما يروج له ويفرضه الملحدون الذين يتحكمون في البشرية التائهة الغارقة في الضلالة والغفلة ويصيغون لها الأهداف والمناهج والوسائل والأساليب الرامية إلى تشكيك الأجيال في المبادئ الصحيحة، والحقائق الواضحة والبديهيات الجلية المعلومة.. فكان ناتج ذلك هو هذا الواقع الذي تعيشه البشرية اليوم إلا من رحم الله وعصم.. لقد ساد التفسخ الخلقي بين البشر وفقدت الغيرة والحمية الدينية، وأفرز ذلك هذه الحضارة المادية التي تبنى فيها ناطحات السحاب من المباني على أنقاض الأخلاق والفضيلة واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .

ومن المؤسف له أن كثيراً من البلاد الإسلامية في القرن الماضي خسرت أكثر مما ربحت ، حيث ظنت أن مبادئ التربية وأصول التعليم تستورد كما تستورد البضائع، وضلت حين ظنت أنها تقايض في معاملات تجارية، لتكسب علماً أو تمحو أمية أو تبني مجداً أو تحقق نصراً .

أيها المؤمنون لا فائدة في علم لم ينبثق من دوحة الإيمان والقرآن، ولا خير في علم لم يُكْسَ بخلق، ولا جدوى من تربية لا تثمر استقامة وعملاً صالحاً ولا خير في معارف تحشى بها الأذهان تورث بلبلات فكرية، ولا نفع في ثقافات آسنة تشكك في الصحيح من المعتقدات .. وتستخف بالدين والأخلاق والقيم كيف يكون مستقبل الأمة التي تنبت فيها مثل هذه الثوابت، ويرضع أبناؤها من هذا الكدر الآسن ولهذا فإن من الواجبات اللازمة على الأمة أن تحافظ على أصولها وثوابتها ودينها وأخلاقها وقيمها وآدابها فلا ترسم خطة ، ولا يوضع منهج، إلا من الإدراك الجازم بأن هذه الأمة، وهذا النشء هم غرس المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وثمرة دعوته وجهاده وأحقاد أصحابه المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين، لتنسجم المناهج في كل ذلك وتعيش في ظله ، لتبقى محصنة بدينها ، متماسكة بقوته ، مرتبطة بحبله بعيدة عن كل فوضى فكرية أو صراعات مذهبية وحزبية وأن تنقى من عوامل الفساد وأسباب الزيغ والإلحاد، أو اتجاهات الزندقة والتحلل .

هذا ما يجب أن يكون عليه المسلمون في كل مكان الذين رضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ونبياً.

أما من لم تطب نفسه الخبيثة بهذا الدين، ولم ينشرح صدره لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإمامته ، وآمن بفلسفات أجنبية يهودية أو نصرانية أو وثنية ، فليس له محل بين المسلمين، ولا يحل أن تتاح له الفرص، أو تهيأ له الوسائل لتوجيه العقول، وتربية النفوس، ولا يجوز أن تقدم له فلذات الأكباد، ليفسد فطرها ويعبث بعقولها ويسلخها من عقيدتها وذاتها وقيمها وأخلاقها.

أن المدارس ودور العلم في كافة مستوياتها هي محاضن الجيل، وهي الحصن الحصين تكمن فيها حماية الأمة والحفاظ على أصالتها وبقائها ونقائها وقوتها وعزها، إن هذه الدور تحوي أثمن ما تملكه الأمة إنها تحتضن الثروة البشرية رجال الغد وجيل المستقبل ثروة تتضاءل أمامها كنوز الأرض جميعها.

وشر ما يطرأ على هذه المعاقل والحصون أن تؤتى من قبل من وكل إليهم رعايتها وصيانتها، وتكون الخيانة العظمى حين يتنكرون لدينهم وأمتهم ويبيعون الحصون والقلاع التي تحمي الأمة بثمن بخس منقذين بذلك مخططات اليهود والنصارى الرامية إلى تغيير هوية الأمة وعقيدتها وأخلاقها.

لقد كانت خطط اليهود والنصارى تهدف إلى تغيير مناهج التربية والتعليم في البلاد الإسلامية، فقد كبر على الاستعمار الذي استولى على بلاد المسلمين أن يترك للمسلمين دينهم بعد أن استولى على بلاد المسلمين أن يترك للمسلمين دينهم بعد أن استولى على أرضهم.. وكان من أعظم ما خطط له المستعمرون هو أن يجهّل المسلمون بدينهم .. وكان من ضمن الخطوات التي قام بها المستعمرون محاربة التعليم الديني ومحاصرته مادياً ومعنوياً وآخر ما يطالبنا به اليهود والنصارى اليوم هو تجفيف منابع الإسلام وإلغاء التعليم الديني ومحاربة القرآن. مع نشر التعليم العلماني وإقامة المدارس الأجنبية والكليات والجامعات غير الإسلامية والسماح له بالانتشار في بلدان المسلمين وغالباً ما يتخرج منها أناس يزدرون بالإسلام واللغة العربية وبالمسلمين ويمجدون الكفار ويرفعون شأنهم.

ومن طرقهم التي استخدموها هو الابتعاث إلى خارج البلدان الإسلامية حيث يزداد الطالب جهالة بدينه وانهزامية من داخله وتنكراً لقيمه وأخلاقه، حيث يعود بعضهم إلى بلدان المسلمين وقد تشرب بأفكار اليهود والنصارى وتشبع بأخلاقهم وأنماط حياتهم.

ومماأحدثه المستعمرون في مجال التربية والتعليم أنهم دعوا إلى اختلاط التعليم بين الذكور والإناث بغية إفساد الدين والأخلاق ونشر الإباحية والفساد والتحلل من أحكام الإسلام ونبذ توجيهات القرآن ولكن محاولتهم ستبوء بالفشل وستتحطم خططهم أمام هذا الدين العظيم.

اتقوا الله وتعلموا من العلم ما تعرفون به ربكم ويستقيم دينكم وتستنير به قلوبكم، وتصلح به دنياكم وآخرتكم، لأن العلم نور يخرج من الظلمات، وتزول به الشبهات، وتستقيم به الأعمال، فإن العلم بلا عمل ضلال ووبال. وللعلم فضائل كثيرة، أعظمها معرفة الرب سبحانه بأسمائه وصفاته، ومنها أن العلم طريق إلى الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في السماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر"(1) فرضوان الله عز وجل ودخول الجنة لا يوصل إليهما إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، وذلك من أيسر الطرق، وأما من سلك طريقاً يظنه طريق الجنة بغير علم فقد سلك أعسر الطرق وأشقها.

فلا طريق إذاً إلى معرفة الله والوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله ، وأنزل به كتبه، فهو الدليل عليه، وبه يهتدي في ظلمات الجهل والشبهات والشكوك، وقد سمى الله كتابه الذي أنزله على رسوله نوراً يُهتدَى به من الظلمات، كما قال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ المائدة:15-16]

فهذا العلم هو العلم بالله ورسوله والطريق الموصل إلى رضوان الله والجنة هو العلم الممدوح الذي امتدح الله ورسوله أهله وذويه فقال سبحانه ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آل عمران:18]

وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [ فاطر: 28]

وقال : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ [ الزمر: 9].

وقال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [ المجادلة: 11] .

وقد شبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حمل العلم، الذي جاء به بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات كما جاء في المسند وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا طمست النجوم أوشك أن تضل الهداة"(2).

فالعلماء بما أنزل الله على رسوله هم الأدلاء الذين يُهْتَدَى بهم في ظلمات الجهل والشبه والضلال، فإذا فُقِدوا ضل الناس، وقد شبه العلماء بالنجوم، ومن فوائد النجوم أنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر في الليالي المظلمة وهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين، والعلماء الربانيون في الأرض تجتمع فيهم هذه الأوصاف، فيهم يهتدى بهم في ظلمات هذه الحياة، وهم زينة للأرض وأمان لها ، وهم رجوم للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل ويلبسون على الناس دينهم ويغوونهم عن صراط الله المستقيم وما دام العلم باقياً في الأرض فالناس في هدى ونور، وبقاء العلم ببقاء حملته، فإذا ذهب حملته وقع الناس في الضلال كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"(2).

فخذوا حظكم أيها المؤمنون من ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاءكم به وتعلموا من العلم ما تعرفون به ربكم ودينكم ونبيكم وهذا القدر من العلم وطلبه فريضة على كل مسلم ومسلمة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "طلب العلم فريضة على كل مسلم"(4).

أيها المؤمنون إن قوى الكفر والطغيان وجنود الشيطان يحاولون بكل ما يملكون طمس معالم هذا الدين ومنع تعلمه وتعليمه في المؤسسات التعليمية ولهم مطالب وإملاءات على الحكام في البلدان الإسلامية لإلغاء هذا العلم والتضييق عليه... فعليكم مسئولية عظيمة أمام الله وسوف يسألنا جميعاً عنها؛؛ هذه المسئولية هي وجوب المحافظة على هذا الدين والمحافظة على القرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام ووجوب تعليمها ونشرها وتحصين الأجيال ضد الانحراف والفساد بدروس علمية نافعة من كتاب الله وسنة نبيه لتصحح أفكارهم وتصلح قلوبهم وتستقيم أخلاقهم ويتعرفون على رسالتهم في الحياة، ويدركون كيد الأعداء ومؤامراتهم .

تخريج / علي عمر بلعجم.

عبد الحميد أحمد مرشد.



(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/341, برقم: 3641, والترمذي في السنن 5/48, برقم: 2682, وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 1/43, برقم: 182, وأول الحديث (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله له به طريقاً إلى الجنة) أخرجه البخاري في صحيحه 1/37, ومسلم في صحيحه 4/2074, برقم: 2699.

(2) أخرجه أحمد في المسند 3/157, برقم: 12621, وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بأن إسناده ضعيف, وضعفه الألباني في الجامع الصغير 1/479, برقم: 4783.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه 1/50, برقم: 100, ومسلم في صحيحه 4/2058, برقم: 2673.

(4) أخرجه ابن ماجة في سننه 1/81, برقم: 224, والطبراني في الكبير 10/195, برقم:10439, والأوسط1/7, برقم: 9, والبيهقي في شعب الإيمان2/253, برقم: 1665, وصححه الألباني في الجامع الصغير 1/736, برقم: 7360, وفي صحيح الترغيب والترهيب 1/17, برقم: 72.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أحاديث تتعلق بالحاكم والمحكوم والحكم
الأحد 25 نوفمبر 2012

أحاديث تتعلق بالحاكم والمحكوم والحكم

 

جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "... ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته"(1).

في العدل:

ورد في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل –وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"(2).

في ظلم الحاكم والوالي وغيرهم:

النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من ظلم الحاكم والوالي ومن الظلم عموماً ومن شدة تحذيره من ظلم الحاكم كان صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء فيقول: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به"(3).

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"(4).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :"ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة"(5).

وقال أيضاً: "الظلم ظلمات يوم القيامة"(6).

وقال صلى الله عليه وسلم: " اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"(7).

وقال أيضاً:" إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته"(8)، ثم قرأ: ﴿َكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود :102] .

لا تعطى الإمارة لمن لا يحسنها:          

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه: " يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم"(9).

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضرب على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إن ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الأمانة عليه فيها"(10).

يقول ابن الجوزي: روينا أن بعض بني مروان هرب إلى بلاد الحبشة لما ظهرت ولاية بني العباس فنزل بلادهم فأتاه ملك الحبشة وقال له: ما الذي جاء بك؟ قال: ولي الأمر غيرنا فاستجرت بك فقال: أنتم تزعمون أن نبيكم حرم الخمر فلم شربتموها؟ فقال: إنما يفعل ذلك رعاع الناس ومن لا خلاق لهم. قال: وتقولون إنه حرم الحرير فلم لبستموه؟ فقال: إنما يفعله أتباع لنا. قال: وتخرجون إلى الصيد في طلب عصفور فتنزلون بالقرى فتأخذون أموالهم وتفسدون زروعهم فقال: إنما يفعله الجهال. قال: لا والله بل بارزتم الله بالذنوب فسلبكم الملك.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

ومن كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد توليته الخلافة أنه قال: ( أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حسن فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه)(11).

وكانت سياسة أبي بكر رضي الله عنه الالتزام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد فيها استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ بالرأي الناتج عن ذلك(12).

عمر الفاروق رضي الله عنه:

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ( من رأى في اعوجاجاً فليقومه، فقال له رجل: سنقومك ولو بهذا السيف، فأجابه: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمر ولو بالسيف).

وقال أيضاً: إني لا أجد يحل لي أن آكل من مالكم إلا ما كنت آكل من مالي الخبز والزيت والخبز والتمر(13).

وخطب عمر وهو خليفة وعليه أزار فيه اثتنا عشرة رقعة(14)، وكان يدني يده من النار ويقول: يا ابن الخطاب أتصبر على هذا.

عثمان بن عفان رضي الله عنه:

كان رضي الله يصوم الدهر، ويقوم الليل، ويقيل في المسجد، وكان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت(15)، وكان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت(16).

علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

كان رضي الله عنه يفرق بيت المال ثم يكنسه ويصلي فيه ركعتين(17).

قال ضرار بن سعد في وصفه: كان يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما خشن، فأشهد الله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته، يبكي بكاء الحزين وكأني   أسمعه وهو يقول: يا دنيا إلى تعرضت أم لي تشوفت، هيهات هيهات، غري غيري قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد وطويل الطريق(18).

عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

لما ولي الخلافة قدمت إليه مراكب الخلافة، فقال: مالي ولها، نحُّوها عني وقدموا لي دابتي، فقربت إليه، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنح عني، مالي ولك، إنما أنا رجل من المسلمين(19). وأمر بالستور فرفعت، والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فأمر ببيعها، وإدخال ثمنها بيت المال(20).

 

تخريج  : عبد الحميد أحمد مرشد.


(1) أخرجه مسلم عن ابن عمر، كتاب الإمارة، باب رقم 5، ج3 برقم 1829.

(2) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب 5 فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، ج3 برقم 1827 عن عبد الله بن عمرو.

(3) أخرجه مسلم ج3، كتاب الإمارة باب 5 برقم 1828.

(4) أخرجه مسلم ج3، كتاب الإمارة، باب 5 برقم 142.

(5) مسلم 1/ 125 ، حديث رقم : 142 .

(6)  البخاري  3 / 169  كتاب المظالم  ، من حديث عبد الله بن عمر.

(7) البخاري 3/ 169، كتاب المظالم  من حديث عبد الله بن عباس ومسلم ج1 كتاب الإيمان 29 من حديث معاذ بن جبل وابتعاثه إلى اليمن.

(8) البخاري 6/ 94 تفسير سورة هو من حديث أبي موسى  ، وفي مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب 15، تحريم الظلم برقم 61-2583. من حديث أبي موسى كذلك ص1997.

(9) مسلم 3/1457، حديث رقم: 1826 .

(10) مسلم 3/1457

(11) مصنف عبد الرزاق 11/336

(12) راجع سنن الدارمي باب الفتيا (في المقدمة)1/55

(13) ابن الجوزي: صفوة الصفوة 1/28، وأحمد بن حنبل: في الزهد : 124.

(14) الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء لابن الجوزي : 83.

(15) الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء صـ84.

(16) صفة الصفوة، 1/315 الأصبهاني في الحلية 1/84.

(17) صفوة الصفوة: 1/315.

(18) صفوة الصفوة: 1/315، الأصبهاني في الحلية 1/84، ابن عبد البر في الاستيعاب.

(19) صفوة الصفوة 2/113، وابن كثير في عمر بن عبد العزيز 106 والسيوطي في تاريخ الخلفاء :231.

(20) صفوة الصفوة، 2/115، ابن الأثير في الكامل 4/164 وابن كثير: عمر بن عبد العزيز :61.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
دلائل الإيمان
الأثنين 26 نوفمبر 2012

دلائل الإيمان 

من دلائل الإيمان وعلاماته التي تدل على صدق المؤمن، سروره وفرحه بالطاعات والحسنات، وحزنه وغمه بالمعاصي والسيئات، فإذا فرحت أيها المؤمن بالحسنة التي تفعلها وسررت بها، وحزنت وتألمت بالسيئة والمعصية التي وقعت منك وندمت من فعلها فأنت مؤمن، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قام في مثل مقامي هذا فقال: "أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يستخلف عليها ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن كان منكم تسره حسنته وتسوؤه سيئته فهو مؤمن"(1) وأخرجه البيهقي وغيره عن أمامة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ قال: "إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن، قال: فما الإثم؟ قال: إذا حك في صدرك شيء فدعه"(2).

فهذا مقياس يستطيع الإنسان أن يقيس به مستوى الإيمان في قلبه، إذا صليت الصبح في جماعة ففرحت بتوفيق الله لك بذلك وسررت بأداء الصلاة حاضرة مع جماعة المسلمين تلك الصلاة المشهودة التي يُحتفى بها في الملكوت الأعلى والتي لا يحرص عليها إلا المؤمنون، فذاك علامة الإيمان. إذا أرشدت ضالاً ودللت حيراناً على الصراط المستقيم وكنت سبباً في هدايته وإرشاده فرحت بذلك العمل وسررت به فأنت مؤمن، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه "فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"(3).

إذا هممت بريبة في خلوة والنفس داعية إلى الطغيان فجاهدت نفسك واستعنت بربك واستعصمت بإيمانك فأنقذك الله من رذيلة وعصمك من الوقوع في فاحشة وفرحت بذلك وسررت بالخلاص من الوقوع فيما يغضب الله فأنت مؤمن .

وإذا غلبتك نفسك وقارفت ذنباً وليس من عادتك انتهاك حرمات الله ثم استيقظ ضميرك وتذكرت عقاب الله وعظمة الله فتألمت وتبت واستغفرت وندمت على فعلتك وعقدت العزم على أن لا تعود مرة أخرى إليها وعلمت أن رحمة الله أوسع من ذنوبك إذا فعلت ذلك فأنت مؤمن.

أخرج البيهقي في الشعب بسند جيد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا"(4).

وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن مستبشراً بثواب الله خائفاً من عقابه وهو يؤدي الطاعات ويعمل الحسنات، حين تزل قدمه فيقع في المعاصي والآثام.

هكذا هي النفس البشرية تعيش بين استبشار وفرح وبين خوف وحزن وجزع، والمؤمنون المتقون مبشرون بكل خير من الدنيا والآخرة كما قال الله تعالى ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ يونس:62-64]

فالله يبشر عباده وأولياءه بخيرات الدنيا والآخرة ومن الخيرات العاجلة، الاطمئنان والسعادة النفسية، والنصر والفتح، والرزق والغنيمة والتمكين والاستخلاف وغير ذلك ومن البشرى العاجلة الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى، والثناء الحسن، والذكر الجميل جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه, قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"(5). قال العلماء في معنى الحديث هذه البشرى المعجلة له بالخير هي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق ثم يوضع له القبول في الأرض.

إن المؤمن عليه أن يعيش مستبشراً برحمة الله ورضوانه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، ولقد كان هذا شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أمته ليزيل عنها دواعي القلق على مستقبل الإسلام الذي يكيد له الأعداء فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسند الإمام أحمد: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض"(6) والمؤمن محتاج في حال البلاء إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرح عاجل، أو بأجر آجل، ولقد وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم العلاء مريضة فقال لها: "أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم مذهب خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد"(7).

ولقد بشر الله المؤمنين المبايعين على الإيمان والجهاد بما ادخر الله لهم من الأجر والثواب إن وفَّوا بالبيعة فقال ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ التوبة: 111].

والمؤمن المستقيم على أمر الله يمده الله بملائكته يثبتونه ويبشرونه برحمة الله ورضوانه في هذه الحياة ويثبتونه ويطمئنونه عند دنو أجله وانتقاله من كبد هذه الحياة وخروجه منها منتقلاً إلى دار البرزخ وحياة الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ[ فصلت:30-32] .

تشتد المؤامرات على الإسلام والمسلمين ويزداد العداء ويكبر الكيد وتتوالى الضربات حتى ليخيل للناظر أن الإسلام قد انمحى من الواقع وأن الكافرين قد حققوا أهدافهم واستنفدوا أغراضهم، وإن نظرة لما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان من حرب إبادة وتدمير بمختلف الوسائل والأساليب تدعو إلى التشاؤم والهزيمة النفسية غير أن منطق الإيمان وحقائق القرآن تنطق بغير ذلك، فهي تدعو المؤمنين إلى الصبر والثبات والسير على خُطَا الإيمان وعدم الرضوخ للواقع أو الرضى بالذلة والهوان والاستسلام في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *[ آل عمران:139], ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ آل عمران: 186] وقال سبحانه: ﴿ فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ[ محمد:35]

وقال تعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ النساء:104].

ثم يبشرهم الله تعالى بما ستؤول إليه أمور الكفار وكيف ستكون نهاياتها في آيات كثيرة ويأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعلن للكفار هزيمتهم وخسارتهم المسبقة في نهاية المطاف كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [ آل عمران:12].

فهذا إخبار منه سبحانه، وإنذار للكافرين المغرورين بكثرتهم وقوتهم، وما لديهم من الأموال والمادة والعتاد أنهم سيغلبون في الدنيا، ويتجرعون خزي الهزيمة والذل وعار الإفلاس والخسران.

وقد حدث هذا، وحقق الله وعده على أيدي المؤمنين في بدر وخيبر والفتح وغيرها من الغزوات والانتصارات التي حققها الله على أيدي المؤمنين على امتداد التاريخ الإسلامي وهذه سنة الله تعالى أن ينصر المؤمنين ويذل الكافرين ولا يتخلف نصر الله عن المؤمنين، إلا بضعف إيمانهم وسوء أعمالهم وفساد مقاصدهم.

أما حين يكونوا مستقيمين على أمر الله مستمسكين بدينه متبعين لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فإن النصر حليفهم ونتيجة المعركة محسومة لهم في النهاية، قد يبتليهم الله ويمحصهم ويختار منهم شهداء ويصيبهم القتل ويمسهم القرح والبلاء ثم تكون العافية الحسنة لهم.

كما قال سبحانه في التعقيب على غزوة أحد وما حصل فيها، داعياً عباده المؤمنين إلى الاستفادة من سنن التاريخ وإدراك حقائق الأمور التي يدبرها الله تعالى ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [ آل عمران:137ـ141].

ثم إن الكفار الذين كتب الله عليهم الخزي والهزيمة في الدنيا قد كتب لهم في الآخرة العذاب الأبدي والآلام والخسارة التي لا تنفك عنهم أبداً كما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [ آل عمران:10ـ12].

أيها المؤمنون: اعلموا أن نصر الله آت لا ريب فيه ، ولكنه نصر مشروط لا يتنزل إلا على المؤمنين الذين استكملوا شرائط الإيمان وأخذوا في إعداد العدة والأخذ بالأسباب وأخلصوا دينهم لله وصدقوا في حمايته ونصرته وبذلوا المهج والأموال لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فليبشروا عندئذ بنصر الله وتحقيق وعده في قوله الكريم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [ محمد:7], وبقوله: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم: 47] وبقوله ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ آل عمران:160].

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ الأنفال: 10].

فكونوا أنصار الله واصبروا وصابروا واتقوا الله.

تخريج : علي عمر بلعجم.

عبد الحميد أحمد مرشد.


(1) أخرجه أحمد في المسند 1/26,برقم: 177, وابن حبان في صحيحه 10/436, برقم: 4576, والطبراني في المعجم الأوسط 2/184,برقم : 1659, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/792, برقم: 430.

(2) أخرجه أحمد في المسند  5/251, برقم: 22213, وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/152, برقم: 1739.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه 3/1077, برقم: 2783, وأبو داود في السنن 2/346, برقم: 3661.

(4)  أخرجه ابن ماجة في السنن 2/1255, برقم: 3820, وأحمد في المسند 6/188, برقم: 25591, وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بأنه ضعيف, وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة 1/308, برقم: 835.

(5) أخرجه مسلم في صحيحه 4/2034, برقم:2642, وأحمد في المسند 5/156, برقم: 21417, وابن حبان في صحيحه 2/88, برقم: 366.

(6) أخرجه أحمد في المسند 5/134, برقم: 21258, ولم أجد من تعرض له بالتصحيح أو التضعيف.

(7) أخرجه أبو داؤود في السنن 2/200, برقم: 3092, والطبراني في المعجم الكبير 25/141, برقم: 340, وصححه الألباني في صحيح أبي داوود 3/188, برقم: 3438, وفي السلسلة الصحيحة 2/331, برقم: 714.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الحكم بالقسط ولو لعدو وعلى صديق
الأثنين 26 نوفمبر 2012

الحكم بالقسط ولو لعدو وعلى صديق

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  [النساء:58].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: 135].

من صفات المؤمنين في التلاحم والتواضع والمحبة والتراحم والمساعدة والمساندة والتعاون على البر

قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[المائدة:2].

وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُفَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح: 29].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ المائدة:54] .

وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].

وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  [لقمان:18].

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الرفق والرحمة والإحسان والعفو
الأثنين 26 نوفمبر 2012

الرفق والرحمة والإحسان والعفو

 

قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  [آل عمران:133] .

وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً  [الإسراء:53].

وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران : 159].

وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.  الأعراف: 199].

وقال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ  [البقرة:263].

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ [النحل:126].

وقال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [ الشورى:40].

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

 

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الشورى
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

الشورى

 

يقول تعالى:﴿وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران159 ].

جاءت صيغة طلب المشاورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بلفظ الأمر: وشاورهم، والأمر يقتضي الوجوب، ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المعروف بحرصه على العدل، في كل ما يصدر عنه سواء قبل البعثة أو بعدها، فهو ذلك الرجل الذي عزف عن الدنيا، ولم يمل إلى هواه أدنى ميل، مع كل ذلك فإن الله سبحانه يأمره بالشورى في ما لم ينزل فيه وحي في أمر الحكم وتدبير شئون الأمة بتشاور مع المؤمنين، وذلك لما في التشاور من الفوائد الآتية :

1- للمصلحة العامة المترتبة على المشاورة، حتى تصبح المسئولية جماعية ورأي يُستخلص من رأي بعد التشاور، وبهذا يتم التعاون والتضامن في الرأي والتنفيذ.

2- في التشاور إبعاد لأي نقد يصور من بعض الأفراد عند التنفيذ، ذلك أن شئون الحياة تختلف فيها نزعات الناس ورغباتهم، لكنهم عند التشاور يصدرون جميعاً عن رأي واحد.

وهو الأقرب لحل المشكلة، وبذلك يحصل الرضا النفسي عند الجميع وتُسكت الألسنة التي دأبها الانتقاد والطعن والتشكيك .

وبذلك تستفيد الأمة ما يأتي :

أ ـ نضوج الرأي .

ب ـ الاتفاق عليه .

ج ـ مع الالتزام به وتحمل المسئولية في تنفيذه، ويظل الترابط والتعاون بين الحاكم والمحكوم قوياً والثقة تامة.

3- وهناك أيضاً فائدة جليلة ، وهي : إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سلك مسلك الشورى مع المؤمنين، فإنه أحرى بمن يأتي بعده أن يلتزم بمبدأ الشورى، ذلك أن غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحوج ما يكون إلى المشورة لقصور رأيه ، واحتمال خطئه احتمالاً كبيراً .

4- عندما يشرع الله سبحانه الشورى لعباده ، ويجعل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أول من يطبقها، فإن معنى ذلك ، أن الله سبحانه يريد حماية الناس من تسلط من يحكم رقاب المسلمين بالاستبداد في الرأي، وارتكاب الهوى، وإصدار الأحكام دون الرجوع إلى أهل الرأي والمشورة .

5- والتشاور حينما يحصل بين الحاكم وأهل الشورى، إنما يكون فيما لا نص فيه من كتاب وسنة ، وليست العصمة قائمة للمتشاورين عن الخطأ، فكما يحتمل خطأ الحاكم، يحتمل كذلك خطأ أهل الشورى، لأنهم بشر ، لكن احتمال الخطأ منهم، أقل بدرجات ومراحل من احتمال الخطأ من فرد واحد، إذن فالشورى أقرب إلى الأمان وأبعد عن الخطأ، كما أن فيها حماية للانقسام والتمزق داخل الصف الإيماني .

6- والشورى كذلك ليست حقاً محضاً للحاكم إن شاء منحها للمؤمنين وإن شاء حرمهم إياها، بل هي واجبة عليه بأمر الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159]، ولأن الشورى نفسها تضبط تصرفات الحاكم فيما لا يحق له ولا يخول له الشرع أن يتصرف فيه مثل العبث بأموال المسلمين، وتولية الظالمين وغير الأكفاء على رقاب المسلمين ونحو ذلك ثم إن القرآن الكريم لم يكتف بصيغة الأمر في الشورى والتي سبقت الإشارة إليها بل هناك صيغة أخرى ، تأملوا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الحجرات:10]، هذه الآية جاءت بصيغة الخبر عن أخوة المؤمنين فالله سبحانه وتعالى لم يقل: كونوا إخوة، ذلك أن صيغة الخبر أقوى في الدلالة من صيغة الأمر، وأدعى إلى مبادرة الامتثال من المؤمنين، لأن فيها الإخبار عن طبيعة المؤمنين التي لا يتخلون عنها ولا تفارقهم، فهي جزء من كيانهم، ومثل هذه قول الله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[ الشورى: 38] ، ضمن الآيات الواردة في سورة الشورى في قوله تعالى﴿ َمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ َالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ  َالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ[ الشورى: 36-39].

فإذا كانت الصلاة والزكاة واجتناب الفواحش صفات من صفات المؤمنين لا تنفك عنهم، فإن الشورى كذلك صفة للمؤمنين لا تنفك عنهم، لأن المؤمن أبعد ما يكون عن الظلم ومظانه من احتكار الرأي والاستبداد به وارتكاب الهوى وعدم الرجوع إلى رأي أهل الاختصاص من أهل العلم والحنكة والدربة والروية وحصافة الرأي.

وهذه الصفات الكريمة التي اشتملت عليها هذه الآيات، عندما نتأملها نجد أنها أشد لصوقاً بالحاكم المسلم، وإن كانت عامة لكل مسلم.

وكما قلنا فإن أهل الشورى هم العارفون بكتاب الله تعالى، المتفقهون في دينه، من أهل التقوى والصلاح والخبرة في الشورى العامة والخاصة.

وحكم الشورى هو حكم الإسلام الذي لم يعرف غيره ، أما أنواع الحكم التي ظهرت في أوروبا، وتخبطت فيها الشعوب وتصارعت فهي باطلة لا تأتي بخير وذلك مثل:

1- الديمقراطية : حكم العامة أو الشعب ، وسيادة من ينتمون إلى النسبة العددية الكبرى في المجتمع أي أن الشعب مطلق العنان لا يتقيد بنظام رباني ، وإنما يكون كل شيء في الدولة تابعاً لهواه.

2- الأرستقراطية: نظام حكم النبلاء والأشراف، أو المتميزين في المجتمع من أصحاب الطبقة العليا، إما لشرف الأسرة أو كثرة المال أو نحوهما.

3- الأوتوقراطية: نظام الحكم المطلق غير المحدد وغير المقيد بأي عهد أو ميثاق.

4- الثيوقراطية : نظام الحكم الذي يعترف بالله كحاكم مدني أعلى، تفسر قانونه سلطة روحانية خاصة مكونة من رجلي الأكليروس (الكهنوت).

5- إن المجتمع المسلم يضم أفراداً مؤمنين بالله يصدرون في كل شيء عن حكمه وشرعه لا عن هوى وعصبية.

والمجتمع الأوربي مجتمع لم يعرف التوحيد، بل هو قائم على الوثنية القائمة في صورة الثالوث لذلك يتباينا كل التباين في صيغة الحكم وأنماط الحياة كلها.

 

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
النظافة من الإيمان
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

النظافة من الإيمان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين القائل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين والصلاة والسلام على أطهر خلق الله، الذي دعا إلى نظافة القلوب والأبدان، من كل رجس ودرن، والقائل: "إن الله جميل يحب الجمال"(1) وعلى آله وصحبه الأطهار.

إنه يجري على ألسنة الناس هذه الكلمة الرائعة "النظافة من الإيمان" ويسندوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن صح كونها من قول النبي عليه الصلاة والسلام وإلا ففي الإسلام من الآيات والأحاديث الكثيرة ما يشهد بصحة معناها، وأن النظافة حقاً من الإيمان.

ذلك أنه لم يترك الإسلام جانباً من جوانب المرء: مأكله ومشربه وملبسه ومطعمه وبدنه بل ومنكحه وعموم هيئته إلا ودعا المسلم فيها إلى النظافة. وسوف نبين كل هذه الأحوال. جاعلين مرجعنا في ذلك كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

فأولاً: بلغت النبي صلى الله عليه وسلم أحوال عامة ينبغي للمسلم تعاهدها، وأنها من صميم الدين، فيقول عليه الصلاة والسلام "الفطرة خمس: الختان والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط"(2) والمراد بالفطرة الدين، وهي التي فطر الله الناس عليها أي أن هذه الأمور الخمسة من الدين، وهي الختان والمراد به: قطع قلفة الذكر، فإن بقاءها يسبب تراكم النجاسات والأوساخ فتحدث الأمراض والجروح.

والاستحداد: حلق الشعر التي حول الفرج قُبُلاً كان أو دبراً، فإن بقاءها يعرضها للتلوث بالنجاسة، وربما أخلت بالطهارة الشرعية، كما أن ترك الشارب بدون قص، يشوه الخلقة، ويكره الشراب بعد صاحبه، ويوجب التشبه بالمجوس.

ونحن نعرف جميعاً ماذا يسبب عدم تقليم الأظافر، من تجمع الأوساخ، فتخالط الطعام فيحدث المرض. وعدم نتف الإبط يجلب الرائحة الكريهة.

ففي هذه الأمور وأمثالها تتجلى مدى ما يريده لنا ديننا من النظافة التامة، وعدم التعرض لشيء من الأقذار التي تسبب أمراضاً على الفرد أو المجتمع، فلم يترك الإسلام خيراً إلا دعا إليه، ولا شراً إلا حذر منه.

أما بعد:

فإننا إذ نشيد بالنظافة وندعو إليها ونجعل لها أهمية كبيرة في حياتنا، فإن ذلك ليس بِدْعَاً جئنا به واختلقناه ولم يكن تقليداً لأمة غير مسلمة أشادت هي كذلك بالنظافة وإنما ديننا هو الذي وضع أسس هذا الأمر ودعا إليه بل وجعله جزءاً من العبادة إلى جانب أنه لاحظ فيها المصلحة التي تعود على الإنسان من حيث الحفاظ على صحته فالمصالح التي راعاها. ونحن اليوم نتكلم عن طرق منها وهي المصلحة التي راعاها الدين في تشريع النظافة نقول:

 ثانياً: النظافة في ملبس الإنسان ومظهره وإليكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الشأن.

روى مسلم في صحيحه: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال –يعني النبي صلى الله عليه وسلم-: إن الله تعالى جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس"(3) والمراد ببطر الحق تسفيهه ورده وعدم الخضوع له، وغمط الناس: احتقارهم. يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أحقر شيء من الكبر فيظن أحد السامعين، أن الزينة قد تكون نوعاً من الكبر، فيخاف الوقوع فيه، ويسأل الني صلى الله عليه وسلم عما يحب الرجل من جمال المظهر وتحسين الثوب والنعل ويبين صلى الله عليه وسلم، أن ذلك مما يحبه الله تعالى فيقول: إن الله جميل أي متصف بصفات الكمال، يحب الجمال أي حسن المظهر في عبده المؤمن الجميل في باطنه. وهناك أحاديث تدعوا أصحاب اليسر إلى إظهار نعمة الله عليهم، وأن التظاهر بعكس ما عليه الإنسان من اليسر، قد يكون فيه إنكار لنعمة الله تعالى.

روى الترمذي عن عمر بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"(4) وروى أحمد والنسائي عن جابر، قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائراً، فرأى رجلا شعثاً(5)، قد تفرق شعره، فقال: ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه"(6) -أي ما يلم شعثه ويجع تفرقه- وفي رواية لهما عن أبي الأحوص عن أبيه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب درن، فقال لي: "ألك مال"، قلت نعم. قال: من أي المال؟ قلت من كل المال، قد أعطاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته"(7)

وأما النظافة في المأكل فإن الشارع لم يقتصر فيها على النظافة فحسب، بل حرم من الأطعمة، ما يعود على الإنسان بالضرر، كالخنزير والميتة، ولذا سمى الله تعالى كل محرم خبيث في قول تعالى ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157]. كما أرشد الآكل إلى آداب منها انه لا يترك يده تطيش في الصحفة، كما في حديث عكراش بن ذؤيب من رواية الترمذي، "أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يأكل معه فيخبط بيده في الإناء: يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد"(8).

وأما في الشراب فقد حرم الشارع كذلك ما هو خبيث من الشراب كالخمر والدم، كما أرشد إلى آداب، هي من صميم النظافة، حرصاً على صحة الإنسان، فنهى صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم الإناء كما هو ثابت عن بن عباس في الصحيحين(9). ونهى عن التنفس فيه. روى أبو داوؤد عن أبي سعيد الخدري: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة الإناء، وأن ينفخ في الشراب"(10)

وأما النظافة في البدن، فالحديث عنها يطول جداً وقد انتهى الحث عليها إلى أن جعلها الشارع مفتاحاً للصلاة التي هي رأس العبادات، فكما أن من العبادات ما فيه طهر معنوي كذلك منها ما فيه طهر حسي، فجعل الوضوء شرطاً لصحة الصلاة، كما كاد الشارع أن يوجب السواك لما فيه من الفوائد الجمة، لولا خوف المشقة على أمته، ومع هذا فإنه صلى الله عليه وسلم قد حث كثيراً وكثيراً على السواك كما كان يستاك على كل أحواله.

والنظافة في الثياب، حيث المثول بين يدي الله تعالى في بيوته مطلوبة شرعاً، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[الأعراف: 31].وقد فسر بعض العلماء الزينة، بما يتزين به المرء، كما هو المتبادر من مدلول الآية.

وأوجب الشارع كذلك النظافة من البول والغائط، وبين طريقة إزالتهما من القبل والدبر، بالاستجمار أو الاستنجاء، أو بالجمع بينهما، وأن من لم يتنزه عن بوله فقد ارتكب إثماً ليس باليسير، بل إنه ليعذب على ذلك في قبره. روى في الصحيحين عن ابن عباس قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال:" إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله –وفي رواية مسلم-لا يستنزه من البول- وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة وشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، قالوا يا رسول الله لم صنعت هذا قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"(11)

ومن نظافة البدن أيضاً، أن دعانا صلى الله عليه وسلم إلى الغسل فجعله واجباً تارة، وحث عليه أخرى مع كونه سنة ورتب عليه أجراً كبيراً فهو واجب على الجنب وعلى الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم، وهو قريب من الواجب في يوم الجمعة إلى جانب التزين بأحسن الثياب والتطيب، وكذا الاغتسال ليوم العيد وللإحرام وبعد غسل الميت وغير ذلك.

وأما في النكاح فيقول تبارك وتعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222 ].

وإذا كان ديننا قد وصل بنا في الحث على النظافة، والتنزه عن الأقذار والأوساخ والخبائث إلى هذا الحد فإنه من حق المسلم أن يكون دائماً في كل أحواله وشئونه على خير حال، فلا يترك للأوساخ مجالا إلاً وأبعدها عنه، سواء في نفسه أو بيته، أو شارعه، وأن الإنسان لا يهتم بهذا في يوم أو أسبوع، وإنما في كل لحظة من لحظات حياته وفقنا الله تعالى إلى التمسك بكل شعب الإيمان التي أعلاها لا إله الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والسلام.

روى ابن ماجه، عن أيوب، وجابر، وأنس. أن هذه الآية لما نزلت ﴿ فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور. فما طهوركم؟ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة؟ ونستنجي بالماء، قال: "فهو ذاك فعليكموه"(12)

 

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.


(1) مسلم، 1/ 93، حديث رقم: 91.

(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة وهو عند البخاري، كتاب اللباس 61 – باب قص الشارب برقم 5550 بـ(د.مصطفى ديب البغا) ج5، وعند مسلم  ج1، كتاب الطهارة باب خصال الفطرة رقم 257. وغيرها.

(3) مسلم ج1 كتاب الإيمان باب تحريم الكبر وبيانه برقم 147.

(4) سنن الترمدذي، 5/123.  

(5) صحيح سنن الترمذي ج2/2260-2985، وقال الألباني حسن صحيح. وحسنه الترمذي في ج5/2819 (أحمد محمد شاكر).

(6) المسند 4 برقم 19877 د.سمير طه المجذوب.

(7) صحيح أبي داؤود ج2/3428-4063، وفي صحيح النسائي 5223/4819.

(8) ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (319-1935)، وضعيف بن ماجه 706-3274.

(9) البخاري ج1 الوضوء برقم 152 ومسلم ج1 كتاب الطهارة (63-267 وكلاهما عن أبي قتادة عن أبيه.

(10) أبو داود 2/363،  صحيح أبي داود 2/3165. باب الشرب من ثلمة القدح – الصحيحة 287.

(11) متفق عليه البخاري، ج1 الوضوء برقم 213 ومسلم ج1 كتاب الطهارة 111 – 292.

(12) ابن ماجه 1/127، قال الألباني صحيح، أنظر صحيح بن ماجه ج1 برقم 285-355 ، صحيح أبي داود 34 المشكاة 369، الروض 756.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
بمناسبة مرور عام على الجهاد في فلسطين
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

خطبة جمعة في 1/5/1409هـ - 9/12/1988م

 بمناسبة مرور عام على الجهاد في فلسطين

 ذكرى الجهاد الإسلامي في فلسطين الذي بدأ في يوم الثلاثاء 8/12/1987م ودخل عامه الثاني تحركت فلسطين كلها وتجاوبت مع هذه الحركة الجهادية المباركة في المساجد والمدارس والجامعات، والبيوت فلم يبق رجل ولا امرأة ولا صبي إلا أدلى بدلوه وسارع لينال شرف المشاركة من صب غضبه على المستعمر لأرضه، المنتهك لحرماته، المدنّس لمقدساته، وذهل العدو حين فتح عينيه على هذه الغضبة العارمة التي تجاوبت من كل فلسطين، ذهل وهو يرى العزل والنساء والأطفال يواجهون جيشه المدجج بالسلاح، والمدرب على أحدث التدريبات العسكرية .

ذهل حين رأى وسمع شيئاً ما كان يخطر على باله، فقد مارس اليهود منذ فترة طويلة أساليب الامتهان والإذلال في حق أبناء الشعب الفلسطيني حتى ظنوا أنهم قد أخضعوا هذا الشعب، وأنه أصبح مستسلماً خاضعاً مستكيناً، مسلوب الحرية والكرامة.

ذهل العدو حين رأى الشباب الذين وجدوا بعد فترة الاحتلال الأخير أعني عام 1967م قد أصبحوا في مقدمة الناقمين والمقاومين للعدو ، وقد كان يظن أن هذا الجيل قد تربى على الروح الانهزامية ، وعلى نسيان القضية فقد قال ابنغوريون في توقعاته (جيل النكبة يموت والجيل الثاني ينسى).

لقد كان لهذا الجهاد المبارك دوافع، رسخت في نفوس أبناء فلسطين ضرورة المقاومة، ولو بأحجار ، وكان منشأ هذه الدوافع ما يراه الفلسطينيون من ممارسات دنيئة يقوم بها اليهود على أرض فلسطين مثل: القمع الدائم، وإحكام القضية على الإدارة لكل شئون أبناء فلسطين حين تسير الأمور طبقاً لما يريده المستعمر، ومصادرة الأراضي، وفرض الضرائب الباهضة، وإبعاد الكثير من أبناء فلسطين إلى خارج فلسطين ، ومداهمة البيوت ليلاً ، وكثرة استدعاء الشباب إلى أجهزة المخابرات للتحقيق معهم، وزج الأبرياء في السجون، وفرض الإقامة الجبرية، وحرمان الكثير من أبناء فلسطين من الخدمات في المجالات المختلفة، سواء منهم العمال أو المتخرجون من الجامعات وغيرها .

وحرمان فلسطين كذلك من الخدمات الاجتماعية، هذه هي بعض ممارسات اليهود داخل الأرض المحتلة، مما أدى ذلك إلى نمو الحقد والكراهية عند أبناء فلسطين لهذا المستعمر البغيض، وإلى تلاحم أبناء فلسطين فيما بينهم، وإلى شعورهم بالخطر من استمرار هذا الوضع، بعد أن طال انتظارهم لمد يد العون من إخوانهم العرب والمسلمين، الذين ظل موقفهم محصوراً في مجرد الاستنكار والشجب .

عرف الفلسطينيون داخل الأرض المحتلة أن القرار بأيديهم إذا صدقوا الله عز وجل وأن اليهود لا يؤمنون بأسلوب الحوار، ولا يعرفون السلم والمسالمة ولا يرحمون الضعفاء، وأن المواجهة للدفاع عن الحق المغتصب بالإمكانيات المتاحة ، هو السبيل للخلاص من هذا المستعمر.

عرف الفلسطينيون، إن الاستمرار تحت رحمة اليهود سيولد روح الذل والانهزام في النفوس، وأنه لابد من إحياء الأمل، وإيقاظ الهمم، وإشعال الإيمان في النفوس، فهذه السبيل هي الطريق إلى تحطيم الشبح اليهودي الذي أرعب كثيراً من النفوس وهذا الجهاد المبارك أيضاً عرف اليهود أن اليأس لم يدب إلى النفوس، وإن المعركة قادمة مهما طال الزمن، ومهما قويت المؤامرة، ومهما تكالب الأعداء على المستضعفين ومهما تنكر القريب والصديق.

إن الطفل الفلسطيني اليوم يحتقر المخاطر، ولا يهاب الموت، ويتعلم كيف يواجه الصعاب، وكيف يقاتل العدو، ويستهين بقوى اليهود ويكره الحياة الذليلة والخنوع والاستسلام، ويعلم المتربعين على العروش، والقابعين في البيوت طريق العزة والشرف والكرام، ويكشف عن هوية المزايدين بالقضية الفلسطينية ويبني من نفسه شخصية مؤمنة مجاهدة لا تعرف الاستكانة.

لم ينتظر الطفل الفلسطيني إشارة أحد من خارج فلسطين، ولكنه أقدم على الجهاد واثقاً بربه سبحانه، معتزاً بنفسه، ليؤكد بذلك هويته الإسلامية، التي لم يمسخها مكر اليهود، وليحطم غطرسة اليهود وعنجهيتهم، وليبث في نفوسهم الرعب والخوف والهزيمة النفسية.

إن الشباب الفلسطيني اليوم يقوم بكل ما يقدر عليه في مواجهة العدو ومقاومته من : المصادمات مع العدو، وإذكاء مشاعر الناس وتحميسهم لخوض المعركة سواء على المنابر أو المآذن، أو فيما ينشرونه من المنشورات ، كما يقومون بتوزيع الغذاء والدواء، وغير ذلك من الوسائل التي يمارسونها في ميدان الجهاد.

أما العدو ، فإنه الآن يرى نفسه في معركة مع هذه الشبيبة ، ومع كل الفلسطينيين من الداخل، لذلك فهو يقدم على استخدام أبشع الوسائل في التنكيل بأبناء فلسطين مثل:

كسر الأيدي والأرجل، واستخدام الذخيرة الحية، والذخيرة المطاطية، ومداهمته البيوت ليلاً، وحضر التجول، والضرب المبرح بالعصي، وتفريق المظاهرات بالغازات المسيلة للدموع، والغازات الخانقة، واختطاف الأطفال، ومهاجمة القرى والمخيمات والطرد من فلسطين،والاعتقالات.. إلى غير ذلك من الوسائل اللا إنسانية.

والإسلام يفرض على كل مسلم أن يعتبر نفسه في مرحلة جهاد لمناصرة إخوانه في فلسطين وفي أفغانستان التي مر عليها أكثر من ثماني سنوات، وهم يواجهون حرباً شرسة مع عدو لا يرحم، يبيد الأخضر واليابس، وقد سمعنا في هذه الأيام حادثة (أرمينيا) إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي هزها زلزال عنيف أدى إلى قتل نحو 50 ألفاً.

من مكائد اليهود:

1 ـ قتل عمر على يد أبي لؤلؤة المجوسي.

2 ـ فتنة عبد الله بن سبأ التي أدت إلى قتل عثمان، ثم تمزيق المسلمين، والإيقاع بينهم، ثم استمراره في الإضلال بنشره بين الغوغائية أن علياً عليه السلام نبي، ثم إنه إله ، ثم إنه رفع بعد قتله .

3 ـ ضلالات وكيد ميمون القداح اليهودي في الكوفة ظهر في سنة 276 للهجرة، وهو مؤسس الباطنية .

 

مكائد اليهود على الخلافة العثمانية:

1 ـ تأسيس محفل ماسوني باسم (محفل الشرق العثماني) في أواخر الدولة العثمانية.

2 ـ تأسيس المحفل في مدينة (سالونيك) في أحضان يهود الدونمة .

3 ـ كان كمال أتاتورك ركناً من أركان (جمعية الاتحاد والترقي) وهي الجمعية التي حملت فيما بعد رسالة العلمانية، وإدخال المذاهب الإلحادية إلى تركيا المسلمة .

ـ وفي غمرة الأوضاع المتردية التي أحدثها بأساليب الكيد يهود الدونمة بمساعدة الماسونية في دولة الخلافة العثمانية ومن ناصرهم وآزرهم، قرر اليهود أن يتقدموا بإغراء مالي كبير إلى السلطان عبد الحميد مقابل السماح لليهود ببعض الامتيازات في فلسطين، فأوفدوا يهودياً ثرياً مأسونياً (قره صو) ، وكان مقدار المبلغ الذي تقدموا به خمسة ملايين ليرة ذهبية لخزينة الدولة هدية ، ومائة مليون قرضاً لخزينة الدولة لمدة مائة سنة بدون فائدة، فرده عبد الحميد رداً قاسياً ولم يقبل هذا العرض ولم ييأس اليهود من عبد الحميد فقد كرروا العرض والتفاوض عن طريق (هرتزل) زعيم الصهيونية الحديثة عام 1897م .

وكان العرض الأخير الذي تقدم به الصهيوني ما يأتي:

1-  إنشاء أسطول بحري عثماني.

2-  دعم سياسة العثمانيين في العالم الخارجي.

3-  مساعدة السلطان في تحسين أوضاع مملكته المالية، وقد كانت الأوضاع المالية حرجة.

4-  إنشاء جامعة عثمانية في القدس تغني عن إيفاد الطلاب المسلمين إلى أوروبا.

وقد كان آخر رد قاله السلطان عبد الحميد في غضب شديد على هؤلاء الصهاينة:

(إن أراضي الوطن لا تباع، إن البلاد التي امتلكت بالدماء لا تباع إلا بالثمن نفسه).

وفي سبيل تقويض الخلافة الإسلامية دفع اليهود الأموال التي رفضها عبد الحميد للمتآمرين والخائنين، وقامت جمعية (الاتحاد والترقي) مع الماسونية واليهود بمؤتمراتها التي انتهت بخلع السلطان، ثم بإلغاء الخلافة، ثم إعلان العلمانية من أجل خدمة اليهود وتحقيق أهدافهم العالمية.

وما الأوضاع المؤسفة القائمة اليوم إلا امتداد لهذه المؤامرة النكدة على الدولة الإسلامية.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
تعاون الصهيونية مع الشيوعية والمأسونية
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

تعاون الصهيونية مع الشيوعية والمأسونية

 

جاء في بروتوكولات حكماء صهيون:(3)ط4, بيروت ص116 النص الآتي:

إننا نقصد أن نظهر كما لو كنا المحررين للعمال، جئنا لنحررهم من هذا الظلم، حينما ننصحهم بأن يلتحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين، والفوضويين والشيوعيين ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها، متظاهرين بأننا نساعد العمال طبقاً لمبدأ الأخوة والمصلحة العامة للإنسانية وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية).

 

الخلافات السائدة بين المسلمين والتي يستغلها اليهود:

جاء في البروتوكول (5) ص122:

لقد بذرنا الخلاف بين كل واحد وغيره في جميع أغراض الأميين الشخصية والقومية، بنشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرناً.

ومن هذا كله تتقرر حقيقة هي أن كل حكومة منفردة لن تجد لها سنداً من جاراتها حين تدعوها إلى مساعدتها ضدنا لأن كل واحد منها ستظن أن أي عمل ضدنا هو نكبة على كيانها الذاتي).

 

التحدي الحضاري الغربي والشرقي

شخصية الإسلام المتميزة

لابد من التفريق بين العلوم الذاتية ( وهي التي تنبع من ذات الأمة وخصائصها وعقيدتها..) والعلوم الإنسانية ( وهي التي تعطي ثمرة، ونتيجة لكل قائم بها دون تفريق بين مسلم وكافر..) مثل الطب.

لابد من التفريق بين ما هو نافع من العلوم الإنسانية والمخترعات والصناعات وبين ما هو مرض نتج عن انحراف، ووباء، وتفسخ وامتزاج بالحضارة المادية حتى ظنه الأغبياء لأول وهلة أنه حضارة وهو في الحقيقة احتضار.

ـ الحصانة بالإيمان القوى، والمعرفة المستوعبة الواعية، والفكر الناصع: ذلك هو الضمان القوي لإبعاد الشباب عن الانجراف وراء الانحراف في حضارة الغرب والشرق.

فالغرب الذي يسبح في غمرة من التمدن والترف يعاني من القلق والضيعة والتمزق النفسي بسبب الحرمان من العقيدة السليمة، وفقدان الثقة بالكنيسة والصراع في سبيل المساواة بين الجنسين، وانعدام روابط المجتمع والأسرة الواحدة، والانطلاق في الشهوة بدون حدود، فالمجتمع الغربي ملك وسيلة اللذة الجسمية، وفقد مقومات الإنسان الروحية في الدنيا والآخرة.

ـ إن الإسلام وحده، بشخصيته المتميزة هو الذي حفظ المسلمين الهنود أن ينصهروا أو يذوبوا في المجتمع الهندي الذي يختلف معه في عقيدته بالرغم من أن عدده أضعاف أضعاف المسلمين.

ـ والإسلام وحده بشخصيته المتميزة هو الذي حمل  المسلمين على مقاومة الاستعمار في الجزائر وليبيا وسوريا والمغرب والعراق وغيرها، فقد كان يحس أبناء هذه الأقطار بخطورة الاستعمار على دينه وعقيدته وحضارته، ووجدت الأمة حينها دعاة إصلاح أيقظوا فيها جذوة الإيمان.

ـ إن الإسلام اليوم كذلك –وهو دين الله الخالد- ما تزال جذوره مكينة، وما تزال شجرة الإيمان به تؤتي ثمرتها، وسيظل العامل الوحيد في حماية هذه الأمة، من الضعف والخور والذوبان، والقعود عن حماية الحق والدعوة إلى الخير، وسيظل شباب هذه الأمة درعها الواقي ما داموا متمسكين بالعقدية الصحيحة، متزودين بالعلم النافع، مستنيرين بالبصيرة النيرة، مدركين لكيد الأعداء ومكرهم وما يراد بهم، وما داموا معتزين بدينهم معتصمين به.

ـ إن من أعظم الأساليب التي اتخذها أعداء الإسلام لمواجهة المسلمين وهزيمتهم ومسخ شخصيتهم وإضعافهم، وجعل عقيدتهم هشة هزيلة، وتفكك روابطهم:

هو ما قاموا به من تخطيط ماكر لغزو المسلمين فكرياً حيث يتحقق لهم بذلك ما يريدون، فقد كفوا أيديهم عن قتال المسلمين واتجهوا إلى هذه الأساليب البالغة الخطورة وهي التي نشاهدها اليوم في سوق الأمة المسلمة إلى حيث لا تدري، فقد استطاع العدو أن ينفذ بنفسه أو بمن يسير في ركابه من المخدوعين والمستغربين والمتنكرين لدينهم وعقيدتهم، استطاعوا أن ينفذوا بذلك إلى مصادر التوجيه والتعليم، حتى يتم لهم غرس ما يريدونه من أفكار دخيلة، ومبادئ مستوردة وإبعاد عن الدين، وعن فضيلة الخلق الإسلامي، وأن يشغلوه في حيرة الشك والشبهة، وهذه الأمور نرجوا أن يكون الشباب في غاية الوعي والإدراك لها وأن يحصن نفسه وعقيدته من السقوط في هذه الحمأة، حتى يكون أهلاً لتحقيق ما يراد منه، ولا داء رسالته كمسلم واع قوي الإيمان، وحتى لا يصبح لعبة في أيدي الأعداء الذين خدعوا كثيراً من الشباب واستهووهم بزيف شعاراتهم المضللة.

إن الشباب المسلم حينما يسأل عن الطريق الصحيح الذي يوصل إلى مرضاة الله سبحانه، فإنما ذلك دليل على الرغبة الصادقة في سلوك طريق الخير والسعادة عندما يرى كثرة الطرق القائمة اليوم، وتشعب الدعوات المتباينة .

ولا ريب في أن طريق الحق واحدة، وأن ما عداها طرق ضلال على رأس كل منها شيطان كما جاء في الحديث الشريف على صاحبه وآله الصلاة والسلام، وطريق السعادة هي الطريق التي تنير بهديها السالك حتى يصل إلى شاطئ الأمان.

ـ ومفتاح الخير أمام شبابنا أن يعرف ما هي مهمته في هذه الحياة؟ ولماذا خلق؟ وما هي الأمانة والمسئولية التي أنيطت به، وما الذي يترتب على القيام بالمسئولية أو إهمالها من جزاء في الدنيا والآخرة.

ـ إن على شبابنا أن يؤمن بأن دين الله عز وجل هو الدين الحق، وأنه طريق الهداية للإنسان وأن ينطلق في حياته مهتدياً بهذا الدين، لا بحكم هوى، ولا يسير وراء دعوة تتناقض في قليل أو كثير مع مبادئ هذا الدين وأن يكون في مجتمعه الإسلامي عضواً نافعاً يشع بالخير لأمته، ويسعى جاهداً لتحقيق كل مصلحة يقدر عليها من أجل إسعاد المسلمين وهدايتهم ودعوتهم إلى الخير، وأن يقيم شخصيته على التوازن الكامل فلا يطغى فيه جانب على جانب، أن يسعى إلى بناء شخصيته الإسلامية جسماً وعلماً وفكراً وعقيدةً وخلقاً، وأن يقف عند حدود الله عز وجل ويقيم دينه وشرعه.

وأن يحكم شريعة الله في كل قضاياه مع كمال الخضوع والاستسلام والرضا، وأن يكون شديد العزوف عن كل ما فيه سخط الله سبحانه وإن كان فيه تفويت مصلحة على نفسه وأن يسارع إلى مرضاة الله عز وجل مهما كانت مشقة الأمر وكلفته ففي ذلك سعادة كبيرة في الدنيا والآخرة.

ـ وعلى الشباب أن يكون شديد اليقظة لكل ما هو وافد غريب على عقيدتهم ومجتمعهم وتاريخهم وقيمهم وفكرهم، فالأمة الإسلامية لها خصائصها التي تتميز بها في دينها وتاريخها وحضارتها وأسلوب حياتها، ولها أسلوبها الخاص في معالجة مشكلاتها ومن الغباء المنتهي أن نستجلب أساليب أعدائنا في حل المشكلات، وقد فشلت في إيجاد الطمأنينة والسكينة في مجتمعاتهم لأنها من صنع أيديهم القاصرة، ومن تفكير عقولهم التي لا تثبت على رأي؛ فكيف يمكن أن تكون حلاً لنا نحن المسلمين؟ إن أساليب الغرب وأنماط حياته إذا ما نقلت إلى بيئتنا فإنما يراد تقويض بنيانها، وتدمير أمتنا التي تتمثل في شبابها، ثم تصبح الأمة بعد ذلك في حالة خنوع واستسلام لعدوها.

إن على الشباب أن يكونوا على معرفة تامة لكل أساليب الأعداء سواء ما كتب منها في:

(بروتوكولات حكما صهيون)، أو (الغارة على العالم الإسلامي) أو (الاستشراق والمستشرقون) أو (التبشير والاستعمار) أو نحوها من أساليب الكيد المكثفة، برجالها ومالها، وتفكيرها، وتسخيرها بعض أبناء المسلمين ومؤتمراتها وهيئاتها، ومؤسساتها ونواديها، ومناهجها وإعلامها وشعاراتها.

ـ أما الفتاة المسلمة فإن عليها مسئولية، فهي تحمل رسالة عظيمة، فالمرأة مصدر خير عظيم، أو خطر جسيم، فهي إن أدركت واجبها ومهمتها في هذه الحياة المهمة التي تتفق مع بنيتها وطبيعتها وفطرتها، وما أعدت له، وقامت بهذا الواجب الذي رسمه لها دينها العظيم، ساهمت مساهمة كبيرة في إسعاد المجتمع، والمحافظة على توازنه وترابطه والحفاظ عليه من التمزق والانهيار، والتدمير، وإذا ما تعلمت الفتاة المسلمة فإن الفرض في حقها أن يزيدها العلم تواضعاً وحشمة واستقامة، ومعرفة لواجبها الذي لا يمكن أن يقوم به غيرها من بناء الأسرة المسلمة داخل بيتها وإيجاد البيت المسلم المثالي، وتربية الرجال بالإيمان القوي والخلق المتين وذلك أعظم خدمة تقدمها المرأة لمجتمعها ودينها وأمتها.

أما إذا انحرفت المرأة عن هذا الواجب وتنكبت الطريق، وتنكرت لهدى الله عز وجل، وأصبحت لعبة في أيدي السفهاء وكرة في أقدام الشهوانيين، يتخذون منها وسيلة للفتنة، وتعطيل المجتمع من منابع الخير، ويسعون – بتضليلهم لها- إلىإشقائها وضياعها، وإلى انفراط حبل الأسرة بتعطيل البيت والفرار من القيام بالواجب فيه، فإن المرأة بذلك تصبح أداة هدم وشقاء، ومصدر خطير جسيم على نفسها وعلى الشباب وعلى المجتمع، وعلى مستقبل الأمة من حيث لا تدري.

إن على الفتاة المسلمة الحريصة على نفسها وعقيدتها وأمتها أن تختار الزوج الصالح وأن تحسن الاختيار، وأن لا يكون اختيارها على أساس نزوة الشهوة، أو العاطفة، أو النظرة العابرة، بل على الدقة والتمحيص والمشورة لأهل الخير والصالحين من أهلها، حتى تضمن لنفسها عيشاً كريماً في ظل رجل صالح يقودها إلى الخير ويحميها من الشرور العادية عليها.

مبررات البعث الإسلامي من جديد:

1-  الإلحاد المنظم.

2-  الأحزاب الكافرة المنتشرة والبارزة في المجتمعات تحت رعاية الحكومات.

3-  التضليل للشعوب من قبل الحكام، ومحاولة طمس الحقائق، وتغيير وجه الحق ومحاولة الإقناع بما هو باطل أنه حق.

4-  الكبت على الشعوب وإبعادها عن ممارسة حقها في الكلمة الصادقة والوقوف في وجه الباطل، وإحياء الفضائل.

5- تعذيب المؤمنين الصادقين من الدعاة إلى الله والمصلحين الذين يحاولون أن يأخذوا بأيدي الحاكم والمحكوم إلى الجادة، والذين يحاربون الغزو الإلحادي والفكري والعسكري والاقتصادي.

6- رفع الشعارات البراقة لمخادعة الأمة، ووضع بدائل من الوسائل التي تغرق الأمة في اللهو واللعب: الكرة، الأغنية، التمثيلية الساقطة، ومحاولة نشر وسائل الفساد وتسخير بعض إمكانيات الأمة في خدمة الحكام عن طريق طمس معالم العقيدة والأخلاق ودعوة المرأة إلى التبرج والخروج من منزلها بدون مبرر والاختلاط المزري، والدعوة كذلك إلى الاستغراب بالتنكر لتقاليد البيئة الإسلامية عن طريق الرمي بالرجعية والتخلف والكهنوت وغير ذلك.

 

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
سنة الابتلاء
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

سنة الابتلاء

 

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [ الملك:1ـ2].

إن الابتلاء سنة ثابتة في حياة البشر لا يستطيعون الخروج منها، وللابتلاء صور ومظاهر وقوانين وسنن تفصيلية لسنة الابتلاء الأصلية والأساسية ومن تلك السنن :

سنة التداول: بمعنى أن الله تعالى يداول أحوال الناس من شدة إلى رخاء ومن رخاء إلى شدة ، ومن نصر إلى هزيمة ، ومن هزيمة إلى نصر، ومن يسر إلى عسر، ومن عسر إلى يسر إلى غير ذلك من مظاهر تقلبات الأحوال وتغيير المواقف وتداول المواقع، حتى تظهر بذلك مواقف الناس، وتنكشف بواطن ما في صدورهم وفي هذه السنة يقول الله عز وجل ﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [ آل عمران: 140].

وإن كانت هذه الآية الكريمة نزلت في أعقاب غزوة أحد، ليتبين للمؤمنين سنة الله عز وجل في النصر والهزيمة، وإن كانت العاقبة والمحصلة النهائية للمؤمنين ، والنصر موعود لهم، ولكن هناك حكمة تقتضي أن يذوق المؤمنون طعم الهزيمة.

ومداولة الأحوال لا يقتصر على تعاقب النصر والهزيمة فإن اختلاف الأحوال لا يقتصر على تعاقب النصر والهزيمة فإن اختلاف الأحوال والظروف التي يمر بها الإنسان تدخل في إطار هذه السنة، ولهذا قال بعض المفسرين أن معنى نداولها بين الناس: من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر إلى غير ذلك.

ثم إن وعد الله للمؤمنين بالنصر لا يعني أن الأمر سيجري وفق أهوائهم وأن الثمرة ستأتي على ما يشتهون، كلا. بل إن حكمة الله تقتضي بأن تتربى النفوس المؤمنة على تحمل نتائج الأخطاء، وأن تتعلم بأن المعصية تبعدهم عن رحمة الله وتوفيقه وعونه، فليس من الصدفة أو المجازفة ما يحصل في حياة البشر من تغييرات في أحوالهم، فإن وراء ذلك إرادة ومشيئة إلهية ذات حكمة بالغة على الإنسان أن يعرفها ويفقهها.

ومن سنن الابتلاء سنة التدافع بين الحق والباطل فإن الله أراد لهذه الحياة أن تكون مسرحاً للصراع بين أنصار الحق والباطل، بين قوى الخير وقوى الشر، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء:35]وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً[الفرقان: 20]. فالتدافع بين أهل الحق وأهل الباطل سنة حتمية لا بد منها، فلا يتصور أن يعيش الحق والباطل في سلم دون صراع ومن دون غلبة أحدهما على الآخر، إلا لعلة كضعف أصحابهما أو جهلهما بمعاني الحق والباطل ومقتضيات ولوازم هذه المعاني أو ضعف تأثير هذه المعاني فيهم، ولقد ضرب الله مثلاً لهذه الحقيقة حقيقة الحق الثابت والباطل الزاهق في قوله سبحانه: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [ الرعد:17].

ذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكنه زبد أو خبث، ما يلبث أن ينتهي ويذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحق هادئاً ساكناً، وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء الزلال والمعدن الصافي ينفع الناس (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) لقد مضت سنة الله في تدافع الحق والباطل أن الغلبة للحق وأهله، وأن الاندحار والمحق للباطل وأهله كما قال تعالى﴿ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [ الشورى: من الآية24] غير أن للنصر عوامل وأسباباً، وانتصار الله للحق وأهله لا يأتي إلا بجهد وتعب، وقد يصيب المؤمنين كثير من الأذى. والنصر إنما يتحقق في واقع الناس إذا هيأ الله في أنفسهم عوامل النصر التي أرشد إليها الإسلام وأمر بها الله ورسوله وأبعدوا عن أنفسهم عوامل الفشل ومعوقات النصر.

ومن أهم عوامل النصر: الإيمان، فقد وعد الله أهل الإيمان بالنصر والتأييد كما قال ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم: 47].

وقال : ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[غافر:51].

وهذا وعد غير مكذوب.. ولا ينبغي أن يتطرق إلينا الشك بوعد الله ونحن نرى واقع المسلمين المؤلم غير منصورين عليهم، ذلك أنهم لم يحققوا الإيمان المطلوب منهم وما يستلزمه من صفات وأفعال غير متحققة فيهم، وبالتالي لا ينطبق عليهم الشرط ولا يستحقون نصر الله الذي وعد به المؤمنين، وما أحرى المسلمين اليوم وهم يمرون بظروف صعبة وحرجة أن يراجعوا أنفسهم ويعرضوا أحولهم وأفعالهم وما هم عليه على كتاب الله وسنة رسوله ليعرفوا الخلل الذي هم فيه، والنقص الموجود فيهم، فيقوموا بالتصحيح والتقويم وتدارك ما فاتهم وتحقيق معاني الإيمان في نفوسهم حتى يستحقوا الدخول في مضمون قول الله تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ الروم: 47].

ـ من عوامل النصر تقوى الله تعالى كما قال تعالى مخبراً عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال لقومه المستضعفين المضطهدين من قبل فرعون وجنده: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف:128], وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[ آل عمران: 120].

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى سعد بن أبي وقاص وجنده في حرب العراق وفتوحات فارس قال: فإني آمرك ومن معك من أجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد أحتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا، فرب قوم قد سلط عليهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألون النصر على عدوكم اسأل الله ذلك لنا ولكم.

ومن عوامل نصر الله لعباده كونهم ينصرون دين الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [ محمد:7] وقال ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج: 40]

والمراد نصرة دين الله وشريعته، ونصرة حزبه وأوليائه ولا شك أن انضمام جهود المؤمنين بعضهم إلى بعض لإقامة شرع الله وإعلاء كلمته، بالتعاون والتناصر فيما بينهم على هذا المقصد العظيم، تتحقق منهم النصرة لدين الله وبهذا يتحقق فيهم ما شرط الله عليهم لينالوا ما وعدهم الله به من نصرة، وكلما كانوا أكثر تعاوناً وولاءً وأصدق جهاداً في سبيل نصرة دين الله كان نصر الله أعظم وأكبر وأسرع إليهم مما يتصورون ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[ المائدة:55ـ56].

أما بعد ..

فإن وحدة الأمة واعتصامها بدينها وابتعادها عن عوامل الفرقة والاختلاف، والتنازع والصراع من أهم أسباب قوتها وانتصارها على أعدائها، وهذا ما أمر الله به عباده وأوصاهم به وحذرهم من الفرقة والتنازع غاية التحذير فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران: 103] , وقال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [ الأنفال: 46] وقال: ﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ الروم: 31ـ32].

وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [ الأنعام:159].

وقال: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ[ الشورى:13].

وما استطاع الأعداء ولن يستطيعوا أن يتسلطوا علينا إلا حين نسقط في هذه الفتن فتن الاختلاف والتنازع والخصام والاقتتال والتدابر والتقاطع، لقد اختلفنا حول كل شيء فالدين الذي أكرمنا الله به وأعزنا وشرفنا بأن نكون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم اختلفنا حوله فهناك من يريد هدمه وإزالته والإجهاز عليه من أبناء جلدتنا، ولم يعد الأمر سراً بل هناك من يطالب جهاراً نهاراً بذلك وهذه هي الحالقة والكارثة.

لقد اختلفنا في المفاهيم والتصورات وفي الآداب والأخلاق وفي السياسات والمنطلقات والغايات.

والأعداء المتربصون بالأمة يغذون هذه الاختلافات، ثم يتحينون الفرصة للانقضاض علينا، ولقد أصبحت هذه السياسة من أقوى وأشد الأسلحة فتكاً بالأمة يستخدمها الأعداء في حربنا، وانظروا إلى ما يجري في العراق على سبيل المثال، وانظروا إلى ما يجري في السودان وكيف يبحث الأعداء عن مبررات للتدخل والسيطرة والتحكم في مقدرات الأمة ونهب ثرواتها. وما كان لهم أن يحققوا شيئاً من ذلك ولن يستطيعوا ما كانت الأمة قوية متماسكة متعاونة موحدة في أهدافها ومنطلقاتها معتصمة بكتاب الله متبعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وإن أخشى ما أخشاه والعدو متربص بنا على أن يستغل الأحداث الجارية في بلادنا وتغذية الفرقة وإيقاد الفتنة لتضعف بذلك الأمة وتكون مهيأة للقبول بالأجنبي ولديها القابلية للسقوط في هذا الفخ، فعلى عقلاء الأمة ومسئوليها أن يكونوا مدركين للأمور على حقيقتها وأن يتعاملوا مع الأحداث تعاملاً واعياً مسئولاً، بعيداً عن الرعونة والطيش والاستخفاف.

نسأل الله تعالى أن يدفع عن بلادنا وسائر بلاد المسلمين مضلات الفتن، وأن يعصمنا بالإسلام قائمين وقاعدين، وأن لا يشمت بنا الأعداء الحاقدين.

تخريج :علي عمر بلعجم.

عبد الحميد أحمد مرشد

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
طبيعة الكفار في عداوتهم ومحاربتهم للمؤمنين
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

طبيعة الكفار في عداوتهم ومحاربتهم للمؤمنين

 

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118].

قال تعالى: ﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ[ التوبة:13].

وقال تعالى: ﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ[ الممتحنة:2].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[ الممتحنة:9].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال :30].

وقال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [النساء:89].

وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[ البقرة:217].

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مبادئ الحكم التي سار عليها نظام الحكم
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

مبادئ الحكم التي سار عليها نظام الحكم

في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده

 

1-   سيادة القانون الإلهي: يعني خضوع الناس جميعاً لحكم الله تعالى، فلا حكم إلا لله.

2-   العدل بين الناس: فهم متساوون في جميع أحكام الشرع من حيث : إقامة الحدود ، والفرائض ، والحلال والحرام.

3-   المساواة بين المسلمين:لا فضل لعنصر، أو لون أو لغة على آخر، وتفاضلهم عند الله بالتقوى .

4-   مسئولية الحكومة: وضع الرجل المناسب في المكان المناسب حفظاً للأمانات من السلطة والمال الذين هما لله.

5-   الشورى: والتشاور يكون بين أهل الحل والعقد من أهل العلم والرأي سواء في تولية الحكم أو غيرها .

6-   الطاعة في المعروف: أي أن أمر الحكومة واجب الطاعة ما دام في حدود المعروف، أما المنكر فلا .

7-   طلب السلطة ممنوع: أي أنه لا يجوز لأي مسلم أن يطلب السلطة سواء أكانت الخلافة أو ما دونها للأدلة .

8-   هدف وجود الدولة: إقامة نظام الحياة الإسلامي : ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ  [الحج:41 ]

9-   الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أي أن يكون ذلك حقاً لكل فرد يمارسه في المجتمع لنشر الخير والدعوة إليه ومحاربة المنكر هذا النمط من الحكم هو الذي عرف عند المسلمين (بالخلافة الراشدة) ومعنى ذلك أنه لا يحق إطلاق مثل هذا الوصف على أي نوع من الحكم إلا إذا قام على هذه المبادئ، وإنه عندما ينحرف عنها ، فإنه لا يستحق هذه التسمية .

 

خصائص الخلافة الراشدة :

1-  خلافة انتخابية، ليست بالوراثة ولا بالقسر ولكن بالشورى .

2-  حكومة شورى ، يشاور الحاكم أهل الشورى فيما طرأ عليه إن لم يجد له نصاً من كتاب أو سنة .

3-  أمانة بيت المال، هو أن يأخذ الحاكم المال بوجهٍ شرعي، ثم لا يضعه إلا في حقه، فهو أمانة لله ولخلقه.

4-  توضيح صورة الحكومة للناس عامة، أي بيان الهدف من قيام الحكومة ، وواجب الحاكم والوالي في الإسلام حتى لا يظلم أحد .

5-  سيادة القانون، يستوي الحاكم وأدنى رجل في رعيته أمام القانون ، فلا محاباة، ولا مجاملة أمام القضاء .

6-  حكومة بلا عصبية ، أي العمل على إذابة العصبية الجنسية والقومية والقبلية ونحوها ، والسلوك مسلك أبي بكر وعمر حيث لم يؤثر أحد من الخليفتين أحداً من أقاربه على غيرهم، كما لم يسلطا أقاربهما على رقاب الناس.

7-  روح الديمقراطية: إعطاء الحرية الكاملة للنقد وإبداء الرأي، ومعاشرة، الخلفاء للناس في مناسبات عديدة دون تميز ولا احتجاب .

أ ـ الحاكم يطلب من الرعية التقويم عند الخطأ، والعون عند الإصابة .

ب ـ الحاكم لا يحابي أحداً لشرفه أو جاهه في الحق .

ج ـ الطاعة في المعروف دون المعصية .

د ـ لا يحق للحاكم أخذ أموال الناس بدون حق ، وأن يصرف ما يأخذه بحقه في حقه.

هـ- وصية الحاكم للوالي بتقوى الله ومراقبته ، وأن يكون بالناس رحيماً ، وأن يقبل منهم الظاهر ويكل السرائر إلى الله سبحانه .

و ـ تحذير الحاكم للوالي من ظلم الناس، وأنَّ مهمته إقامة الصلاة بالناس، والقضاء بينهم بالحق، والقسم بينهم بالعدل .

ز ـ التحذير من الاحتجاب عن الناس.

ح ـ دعوة الرعية للاستفادة من العمال والولاة إن كانوا ظلموا أحداً منهم .


من خصائص الدولة الإسلامية الراشدة :

1-  أن تأسيسها كان بعهد واعٍ من شعب حر، على أن يكون الوالي خليفة تحت سلطة الله العليا ، وأن يعمل طبق القوانين والأحكام التي أقرها الله في كتابه وأرسل بها رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

2-  أن تكون الحاكمية في هذه الدولة خالصة لله رب العالمين وحده .

3-  أن تتكون الحكومة برأي الشعب، دون أن يكون ذلك الرأي نابعاً من فراغ أو هوى بل مضبوط بضوابط الشرع، وفي إطار القانون الإلهي الذي عاهد كل مؤمن الخضوع له والانصياع ، وهي الضوابط والقوانين التي لا طاقة لهيئة مهما كانت أن تخرج عن نطاقها، إلا عند رفض الإيمان بالله وحلّ عقده، وهذا من الفوارق بين الشورى  والديمقراطية .

4-  وهي دولة لا يقوم بها ولا يديرها إلا من يؤمن بدساتيرها وقوانينها ويحترم مبادئها ونظرياتها الأساسية .

5-  وهي دولة ينصهر فيها كل أفراد الدولة، فهي لم تقم على أساس أسرة أو عصبية أو لون أو جنس، بل قامت على مبدأ هو الإسلام الذي لا يقرُّ فارقاً من تراب أو عرق أو لون ، ومن حق كل مسلم أن ينتمي إليها أينما كان إذا قبل بمبادئها واحترام نظامها.

6-  وهي دولة تتبع الأخلاق، وتسيّر الأمور على تقوى الله وخشيته ، والأولوية فيمن يستحق الحكم فيها لمن تفوق في الأخلاق والعلم والكفاءة الذهنية والبدنية، وكل شُعَب هذه الدولة تسير على الأمانة والعدل والصدق والمساواة.

7-  إن هذه الدولة ليست مهمتها قاصرة على رفع السوط في ظهور الناس وإرهابهم باسم حفظ النظام والاستقرار، بل دولة تستعمل كل وسائل السلم لاستئصال الشر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتنمية الخير والخلق والفضيلة .

8-  من الأهداف الأساسية لهذه الدولة الحرص على المساواة بين أفراد الأمة في الحقوق والمنازل والفرص،وعلى تنفيذ القانون وإمضائه، وعلى أن يتعاون الجميع على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان وعلى شعور الجميع بالمسئولية أمام الله سبحانه .

هذه الدولة يقوم نظامها على إيجاد التوازن بين الحاكم والمحكوم، إذ أن هذا النظام لا يعطي الدولة السلطان المطلق على الفرد، بحيث يصير الفرد وكأنه عبد، ولا يعطى العبد كذلك الحرية المطلقة لينطلق في المجتمع فيفسد الحياة على نفسه وعلى الآخرين وإنما لزم الدولة باتباع القانون الأعلى – حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم – والتزام الشورى، كما أعطى الفرد حقوقه الأساسية، ولم يجعل للسلطة يداً على الفرد بدون حق يدان به ، كما أوجب على الفرد طاعة الدولة في حدود المعروف و الشرع .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الجندي المسلم
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الجندي المسلم

 

1ـ الإيمان:قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الروم:47].

وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ  [غافر:51].

2ـ الإخلاص في الجهاد بحيث يبتغى به وجه الله تعالى:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد :7].

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً  [النساء :76].

3ـ الحذر من الأشر والبطر وشوائب البغي والظلم والعدوان والاستعلاء والحمية والعصبية، والرياء والسمعة:

قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[الأنفال :47].

"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء"(1). وفي رواية: "الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليحمد، ويقاتل ليغنم، ويقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(2).

 

4ـ التوكل على الله تعالى، والاعتماد عليه وحده، والاعتصام به:

قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159].

وقال تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ آل عمران :160].

5ـ التقوى والصبر:

قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [ آل عمران :120].

وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186].

وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[  آل عمران:200].

6ـ الاتجاه إلى الله تعالى واللجوء إليه، وبالأخص عند ملاقاة العدو طلباً للنصر والثبات والصبر:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ [الأنفال :45].

وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[البقرة:250].

وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 146 - 147].

7ـ الحذر من تسرب الضعف والوهن أو الاستسلام والاستكانة:

إذا نزل بهم بلاء على أيدي أعدائهم، فإن كل ما يصيبهم لهم به عند الله أجر، وإن قتلوا فشهداء؛ إذا صبروا واحتسبوا.

قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[آل عمران :139].

وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ آل عمران: 146- 147].

وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: 104].

وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35 ].

وقال تعالى﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[ التوبة:120].

وقال تعالى﴿ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[ آل: عمران:157].

8ـ الثبات عند ملاقاة العدو، وعدم الفرار من الزحف، والحذر من الخوف والجبن

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ  [الأنفال: 15].

وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ [الأنفال:45].

وقال تعالى:﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[  آل عمران:175].

وقال تعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة:56].

9ـ اليقظة الدائمة، وأخذ الحيطة والحذر من مكائد العدو وغدره، ومباغتاته ومكره، فذلك دليل الحزم

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً  [النساء:71].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً  [النساء:102].

10ـ الحذر من التنازع والاختلاف المؤدي إلى الشتات والتمزق الذي يجر إلى الضعف وذهاب الهيبة والقوة، وإعطاء العدو الفرصة للانقضاض.

كما يجب الحفاظ على جمع الكلمة، والتئام الصف، وهذا لا يتم إلا عند صفاء النفوس، والابتعاد عن ركوب الأهواء، والطاعة الكاملة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولولي الأمر في المعروف.

قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ الأنفال:46].

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  [النساء:59].

قال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[ الشورى:10 .

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ النور:51].

11ـ إعداد العدة المقدور عليها، وعدم التقصير أو التهاون في شأنها، لأنها من الأسباب المادية التي يجب مراعاتها شرعاً، ولأن الأخذ بالأسباب وعدم التواكل من الإيمان ولأن العدة الكافية من أسباب رهبة العدو منهم، وغلظتهم عليه، وقد شرع الله سبحانه القتال والقتال لا يتم إلا بوسائله المكافئة في كل عصر بحسبه.

قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ[ الأنفال:60].

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[التوبة:123].

وقال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ[ التوبة:14].

وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"(3).

وقال صلى الله عليه وسلم"من علم الرمي ثم تركه فليس منا – أو فقد عصى"(4).

فالجندية إذا تعني:

العقيدة الراسخة التي لا تتزعزع.

المعنويات العالية القائمة على التوكل على الله تعالى .

الاعتزاز بالدين.

الثقة بالنفس.

اليقين بأن ما يعتقده ويدافع عنه ويجاهد من أجله هو الحق.

اليقين بأن الله مع المؤمنين الصادقين، وأنهم به منصورون.

الضبط المتين الذي يثمر دقة المحاسبة والرقابة.

تلاحم الصف وكمال المحبة وعدم التنازع والاختلاف.

التدريب والتسليح الذي يتناسب مع الزمن.

التواضع لله والإخلاص لوجهه.

التزام الوفاء بالعهد والوعد.

الثبات والصبر ورباطة الجأش.

الإيمان بأن الآجال بيد الله تعالى.

التسليم لقضاء الله وقدره واستشعار الرضا والطمأنينة لحكمه.

الترفع عن حظوظ النفس وأهوائها والتجرد للحق الذي يعمل من أجله.

إحساس الجندي بالمسئولية كإحساس القائد.

مداومة تذكير النفس والصلة بالله تعالى واستمساكها بهدي الله تعالى

قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت:69 ].

 

إعداد العدة للجهاد:

قال تعالى ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ[الأنفال :59-60].

وقال صلى الله عليه وسلم: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"(5).

وقال صلى الله عليه وسلم : "إن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعه الخير، والرامي به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، كل لهو يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق"(6).

ومر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا"(7).

وقال صلى الله عليه وسلم: من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى"(8).

 

ما يصيب الناس من الفتنة والعذاب عند تركهم الجهاد:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة :38-39 ].

 

الإلزام بالجهاد ابتلاء من الله تعالى لعباده:

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ[محمد:4].

 

من فوائد الجهاد:

أ ـ حتى لا تكون فتنة (شرك).

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ[ البقرة : 193].

ب ـ بدون الجهاد ينتشر الفساد في الأرض بتغلب أهل الباطل والضلال.

قال تعالى بعد ذكره قتل داؤود عليه السلام لجالوت وانتصار قوم طالوت ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251].

وقال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:39 -40].

ج ـ إنقاذ المستضعفين الذين يعيشون تحت وطأة الظلم والطغيان والجبروت:

قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً [ النساء: 75].

د ـ النصر والظفر على الأعداء:

قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة : 14].

وقال تعالى: ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف: 13].

هـ ـ الفوز بالشهادة:

قال تعالى: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 140].

وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ آل عمران: 169].

 

التحذير من ترك الجهاد:

قال صلى الله عليه وسلم: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم، بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"(9).

وقال صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تدعى الأكلة إلى قصعتها.. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن.؟ قال: حب الدنيا، وكراهة الموت"(10).

تخريج :عبد الحميد أحمد مرشد.


(1)  مسلم 3/ 1512 ، حديث رقم: 1904

(2) سنن أبي داؤود 2/ 18 ، حديث رقم:2517 ، وصححه  الألباني.

(3) مسلم ج3 الإمارة 167 وأبو داؤود باب الرمي 24 برقم 2194 صحيح أبي داود للألباني.

(4) مسلم ج3 الإمارة 169 (أو قد عصى).

(5) سبق تخريجه .

(6) أبو داؤود 2/16،  وأورده الألباني في ضعيف أبي داؤود، 540، لكن قوله (كل ما يلهو..) صحيح إلا (فإنهن من الحق) – الصحيحة برقم 315، ضعيف بن ماجه: 227، 618-2811.

(7) البخاري ج6 مع الفتح كتاب الجهاد 78، باب التحريض على الرمي وقول الله عز وجل (60 الأنفال) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ..) والأنبياء 12.

(8) سبق تخريجه.

(9) أخرجه أبو داؤود  في البيوع 3462، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داؤود 2 /(2956) باب النهي عن العينة من حديث بن عمر.

(10) أخرجه أبواد داود 2/514 ، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، وصححه الألباني في صحيح أبو داود، ج3، برقم 3610، والمشكاة 5369، والصحيحة 956.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مناهج التعليم ودورها في البناء والهدم
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

مناهج التعليم ودورها في البناء والهدم

 

يقول الله تعالى: ﴿ َلقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ[آل عمران:164].

وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأعراف :52].

وقال أيضا: ً﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ[ المائدة: 15، 16].

 وقال عز وجل :﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً[الإسراء: 9].

ـ كان المسلمون يتلقون علوم الإسلام في سهولة ويسر، وكانت منابع الإسلام الأصيلة ما تزال محفوظة في أساليب بيانها وإيضاحها من الأساليب الدخيلة عليها، والتي لم تشب بأساليب اليونان، من الفلسفة، ولا بالجدل العقيم الذي كان أسلوب المتكلمين في الأعصرة المتأخرة.

ـ أهمية تلقي العلم في المساجد وبركة المساجد وما ينطوي عليه طلب العلم في المسجد من إخلاص النية، وحسن العلاقة بين العالم والمتعلم.

ـ إن الأعداء في صياغتهم للمواد العلمية البحتة لم يعرضوها عرضاً قاصراً على المادة نفسها، ولكنهم يدسون فيها ما لا علاقة لها به البتة.

فمثل: الكيمياء، والفيزياء، وغيرهما قد حشيت بأفكار إلحادية وطبيعة مادية، من تلك المذاهب التي عاصرت نشأة هذه العلوم والتي ألَّهت الطبيعة لذلك لابد للمسلمين من أن يعيدوا صياغة هذه العلوم على الشكل الذي يعطي الثمار المطلوبة منها فقد أصبحت دراستها من الأمور الضرورية –وفي نفس الوقت لا يكون لدراستها عواقب سيئة، من حيث سلامتها من الأفكار الدخيلة المدسوسة فيها.

ـ لقد نشأت العلوم الإنسانية: الفلسفة، والاجتماع، وغيرهما، وكذلك العلوم الكونية: كالفيزياء والكيمياء.. وغيرهما في أوروبا في الوقت الذي كانت تطغى فيه هذه المذاهب الإلحادية، فمزجت هذه الثقافة المختلفة، بهذه المذاهب الإلحادية، ثم نقلت إلى العالم الإسلامي كما هي، ولذلك ترى كثيراً من النظريات اليهودية والإلحادية تدرس في مدارس وجامعات البلاد الإسلامية كنظرية داروين، وفرويد، وديكارت، وغيرهم، ولذلك لابد من تحرير هذه العلوم مما علقبها لتصبح إسلامية خالصة.

فالأسس التي أقام عليها الأعداء مناهجهم مبنية على مفهومات وتصورات، تتناسب مع ما هم عليه من تصورات ومعتقدات، كلها مناهضة للإسلام، لأنها قائمة على رفض الدين، واستبداله بالوثنية، وتفسير كل شيء من حول الإنسان تفسيراً مادياً شهوانياً، فلماذا نسير نحن المسلمين وراءهم بالتقليد الأعمى، ونتعامى عن عقيدتنا وعن تصوراتنا ومفهوماتنا الخاصة بنا والمميزة لنا عن غيرنا من الأمم الكافرة، والمذاهب الأخرى المعادية للإسلام والتي عاصرت نشأة هذه العلوم، والتي تتمثل في:

أ‌- الطبيعة: (المذهب الطبيعي).

ب‌- المادة: (المادة الجدلية، والماركسية).

ت‌- العقل: (المذاهب العقلية).

ث‌- الغرائز: (الوجودية).

ج‌- القومية: (النزعة القومية المغالية التي تتخذ من القومية عقيدة...).

ـ إن الثقافة عندما تكون مقتبسة من بلاد تختلف عن عقائدنا، وأفكارنا وعاداتنا، ونظام حياتنا، فإنها سوف تنشيء في أبنائنا عقلية مشابهة للعقلية التي صيغت لها تلك الثقافة، وحينئذ لا قيمة لما يمارسه الطالب من بعض المظاهر الإسلامية أو الشعائر الدينية، التي يحرص البعض على المحافظة عليها، لأن الأساس الفكري ليس أساساً إسلامياً سليماً، ولا يولد تفكيراً ولا سلوكاً إسلامياً في الحياة الفردية ولا الاجتماعية.

ـ إن من الأساليب المتبعة اليوم والتي تؤدي إلى تخرج طوابير من الجهلة بالدين الإسلامي طرائق التدريس القائمة اليوم فهي لا تربط الطالب بمصطلحات أسلافنا، حتى يصبحوا قادرين على استيعاب التراث والاستفادة منه ونشره كما أن المناهج ليست من القوة بحيث تكون بديلاً عن تراث السلف وحينئذ يصبح الطالب في حالة من الجهل الذي لا يخوله الاستفادة من الماضي، ولا يخرج منها بالعلوم الكافية، وهذه ظاهرة خطيرة قد تؤدي بالأمة إلى الجهل المطبق وإلى ضياع العلوم الشرعية.

ومن هذه الأساليب: اختيار المدرس الذي يفقد القدرة على العطاء، والذي لا يؤمن بما أسند إليه من مواد إسلامية، والذي لا يعطي من نفسه القدوة الصالحة، بل يمسخ بأفكاره الضالة ما أسند إليه، أو يكون على حالة يحمل طلابه على السخرية والاستهزاء منه، وبالتالي احتقار المادة التي يقوم بتدريسها وعدم المبالاة أو الاهتمام بها.

ومن صور الإفساد في التعليم:

ـ تعمد إنجاح الطلاب في المواد الإسلامية، في الغالب تحت شعار "الدين يسر" والتشديد في المواد الأخرى، حتى يشعر الطالب بأنه لا حاجة لبذل الجهد في هذه المواد الإسلامية، وإن الأولى به أن يبذل جهده لما يتوقع الرسوب فيه، وبالتالي يصبح الطالب ضعيفاً في المواد الإسلامية لا يعرف منها إلا النزر القليل، متمكنا في غيرها من المواد الأخرى.

ـ وهناك من يطلق كلمة الازدواجية على من يتعلم الدين بكثافة.

إن الازدواجية إنما تتمثل في وجود مدارس دينية بحتة في مناهجها، وأخرى علمانية لا تعرف رائحة الدين، فتنشأ من خلالهما فئتان متباينتان في ثقافتهما وتفكيرهما وعقليتهما، وليس العيب في اتجاه من اتجه لدراسة الدين، فتلك هي القاعدة الأصلية في أمة تدين الدارسين لها بالعلوم الإسلامية.

 

سلبيات  من العصور المتأخرة:

لا ننسى أن نلفت النظر إلى ما وصلت إليه ثقافة المسلمين في العصور المتأخرة من التعقيد في الأسلوب، والتفريعات التي لا طائل تحتها في بعض العلوم، والانشغال بالمناظرات وأساليب الجدل العقيم، مما جعل العلوم يطغى عليها العقم والتعقيد بسبب إقبال كثير من العلماء على الانشغال بعلم الكلام، والفلسفة والتصوف، والمبالغة في التوسع المفرط في مجال الفقه الإسلامي، إضافة إلى ما حدث من اختلاف في المذاهب والآراء والمنازعة، وقد كانت الأصول الشرعية: الكتاب والسنة، تعرضان في العصور السابقة بأسلوب سهل ميسر، متناسب مع سنة الله سبحانه في التيسير﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ[القمر:17].

ـ إن الاعتكاف على نوع واحد من أنواع الثقافة الإسلامية الموروثة يخلف طوائف مثل: الفقهاء والصوفية والسلفية..

وكل طائفة تظن أنها هي الوحيدة التي تمثل الإسلام، وأن انتصارها هو انتصار للإسلام، والأصل أن كل هذه العلوم التي عكفت عليها كل طائفة تخدم الإسلام، وإنه لا صراع ولا تباين بين هذه العلوم إلا ما صادم منها نصاً شرعاً، أو قاعدة شرعية، والحكم في كل ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإسلام لا يقر الاختلاف والتنازع والصراع والتباين والتعصب الممقوت، وليس كل ما في الثقافة القديمة واجب الالتزام، كما أن عناصره ليست كلها إسلامية، وكذلك الثقافة الحديثة ليست كلها عدوة للإسلام مناهضة له، حتى يعتبر الخوض فيها إثماً، أو توضع موضع الخصومة، فالإسلام يدعو إلى كل علم نافع ولا يحجر على العقل البشري الخوض في أي علم ما دام أنه يراعي حق الله تعالى في خطواته وتفكيره ومناهجه ونتائجه وثمراته، وحينئذ فلا ازدواج في نظرة الإسلام ومنهجه ونظامه.

 

صور من أساليب معالجة الأوضاع القائمة للمناهج ونظم التعليم:

لا شك أن كل أمة ذات عقيدة تعتز بعقيدتها وتدافع عنها مع قطع النظر عن كونها عقيدة حق أو باطل من شأنها أن تجعل كل شيء في الحياة يخدم هذه العقيدة، وينميها، ويثبتها وذلك عن طريق التعليم ، أو الإعلام ، أو الاقتصاد أو السياسة، أو الاجتماع، أو الأدب ، أو علوم الكون ، أو المظاهر العامة أو القوانين ... أو غير ذلك .

-  وعقيدة كل أمة هي الصورة الحقيقية لحضارتها، وحضارة الأمة المسلمة تتمثل في عقيدتها الربانية ذات القيم الرفيعة ، والخلق السامي فليست الحضارة في بريق المادة، ولكنها في الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها ..

-    أن التعليم في الأمة المسلمة يقوم على أسس ثلاثة :

أ ـ المنهج الرباني .

ب ـ المدرس صاحب القدوة الحسنة والكفاءة العلمية .

ج ـ طرائق التأليف والتدريس الملائمة لكل مرحلة .

-  أنه يجب أن يراعي في تدريس مادة التاريخ، أن يكون تفسير الحوادث وتعليلها والحكم لها أو عليها قائماً أيضاً على النظرة الإسلامية وأن يُهتم بتدريس العالم الإسلامي، حتى يقوى الشعور بالانتماء إلى العالم الإسلامي ، ودراسة أحوال العالم الإسلامي ومشكلاته، وهذا من مقتضيات الأخوة الإيمانية ، والوحدة التي يدعو إليها الإسلام .

-  ويراعى في علوم الفلسفة والاجتماع وعلم النفس، النظرة القرآنية إلى   الإنسان والكون والوجود ، فتفسر الظواهر كلها تفسيراً إسلامياً، وحينئذ لابد من عرض المذاهب الفكرية الأخرى المصادقة للإسلام عرضاً نقدياً لتفنيدها وكشف عوراتها وسقوطها ووضعها في مكانها اللائق بها ، حتى لا يفتن بها الطالب، أو تلقي في روعه شيئاً من الشبهات والشكوك .

-  إننا نلاحظ كما قلنا أن كل أمة تبنت عقيدة معينة تخضع كل العلوم لخدمة عقيدتها، وتفسرها تفسيراً يتناسب مع عقيدتها، ولو بالتعسف والتحامل ، فالعلوم الكونية مثلاً تفسرها الشيوعية تفسيراً مادياً جدلياً ، والإسلام أولى أن تربطبه هذه العلوم ولذلك يجب أن تكون عند الأمة الإسلامية خادمة لعقيدتها الربانية فتجعل هذه العلوم مظهراً من مظاهر قدرة الله عز وجل وبديع صنعه وإحكامه، وتلك هي النظرة التي جاء بها القرآن الكريم المنزل من عند الله تعالى فعقيدة الإسلام هي التي تنسجم مع الكون كله، بينما العقائد الأخرى مبتورة الصلة به ، لأنها لا صلة لها بوحي الله سبحانه .

-  إن من الخطأ أن نترك العلوم الإنسانية الكونية على حالها، وأن نجعل العلوم الإسلامية مادة مضافة إليها منفصلة عنها ، حتى تصبح العلوم الإسلامية شيئاً، والعلوم الأخرى شيئاً مستقلاً منفصلاً عن الدين لا علاقة لها به ، حتى يولد ذلك عند الطالب نظرة خاصة إلى العلوم الإسلامية هي نظرة الاحتقار والازدراء، حين يرى الإسلام في جانب والعلوم الأخرى في جانب آخر .

يجب أن يُراعى في تدريس المواد الإسلامية : الكم والكيف :

أ ـ أما الكم ، فيجب أن تكون نسبة ما يدرس للطلاب بالكمية التي تتناسب مع أهدافنا في الارتقاء بطلابنا في الناحية الإسلامية: من حيث إبراز عقيدة الإسلام على حقيقتها في نفوس أبنائنا، والارتقاء بهم في المستوى العلمي، وتحصينهم من كل الدعوات الهدامة الواردة عليهم من كل صوب ، وتسليحهم بالعلم الذي يقدرون به على دفع كل شبهة .

ب ـ وأما الكيف : فأعني به ما يجب مراعاته عند تأليف الكتاب الإسلامي من حيث :

مراعاة المستوى للطلاب من الناحية العقلية ، ومن حيث حسن التعبير وجمال التأليف بحيث يكون سهلاً مشوقاً ، ويستخدم في ذلك أحدث الطرق والأساليب التي تراعى في غيره من العلوم ، وهذه الغاية يجب أن يبذل لها الجهد ، وتجند لها الطاقة حتى تؤتي ثمارها .

-  إننا في حاجة إلى أن نحسن اختيار المتفوقين من طلابنا، ونرتقي بهم في سلم العلم، حتى يصلوا إلى مرتبة الاستيعاب للعلوم الشرعية الضرورية ، والوعي لما يدور من حولهم ، ومعرفة العلوم الأخرى المعاصرة ، والثقافة المعاصرة حتى يصبحوا في مستوى القدرة على صياغة ما يسند إليهم من الكتب المنهجية على اختلاف علومها ومستوياتها، وحتى لا نعيش دائماً عالة على غيرنا حتى في الأفكار والثقافة، وبناء العقلية الإسلامية المتكاملة .

-  لابد لكل طالب في أرض الإسلام مهما كان تخصصه أن يلم بقدر كاف في علوم الإسلام، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مجال التخصص، ليكون الجميع خادمين للعلم بكل تخصصاتهم المتنوعة حتى لا يحدث في الأمة الازدواجية في التعليم، وهذا ما كان عليه أسلافنا في العصور السابقة قبل ظهور الحضارة الغربية ، فقد برز في كل عصر أصحاب التخصصات المختلفة ولم تشكل ازدواجاً ولا تبايناً ولا انفصاماً، ونحن نرى أقطاباً في أنواع العلوم التي برزوا فيها أمثال: أئمة التفسير، وأئمة الحديث ، وأئمة الفقه ، وحفاظ القرآن، وأئمة النحو وأئمة اللغة والأدب وكذلك الذين فاقوا غيرهم في: التاريخ ، والشعر ، وغيرهما من العلوم الأخرى، وبهذا حفظ العلم والدين، حين وجد في الأمة من يرجع إليه في كل فن .

 

ما ينبغي أن تكون عليه المناهج :

إن النظرة الصحيحة للمناهج في الأمة المسلمة:

هي أن يراعى فيها إيجاد الاختصاصات في كل فن من فنون العلوم المختلفة ، لا إيجاد العقليات المختلفة ، القائمة على اختلاف المصادر المصادقة للإسلام، وهذا يعني أنه لابد من أن يعتني بالعلوم الإسلامية في كل مدرسة وفي كل معهد ، وفي كل كلية من كليات الجامعات، فينشأ الجميع بالعقلية الإسلامية الواحدة التي لا تباين فيها ، وتسخر كل الطاقات والتخصصات لخدمة الإسلام وهذا لا يتم إلا عندما تكون جميع العلوم مصبوغة بالصبغة الإسلامية .

كما أنه لابد من إيجاد المعاهد الدينية على مستوى رفيع شريطة أن تكون موصولة بالعلوم الحديثة أيضاً؛ حتى تنشأ العقلية من هذه المعاهد معايشة للحياة الجديدة، قادرة على حل مشكلاتها مستفيدة من تجارب البشر ، وتطور العلوم، ذلك أن دين الله عز وجل هو الدين الخالد الصالح لكل زمان ومكان، والذي لا يتصادم مع أي علم ، ولا مع أي حقيقة علمية .

وحينئذ نكون قد ضمنا إيجاد التخصصات سواء في العلوم الإسلامية أو في سائر العلوم الكونية والإنسانية مع مراعاة أن يكون الإسلام مخدوماً بكل هذه العلوم وأن تكون الأجيال كلها تحمل فكراً واحداً هو الإسلام فلا ازدواجية، ولا تصادم.

وخلاصة القول:

لا بد من:

أ ـ إحداث وعي إسلامي عام في كل مستويات التعليم .

ب ـ لابد من وصل ما بين الدين والحياة، والاستفادة من كل جديد .

ج ـ لابد من الأخذ بالأساليب الحديثة الصالحة في عرض العلوم الإسلامية، حتى تؤدي إلى حسن قبولها وفهمها.

ولابد في النظام التعليمي من:

أ ـ انبثاقه عن الفكر الإسلامي .

ب ـ وتلبيته لحاجات المجتمع الحديث .

ج ـ وقدرته على الوقوف بقوة أمام الأنظمة الثقافية المعادية ، لتحصين الشباب، ودفع الباطل والدفاع عن الحق، وتجلية حقائقه .

 

ماذا يحدث اليوم :

1-  استقدام النصارى وغيرهم .

2-  محاولة تعميم الموسيقى .

3-  التقليل من حصص القرآن .

4-  محاربة المدرسين الصالحين .

5-  توحيد زي البنات .

6-  الدس في بعض الكتب .

7-  إلغاء بعض الكتب التي تحصن الشباب من الفكر الشيوعي .

8-  إسناد تدريس العلوم الإنسانية إلى معادين للإسلام .

9-  تصيد السقطات التاريخية ، والانحرافات الصوفية ، وجعلها قواعد ملصقة بالدين، بقصد التحريف والدس في الإسلام .

10- تبني الدعوات التي انحرفت عن الإسلام، للنفوذ من خلالها في طعن الإسلام من الخلف، وذلك كالدعوات : الباطنية ، وكالقرمطية ، وغيرها..

11- الإشادة بأشخاص كان لهم دور في محاربة الإسلام أو الدس عليه، أو تحريفه ، أمثال : الأسود العنسي ، وعلي بن الفضل ، والحلاج ، وابن عربي...

12- إفساد الخلق ، وإفشاء الجهل عن طريق الاختلاط والتبرج .

13- محاربة إنشاء كليات شرعية مستقلة تخرج المتخصصين في العلوم الشرعية كما تخرج الكليات الأخرى المتخصصين في سائر العلوم .

14- الاهتمام بالقوانين الوضعية أكثر من الاهتمام بالعلوم الشرعية.

 

تخريج :عبد الحميد أحمد مرشد.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
وصايا نبوية للمجاهد
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

وصايا نبوية للمجاهد

 

عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كلهوأما من غزا فخراً ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف"(1).

صدق النية والإخلاص:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(2).

وفي رواية: "أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للذكر ويقاتل ليحمد ويقاتل ليغنم ويقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(3).

وصية عمر:

رسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما:

( أما بعد فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي من احتراسكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون على عدوهم بمعصية عدوهم لله، ولولا ذاك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوى، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل – لما عملوا بالمعاصي- كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألون النصر على عدوكم..).

وعن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أمر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى لله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر الله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادههم إلى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن هم فعولا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبو أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبو فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم"(4).

أخلاق عامة يجب التحلي بها:

1-  أخلاق تقتضيها طبيعة (المهنة – الجندية).

2-  تنقية النفس من حظ النفس.

3-  التحذير من البطر.

4-  كمال الطاعة والانقياد لله عز وجل.

5-  طبيعة الأعداء (الكفار) في عدوانهم ومحاربتهم المسلمين.

6-  كيف يقابل المسلمون هذا العداء المستحكم عند الكفار.

 

تخريج : عبد الحميد أحمد مرشد.

 



(1) رواه أبو داؤود 2/ 17 ، حديث رقم:2515 ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود  2 :برقم 2195، الباب ،25 باب: في من يغزو يلتمس الدنيا.

(2) متفق عليه، البخاري 1/197 و 6/21، 22، ومسلم 1904 و150 واللفظ لمسلم.

(3) أخرجه أبو داؤود في سننه 2/ 18 ، حديث رقم:2517 ، وصححه الألباني.

(4) مسند أحمد 5/358 ، حديث رقم:23080 ، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
يوم الجمعة: فضله وآدابه
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

يوم الجمعة: فضله وآدابه

الحمد لله أسبغ علينا من النعم مالا يحصيه إلا هو، وهو صاحب المن والفضل، ونسأله دوام نعمائه والتوفيق لأداء شكرها، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه.

أما بعد: معشر المسلمين، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى التي لا فوز ولا نجاح ولا فلاح بدونها. واعلموا أن الله تعالى اختار من خلقه ما شاء ففضله على سائر المخلوقات، فضل الإنسان على كثير من خلقه ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[الإسراء: 70].

وجعل مكة أشرف بقاع الأرض، اختصها ببيته الحرام أفضل بيوت الله، وفضل شهر رمضان على سائر الشهور، وفضل ليلة القدر على سائر الليالي: كما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس، يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة"(1). ولأجل ذلك الفضل فإن الله تعالى خصه بأمور لا توجد في غيره من أيام الأسبوع، فهو اليوم الذي تكرم الله بأن جعله عيداً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ففرض عليهم تعظيمه كما جعل السبت لليهود، والأحد للنصارى، ففي صحيح مسلم، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة.

نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق"(2)،

وفي يوم الجمعة ساعة الإجابة، لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا استجاب له، ما لم يسأل حراماً، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه"(3). وروى مسلم أيضاً أن هذه الساعة، ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، كما روي أنها ساعة بعد العصر، وأنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وفي إبهامها ترغيب للإكثار من الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، فمما روي عنه صلى الله عليه وسلم قول: "فأكثروا من الصلاة لي في يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي"(4). وفرض الله في هذا اليوم صلاة الجمعة وتوعد تاركها والمتهاون بها أشد الوعيد، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى أحمد ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس: ثم احرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم"(5).

وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة وابن عمر: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين"(6)، وروى الخمسة وأحمد "من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه"(7).

وللجمعة سنن وآداب ينبغي المحافظة عليها من ذلك: الاغتسال يوم الجمعة والتطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير إلى المسجد والدنو من الإمام والإكثار من الصلاة وإذا خرج الإمام أمسك عن الكلام روى أحمد والبخاري عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى"(8)، وفي رواية "وزيادة ثلاثة أيام"(9)

وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثم يصلي ما كتب له، ما يدل على أنه لم يكن هناك يوم الجمعة من نوافل الصلاة ما هو معين بعدد أو وقت ولكن من أتى المسجد فله أن يصلي ما يشاء قبل أن يدخل الإمام في الخطبة إلا أن الداخل لا ينبغي له أن يجلس حتى يصلي ركعتين سواء جاء والإمام يخطب أو جاء قبل ذلك، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال: أصليت قال لا؛ قال قم فصل ركعتين"(10).

ويخطئ الذين يقومون والإمام يخطب فيصلون بعد أن كانوا قد صلوا وجلسوا فهذا مخالف لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فليس بعد دخول الإمام في الخطبة من ذكر ولا كلام إلا ركعتي التحية للمسجد للداخل.

ويحرم الكلام والإمام يخطب كما يحرم الاشتغال بكل ما يصرف عن الاستماع للإمام والإصغاء لما يقول.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت"(11).

وفي رواية لأحمد "ومن لغا فلا جمعة له(12). فإذا كان قولك أنصت لصاحبك وهو أمر بمعروف يحرمك من أجر الجمعة فبالأولى غيره من الكلام بل لقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يتكلم والإمام يخطب بالحمار يحمل أسفاراً، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له أنصت:ليس له جمعة "(13). أي كما أن الحمار لا ينال من حمل الكتب إلا التعب والمشقة دون أن يستفيد شيئاً مما فيها فكذلك الذي يحضر الجمعة ثم يتكلم ليس له من جمعته إلا تعبه ومجيئه إلى المسجد دون أن يكسب من وراء ذلك من الأجر شيئاً، واحذروا رحمكم الله من تخطي الرقاب عند دخول المسجد، فقد ورد النهي عن ذلك فيما رواه أبو داؤود والنسائي وأحمد عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: "جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اجلس فقد آذيت"(14).

وقد روى أحمد أيضاً عن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبة في النار"(15). أي كالذي يجر أمعاءه في النار لذلك ينبغي على من أتى الجمعة أن يبكر ولا يقعد في صف حتى يعلم أن الصف الذي أمامه لا يوجد فيه مكان ومن ابتلي بالتأخر فلا يجوز له أن يتخطى رقاب الناس إلا أن العلماء أجازوا التخطي لاثنين للإمام إذا لم يكن له باب من جهة القبلة يدخل فيه ولمن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي والذي يترك الفرجة أمامه ولا يسدها حتى يأتي آخر فيتخطاه إلى تلك الفرجة يكون هو الجاني على نفسه والمهدر حق نفسه من حرمة التخطي.

هذه الحقوق والسنن والآداب التي تتعلق بالجمعة، فاحرصوا عليها تقبل بها صلاتكم ويضاعف لكم الأجر وتكونوا قد أديتم حق الجمعة لما أرشدكم إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ[الأنفال: 24]. وأستغفر الله.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله يهدي لنوره من يشاء نحمده جعل عبادته ومرضاته غاية أحبابه وأوليائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والسائرين على منهاجه إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول أي ما يجده المؤذن والمصلي في الصف الأول من الأجر- ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا"(16).

وقوله: "لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله"(17)، أي يتأخرون عن الصلاة في الصفوف الأولى حتى يؤخرهم الله عن رحمته وعظيم ثوابه وفضله ورفيع منزلة أهل قربه. إننا نشاهد كثيراً من المصلين يقعدون عن المسابقة في مواطن الخير فيؤثرون الصلاة في مؤخرة المسجد في حين أن الصفوف الأولى غير تامة ولكي ينال المصلي مجلساً في الصفوف الأولى ويسلم من إيذاء الناس وتخطيهم فعليه بالتبكير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح –أي خرج في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"(18).

ومن أراد أن يصلي نافلة بعد صلاة الجمعة فليصل أربعاً في المسجد أو ركعتين في البيت أو ركعتين في المسجد وركعتين في البيت كل ذلك ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن عمر وغيره(19).

وهذا الذي ذكرناه عن الجمعة لم نستقص فيه كل ما جاء في السنة عنها ويتبين بذلك ما لهذا اليوم من عظيم الفضل وما يجب على المسلمين فيه من المزيد في الشكر لربهم المنعم المتفضل جل وعلا.

وأن يشتد حرصهم على كل ساعة من ساعاته, فيكثرون فيه من القرب وفعل الخيرات ولكن الذي يؤسف له أن كثيراً من الناس يحولون هذه المقاصد الشرعية الحسنة إلى مقاصد سيئة يسهرون ليلة الجمعة في اللهو واللعب والإثم، فلا ينامون إلا في ساعة متأخرة من الليل حتى يؤدي بهم ذلك إلى تضييع صلاة الفجر وربما ضيع بعضهم صلاة الجمعة أيضاً أما نهار يوم الجمعة فالأمر أدهى من ذلك وأمر, تراهم يخرجون في هذا اليوم العظيم وكأنه يوم مجون وخلاعة وفسوق يخرج الكثير بعوائلهم وقد حسرت المرأة عن ثيابها لِتَفْتِن ثم تُفْتَن، ثم يجاهرون ربهم بالمعاصي في ساعات فضيلة من هذا اليوم حيث يجتمع الرجال والنساء في أماكن السباحة والخلاعة دون حياء ولا خجل.

هذا ما يجب علينا من التنبيه والبيان والحجة على من يسمع ويُعْرِض لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً ولا يجعل قيمة لأوامر الله ونهيه والله شهيد على ما تعملون.

تأليف الدكتور/ عبد الوهاب الديلمي.

تخريج :عبد الحميد أحمد مرشد.

 



(1)  مسلم ج2، كتاب الجمعة باب فضل يوم الجمعة برقم 18 : 585 محمد فؤاد عبد الباقي.

(2) مسلم ج2، كتاب الجمعة باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة برقم 22-856، صـ586.

(3) مسلم 2/ 583، حديث رقم: 852,  

(4) راجع مسلم ج2 كتاب الجمعة باب في الساعة التي يوم الجمعة 13-852، 16-853، وصحيح سنن أبي داود ج1/924-1046.

(5) مسلم ج1 كتاب المساجد مواضع الصلاة 254-652.

(6) مسلم ج2، كتاب الجمعة باب التغليظ في ترك الجمعة برقم 40-865.

(7) صحيح الترمذي ج1 414-504 وقال الألباني صحيح.

(8) البخاري ج1 الجمعة 843. وفي المسند ج9/23771. صدقي محمد جميل العطار .

(9) الزيادة عند مسلم 2/ 587 ، حديث رقم: 857 .

(10) البخاري 1/ 889، ومسلم ج2 الجمعة برقم 55 / 596.

(11) مسلم  2، كتاب الجمعة باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة 12/ 583، وفي صحيح أبي داود 1/983-1112 قريباً من هذا.

(12) الفتح الرباني 6/62 رقم 1563.

(13) الفتح الرباني 6/97 رقم 1599 من حديث بن عباس، باب المنع من الكلام والإمام يخطب.

(14) الفتح الرباني 6/71 رقم 1573 وصحيح أبي داؤود 1/989، وفي النسائي 3/103 رقم 1399، وقال الألباني صحيح.

(15) أحمد 3/417، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/179 : فيه هشام بن زياد وقد أجمعوا على ضعفه أنظر الميزان 4/298 برقم 9223.وضعفه الألباني في سلسلة الضعيفة 6/312

(16) البخاري 2/ 222 ، حديث رقم: 590، ومسلم 1/ 325 ، حديث رقم: 437.

(17) مسلم 1/ 325 ، حديث رقم: 438.

(18) البخاري 1/841. مسلم 2/10/850، وفي صحيح أبي داؤود 1/338-351. وفي صحيح الترمذي ج1/413-503.

(19) مسلم 2 كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة باب 67-881، وباب68/600.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أحوال الدنيا
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 أحوال الدنيا

 

الولادة، الموت، القدوم واللقاء، والفراق، القوة والغنى، الظفر بمحبوب من مال أو جاه أو شهادة أو نحوها، فقدان المال أو القريب أو الجاه أو الخط الظفر بالشهرة الحسنة، والوقوع في الشهرة السيئة الظفر بالملك، زوال الملك.

كثيراً ما يظن الإنسان أنه قد نال ما يسعد به حين يظفر بمحبوب في هذه الحياة، غير أن ذلك المحبوب لا يلبث أن يضمحل: ويزول لأنه متاع من متاع هذه الحياة الفائتة، وكثيراً ما يتحول إلى وسيلة شقاء للإنسان فيشقيه ويوقعه في عظائم الأمور، ويود الإنسان الخلاص منه.

والسعادة الحقة إنما هي التقوى، الزاد الذي لا ينفد، والتجارة التي لا تعود بالخسران على الإنسان، والكنز الذي يدخره الإنسان ليوم المعاد، والإنسان الذي يجد العبد فيه الطمأنينة والسعادة والعوض من كل ما يفوته من لذائذهذه الحياة، وهي الموصلة إلى الغاية المطلوبة لذاتها، وهي سعادة الآخرة.

ومن أعظم الشقاء، أن يوجه الإنسان همه إلى هذه الدنيا، فيرضى إن أصابها، ويغضب إذا فاتته، ولا يجعل للآخرة منه إلا التزود اليسير.

الكسب:

1- للاستغناء عن الناس، وسد الحاجة.

2-  لسد حاجة من حاجات المسلمين العامة بحيث يكون له جانب مهم من التجارة أو الصناعة، حتى يقوم بفرض كفاية دون ما هو زينة أو طلب للتنعم، وبالأحرى ما يعين على فساد الخلق.

3- أن لا يشغله عن العبادة، بحيث لا يتعلق قلبه بالكسب تعلق بجملة من التساهل في العبادة وتتبع الرخص والتهاون.

4- تجنب مواضع الريب في الكسب حتى يكون عن الحرام أبعد.

5- أن يشغل نفسه دائماً بالذكر والعبادة والصلة بالله والخوف منه ومراقبته.

من نعم الله على الإنسان:

العقل: الذي يظن كل إنسان إنه أكمل الناس فيه.

والخلق: الذي لا يرى الإنسان من نفسه عيوباً مهما كثرت، ويرى كثيراً منها في غيره ويفندها.

-  ومعايب الإنسان: التي يعلمها عن نفسها، بشرها الله عن الناس نعمة منه غل عبده.

السعادة:

إما أن تكون مطلوبة لذاتها: وهي سعادة الآخرة، لأنها التي تشمل على:

بقاء لا فناء له.

وسرور لا هم فيه.

وعلم لا جهل معه.

وغنى لا فقر بعده.

وإما أن تكون مطلوبة لغيرها، وهي ما تسمى بالوسائل، ومرده:

إلى النفس: الإيمان وحسن الخلق.

أو البدن: الصحة والقوة.

أو ما يطيف بالبدن: المال والجاه والأهل.

أو ما يحصل به استقامة العبد: من الهداية والإرشاد والتسديد والتأييد.

 

من النعم التي لا يدركها الإنسان، الأسباب التي لا يحصيها إلا الله سبحانه في حصول ما به قوام الإنسان في هذه الحياة أسباب حول الطعام وتسخير الناس بعضهم لبعض بما فطرهم الله عليه، وأحوجهم إليه.

1 ) طبيعة الإيمان وقيمته في الحياة.

2 ) مقومات الإيمان:

أ ـ التعبد لإله واحد.

ب ـ الربانية التي تحدد الجهة .

ج ـ وضوح الصلة بين الخالق والمخلوق.

د ـ الاستقامة على المنهج الذي يريده الله.

هـ- الاعتقاد بكرامة الإنسان على الله .

3 ) ثمرة الإيمان:

أ ـ الحاسيّة الأخلاقية.

ب ـ التبعة المترتبة على حرية الإرادة.

ج ـ الارتفاع عن التكالب على أعراض الدنيا، والتنافس على ما عند الله.

ـ الإيمان دليل صحة الفطرة.

ـ العمل الصالح ثمرة حتمية للإيمان ذاتية طبيعية.

ـ التواصي بالحق.

ـ التواصي بالصبر.

ـ المقارنة بين هذا الدستور وبين ما عليه المسلمون اليوم.

 

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أسئلة مهمة تتعلق ببيع الذهب
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلة مهمة تتعلق ببيع الذهب

 

هذه أسئلة مهمة جداً تتعلق ببيع الذهب وتتعلق بالطرق التي يتعامل بها أصحاب معارف الذهب مع أصحاب المصانع الخاصة بالذهب وكيفية التعامل مع الزبون الذي يريد أن يشتري ذهباً جديداً أو يبدله بذهب بالي مستعمل معه:

1- ما حكم بيع الذهب المصنع مع أخذ ذهب مماثل له في الوزن (أي ذهب بالي من صاحب المعرض) وأخذ أجرة التصنيع على الذهب المصنع؟ وهل يجب أن آخذ الذهب البالي في الحال أو جزء أم يجوز أن أبقيه عند صاحب المعرض إلى أن يتوفر معه ذهب بالي؟

2- إذا جاء زبون ويريد أن يأخذ من صاحب معرض الذهب ذهباً قيمته 1000 ريال وفي نفس الوقت معه ذهب بالي مستعمل قديم يريد أن يبيعه قيمته 500 ريال هل أكتفي بأخذ ذهبه مع الفارق 500 ريال وأعطيه وهي الذي قيمته 1000 ريال؟ أم أنه يجب أن أبيع له ذهبي وأستلم منه 1000 ريال ثم آخذ منه ذهبه بـ 500 ريال، إذا كان يجب فما الحكمة من ذلك حيث لم يحصل ضرر هنا؟

3- من المعروف عند أصحاب المجوهرات أن الذهب يختلف قيمته إذا اختلف العيار فمثلاً الذهب الذي عياره 21 قيراط يختلف قيمته عن الذي عياره 18 قيراط، فإذا أردت أن أبيع ذهباً عياره 18 قيراط وزنه 50 جرام وقيمته 5000 ريال يمني وأشتري بدلاً عنه ذهباً عيار 21 قيراط ووزنه 50 جرام وقيمته 8000 ريال يمني من شخص هل أكتفي بإعطائه ذهبي عيار 18 وآخذ من ذهبه عيار 21 وأعطيه فارق السعر 3000 ريال مع اتحاد الوزن؟

4- إذا جاء زبون ومعه ذهب يريد بيعه هل يجوز أن أشتري منه ذهبه بسعر مرتفع شريطة أخذ بدل عنه جاهز من عندي، وآخذه منه بسعر أقل في حالة عدم يريد التبديل.

5- الذهب عيار 24 قيراط معروف كمية النحاس والفضة التي تطرح عليه أو تضاف إليه لكي يصير عيار 21 قيراط هل يجوز الخروج أو الزيادة على تلك الكمية المتعارف عليها في حالة التعديل بحيث أن البعض يضيف إليها كمية نحاس وفضة زيادة على القدر المعروف وبذلك يصير الذهب بدون عيار وبالتالي فإذا أخذه الزبون وجلس معه فترة يتغير شكل الذهب إلى ما يشبه النحاس هل يعد هذا غش؟

6- هل يجوز بيع 100 جرام ذهباً قيمته (10000) لشخص معروف لدي وأترك عنده المبلغ إلى أن يتوفر معه أي بيع الذهب بالدين.

7- إذا بعت ذهباً مصنعاً لصاحب المعرض وزنه 500 جرام عياره 21 قيراط وقال لي أنه لا يتوفر معه الآن ذهب مستعمل مماثل له في الوزن والعيار، ولكن سأعطيك ذهباً عيار 18 يزيد عليه في الوزن نتيجة اختلاف العيار هل يجوز ذلك أم لا؟

8- جاء الشخص يريد أن يبيع 1000 دولار فقلت له بـ 15 ريال وجاء شخص آخر يريد أن يشتري دولار فقلت له بـ 16 ريال ، فأخذت من البائع المبلغ الذي معه وقلت له بعد ساعة ائت وخذ فلوسك، وذهبت بالدولارات إلى الشخص المشتري وبعتها له واستلمت منه المبلغ اليمني وأعطيت البائع المبلغ المطلوب له وأخذت الزيادة هل يجوز هذا؟

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.. أما بعد :

فإن بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة يشترط فيه المساواة، وأن يكون يداً بيد ولا عبرة في هذه الحالة بين جودة الذهب ورداءته، فلو كان أحدهما مثلاً: باع من الآخر ذهباً عيار 21 واشترى منه ذهباً عيار 18 فإنه لا بد من التساوي دليل ذلك " أن بلالا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :من أين هذا ؟ . قال بلال كان عندنا تمر ردي فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به" (1).

فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه لا يجوز التفاضل حتى لو كان أحد النوعين جيد والآخر رديئاً، ثم أرشد إلى الطريق التي تخرج من الربا، وهو أن يبيع التمر الرديء ثم يشتري بقيمته تمراً جيداً.

ومن خلال هذه الإجابة يتضح أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولا عبرة بالاختلاف في الرداءة والجودة ولا في كون أحدهما جديداً والآخر مستعملاً، ولا في كون أحدهما حلية والآخر نقداً.

والمخرج من هذا أن يشتري الصائغ الذهب من البائع، ويعطيه النقد قيمة ذلك الذهب، ثم إذا أراد المشتري أن يشتري منه ذهباً آخر فليشتر ولا حرج عليه بشرط أن لا يكون هذا الأسلوب مجرد حيلة منهما أو من أحدهما.

ولا يجوز أن يوضع في الذهب من النحاس أكثر من القدر المتعارف عليه، فإن ذلك يصير غشاً، ولأنه يلحق الضرر بالمشتري عندما يتغير لونه.

وإذا بعت ذهباً بعملة أخرى غير الذهب فيشترط في البيع هنا أن يكون يداً بيد ، وأما الزيادة والنقصان فلا حرج لحديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"(2).

وبالنسبة للسؤال الأخير، فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد" وعلى هذا فيشترط في الصورة التي ذكرتها أن تأخذ منه الدولارات وتعطيه النقد المقابل لها يداً بيد، ولا يجوز تأجيل ذلك.

والله ولي التوفيق..

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

 


(1) صحيح البخاري 2 / 813، برقم 2188.

(2) صحيح مسلم 3 / 1210، برقم 1587.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإخلاص
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإخلاص

 

أساسه: كمال محبة العبد ربه ، وإعراض القلب عما سواه .

تعريفه: التبري عن كل ما سوى الله تعالى.

ويقال في تعريفه أيضاً: تجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، بحيث لا يكون للعبد باعث على القربة سوى ابتغاء وجه الله تعالى، فإذا امتزج ببواعث أخرى من حظوظ النفس، خر عن كونه إخلاصاً: كالصوم، الصلاة، الحج، قيام الليل، خدمة العلماء، عيادة المريض، تشييع الجنازة.

والمراد بحظ النفس: كل حظ من حظوظ الدنيا، مما تستريح إليها النفس ويميل إليه القلب قل أو كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه.

والحظ مثل: تزيين مكانه في قلوب الخلق، أو تعظيمه، أو طلب مدحهم أو طلب قضاء حوائجه..

والصدق: مطابقة الكلام للواقع والاعتقاد (وبعضهم يجعله مرادفاً للإخلاص).

ويقال الإخلاص الشرك؛ كما يقابل الصدق النفاق.

الرياء: هو الشرك مع الغير .

العجب: هو الشرك مع النفس، ومنه الإعجاب بالرأي واحتقار رأي الغير، وهو مما يكثر عند الناس في آخر الزمان كما جاء في الحديث..

ومن الرياء: ترك العبادة مخافة الرياء، وهي من وساوس الشيطان، وعلى العبد مجاهدة النفس ، والإقدام على العبادة .

ومن مظاهر الرياء:

1- تكلف إظهار علامات العبادة: كعلامات الصوم في لون الوجه ، وجفاف الشفتين وتشدقهما، والصلاة: كتغير لون الجبهة، أو تورمها.. إلخ.

      2- حبه لثناء الناس على عبادته وورعه.. إلخ.

3- حبه لإظهار ما خفي من عبادته: كقيام الليل.

4- حبه لتعظيم الناس له من أجل عبادته فهو كالذي يتقاضى أجراً على عبادته.

5- تحسين العبادة: بالتطويل عند رؤية الناس له، بقصد المراءاة ومن علامات الرياء أيضاً:

1- شدة إقبال القلب على العمل الصالح عند وجود بواعث من حظوظ النفس، وضعف هذا الإقبال عند فقدان هذه البواعث.

لبس من الرياء:

1- حب الظهور بالثياب الحسنة، والمظهر الحسن، لحديث "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، وأن يكون نعله حسناً، فقال صلى الله عليه وسلم :إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط(1) الناس"(2).

2- ليس من الرياء أن يعمل الإنسان العمل خالصاً لوجه الله تعالى ثم إذا سمع ثناء عليه أحبه، لحديث أبي ذر، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:" أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال : تلك عاجل بشرى المؤمن"(3). ومعنى ذلك أن الله تعالى إذا أحب العبد حببه للخلق فأحبوه فكان ثناؤهم عليه بشرى معجلة في الدنيا، وهناك بشرى آجلة في الآخرة، أشار إليها ربنا سبحانه بقوله: ﴿ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ  [الحديد:12].

3- وليس من الرياء أن يجد الإنسان عوناً من إخوانه على العبادة فيقبل عليها لا بدافع المراءاة لإخوانه، بل بدافع الإخلاص لله تعالى.

من العبادة ما يجب إظهارها لأنها عمل جماعي، وللشارع في القيام بها ضمن الجماعة مقاصد وحكم: مثل فريضة الصلاة، الحج، الجهاد: وبإظهار هذه الشعائر تتميز مجتمعات المسلمين عن غيرهم، ولذلك يحارب أهل بلد أجمعوا على ترك الأذان.

ومنها ما يمكن إخفاؤها لكثير من النوافل: نوافل الصلاة، الصوم، الصدقة، قيام الليل.. إلخ، فهذه الأولى للعبد إخفاؤها حتى لا يفسد الشيطان على الإنسان عمله بما يقذفه في نفسه من العجب أو الرياء، وقد كان يقول بعض السلف: (المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته)، وقال بعضهم: (لأن تبت نائماً فتندم ، خير من أن تبيت قائماً فتهلك).

ويستحسن إظهار مثل هذه العبادة إذا توفرت الشروط الآتية:

1-  أن يكون المظهر لهذه العبادة فكان القدوة، فهو يرجو بإظهاره لنوع من العبادة: أن يقتدي الناس به في القيام بها أو يتعلمها من يجهلها.

2- أن يأمن على نفسه من فتنة الرياء.

من آفات العجب:

إن يحمله العجب على احتقار الآخرين، لزعمه أنه لا يبلغ كثير من الناس منزلته.

أن يحمله العجب على التهاون في بعض الواجبات، أو اقتراف بعض المعاصي، متعللاً أنه خير من غيره، أو أنه يبذل من الطاعة أو القربة ما لا يبذله غيره، وذلك مثل:

·  ترك صلاة الجماعة بحجة الانشغال بنوع من أعمال العبادات الأخرى بالدعوة .

· استباحة أكل أموال الدولة (المسلمين) بدعوى أنه يستحقها لأنه منشغل بالدعوة وهذه أموال المسلمين، وهو لا يدري أن هذا من الغلول.

· قد يقول الشيطان للإنسان ما حاجتك إلى العلم وأنت منشغل بالدعوة إلى الله تعالى؟ فتقوم حياته كلها على الجهل.

مراتب الرياء:

1- أن لا يقوم بالعبادة إلا لغرض دنيوي، دون أن يكون عنده قصد لحصول الثواب، كالذي لا يصلي إلا ليراه الناس، بحيث لو انفرد بنفسه لم يصل.

2- ثم أن يكون له قصد في الثواب، ولكنه قصد ضعيف، إذ القصد الأول هو حظ النفس عند الناس.

3- ثم أن يكون القصدان متساويين، بحيث لو انفرد أحدهما لم يبعه على العمل.

4- ثم إن لا يزيده اطلاع الناس عليه إلا تقوية لنشاطه، بحيث لو لم يره أحد من الناس ما ترك العمل، فهذا يثاب على قصده الصحيح، ويعاقب على قصده الفاسد.

ومن ذلك الذي يصلي وغرضه التخفيف، ثم يطيل إذا رآه الناس، فقد فعل شيئاً ممقوتاً؛ وهذا فساد في أوصاف العبادة في أصلها، غير أن العبد إذا لم يجاهد نفسه بالتخلص منه قد يفضي إلى درجة أقبح.

5- أسباب الرياء:

أ ـ حب الرؤية .

ب ـ طلب الحظ عند الناس.

ج ـ الرضا بالعمل .

 أ ـ أن يرى الإنسان نعمة الله عليه ولولا توفيق الله تعالى له ما عمل صالحاً:

1- كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة، بحيث يكون ذلك هو الغالب على القلب.

2- أن يجزم الإنسان بعدم معرفته لثمرة العمل: وهو القبول عند الله سبحانه هل حصل أو لا؟ وما دام لم يعرف فبأي شيء يفخر ويعجب؟

3- إذا كان للرياء منفعة عاجلة فضرره في الآجلة جسيم.

4- المرائي قد يرضي بعمله أناساً ويغضب آخرين، وما دام أنه لا يستطيع إرضاء جميع الناس، وهو يعلم أن الناس لا يقدمون ولا يؤخرون، ولا ينفعون ولا يضرون، فهو إذاً لا يعبأ برضاء الناس ولا غضبهم، وعليه أن يطلب مرضاة ربه سبحانه.

5-  أن يعلم أن الرياء شرك محبط للعمل، وبذلك يتعب الإنسان نفسه دون ثمرة، بل يجني شراً عظيماً على نفسه.

ب ـ أن يطالع الإنسان في عيوب نفسه، وكثرة حظ الشيطان منها، وحقارة ما يقدمه بالنسبة لمقام الربوبية.

علامات حصول الإخلاص:

1- أن يستوي عنده مدح الناس وذمهم، ولذلك يستوي ظاهره وباطنه، وتستوي جولته وخلوته، لكمال المراقبة في نفسه الله تعالى.

2- إقبال القلب على العمل الصالح عند عدم وجود بواعث حظ النفس. 

 

من الأدلة على تحريم الرياء:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه سول: " قال الله تبارك وتعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(4).

2- عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به "(5) أي: من قصد بعمله بالرياء والسمعة، سمّع الله تعالى به وفضحه يوم القيامة.

3- عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري ـ وكان من الصحابةـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جمع الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد، من كان أشرك في عمل ـ عمله لله ـ أحداً ، فيطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك"(6).

4- عن أبي سعيد الخدري، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال"؟ قال: قلنا: بلى، فقال: "الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل"(7).

فالتبري من الشرك الخفي الذي قد يقع فيه العبد، دون أن يدرك ذلك، يكون بما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" فقيل له: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل، يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه"(8).


الإخلاص: هون الباعث المطلوب لقبول العمل:

البواعث التي تدفع الإنسان إلى العمل كثيرة في هذه الحياة، فمثلاً قد يعطي الإنسان العطاء:

1- لمجرد كسب الشهرة والسمعة.

2- أو لاستمالة قلوب الناس إليه ليكسب بذلك خطوة عندهم، من حفظ منصب أو جاه، أو كسب أحدهما.

3- أو يكافئ بذلك شخصاً على نعمة أسداها الله إليه.

4- أو كونه يرجو الحصول على المعطى له أكثر مما أعطاه.

والإسلام لا يقبل من هذا العمل إلا ما كان باعثه وجه الله تبارك وتعالى خالصاً من كل الشوائب من حظوظ النفس البشرية، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً  [الإنسان:9] .

قال تعالى: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى  [الليل: 19-21 ].

عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"(9).

النية الحسنة ترتفع بالعمل الدنيوي إلى مرتبة العبادة: كالذي ينوي بالنوم، أو الأكل أو الشرب، التقوي به على طاعة الله تعالى، وكالذي يتزوج بنية إعفاف نفسه، وحفظ دينه. لقوله صلى الله عليه وسلم : "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجراً؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"(10).

وعن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم مبشر الأنصارية في نخل لها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : "من غرس هذا النخل ؟ أمسلم أم كافر ؟ فقالت بل مسلم فقال : لا يغرس مسلما غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه انسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة "(11).

وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك"(12).

والنية الخبيثة السيئة، تهبط بالعبادة حتى تصبح وبالاً على صاحبها: قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ  [الماعون: 4-7 ].

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ  [البقرة: 264 ].

من أخلص نيته لله واسلم وجهه له، صارت كل حركاته، وأعماله ونومه، ويقظته عبادة، بل إن نيته في عمل الخيرـ مع عجزه عن فعله ـ تجعل ينال أجر ذلك العمل  ولو لم يعمله، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في شان الذي كانوا يرغبون في الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ولكنه أقعدهم الفقر أو المرض، عن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال" إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض، وفي رواية "إلا شركوكم في الأجر"(13).

وفي رواية للبخاري: "إن قوماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً، ولا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم العذر"(14).

وهؤلاء هم الذين أشار إليهم ربنا سبحانه في قوله: ﴿ وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ  [التوبة: 92] .

إنا الإخلاص المطلوب من العبد المسلم، هو ذلك الإخلاص الذي أصبح خلقاً في الإنسان، بحيث لا يفارقه في جميع أعماله وأحواله، أما الإخلاص العارض في حالة الشدائد دون غيرها، فلا ينفع صاحبه، وقد أشار الله إلى هذا الإخلاص العارض في قوله سبحانه: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ  * قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [ الأنعام: 63-64 ].

إن أخطر ما يفقد الإنسان الإخلاص: تطلعه إلى الثناء من الناس، ورغبته في العلو والافتخار، وسيطرة حظ النفس عليه حتى يفقد الباعث الصحيح، وهو ابتغاء وجه الله تعالى.

والتخلص من الرياء أمر ليس بالسهل، فالإنسان قد يرتكب أي جريمة فيدرك الإنسان قبحها، كما يدرك الناس قبحها كذلك؛ لذلك فقد يخجل صاحبها من الاستمرار في مزاولتها، فيتخلص منها، ويتوب إلى ربه سبحانه، غير أن الرياء ليس بهذه المثابة، لأنها جريمة مستورة، قد لبست لباس العبادة، فلا يظهر قبحها، فصاحبها يزعم أنه صاحب قربة وطاعة لا صاحب وزر وجريمة، إضافة إلى أنه يشبع بها شهوته الخفية، فهو لذلك لا يحدث نفسه بالتوبة منها، لعدم إدراكه لقبحها، بينما هي رأس المعاصي كلها، لأنها محبطة للأعمال؛ ولأنها من نوع الشرك.


من أدلة الإخلاص

 

1- ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

2- ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: 2-3].

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: 5].

3- ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: 14-15].

4-  ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

5- ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  [الملك: 2]. قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه.

6- ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

7- ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء:125] .

8- ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

9-  عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى فقال "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحبط من ورائهم"(15). أي لا يبقى في القلب غل بسبب انطوائه على: الإخلاص، والنصح، ومتابعة السنة، فلا يبقى فيها: شرك ، ولا غش، ولا بدعة.

10- عن أبي موسى رضي الله عنه قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله ؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "(16).

11- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم"(17).

12- ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37].

13- ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  [لقمان:13].

-  الشرك: ظلم ، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها.

-  المشرك كاذب في تصرفه، لأنه يدعي ألوهية غير الله، والحق أنه لا إله إلا الله.

-  العبادة برهان العبودية للواحد الأحد، وهي من الخصائص الإلهية التي لا تنبغي لغير الله سبحانه.

 

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي 


(1) معناه احتقارهم.

(2) صحيح مسلم 1 /93، برقم 91.

(3) صحيح مسلم 4 /2034، برقم 2642.

(4) صحيح مسلم 4/2289  ، برقم 2985.

(5) صحيح مسلم 4/2289  ، برقم 2986.

(6) سنن الترمذي 5/314 ، برقم 3154، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي 3 /74 ، برقم 2521  

(7) سنن ابن ماجه 2/1406  ، برقم 4204، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة 2 /410, برقم 3389. 

(8) مسند أحمد بن حنبل 4 /403, برقم 19622، وقال عنه الألباني حسن لغيره في صحيح الترغيب والترهيب 1 /9 ، برقم 36.

(9) صحيح البخاري 1 /3 ، برقم 1.

(10) صحيح مسلم 2 /697، برقم 1006، عن أبي ذر.

(11) صحيح مسلم 3 /1188، برقم 1552.

(12) صحيح البخاري 1 /30 ، برقم 56.

(13) صحيح مسلم 3 /1518، برقم 1911 

(14) صحيح البخاري 3 /1044 ، برقم 2684. 

(15) سنن ابن ماجه 2 /1015 ، برقم 3056، وصححه الألباني صحيح ابن ماجة 2 /182 ، برقم 2480.

(16) صحيح البخاري 3 /1034 ، برقم 2655.

(17) صحيح مسلم 4 /1986 ، برقمك 2564.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الشرك بالله تعالى
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الشرك بالله تعالى

 

أعظم ذنب يرتكبه الإنسان، هو أن يشرك بالله شيئاً في عبادته، وهو يعلم جازماً أن الله عز وجل هو وحده الذي أنعم وينعم عليه بكل نعمة تنزل به كما قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ  [النحل: 53] ، ويقول تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: 18 ] ، ويقول تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  [الروم: 40]  

قد يتبادر إلى ذهن كثير من العامة أن الشرك منحصر في عبادة الأصنام التي كان يعبدها مشركوا العرب، وهذا تصور خاطئ، فهذه ما هي إلا صورة من صور الشرك ، وإلا فالشرك يعم كل عبادة يصرفها الإنسان لغير الله تعالى.

فالعبادة هي كمال الذل مع كمال المحبة وهي تنطبق على كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال.

فمن اعتقد في مخلوق حياً أو ميتاً انه يقدر على نفع أو ضر كالذين يطلبون من الأموات رزقاً، أو شفاء، أو ولداً، أو مطراً، أو دفع بلاء وضر، أو غير ذلك فهذا من الشرك الذي حرمه الله؛ لأن من يفعل ذلك يكون قد جعل المخلوق شريكاً لله فيما لا يملكه إلا الله تعالى .

قال تعالى:

﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ  [ الحج: 30-31 ].

ويدخل في الشرك الحكم بغير ما أنزل الله، قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  [المائدة:44].

ويدخل في الشرك التحاكم إلى الطاغوت، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً  [النساء:60]

ومن الأعمال المنافية للتوحيد موالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ  [المائدة:55]

وقال تعالى﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [المجادلة: 14، 15].

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  [المائدة:51]

والشرك لا ينفع معه عمل صالح، بل إن الله تعالى يحبط عمل من كان مشركاً بالله تعالى: أي يبطلها ويسقطها ولا يجعل لها أثراً في ميزان حسنات العبد يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[الأنعام: 88 ].

وهذه الآية جاءت بعد ذكر عدد من الأنبياء وبيان مكانتهم العظيمة عند الله، واهتدائهم بالحق، ومع ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الشرك بالله على رأس الموبقات: أي المهلكات ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (1)وقد جاء في هذا الحديث ذكر السحر، وهو محرم تعاطيه، ومحرم قصد الساحر، ومحرم تصديقه فيما يأتي به، ويلحق بذلك الكهانة، وهو ادعاء علم الغيب، وكذا العرافة، واستخدام الرمل، وطرق الحصى، فهذه كلها من المحرمات وقد جاء في صحيح مسلم عن صفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"(2) ، والعراف: الذي يدعي معرفة مكان المسروق والضالة، وغيرهما.

وفي أمور الجاهلية التي شدد الإسلام في تحريمها ( الطعن في الأنساب) أي احتقار الناس؛ والازدراء بهم بسبب مهنة أو غيرها مثل قول الناس فلان ابن مزيّن، وفلان ابن حجام، وغير ذلك من الألفاظ، ومنها (الفخر بالأحساب) كقول الرجل : ( أنا من بني فلان)، أو جدي فلان، أو قبيلتي كذا أو غير ذلك من الألفاظ، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  في حديث أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة "(3) وقوله: لا يتركونهن: أي لابد أن يوجد فيهم من يفعل ذلك.

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا تحريم شهادة الزور التي جاء وصفها من النبي صلى الله عليه وسلم بأنها من أكبر الكبائر، وقرنها بالإشراك بالله.

فقد ورد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا فقال - ألا وقول الزور. قال فما زال يكررها حتى قلنا ليته يسكت"(4).

وإنما شدد في النكير على شهادة الزور، لأنها تؤدي إلى جعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وتستباح بها الدماء، والأعراض والأموال وتحمل الحاكم على الحكم للظالم على المظلوم، وتنشر في الناس الحقد والبغضاء والكراهية وتفقد الناس الثقة ببعضهم، ويستحل بها الشاهد مالا يحل له من الأموال المحرمة وتجرؤ أهل البغي والظلم والفساد على الإقدام على أنواع المظالم والجرائم استناداً إلى من يدعمهم بشهادة الزور، إلى غير ذلك من القباع والفظائع والمنكرات.

تخريج :عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح البخاري  3 /1017 ، برقم 2615.

(2) صحيح مسلم  4 /1751 ، برقم 2230.

(3) صحيح مسلم  2 /644 ، برقم 934.

(4) صحيح البخاري  2 /939 ، برقم 2511.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
خطبة في الإخلاص
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

خطبة في الإخلاص

 

الخطبة الأولى:

1 ـ الإخلاص:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى:" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه "(1).

عن أبي هريرة قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار"(2).

قال الله عز وجل ـ حكاية عن إبليس ـ : ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ  [الأعراف:16، 17 ].

 

2 ـ التوبة:

وجوب التوبة من حقوق الله وحقوق المخلوقين.

رب حسنة جرت بصاحبها إلى النار، ورب سيئة جرت بصاحبها إلى الجنة.

من وكله الله إلى نفسه هلك بعجبه وكبره، ومن أراد به خيراً ابتلاه بما يوجب الذل والانكسار.

العبد في حاجة إلى أن يرى نعم الله عليه فيدوم حبه لله وحمده له، ويرى عيب نفسه وتقصيرها فيدوم افتقاره إلى الله تعالى .

أن يكون حاله بعد الحج خيراً من حاله قبل الحج.

 

3 ـ المال الحلال للحج: أن يكون سخياً في إنفاقه في الصدقة والدماء الواجبة وغير ذلك.

4 ـ من لا يستطيع الحج فلا وجوب عليه ولا يجوز أن يبيع ما يضطر إليه أولاده ليحج أو يذهب دون تزود فيسأل الناس.

5 ـ ملازمة السنة وتحريها في أعمال الحج، وعدم التهاون بشيء من أعماله، لحديث "خذوا عني مناسككم"(3) وعلى الجاهل أن يسأل.

6 ـ فضائل الحج المبرور:

عن أبي هريرة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل ؟ فقال: إيمان بالله ورسوله. قيل ثم ماذا ؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل ثم ماذا ؟ قال: حج مبرور"(4)

عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"(5).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول" من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"(6).

 

الخطبة الثانية:

العشر ويوم عرفة:

عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"(7).

عن حفصة – رضي الله عنها- قالت "أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام عاشورا والعشر وثلاث أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة"(8).

عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشورا يكفر سنة ماضية"(9).

النهي عن صوم يوم عرفة للواقفين فيه:

عن أبي هريرة قال :"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات"(10).

عن أم الفضل:" أنهم شكّوا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن فشرب وهو يخطب الناس بعرفة"(11).

النهي عن صوم أيام التشريق إلا للمتمتع والقارن الذي لا يجد الهدي عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب" (12).

عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من دخلت عليه العشر وهو يريد أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي"(13).

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح مسلم 4/2289 ، برقم 2985.

(2) صحيح مسلم 3/1513 ، برقم 1905.

(3) سنن البيهقي الكبرى 5/125 ، برقم 9307 ، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/920، برقم 9192.

(4) صحيح البخاري 1/18 ، برقم 26.

(5) صحيح البخاري 2/629 ، برقم 1683.

(6) صحيح البخاري 2/553 ، برقم 1449.

(7) صحيح البخاري1/329 ، برقم 926.

(8) سنن النسائي4/220 ، برقم 2416، وضعفه الألباني في مختصر إرواء الغليل1/184 ، برقم 954 .

(9) مسند أحمد بن حنبل5/296 ، برقم 22588، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته1/726 ،برقم 7254

(10) سنن ابن ماجه1/551 ،برقم 1732، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة1/132 ،برقم 378 .

(11) صحيح البخاري5/2134 ، برقم 5313.

(12) سنن أبي داود1/735 ، برقم 2419، وصححه الألباني في صحيح أبي داود2/458 ، برقم 2114

(13) صحيح مسلم3/1563 ، برقم 1977.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
فتاوى
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

فتاوى

 

دراسة الفتاة في الجامعة:

س1: ما حكم دخول الفتاة للدراسة في الجامعة، خاصة وأن نظامها قائم على اختلاط الطلبة مع الطالبات؟

الجواب وبالله التوفيق:

الأصل أن فريضة التعلم واجبة على الذكور والإناث، والمرأة يجب عليها شرعاً أن تتعلم ما به تعرف ربها سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأن تتعلم كذلك ما لا بد منه لمعرفة القيام بالواجبات العيينة كالعبادات والحقوق الزوجية وغيرها، إلا أن منهج الإسلام: سد الذرائع: أي إغلاق كل باب يؤدي إلى فساد أو ضرر أو فتنة.

ومن المعلوم أن اختلاط الشابات بالشباب ذريعة إلى الفساد، والواجب على الدولة أن تخصص كليات للبنات، كما أن الواجب على أولياء الأمور أن يسعوا إلى ذلك بمطالبة الدولة من جانب، وبحلول نابعة من الجهود الذاتية من جهة أخرى لتوفير الجو الملائم لكل من الأولاد والبنات لطلب العلم وصيانة الأعراض من التعرض للفساد. والله أعلم.

صبغ شعر المرأة بألوان غريبة

س2: انتشرت ظاهرة صبغ شعر الرأس بألوان غريبة وشاذة وتغيير اللون الطبيعي إلى ألوان أخرى..

فما حكم ذلك التلوين؟

الجواب وبالله التوفيق:

الأصل أنه يجوز للمرأة الخضاب والصبغ بغير الأسود، أما الأسود فمكروه عند كثير من أهل العلم ومحرم عند البعض، وأما الصبغ بغيره فلا باس به إلا أن يؤدي ذلك إلى التشبه بغير المسلمات، فيدخل ذلك في جانب التحريم، لما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من تشبه بقوم فهو منهم"(1)، قال الحافظ بن حجر : ( وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً، كما ثبت في الصحيح" اهـ(2).

ومما جاء في صبغ الشعر حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد" (3).

قال الإمام النووي في: (ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم لقوله صلى الله لعيه وسلم : (اجتنبوا السواد) اهـ(4).

 

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) سنن أبي داود 2/441، برقم 4031، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/ 515 ، برقم 5142.

(2) في فتح الباري 4/245-246.

(3) صحيح مسلم : 3 / 1663 ، برقم 2102.

(4) شرح صحيح مسلم 14/80.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

 

الصدق فضيلة دعا إليه الإسلام، بل أبدأ وأعاد في الدعوة إليه، وأكثر من ذلك جعله علامة على الإيمان الذي يدعيه العبد، ولم يكن الصدق في نظر الإسلام هو مجرد الصدق في القول، بل جعل الصدق في القول والعمل متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر، فمن أقام شعائر الإسلام، ومارس الإسلام جملة دون تفريق بين شعبه فذلك من أكمل الناس إيماناً، فالله عز وجل أمر عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين فيقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ  [التوبة:119] ثم أوضح في غير موضع من هم الصادقون، فقال عز وجل في سورة الحجرات بعد أن رد على الأعراب دعواهم الإيمان ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ـ قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  [الحجرات: 5 ].

فأنت تلاحظ كيف جاءت هذه الآية باشتراط الإيمان بالله ورسوله، وعدم حدوث الريب في ذلك حتى على المستقبل البعيد في حياة الإنسان بدليل استخدام حرف "ثم" "ثم لم يرتابوا" دون غيرها من أدوات العطف، أي: ثم لم يحصل منهم في مستقبل حياتهم ريبة في شأن الإيمان، واختتمت ذلك "باشتراط الجهاد بالمال والنفس، وتلك هي الفريضة الغائبة اليوم في حياة المسلمين العملية، التي بسبب غيابها أصابهم الضعف والوهن، وأذلهم أعداؤهم، وتحكم في رقابهم وأقواتهم الظلمة، وحموا بغير ما أنزل الله تعالى، وانتهت خيراتهم واستبيحت أعراضهم، وديست أراضيهم بالأقدام الدنسة، وسيظل حال المسلمين في هذا الوضع بل سيزداد انحداراً وتدهوراً وسقوطاً ما داموا في حالة زهد عن إحياء هذه الفريضة التي يتشوق لها كثير من أبناء المسلمين، وتنقطع أفئدتهم حسرة على أوضاع المسلمين، ولكنهم لا يجدون سبيلاً إلى ملاقاة العدو وهم يرون كل يوم ما يحل بإخوانهم في كل مكان، لأنه قد حيل بينهم وبين الجهاد بأنظمة جائرة، وهيمنة من حكامهم تحكمت في حياتهم ومصائرهم، بل أخذت تتهم كل من يريد إحياء معالم الدين باتهامات قائمة على الزور والبهتان، ويكفيك مثالاً على ذلك أن تقارن بين ما يفعله اليهود وأعوانهم وأولياؤهم بأبناء فلسطين وما سيكون من مواقف جريئة وعملية وجادة ضد المسلمين في فلسطين، وما يقوم به حكام العرب نحو هذه القضية من مواقف سلبية انحصرت في مجرد الاستنكار والإدانة والمواقف السياسية الهزيلة، القائمة على التبعية المطلقة لأعداء الإسلام.

وها هي المأساة تكرر في بلدان المسلمين، وتتكرر معها مواقف الأعداء، ومواقف المسلمين بالأسلوب نفسه، وكيف نريد حلاً لمشكلاتنا، وخروجاً من الأزمات التي نعيشها، وانفراجاً، من الضيق الذي ألم بنا، ورحمة من الله تنزل علينا، ونصراً على أعدائنا، وتبدلاً لأحوالنا، ونحن ما نزال نسير في خط معاكس ، فمتى يفيق المسلمون من غفلتهم بعد هذه الصفعات المتكررة، إن كانوا يريدون من الله تعالى نصراً وتأييداً وتغييراً لأحوالهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ  [الرعد: 11 ].

وقال : ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  [الروم:47 ] ، وقال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  [محمد: 7] .

 تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

__________________

صحيفة صوت الإيمان ـ العدد ( 1 )  28 شوال 1413هـ الموافق 20/4/1993م

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية - 2
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

 

على المسلم تحديد موقفه من كل قانون يحرم ما أحل الله ، أرأيت الإيمان الصادق يجتمع في قلب العبد مع قبوله ورضاه تعالى في أي شأن من الشؤون؟ أو يعتقد أن آراء البشر وقوانينهم الوضعية خير حكم الله تعالى وحكم رسوله إن الجواب على هذا السؤال لا يملك أحد الإجابة عليه إلا أن تكون الإجابة عليه صادرة من عند الله أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقضية إيمانية بحتة متروك الحكم فيها لله ولرسوله وقبل عرض الأدلة من الوحيين نلفت النظر إلى أن هناك قضايا لا يجهل حكمها أحد من المسلمين إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام لأنها أصبحت معلومة من الدين بالضرورة كعلم الإنسان بأن السماء فوقه والأرض تحته فلا تقبل الجدال ولا المراء ولا يقبل من مسلم دعوى الجهل بها فإذا رضي أن يحكم فيها بغير حكم الله وشرعه فقد رضي أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى وأن يقر بحق مشاركة المخلوق للخالق سبحانه في أمر الحاكمية والتشريع التي هي من خصائص الحق سبحانه وتعالى والله عز وجل يقول: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ  [يوسف: 40] .

ويقول: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  [الشورى:21 ].

ويقول: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ  [يونس: 59 ].

ويقول: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل:116].

وهل يعد هذه الأدلة الحاسمة من أدلة في هذه القضية العظيمة وهي كما يرى في غاية الوضوح والجلاء.

إن العبادة التي جعلها الله عز وجل غاية لخلق الجن والإنس كما قال سبحانه: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  [الذاريات: 56] ، لا تتحقق إلا بطاعة اله سبحانه في كل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه وزجر، فإذا أطاع العبد بشراً مثله في معصية الله سبحانه فقد جعله شريكاً لله تعالى في حق الطاعة والاتباع والخضوع والرسول عليه الصلاة والسلام قد حدد طاعة المخلوق في حدود المعروف أي فيما لا معصية فيه لله ولا لرسوله، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب كرم الله وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف"(1) وإذا جاء الحكم من الله عز وجل أو من رسوله في قضية من القضايا فلا ينبغي لإنسان يدعي الإسلام أن يتردد في قبول ذلك الحكم، أو أن يتهمه بالنقص، أو أن يظن أن غيره خير منه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: 51].

ويقول عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً  [النساء: 60 ].

ويقول جل شأنه: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  [النساء: 65] ، وعلى هذا فالواجب على المسلم أن يحدد موقفه، أعني موقف الرفض من كل قانون يحل: الخمر، والربا، والزنا، أو الظلم بجميع أشكاله وأنواعه، أو سلب الإنسان حريته وكرامته، أو يستبيح تعطيل أحكام الله أو حدوده، أو يستبدلها بشيء من آراء البشر، وإلا فهو الوبال والخسران.

وبالله التوفيق..

تخريج :عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



صحيفة صوت الإيمان ـ العدد ( 2 )  26 ذو القعدة 1413هـ الموافق 18/مايو/1993م

(1) صحيح مسلم    3 /1469 ، برقم 1840.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية - 3
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

القوانين الوضعية أدت إلى السقوط الأخلاقي بين الأمم

 

لا يستطيع الإنسان أن ينكر أنه مقهور مربوب خاضع لقوانين ونواميس إلهية، لا يملك مقاومتها، ولا الاستعصاء عليها: فلم يوجد من العدم بإرادته، ولا يموت كذلك باختياره، كما أن ما يعتريه خلال حياته من : مرض ، وسرور، وحزن، وإحساس بالجوع، وقهر النوم له، وكذا ما يتمتع به من صحة، وما يدركه من شبع كل ذلك وأمثاله يحدث للإنسان بإرادة الله الكونية، التي لا دخل لاختيار الإنسان في وجودها، والإنسان كذلك يدرك أن هناك حركات دائمة في جسمه، كنبضات القلب، وحركة الرئة، والدورة الدموية وحركة الجهاز الهضمي وغير ذلك، وكلها مما لا دخل لاختيار الإنسان في شيء منها؛ شأنها شأن الكون كله من حوله الذي يسير في حركته الدائبة خاضعاً ذليلاً منقاداً مستسلماً لإرادة الله عز وجل وتسخيره، وهذه النواميس التي يخضع لها الإنسان والكون من حوله لا بقاء للإنسان، ولا للكون بدونها، فلو توقفت حركة القلب مثلاً لأدى ذلك إلى هلاك الإنسان، ولو اختفت الشمس عن الكون، أو اقتربت من الأرض أو بعدت عنها مثلاً، لأدى ذلك إلى هلاك كل ما يعيش على وجه الأرض، وهكذا الحال في سائر الأمور الكونية التي ربط الله سبحانه صلاح ووجود هذه الكائنات ببقائها وانتظام سيرها وأداءها لما أمرت به وهذا كله مسلم به عند الإنسان، والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه المقدمة هو: أليس الذي أتقن صنع الإنسان، وصنع كل شيء من حوله في غاية الإحكام كما قال الله عز و جل﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل: 88]، وقال عز وجل: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  [طه: 50] .

وقال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ  [الملك: 3،4 ] .

فلم يجد الإنسان عيباً ولا خللاً ولا نقصاً في خلق الله البديع سبحانه، ألا ينتقل الإنسان من يقينه بالإحكام والإتقان في الخلق، إلى أن يوقن كذلك بأن ما شرعه الله للإنسان العليم بما يصلحه في الدنيا والآخرة في غاية الإحكام والإتقان كذلك؟ وهل يجد الإنسان في أنظمة الإنسان الذي لا يفارقه العجز والضعف والجهل، وأنه مهما علم أشياء فإن ما يخفى عليه ويجهله أكثر مما علمه، أيكون ما يتوصل إليه هذا الإنسان وهو بهذه المثابة من قوانين وأنظمة أكمل وأدق وأوفى مما جاء من عند الله سبحانه قال الله عز وجل: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ  [المائدة: 50] .

وقال الله عز وجل في شأن القرآن الذي أنزله لهداية الإنسان: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  [الأعراف: 52].

وقال أيضاً: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً  [طه: 133-134] .

وليس هناك من حجة يدلي بها الإنسان المعرض عن حكم الله وشرعه وهديه سوى شيء واحد يتعلل به هو: أن هذه الأحكام قديمة في نزولها وقد كانت صالحة للعصر الذي نزلت فيه، وأما هذا العصر يعني ـ عصر الصناعات والتقدم المادي ـ فلا تصلح له تلك التشريعات.

وهي حجة في غاية السقوط، فالإنسان قد جرب كثيراً من القوانين الوضعية التي استبدلها مكان شرع الله فما جاءت بخير فالسقوط الأخلاقي في الأمم التي أخذت بهذه القوانين وأعرضت عن شرع الله، وكذا الجرائم التي ما تزال تتضاعف في هذه البلدان من وقت لآخر، وفساد النفوس التي لم تترك بهذه القوانين، كل ذلك دليل واضح وبرهان جلي على فشل هذه الأنظمة في إصلاح الإنسان فرداً أو أسرة أو مجتمعاً.

وأما مجرد الطعن في شرع الله أنه قديم في نزوله فهذا منقوض عليهم بأمرين:

الأمر الأول: إذا صحت دعواهم في أن كل تشريع قديم لا يصلح لهذه العصر، فلماذا يأخذون بما كانت تتعامل به الجاهلية، وقد كان ذلك قبل نزول القرآن على خاتم الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام فقد كانت الجاهلية تستحل الخمر والربا والزنا والتبرج والسفور الذي كان طابعاً للمرأة، فإذا كان القدم عيباً فهذه الأمور قديمة فلماذا طاب لأهل الأهواء الرافضين لشرع الله سبحانه أن يستسيغوا الأعراف الجاهلية الأولى وهي قديمة، ويرفضوا حكم الله وشرعه بدعوى إنه قديم، هل كان المقياس في الأخذ والرفض هو النظر فيما هو أصلح للإنسان، وأقوم لحياته وأدعى لتزكية نفسه وأطره لسلوكه؟ أم أن الأمر يخضع لهوى البشر وشهواتهم، وتقليد أعداء الإسلام الذين رفضوا الدين جملة وتفصيلاً.

الأمر الثاني: مما ينقض عليهم دعواهم: أن هذا التشريع قديم ولذلك لا يصلح في زعمهم لهذه العصور المتأخرة؛ هو: أن هذه الدعوى ستعم كل ما هو قديم، فالله عز وجل الذي أودع خصائص في هذا الكون القديم في خلقه، هو الذي أنزل التشريع، فإذا طعنتم في صلاحية ما أنزل بسبب أنه قديم، فسيقال لكم وكذلك خصائص الكون وطبائع الأشياء قديمة بقدم خلقها، وعلى هذا فلا تصلح الشمس، ولا الماء، ولا التربة، وغيرها في أن ينتفع بها في نفس الأمور التي كان ينتفع بها فيها أصحاب العصور الحجرية فإن هذه رجعية، وعودة بالإنسان الذي يعيش في عصر الصناعات إلى عصور قديمة، وهذا الأمر لو نادى به أحد من الناس مهما كانت مكانته العلمية، فإن الناس جميعاً سيسفهون رأيه، ويحتقرون تفكيره وعلمه، ويسخرون من عقله الذي أوصله إلى هذا التفكير، لقد كان على الناس أن يقفوا نفس الموقف من كل من ينادي بطرح بشرع الله سبحانه، واستبداله بقوانين البشر الوضعية ويسفهون رأيه لأنه فرق بين متلامين لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: هما آيات الله الكونية وآياته الشرعية والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

 

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية - 4
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

ابتلاء بني الإنسان في الحياة الدنيا 

جعل الله عز وجل هذه الحياة الأولى، لابتلاء بني الإنسان واختبارهم كما جعل الجزاء على الأعمال مؤجلاً إلى دار البقاء، وأقام الله تعالى الحجة على الإنسان بما وهبه من قبل، إذ أرسل له من رسله من يهديه إلى السبيل الأقوم، وأنزل من الوحي ما يجلي كل ضيقة ويدحض كل باطل، وجعل للإنسان فسحة في عمره بحيث يتمكن من القيام بما كلف به.

وفي كل ذلك يقول تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً  [النساء: 165]، ويقول : ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 52] . ويقول : ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ  [فاطر: 37].

وكون الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون هناك دار أخرى، ينال فيها المحسن جزاء إحسانه وينال فيها السيئ جزاء إساءته، فإن ذلك من كمال عدل الله سبحانه، لأننا نشاهد في هذه الحياة كثيراً من الناس يغلب عليهم الإفساد والظلم فيعيثون في الأرض فساداً ويتطاولون ويتكبرون، وينتهكون الكثير من الحرمات، ومع كل ذلك نراهم يموتون دون أن ينالوا جزاء ظلمهم في الدنيا، كما نرى كثيراً من الناس يعيشون على حال من الاستقامة على دين الله، ويقفون عند حدوده، ويقيمون شرائعه، ويحيون فرائضه، ونراهم مع ذلك يكابدون ألواناً من شظف العيش، ويعيشون في ضائقة من الحياة، وربما ينالهم كثير من ظلم الظالمين، وجور الجائرين، وسخرية الساخرين، ونراهم يموتون دون أن ينتصف لهم من خصومهم وأعدائهم، ودون أن ينالهم ثواب أعمالهم الصالحة، لذلك لابد ـ في مثل هذه الأحوال ـ من دار أخرى ينال فيها كل من الفريقين جزاء ما قدم من خير أو شر وبدون ذلك تكون مقاييس الحياة مختلة، ويتنافى ذلك مع عدل الله عز وجل الذي لا يظلم أحداً، كيف وقد قال ـ في محكم كتابه : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ  [القلم35 – 36]، ويقول: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ  [ السجدة: 18-20]، ويقول: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ  [ص: 27-28]. ويقول: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ  [المؤمنون: 115] .

إذاً فالمؤمن الصادق ـ الموقن بوعد الله ووعيده وأن الله عز وجل سيجمع الخلق يوم الجزاء والحساب، وأنه سبحانه لا يظلم عنده أحد ـ هو الذي يعيش في هذه الحياة الدنيا صابراً ، ولا يستعجل حكم الله بينه وبين خصمه، لأن الله عز وجل لم يجعل نصر أوليائه قاصراً على وقوعه في هذه الحياة، بل قال جل شأنه﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ  [غافر: 51].

فالنصر الحقيقي، والخذلان والخزي في أكمل صوره، إنما هو في ذلك اليوم ، وأما الذي يعيش في هذه الحياة مجرداً من هذه العقيدة، عقيدة الإيمان باليوم الآخر، فإنه يعيش في ضيق وضنك شديدين لأنه عند نزول الظلم به من بني البشر لا يجد سبيلاً للانتقام لنفسه ولا نصيراً يأخذ له حقه، وفي هذه الحال، قد يحمله الأمر على الانتحار للتخلص من هذه الحياة؛ لأنه لا يحمل من العقيدة ما يجعله يصبر حتى يلقى الله تعالى قرير العين، وفي الموضوع القادم ـ إن شاء الله ـ نتحدث عن بقية تتعلق بهذا الأمر وبالله التوفيق.

 

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

___________________

صحيفة صوت الإيمان ـ العدد ( 4 )  24 محرم 1414هـ، الموافق 13/ يوليو / 1993م

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية - 5
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

أسباب ارتكاب المعاصي

 

لما كان من طبع الإنسان التأثر بالترغيب والترهيب، يستجيب للمحبوب عند النفس البشرية ويميل إليه بفطرته ويعمل على تحقيقه كما ينفر من المكروه الذي يؤدي إلى جبل الآلام والمضار والشر على النفس كذلك فإن القرآن الكريم جاء في وسائل دعوته أسلوب الترغيب والترهيب. لما لذلك من أثر بالغ على النفس البشرية.

ومن أجل ذلك فإن الله عز وجل أخبر في كتابه الكريم عن حال الجاحدين للبعث والجزاء الذين لا يؤمنون بحياة أخرى وراء هذه الحياة كيف يتجرؤوا على الإيغال في المنكرات والإفساد في الأرض وأنه لو كان عندهم علم بما أعد للعصاة من العذاب لأقلعوا عما هم فيه ولحملهم إيمانهم بالحياة الأخرى على الكف عن كل ما يوقع في سخط الله والقيام بكل ما يوقع من شأنه أن يجلب رضوانه ورحمته سبحانه، وفي مثل ذلك يقول الله عز وجل عن المطففين في الوزن والكيل: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  [المطففين:1-6 ].

فأخبر سبحانه أن الحامل للمطففين على فعلهم القبيح إنما هو جحودهم ليوم البعث وأنه ليس عندهم من الإيمان به ما يردعهم عن هذا المنكر.

كما أخبر سبحانه أن تجرد الإنسان من الإخلاص في العمل لله تعالى ومراءاته بأعماله لا يبتغي من وراء عمله سوى الشهرة والسمعة كل ذلك سببه عدم الإيمان باليوم الآخر، كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  [البقرة: 264] .

وأخبر سبحانه أن الفرار من الجهاد في سبيله تعالى، واختلاق المعاذير الكاذبة رغبة في التخلف وعدم الخروج للجهاد إنما يصدر ممن لا إيمان له باليوم الآخر، فقال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ  [التوبة: 45] .

ومنطق هؤلاء كما أخبر الله عنهم بالنسبة للبعث والنشور، قوله سبحانه: ﴿ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  [المؤمنون: 82] . وقوله: ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ  [الأنعام: 29] .

وكما أن الجحود والإنكار للبعث والنشور من أعظم الأسباب الباعثة على ارتكاب المعاصي.

فكذلك الإيمان الصادق باليوم الآخر من أعظم ما يدفع الإنسان إلى المسارعة في طاعة الله سبحانه فعلاً لما أمر وتركاً لما عنه نهى وزجر، خوفاً من العقاب المنتظر لمن أعرض وتولى وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  [النساء: 59 ].

فأخبر عز وجل أن الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع والاختلاف شأن المؤمنين بالله واليوم الآخر.

كما أخبر جل ثناؤه أن بناء المساجد وعمارتها ابتغاء وجه الله تعالى لا يكون إلا ممن آمن بالله واليوم الآخر، قال جل جلاله: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ  [التوبة: 18 ].

وإقامة الحدود التي شرعها دون رأفة ولا رحمة بمستحقها استجابة لأمر الله عز وجل وصيانة للمجتمع من التصدع والانهيار وتطهيراً لمرتكب الجريمة لا يصدر إلا من صاحب إيمان بالله واليوم الآخر، قال سبحانه: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  [النور: 2 ].

والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله إماماً وقدوة يهتدي به لا يكون إلا من مؤمن بالله واليوم الآخر كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً  [الأحزاب:21] .

والمؤمن بالله واليوم الآخر من شأنه أن لا يوالي أحداً ممن ناصب العداوة والحرب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فهو عدو لأعداء الله ورسوله، ولي وناصر ومحب لأولياء الله ورسوله وتلك طبيعة الإيمان بالله واليوم الآخر وثمرته التي لا تتخلف، كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ  [المجادلة: 22] .

كل ذلك شأن الجحود باليوم الآخر أو الإيمان به إيماناً لا ريب فيه ولا شك وتلك هي الثمرات التي لا تتخلف ومن هنا ندرك أهمية الإيمان باليوم بالآخر في حياة الأفراد والأمم. وبالله التوفيق..

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

__________________

صحيفة صوت الإيمان ـ العدد ( 5 )  8 صفر 1414هـ الموافق 27/يوليو/1993م

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية - 6
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

(لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)

من أهم أسرار التشريعات الإلهية غرس المحبة بين المؤمنين

 

إن الإيمان الصادق له آثار وله ثمرات في حياة الفرد والجماعة من أعظم هذه الثمار: وجودة المحبة والأخوة التي جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم شرطاً في كمال الإيمان الذي به يدخل المرء الجنة بعد فضل الله ورحمته، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم"(1).

وقد جعل الله عز وجل الإيمان هو الأصل الذي يرجعون إليه فهو أقوى من رابطة النسب ولذا قال عز وجل: ﴿ ِإنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  [الحجرات: 10].

ولم يجعل الله عز وجل قيمة الأخوة النسب، عندما يكون الأخ عدواً لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، بل المفاصلة في هذا الجانب وعدم الموالاة، هو الأمر الذي لا يمكن أن يصدر غيره من مؤمن بالله وبرسوله استجابة لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  [التوبة:23].

والحياة لا تستقيم لمن ينتمون إلى هذا الدين إلا إذا عمتهم المحبة والألفة والمودة، والمتأمل في التشريعات الإلهية يدرك أن من أهم التشريعات الإلهية يدرك أن من أهم أسرارها غرس المحبة بين المؤمنين والتحذير من كل أمر يؤدي إلى العداوة والبغضاء وإفساد ذات البين، وهذه الثمرة العظيمة لا يمكن حصولها إلا عندما يحسن المؤمنون القيام بشرائع الإسلام على الوجه الأكمل.

أما الممارسة السطحية التي تتجلى في أعمال الناس، كالذي يشاهد من حال الكثير عند القيام بالصلاة والزكاة والحج والصوم مثلاً، فإنها ممارسات لا تؤتي ثمارها.

فالإسلام الذي فرض الصلاة يطلب من المسلم أن يقف إلى جانب أخيه المسلم عند أداء الصلاة ويحذره من إحداث أي خلل في الصف ،عن أبي مسعود قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح منا كبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم"(2)، ذلك أن من أسباب العداوة والبغضاء بين النصارى إعراضهم عن جانب من الحق الذي أمروا باتباعه، قال جل شأنه: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ  [المائدة: 14].

والمسلم في مناجاته لربه في صلاته يدعو الله عز وجل بصيغة الجمع: ﴿ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ  [الفاتحة:6].

وفيه تذكير بالأخوة الإيمانية وبحق هذه الأخوة أن يشرك كل أخ له في الإيمان في هذا الدعاء ويتذكر في الوقت نفسه رابطة الإيمان بينه وبين من سبقه في حقب التاريخ من أصناف المؤمنين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [الفاتحة:7].

وقد أشار الله عز شأنه إلى المنعم عليهم بقوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً  [النساء: 69] ولم يغفل هذا الدعاء العظيم جانب البراءة من أعداء الله من اليهود والنصارى ومن سار على ربهم: ﴿ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].

هذه المعاني وأمثالها في سائر العبادات تثمر المحبة الصادقة بين المؤمنين الذين صدقوا في إيمانهم والذين لم تتجرد عبادتهم من الإخلاص لله تعالى.

وعند التأمل أيضاً في جانب المعاملات: نجد أن الإسلام حرم صوراً من البيع لما لها من آثار سيئة في غرس الشحناء والبغضاء بين المؤمنين، فالكذب والخديعة والغش والغرور وغيرها من الصور التي يستخدمها بعض التجار في معاملاتهم مع الناس أفقدت الناس الثقة فيما بينهم وأشاعت سوء الظن والكراهية بين البائع والمشتري، وهذا مما يؤدي إلى التقاطع والتدابر والهجر التي حرمها الإسلام.

وتجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر بحق الإخوة الإيمانية وهو ينهى عن بعض الصور القبيحة في التعامل كما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى أن يبيع حاضر لباد، أو يتناجشوا أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها، أو ما في صحفتها"(3).

وأبلغ من ذلك القاعدة العامة التي أصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل قضية بين شخصين وأكثر من بيع أو شراء أو خطبة أن مشورة أو نصيحة.. أو غير ذلك وهي: أن مقتضى الإيمان الصادق أن يصدق المسلم أخاه وينصح له فيها حتى كأنه يعمل ذلك لنفسه ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن حسين المعلم قال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(4).

هاهم الناس اليوم يمارسون صوراً كثيرة من صور الوحدة بين المسلمين، يصلون في وقت واحد، ويقفون في الصلاة صفوفاً ويصومون في يوم واحد، ويفطرون في يوم واحد ويقفون في يوم عرفة في مكان واحد.

ولكنك لا تجد آثار هذه المظاهر منعكسة على قلوبهم ومعاملاتهم ووحدة كلمتهم وتآزرهم، بل الفرقة والشتات، والقطيعة والبغضاء هي الغالبة على المسلمين أفراداً وأسراً وجماعات وحكاماً وشعوباً، وها هي الأمم تتداعى عليهم كما تتداعى الأكلة على القصعة، فلا يحركون ساكناً ولا يذودون عن عرض ولا يدفعون عدواناً ولا يحمون أرضاً سوى الآهات والهمس بما في النفوس من آلام والاستنكار الذي عودهم حكامهم لعشرات من السنين.

وسيظل وضع المسلمين على هذه الحال أو أقبح حتى تختفي منهم هذه الأمراض التي أشرنا إليها إذعاناً وخضوعاً لشرع الله وحكمه وهديه.

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  [الأنفال: 24].

 

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


صحيفة صوت الإيمان ـ العدد ( 6 )  22 صفر 1414هـ، الموافق 10/8/1993م

(1) صحيح مسلم  1 / 74 ، برقم 54.

(2) صحيح مسلم  1 / 323 ، برقم 432.

(3) صحيح مسلم 2/1033 ، برقم 1413.

(4) صحيح البخاري 1 / 14، برقم 13.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لفتات إيمانية - 7
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لفتات إيمانية

هكذا يعلمنا الإسلام كيف نتعامل مع المال

 

وبالعودة إلى الآيات التي سبق ذكرها في موضوع العدد السابق نجد أن الله عز وجل ينهى عن الإفراط والتفريط في الإنفاق، ويأمر بالاقتصاد في العيش، وذلك في قوله تعالى﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً  [الإسراء: 29] .

فقد ذم الله عز وجل البخل ونهى عنه، كما نهى عن تجاوز الحد في الإنفاق، وهو عين الإسراف الذي نزه عنه عباد الرحمن في قوله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  [الفرقان: 67] .

فالسرف: تجاوز الحد في فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، ويقال: السرف تارة اعتباراً بالقدر، وتارة بالكيفية، ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف. هكذا جاء في مفردات الراغب الأصفهاني.

والمراد بالقدر: تجاوز الحد في الإنفاق وأما الكيفية: فبوضع المال في غير مكانه كالإنفاق في معصية وإن قل.

ومما ورد في القرآن الكريم في ذم الإسراف، والوعيد عليه، قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ  [الأنعام: 141] ، وقوله: ﴿ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ  [غافر: 43] .وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ  [غافر: 28] . وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ  [غافر: 34].

وقد جعل الله عز وجل المال أمانة في عنق صاحبه؛ إذ لا يعني كون الإنسان قد أصبح مالكاً لشيء من المال أن له الحق في أن يصرفه كيف شاء، بل الإنسان مستأمن على هذا المال، مبتلى به، ولا يجوز له أن يأخذه من غير حله، ولا أن يضعه في غير محله، قال تعالى: ﴿ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ  [الحديد: 7] .

وقد أباح الله عز وجل للمسلم أن يستمتع بالطيبات، ونهاه عن الخبائث التي حرمها، وذم الطغيان والبغي وما يؤدي إليهما وهو الترف.

فأما ما ورد في حل الطيبات، والاستمتاع بها في حدود التقوى والطاعة، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  [الأعراف: 31-32 ].

ومنا لآيات التي حذر الله عزوجل فيها من الطغيان والترف، قول الله عز وجل: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى  [العلق: 6-7] .

وقال سبحانه ـ في ذم أصحاب الشمال: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ  [الواقعة:45-46] .

وقال في شأن إغراق المترفين في المعاصي واستمرارهم فيها: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ  [هود: 116] .

وقوله: (أولوا بقية) أي بقايا من أهل الرأي والعقل والدين.

وقال عز وجل: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً  [الإسراء: 16] .

والمراد: أنهم أمروا بالطاعة ففسقوا، لأن الفسوق: هو الخروج عن مقتضى الطاعة كما تقول: أمرته فعصاني، ولا ينبغي تأويل ذلك بأن الله عز وجل أمرهم بالفسق، لأن الفسق معصية، والله عز وجل إنما يأمر بالطاعة، قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ  [الأعراف: 28-29).

ومن حرص الإسلام على المال، وتحريمه لإهداره، لما فيه من النفع العام، فإن الإسلام شرع الحجر على السفيه، أي أن يمنع من التصرف في ماله، لكونه لا يحسن التصرف فيه.

وينبغي التأمل في التعبير القرآني، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  [ النساء: 5] .

وقد فسر السفهاء باليتامى قبل بلوغهم سن الرشد لكونهم في هذه السن لا يعرفون قيمة المال ولا يحسنون التصرف فيه، وقد أضاف الله عز وجل الأموال إلى المخاطبين بقوله: (أموالكم)، لأن الأموال فيها مصلحة عامة للأمة، ولأن إهدارها وصرفها صرفاً سيئاً يؤدي إلى الإخلال بحياة الأمة والإفساد فيها، ولذلك قال: ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً  ، أي التي بها تصلح أموركم فتقومون بها قياماً. ولم يقل: (وارزقوهم منها) لأن الرزق منها يؤدي إلى نفاذها عند استمرار الإنفاق، بل قال: ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا  فجعلها ظرفاً للزرق، وفيه إشارة إلى التجارة بها والإنفاق عليهم من الربح، وهذا يعود بالنفع على اليتيم وعلى عامة المسلمين.

وهكذا يعلمنا الإسلام كيف نتعامل مع المال الذي جعل الله به قوام الحياة، كما جعله أحد الأسباب التي ابتلى الله بها عباده في هذه الحياة.

وللحديث بقية حول المال وما يتعلق به فإلى عدد قادم إن شاء الله.. وبالله التوفيق.

 

 تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

__________________

صحيفة صوت الإيمان ـ العدد ( 10 )  19 ربيع الثاني 1414هـ، 6 أكتوبر 1993م

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الغفلة
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الغفلة

 

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [البقرة:21].

إذا عرف العبد ربه على الحقيقة، وأنه خالقه ورازقه، ومتولي شؤونه، ومن بيده نفعه وضره، ومن يعلم علانيته وسره، وحياته ومماته، وأن العبد لا يستغني عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك، علم أن حق الله على عباده كبير وعظيم فمن حقه تعالى على عباده أن يطيعوه فلا يعصوه، وأن يشكروه ولا يكفروه وأن يذكروه ولا ينسوه، وأن يتقوه حق تقاته.

وكل تقصير في هذه الحقوق تقصير ومعصية فالغفلة عن الله ولو لحظة واحدة إثم ومعصية وعدم القيام بشكر نعمة واحدة من نعم الله التي لا تحصى إثم ومعصية، ومخالفة أمر الله ومعصيته في الكبير والصغير والحقير والجليل إثم ومعصية.

وقد أمر الله عباده أن يتقوه حق تقاته، أي كما ينبغي له، إذ هو سبحانه أهل لأن يتقى فهو الرب الإله القائم على كل نفس بما كسبت كما قال سبحانه: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  [يونس:61].

وقد علم الله سبحانه وتعالى أن عباده لا يطيقون أن يقوموا بحقه وأن يتقوه كما ينبغي له سبحانه وتعالى، ففرض عليهم من ذلك ما يستطيعون فقال جل وعلا: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا  [التغابن:16].

فمن غفل عن ذكر الله الواجب المستطاع فهو آثم ومقصر في حق الله كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة"(1). أي حسرة وندامة.


(1) مسند أحمد بن حنبل 2/224، برقم: 7093، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/160، برقم: 80.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أخلاق عامة يجب التحلي بها
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الأثنين 26 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

أخلاق عامة يجب التحلي بها

1 ) أخلاق يجب التحلي بها.

2 ) أخلاق تقتضيها طبيعة (المهنة ـ الجندية):

أ ـ تنقية النفس من حظ النفس.

ب ـ التحذير من البطر.

ج ـ كمال الطاعة والانقياد لله عز وجل.

3 ) طبيعة الأعداء (الكفار) في عدائهم ومحاربتهم المسلمين.

4 ) كيف يقابل المسلمون هذا العداء المستحكم عند الكفار.

ومن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الجندي المسلم:

1 ـ الإيمان: قوله تعالى : ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51]

2 ـ الإخلاص في الجهاد بحيث يبتغي به وجه الله تعالى قال تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  [محمد:7 ].وقوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  [ النساء: 76] .

3 ـ الحذر من الأشر والبطر وشوائب البغي والظلم والعدوان والاستعلاء، والحمية، والعصبية، والرياء، والسمعة، قال تعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  [لأنفال:47]. وفي الحديث عن أبي موسى - رضي الله عنه- قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله ؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(1).

4 ـ التوكل على الله تعالى، والاعتماد عليه وحق، والاعتصام به قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ  [آل عمران:159]. وقال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  [آل عمران:160].

5 ـ التقوى والصبر، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً  [آل عمران:120]. وقال تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ  [آل عمران:186]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [آل عمران:200]

6 ـ الاتجاه إلى الله تعالى واللجوء إليه، وبالأخص عند ملاقاة العدو طلباً للنصر والثبات والصبر، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [لأنفال:45]. وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  [البقرة:250]. وقال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  [آل عمران:146].

7 ـ الحذر من تسرب الضعف والوهن أو الاستسلام، والاستكانة إذا نزل بهم بلاء على أيدي أعدائهم، فإن كل ما يصيبهم لهم به عند الله أجر، وإن قتلوا فشهداء، إذا صبروا واحتسبوا، قال تعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  [آل عمران:139].وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ  [النساء:104]. وقال تعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ  [محمد:35].وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ  [التوبة:120]. وقال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ  [آل عمران:].

8 ـ الثبات عند ملاقاة العدو، وعدم الفرار من الزحف، والحذر من الخوف والجبن، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ  [لأنفال:15]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  [لأنفال:45].وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  [آل عمران:175]. وقال تعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ  [التوبة:56] .

9 ـ اليقظة الدائمة، وأخذ الحيطة والحذر من مكائد العدو وغدره، ومباغتاته ومكره، فذلك دليل الحزم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً  [النساء:71]. وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ  [النساء:102].

10 ـ الحذر من التنازع والاختلاف المؤدي إلى الشتات والتمزق الذي يجر إلى الضعف وذهاب الهيبة والقوة، وإعطاء العدو الفرصة للانقضاض، كما يجب الحفاظ على جمع الكلمة، والتئام الصف؛ وهذا لا يتم إلا عند صفاء النفوس، والابتعاد عن ركوب الأهواء، والطاعة الكاملة لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولولي الأمر في المعروف، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  [الأنفال:46]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ  [النساء:59]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ  [الشورى:10]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [النور:51].

11 ـ إعداد العدة المقدور عليها، وعدم التقصير أو التهاون في شأنها، لأنها من الأسباب المادية التي يجب مراعاتها شرعاً، ولأن الأخذ بالأسباب وعدم التواكل من الإيمان، ولأن العدة الكافية من أسباب رهبة العدو منهم، وغلظتهم عليه، وقد شرع الله سبحانه القتال، والقتال لا يتم إلا بوسائله المكافئة في كل عصر بحسبه، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  [الأنفال:60]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً  [التوبة:123]. وقال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ  [التوبة:14]. وفي الحديث: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- :"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"(2)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "من علم الرمي ثم تركه فليس منا ـ أو فقد عصى"(3).

فالجندية إذاً تعني:

- العقيدة الراسخة التي لا تتزعزع.

- والمعنويات العالية القائمة على التوكل على الله تعالى.

- والاعتزال بالدين.

- والثقة بالنفس.

- واليقين بأن ما يعتقده ويدافع عنه ويجاهد من أجله أنه الحق.

- اليقين بأن الله مع المؤمنين الصادقين، وأنهم به منصورون.

- الضبط المتين الذي يعني دقة المحاسبة والرقابة.

- تلاحم الصف وكمال المحبة وعدم التنازع والاختلاف.

- التدريب والتسليح الذي يتناسب مع الزمن.

- التواضع لله والإخلاص لوجهه.

- التزام الوفاء بالعهد والوعد.

- كمال الطاعة في المعروف.

- الثبات والصبر ورباطة الجأش.

- الإيمان بأن الآجال بيد الله تعالى.

- التسليم لقضاء الله وقدره واستشعار الرضا والطمأنينة لحكمه.

- الترفع عن حظوظ النفس وأهوائها، والتجرد للحق الذي يعمل من أجله.

- إحساس الجندي بالمسئولية كإحساس القائد.

-   مداومة تذكير النفس والصلة بالله تعالى واستمساكها بهدي الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ  [العنكبوت:69].

 

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح البخاري 3/1034، برقم: 2655.

(2) صحيح مسلم 3/1522، برقم: 1917.

(3) صحيح مسلم 3/1522، برقم : 1919.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الأخلاق الجماعية
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخلاق الجماعية

 

العصبية الجاهلية: مظهر من مظاهر الكبر والعجب؛ لأن الذي يفخر بنسب يطعن في أنساب الآخرين، لا يحمله ذلك إلا الاستعلاء في أنساب الآخرين، والعجب بما هو فيه من نسب أو جاه أو حسب.

والإسلام قد حرّم كل صور الكبر والعجب، وطهر نفوس المؤمنين منهما، ومن الأحاديث الواردة في التحذير منهما وتحريمهما:

1 ـ حديث أبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله عنهما- أنهما قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يقول الله سبحانه الكبرياء ردائي والعظمة إزاري, من نازعني واحدا منهما, ألقيته في جهنم"(1).

2 ـ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس"(2).

3 ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: "بولس" تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال"(3).

4 ـ عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خطب الناس يوم فتح مكة فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية(4) الجاهلية وتعاظمها بآبائها، الناس رجلان: بر تقي كريم على الله عز وجل؛ وفاجر شقي هين على الله عز وجل؛ الناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13](5).

5 ـ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم حلق من تراب"(6).

6 ـ وروى الشيخان عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه- أنه عير رجلاً بأمه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية"(7).

 ومن العصبية الممقوتة:

التعصب للرأي بدون حجة ولا برهان، مما يؤدي إلى رفض حجة الغير ولو كانت قائمة على دليل صريح، ويؤدي إلى تغليب جانب الهوى على جانب الحق والصواب، ويؤدي إلى الميل إلى من يهواه ويحبه بحيث يدافع عن كل مواقفه وأعماله وأقواله وفتواه دون نظر إلى ما فيها من حق وباطل، وبالمقابل يرفض كل ما يرد عمن لا يهواه ولا يحبه دون تمحيص، ولا تفريق لما حق أو باطل، والله عز وجل يقول: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  [المائدة:8].

عن أبي الدرداء – رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال: "حبك الشيء يعمي ويصم"(8).

أي عند عدم الإيمان والتقوى، فإن الإنسان يفقد ميزان الاعتدال، وقد وردت الإشارة في الحديث الشريف إلى مقت الإعجاب بالرأي، وذلك في حديث أبي ثعلبة الخشني "الطويل" والذي جاء فيه: "إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه"(9).

والتعصب للعشيرة والقبيلة أو الأسرة أو القريب أو العالم، أو المذهب.. يؤدي إلى الوقوف معهم ونصرتهم في الحق والباطل، وهذا ما كان عليه أهل الجاهلية، في الثأر والحمية، وقد هذب الإسلام هذا التوجه بما جاء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"(10)من حديث أنس بن مالك.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب، من أمر الجاهلية، ففي صحيح مسلم رقم (934) عن أبي مالك الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن، الفخر في الأحساب(11)، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"(12).

وأورد ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  [الحجرات:13] .

الأحاديث الآتية بعضها:

حديث أبي هريرة- رضي الله عنه - عند البخاري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمكم عند الله أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا أنسأل، قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله" قالوا: ليس عن هذا نسأل، قال: "فعن معادن العرب تسألون" قالوا نعم، قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"(13).

وحديث أبي هريرة - رضي عنه- عند مسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(14).

وحديث أحمد، عن أبي ذر الله - رضي عنه- قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال له: "انظر فإنك ليس بخير من أحمر ولا أسود الا ان تفضله بتقوى"(15).

وحديث الطبراني، عن حبيب بن خراش العصري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "المسلمون أخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى"(16).

ـ مصلحة الجماعة:

قامت الجماعة على أساس خدمة الإسلام والحفاظ على كيان الجماعة، وحمايتها من التصدع والتمزق واجب على كل فرد انضوى تحت لواء هذه الجماعة.

ذلك أن الجماعة لا يمكن أن تتحقق لها أهدافها إلا بتكاتف وتعاون وتناصر أفرادها بحيث إذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجامعة وجب تقديم مصلحة الجماعة؛ لأن الحق العام مقدم على الحق الخاص، إذ يؤدي ضياع الحق العام أو تعريضه للمخاطر إلى إلحاق الضرر بالجماعة، ولأن تفوت على الفرد بعض مصالحه، أهون من إلحاق الضرر بالجماعة ولو أن تقديم المصالح الفردية سرت في الأفراد، وأصبح كل فرد يبحث عن مصالحه الشخصية لانتهت الجماعة كجماعة ذات كيان.

فقد ندعو طاعة الجماعة ومصلحتها إلى أن يترك الفرد وظيفة معينة، ويلتحق بأخرى تحقيقاً للمصلحة العامة.

وقد ندعو المصلحة إلى انتقال المرء مثلاً من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى آخر، أو القيام بعمل معين ربما يكرهه الفرد، أو تفوته بعض المصالح، وحقيقة الأمر أن الطاعة لابد أن تكون في العسر واليسر ومن المنشط والمكره.

وفيما يجب المرء وفيما يكره، ما دام في حدود المعروف.

وإذا كان للفرد رأي يخالف الرأي الذي اتخذته الجماعة، فلا يسعه إلا التسليم برأي الجماعة، وينبغي أن يتهم رأيه ولا يتهم رأي الجماعة، ذلك أن الأصل في رأي الجماعة أنه أقرب إلى الصواب من رأي الواحد في الغالب ؛ لأن العصمة أقرب إلى الجماعة منها إلى الواحد، وما دامت القضية في إطار الاجتهاد الذي لا نص فيه، فإن عدم الانصياع لرأي الجماعة، والتعصب للرأي يؤدي إلى خلل داخل الصف، وتمرد عن الطاعة، واستعلاء على ما يصدر عن الجماعة من رأي، على أن الجماعة في الأصل تضع لسير عملها أموراً من شأنها أن تؤدي إلى الانضباط وأحكام الأمور داخل الصف، وتحمي الجماعة وأعمالها من العشوائية والمزاجية والتغلب، وكثرة الاجتهادات المتناقضة:

فهناك الشورى؛ وهي إحدى العواصم من الزلل.

وهناك الأنظمة، واللوائح، والخطط السليمة الدقيقة، وهذه من شأنها، ضبط سير الجماعة، ما دام الجميع ملتزماً بها محتكماً إليها.

ومن أعظم العوامل التي تؤدي إلى نجاح الجماعة في سيرها: ظاهرة السمع والطاعة من كل فرد من حدود مكانته في سلم الجماعة؛ وينبغي أن يعلم هنا أن للسمع والطاعة قواعد وضوابط إذا أحكمت أدت إلى النجاح في الأعمال، وإلا فإنها تؤدي إلى نتائج عكسية:

فالسمع أولاً: يعني الفقه لما يراد منه بالأوامر والتوجيهات والآراء التي يراد تنفيذها، إذ أن عدم الإدراك الصحيح للأوامر يؤدي إلى خطأ فادح في التطبيق ناتج عن اجتهاد فردي لا عن تطبيق للأمر الذي وجه إليه وهذا ما يحدث في كبير من الأحيان، بحيث ينقلب إلى نزاع وخصومة وسوء ظن بين الآمر وبين من توجه إليه الأمر مع أن الأمر قد يكون بعيداً عن سوء النية في الأصل عند الجميع.

ومن هنا ندرك أهمية السمع الذي يعني كمال الاستيعاب والإدراك والفقه لما يوجه به، كما أن على الآمر أن يتحرى قد الإمكان أن يكون أمره وتنبيهه وتوجيهه في غاية الوضوح، بحيث لا يكوون في العبادات أي احتمال يؤدي إلى سوء الفهم، وبالتالي إلى سوء التطبيق وقد وصف الله عز وجل بلاغ رسوله- صلى الله عليه وسلم- بأنه بلاغ مبين، أي البلاغ الذي تقوم به الحجة على المبلغ.

فلا يكفي إذاً أن يفقه المرء الأوامر الموجهة إليه إذا كان لا يمتثل القيام بها، ولا تكفي الطاعة إذا كان المرء لا يحسن التحري في الفهم والفقه لما يراد منه، بل لابد من اجتماع الأمرين حسن فهم وإنزال صحيح دقيق مطابق للأمر في واقع الحياة دون اجتهاد ولا زيادة ولا نقصان، وهذه هي قضية السمع والطاعة التي تكررت كثيراً في آيات القرآن الكريم وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتي لم يحدث التحريف في تطبيق الناس للإسلام إلا بسبب عدم الفهم الصحيح لدين الله.

ولكي يقوم الفرد بما للجماعة عليه من هذه الواجبات التي أشرنا إليها وغيرها؛ فإنه يحتاج إلى أن يتحلى بـ:

أ ـ الصبر، سواء بالزام النفس الصبر على الطاعة، التي لا تتم إلا بتحمل المكاره والصعاب والمشقات كما جاء في الحديث: "حفت الجنة بالمكاره"(17).

أو بحرمان النفس من كثير من مألوفاتها ومتاعها وراحتها ومصالحها، وهذا يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وصبر على مقاومتها، وكبح لجماحها، وقد يحتاج الأمر إلى ترك المرء بعض المباح؛ لأنه في مقام القدوة للآخرين ؛ ولأن أعماله كلها محسوبة على الجماعة التي يمثلها، فليتق الله فيها.

ويحتاج المرء كذلك داخل الجماعة: إلى التواضع واللين والخضوع لإخوانه في غير هوان، وإنما هي صفات المؤمنين التي امتدحهم الله عز وجل بها، قال تعالى : ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  المائدة:54 ]. فهو يخفض جناحه لإخوانه، ويلين لهم عريكته محبة واحتراماً وتقديراً ومودة.

أما إذا ارتقى المرء داخل الجماعة إلى إيثارها على نفسه، فهذا من كمال حرصه عليها ومحبته لها، والإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظ الدنيا، أما في أمور الآخرة فالمطلوب شرعاً التسابق فيه، والتنافس في شأنه، فغير ما تصدر تكاليف للأفراد داخل الجماعة ترى المرء الذي يسارع في أمر الآخرة، يود أن يكون هو القائم بها فيسارع إلى تلبية الأوامر مهما كانت تكاليفها لإدراك ما يترتب على القيام بها من الأجر والثواب عند الله تعالى، فهو يسعى إلى الآخرة سعياً حثيثاً، ويكره القعود والميل إلى الراحة التي تبحث عنها النفس البشرية.

وعندما تأتي مصلحة دنيوية، قدم غيره فيها وحرم نفسه منها، لما في ذلك من إدخال السرور إلى نفس أخيه المسلم، وكسب مودته، وهو بذلك مأجور، كما أنه بهذا الأسلوب يربي نفسه على هذا الخلق الكريم ويقطع طعمها فيه وفي إغرائه ودفعه إلى متابعتها في كل ما تريد.

ومن أعظم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المرء داخل الجماعة، لزوم: التواصي بالحق، ولأهمية هذا الخلق جعله النبي صلى الله عليه وسلم الدين كله، فقال: "الدين النصيحة"(18).

فالتناصح يقضي على مظاهر المعصية، ويوضح الحق في دين الله تعالى، ويكشف اللبس عن كثير من الأمور، ويدل على أماكن الخطأ في الفهم، ويتبين ما هو باطل ومنكر لمن لم يعلمه، ويؤدي إلى تآزر أهل الخير والتقوى والصلاح، كما يؤدي إلى اختفاء أهل المعاصي وتسيرهم وعدم جرأتهم على المجاهرة بها ويقضي على الفوضى وإشاعة المنكر، ويحصن المجتمع والجماعة من الانزلاق والتفكك والانهيار ويجعل مظاهر الفضيلة هي الغالية في الأمة ويجعل المنكر غير مستساغ ولا مألوف عند الناس، بحيث يبادر كل فرد عند رؤيته أو سماعه إلى إنكاره وتغييره قدر استطاعته.

ولا يمكن أن يستقيم أمر الجماعة، ولا أن تبقي متلاحمة متماسكة إلا إذا أحيت في نفسها هذه الصفحة الحميدة والخلق الجميل، والناس أمام التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نظر الإسلام سواء، فكلهم بشر معرض للخطأ من أي شخص مهما كانت مكانته في الجماعة، فإنه يجب المبادرة إلى نصحه بالطرق والأساليب التي تؤتي ثمارها، وعلى المنصوح أن يبادر إلى الاستجابة وعدم الإصرار، وألا تأخذه العزة بالإثم؛ إذ الأصل في المسلم أنه رجاع إلى الحق، تأخذ الموعظة والنصيحة من قلبه مكانها، وإلا فلا خير في من يدعي أنه من دعاة الإسلام وحماته إذا كان لا ينصاع للحق، ولا يبادر إلى الرجوع إلى الحق عند معرفته.

والخلاصة: أن الفرد داخل الجماعة يجب أن يتخلى عن نفسه، إذ أن نكران الذات داخل الجماعة، هو الأمر الذي لابد من تحققه من كل فرد أمام بناء ضخم، وجهد كبير، وسير طويل، وجهاد متواصل، ومواجهة لعدو عنيد يملك الكثير من العقول، والتخطيط الدقيق والإمكانات الهائلة، ويستخدم كل أساليب المكر والكيد والخداع والتضليل.

وبالله التوفيق..

تأليف فضيلة الدكتور: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج :عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

 


  (1) سنن ابن ماجة 2/1397، برقم: 4174، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/405، برقم: 3365.

(2) صحيح مسلم 1/93، برقم: 91.

(3) سنن الترمذي 4/655، برقم: 2492، وحسنه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/1400، برقم : 14000.

  (4) والعبّيّة: الكبر، والفخر، والنخوة .

(5) سنن الترمذي 5/389، برقم: 3270، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/108، برقم: 2608.

(6) سنن الترمذي 5/734، برقم: 3955، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/254، برقم: 3100.

(7) صحيح مسلم 3/1282، برقم: 1661.

(8) سنن أبي داود 2/755، برقم: 5130، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود 1/507، برقم: 1097.

(9) سنن الترمذي 5/257، برقم: 3058، وضعفه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/610، برقم : 6094.

(10) صحيح البخاري 2/863، برقم: 2311.

  (11) والحسب: القدر والعدد، وما يعده المرء من مناقبه أو شرف آبائه.

(12) صحيح مسلم 2/644، برقم: 934.

(13) صحيح البخاري 3/1224، برقم: 3175

(14) صحيح مسلم 4/1986، برقم: 2564.

(15) مسند أحمد بن حنبل 5/158، برقم: 21445، وحسنه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/239، برقم: 2385.

(16) المعجم الكبير 4/25، برقم: 3547، قال عنه الألباني بأنه موضوع في السلسلة الضعيفة 10/179، برقم: 4677.

(17) صحيح مسلم 4/2174، برقم: 2822.

(18) صحيح مسلم 1/74، برقم: 55.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الأخوة الإيمانية هي آصرة العقيدة
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخوة الإيمانية هي آصرة العقيدة

 

الأخوة الإيمانية هي آصرة العقيدة التي تشد المسلمين بعضهم ببعض، وهي الرباط الذي يربط بين قلوبهم، ويوحد صفوفهم ويجمع كلمتهم، وهي كذلك أوثق عرى الإيمان، كما جاء في الحديث عن البراء بن عازب- رضي الله عنه- قال كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: " أتدرون أي عرى الإيمان أوثق قلنا الصلاة قال الصلاة حسنة وليست بذلك قلنا الصيام فقال مثل ذلك حتى ذكرنا الجهاد فقال مثل ذلك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق عرى الإيمان الحب في الله عز وجل والبغض في الله"(1).

والأخوة بين المؤمنين لا تنفك عن الإيمان، بل هي ملازمة له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  [الحجرات:10]. ومن شأن هذه الأخوة إذا صدقت أن تورث التعاون والنصرة، والرحمة، والتكافل، والتناصح، والعفو، والإيثار، والكف عن كل ما يلحق ضرراً بالمسلمين في دمائهم، أو أعراضهم، أو أموالهم، وهي من أعظم النعم التي امتن الله بها على المؤمنين بقوله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  [آل عمران:103].

وقد جعل الله تعالى المؤمنين بمنزلة النفس الواحدة وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً  [النساء:29]. وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61]. ويقول تعالى: ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ  [الحجرات:11] .

ومثل الرسول - صلى الله عليه وسلم- المؤمنين بمنزلة الجسد الواحد عن النعمان بن بشير-رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(2). كما شبههم بالبنيان، ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"(3) وشبك بين أصابعه. كما جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- المحنة في الله علامة على صدق الإيمان، ففي الحديث: "ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار"(4) عن أنس- رضي الله عنه-.

كما جعل من علامات الإيمان أن ينزل المرء أخاه بمنزلة نفسه في حب الخير له، وكراهية الشر، فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(5) عن أنس-رضي الله عنه-.

وقد رتب الإسلام على هذه الأخوة الإيمانية حقوقاً كثيرة وردت في شأنها الأدلة من الكتاب والسنة، فمن هذه الحقوق:

إفشاء السلام.

تشميت العاطس.

عيادة المريض.

إتِّباع الجنازة.

إجابة الدعوة.

النصح إذا استنصحه، أن يسعى في قضاء حاجته.

إبرار القسم.

نصر المظلوم.

إطعام الطعام.

فك العاني، أن يشفع له.

أن يحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لها.

أن يكف عن أذاه : فلا يمسه بسوء في دمه ولا عرضه، ولا ماله.

أن لا يروعه جاداً ولا هازلاً.

أن يتواضع له، قال تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  [المائدة:54]. وفي الحديث، عن عياض بن حمار أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد"(6).

أن يكون به رحيماً، قال تعالى: ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29 ].

أن لا يقيمه من مجلسه المباح ليجلس مكانه.

أن لا يهجره فوق ثلاث.

أن لا يغتابه، ولا يبهته، ولا يحقره، ولا يعيبه، ولا يسخر منه ولا ينبزه بلقب سوء، ولا يسيئ به الظن، ولا يتجسس عليه، ولا يحسده.

أن لا يفسقه، ومن باب أولى لا يكفره.

أن لا يبيع على بيعه.

أن لا يغشه، ولا يخدعه، ولا يخونه، ولا يغدر به، ولا يكذب عليه.

أن لا يحمل عليه سلاحاً.

أن لا يفسد عليه زوجته، أو مملوكه.

أن يؤدي له حق القرابة، وحق الجوار.

أن لا يماطله في قضاء دينه.

أن يفي له بالوعد والعهد.

أن يؤدي إليه أمانته.

أن يحفظ سره.

أن يقبل منه إحسانه، ويغض الطرف عن زلاته، ويستر عورته.

أن لا يكلفه ما ليس عنده.

أن يلقاه بوجه طلق.

أن يوقره إن كان كبيراً، ويرحمه إن كان صغيراً.

أن يعرف للعالم حقه.

أن يكرم ذا شيبة.

أن لا يتناجى مع غيره إلا بإذنه.

أن لا يطلع في رسالته إلا بإذنه.

أن لا يستمع إلى كلام يخفيه.

أن لا يدخل داره إلا بإذنه.

أن يعاونه في كل عمل من أعمال البر والتقوى حسب قدرته.

أن يكافئه على المعروف.

أن ينصفه من نفسه.

أن يعامله بمثل ما يحب أن يعامله به.

أن يسعى في الصلح بين المتخاصمين.

أن يعرف لليتيم والأرملة والمسكين حقوقهم.

شؤم الاختلاف المفضي إلى العداوة والشحناء والبغضاء: قال تعالى: ﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  [لأنفال:46]. وقال تعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  [آل عمران:105]. إن التنافر والعداوة والبغضاء التي سادت كثيراً من الأفراد والجماعات لا يوجد لها مبرر شرعي، أما وجود أخطاء عند هذا أو ذاك فإنه لا يستطيع أحد أن يدعي العصمة لغير من عصم الله تعالى، والأصل في منهج المسلمين: أن يسود بينهم التفاهم، والتناصح، والألفة، والمحبة واجتماع الكلمة، وتوحيد الصف.

إن الاستمرار في هذا المنهج أعني منهج التنافر والتناحر ـ سيولد أجيالاً لا تعرف إلا الحقد والكراهية وسوء الظن، وإصدار أحكام الكفر لأتفه الأسباب، وهو منهج لا يستفيد منه الإسلام والمسلمون شيئاً، بل يشوه صورة الإسلام، وينفذ من خلاله الأعداء، وينفر العامة عن الدعاة إلى الله تعالى، ويضعف هيبة المسلمين وقوتهم، ويفتت بنيانهم.

إننا نريد أن نسعى إلى إيجاد جيل مخلص لله تعالى، متفان في خدمة دينه، ساع إلى وحدة أمته، عارف بالمخاطر المحدقة بها، مدركاً لمهمته في هذه الحياة، لا يجد البغض ولا الحقد ولا العداوة ولا الكراهية إلى قلوب أبنائه طريقاً.

إن من أهداف ومقاصد الدين الحنيف: أن يعيش الناس في وئام ومحبة وألفة، وهذا معلوم من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، حتى لقد دعى إلى مقاتلة من يصر على الخروج عن جسم الجماعة بالبغي، وعدم العودة إلى تحكيم شرع الله عند الخلاف، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ  [الحجرات:9] .

وإذا ما وجد من يعكر صفو المحبة، ويغرس الكراهية، والعداوة، ويشق العصا، فهو يسير في خط معاكس لأهداف ومقاصد الشريعة الإسلامية، ويسعى لهدم كيان المجتمع وأسسه.

ولما كان تباين العقول، واختلاف الأفهام، وتفاوت المدارك أمراً اقتضته المشيئة الإلهية، فإنه لا بد من حصول الخلاف بسبب ذلك بين الناس، وقد جعل الله سبحانه العاصم مما يورث العداوة والشقاق عند الخلاف، وهو الرجوع إلى الوحيين، فقال سبحانه: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  [النساء:]. وقال: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً  [النساء:]. وقال: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [النور:51] .

تأليف فضيلة الدكتور :عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) مسند الطيالسي 1/101، برقم: 747، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/94، برقم: 3030.

(2) صحيح البخاري 5/2238، برقم : 5665.

(3) صحيح البخاري 1/182، برقم: 467.

(4) صحيح البخاري 1/14، برقم: 16

(5) صحيح البخاري 1/14، برقم: 13.

(6) سنن أبي داود 2/690، برقم: 4895، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2/113، برقم: 570.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الاعتماد بعد الله تعالى على النفس وبذل الجهد في العمل والاستغاثة عن مسالة الناس
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

الاعتماد بعد الله تعالى على النفس

وبذل الجهد في العمل والاستغاثة عن مسالة الناس

 

1 ـ استخلاف الله عز وجل للإنسان في الأرض من أجل عمارتها، قال تعالى : ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا  [هود:61].

قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15]  

قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً  [لقمان:20].

عن حكيم ابن حزام - رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غني ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله"(1).

وروى مسلم، عن عون بن مالك - رضي الله عنه- قال : " كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تسعة أو ثمانية، أو سبعة فقال: ألا تبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا قد بايعناك يا رسول ، ثم قال: ألا تبايعوا رسول الله فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا... ولا تسألوا الناس شيئاً . قال: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه"(2).

عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم "(3). وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليقل أو ليستكثر"(4).

الاتكال على الغير، بدون حاجة، ومع القدرة على العمل، يورث في المرء ذلاً في نفسه، وسقوط في تعامله مع الغير، وشعوراً بالمهانة، وعزوفاً عن العمل والجد وسلباً للكرامة.

إن الطمع في ما في أيدي الناس، هو قنوط فيما عند الله من الخير، وعدم ثقة ولا إيمان بأن الخير كله بيد الله، وأنه وحده الذي بيده النفع والضر.

إن الإتكالية وعدم السعي والعمل: قد يحمل الإنسان على سلوك سبل غير شرعية، من الاحتيال والكذب على الله وعلى الناس فتجد من يتعود مسألة الناس: يستخدم أساليب الكذب فيدعي على الله تعالى أنه أنزل به مرضاً، أو مصيبة، أو إماتة قريب عائل له أو غير ذلك مما يستدر به عواطف الناس.

إن التعود على مسألة الناس يفتح باب الشهية عند السائل فلا يقنع بشيء، ويظل فقير النفس نهماً، ويتعود أن لا تظهر عليه أثر من آثار نعمة الله تعالى مهما كان ميسور الحال.

إن انتشار التسول، وكثرة الكاذبين في هذا الباب أفقد ثقة الناس بمن يسأل حتى لو صادقاً محتاجاً، وفي هذا خيانة بأهل العوز والحاجة.

إن الاعتماد على مجرد المسألة يورث بطالة عند المرء، وإذا لم ينل حظه من الناس عمد إلى السرقة وأنواع الجرائم في المجتمع.

إن المرء الذي يتعود الحياة على سؤال الناس قد يدفع بأهله وأولاده أن يسلكوا هذه السبيل الوضيعة، فيعيشوا دائماً في رداء الذل، وإزار المهانة، لا يعرفون لهم طريقاً في طلب العيش الكريم إلا مد أيديهم إلى الناس، والإنسان في هذه الحال يكله الله تعالى إلى الخلق، لأنه أنزل بهم حاجته ولم ينزلها بالله تبارك وتعالى، وقد جاء في الحديث عن ابن مسعود- رضي الله عنه-  قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل "(5).

 والسعادة في أمر الدنيا.

1- أن يبذل المرء جهده في طلب الحلال.

2- وأن يستغني عن مسألة الناس.

3- وأن يرضى بما قسم الله له.

ولابن المبارك - رحمه الله- أبيات يقول فيها :

لله در القنـوع من خلـق          كم من وضيع به قد ارتفعا

يضيق صدر الفتى بحاجته         ومـن تأسى بدونـه السعـا

ونحن نرى أن ظاهرة التسول في بلادنا التي اتسعت إلى جانب كونها ظاهرة اجتماعية سيئة، فإنها تسيء أيضاً إلى سمعة البلد والواجب الأخذ على أيدي هؤلاء، عن طريق الرعاية الاجتماعية والجمعيات الخيرية، وعلى الجهات المسئولة التعاون، فمن تبنى من حاله أن يحترف التسول دون حاجة إليه يؤخذ على يديه دون تهاون، ومن علم أنه صاحب حاجة وفقر، أعطى ما يكفيه ويحفظ ماء وجهه عن ذل السؤال، وهؤلاء الفقراء يجب أن ينالوا رعاية وعناية، وواجب الأغنياء القيام بما يضمن التكافل الاجتماعي فإخراج الزكاة، والبذل عند الحاجة، والتراحم والتعاطف بين المسلمين، يؤدي بلا شك إلى سد حاجة المحتاجين إن شاء الله.

والعبد الذي يدرك أنه في كل لحظة في حاجة إلى رحمة الله، فعليه أن يرحم عباد الله تعالى فعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : " الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"(6).

ومما جاء في الحث على الأكل من عمل يد الإنسان:

1 ـ حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه"(7).

2 ـ حديث المقدام بن معد يكرب- رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده "(8)

 

تأليف فضيلة الشيخ : عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح البخاري 2 /518، برقم: 1361.

(2) صحيح مسلم 2/721، برقم: 1043.

(3) صحيح مسلم 2/720، برقم: 1040.

(4) صحيح مسلم 2/720، برقم: 1041.

(5) سنن أبي داود 1 /517، برقم : 1645، وحسنه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1 /1099، برقم: 10985.

(6) سنن الترمذي 4/323، برقم: 1924، وصححه الألباني الجامع الصغير وزيادته 1/584، برقم: 5835.

(7) صحيح البخاري 2/836، برقم: 2245.

(8) صحيح البخاري 2/730، برقم: 1966.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الحياة بين الجد واللعب
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

الحياة بين الجد واللعب

 

1 ) الحياة لعب ولهو، قال تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].    

2 ) أعمال الكفار لا تخرج عن اللعب واللهو والخوض:

ـ  قال تعالى : ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف:83].  

ـ  قال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ  [لأعراف:97-98].   

3 ) من كان في لهو ولعب، فلم يقم بالوظيفة التي خلق من أجلها، ولم يوظف حياته في عبادة الله كما أمر الله تعالى:

ـ قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذريات: 56].

4 ) لا يقوم الإنسان بوظيفة حتى يصرف حياته كلها لله تعالى، ومن لم يصرفها في مرضاة الله تعالى فهو في لهو ولعب:

ـ  قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].

5 ) خلق الله سبحانه السماوات والأرض بالحق ونزه نفسه عن اللهو واللعب والعبث:

ـ  قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:16- 17].

ـ  قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ  [الدخان: 38-39].

ـ  قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115]

6 ) أطلق الله سبحانه على ما في الدنيا من متاع بأنه شهوات فقال سبحانه:

ـ  قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ  [آل عمران:14].

 

فضيلة الدكتور: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الصفات اللازمة للأمير
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصفات اللازمة للأمير

 

1- العلم .

2- المواهب والقدرات التي يتمتع بها (الذكاء، سرعة البديهة، الفطنة، قوة الفراسة).

3- التأثير في الآخرين.

4- القدوة الحسنة.

5- لين الجانب من غير ضعف، وحازم في غير بطش.

6- الشجاعة في الإقدام على الأمور التي يريد تحقيقها.

7- الكرم مع وضع الأمور في مواضعها.

8- النظر الثاقب للأمور وتحليلها والاستفادة منها.

9- تجنب الهزل، وبالأخص عند إصدار التوجيهات.

10- الجدية في الأمور في كل الأحوال.

11- الوفاء بالوعد.

12- المضي في الأمر بعد المشورة وتقليب الأمور.

13- الحكمة والاتزان عند التصرف في أي أمر.

14- الرحمة بمن يرعاهم، ومحاولة حل مشكلاتهم.

15- الصبر عند نزول أي بلاء أو مواجهة أي محنة.

16- الحلم على من يجهل عليه وعدم الانتقام الشخصي.

17- التروي وعدم التسرع في اتخاذ أي قرار.

18- أن يأخذ نفسه بالعزائم.

19- القدرة على تنفيذ أي شبهة في دينه أو دعوته وأهدافه.

20- الوعي للواقع المعاش من حوله.

21- القدرة على تحمل التكاليف والمسئولية.

22- الاستمرار في متابعة الأفراد، وتوجيههم ومعرفة أحوالهم، وبالأخص متابعة ما يكلفهم به.

23- القدرة على الابتكار والإبداع وعدم الجمود.

24- الحب الشديد للعمل الدؤوب وعدم الترفع.

25- عدم اليأس، وغلبة التفاؤل مع الاستمرار في بذل الأسباب الممكنة، والتوكل على الله.

26- القدرة على التأثير فيمن حوله حتى يكسب قلوبهم.

27- القدرة على معرفة نفسيات من حوله واستيعابهم.

28- الاستشعار الكامل بأمانة المسئولية وأهميتها.

29- الحظ الوافر من العلم الشرعي.

30- لا يغيب حسه عمن غاب أو ضعف أو تعثر.

31- لا يكثر من إظهار السلطة والأمر والنهي في غير ضرورة ولا حاجة.

32- استخدام النقد في مكانه، لغرض الإصلاح لا لقصد الفتنة، أو الظهور أو حب الجدل والمراء.

33- لا يتتبع عيوب الآخرين وعوراتهم.

34- يعمل على إشاعة الحب والمودة بين أفراده.

35- رباطة الجأش، فلا يظهر عند أفراده الخوف، حتى لا يدب فيهم الرعب، بل يهون الأمور عندهم في أحلك الظروف.

وهناك صفات أخرى عليه أن يتحلى بها ومنها:

1- السماحة.

2- التواضع.

3- التودد.

4- الإيثار.

5- الرفق، فلا يكلف بما لا يطاق فيعصى.

6- التجاوز عن المسيء ولو عند القدرة على الانتقام.

7- سلامة الصدر من أي حسد أو حقد أو سوء ظن؟

8- ستر عيوب الناس وحملها على أحسن محمل.

9- إهداء النصح للغير بأسلوب المشفق والمحب.

10- قبول النصح للغير بأسلوب المشفق والمحب.

11- قبول النصح وعدم الترفع.

12- المشورة الدائمة .

13- الاستمرار في التعلم من الآخرين في كل مجال وخبرة.

14- الاستمرار في العبادة والتلاوة والذكر والفكر.

15- حفظ اللسان عن كل لغو.

16- تنزيه مجلسه عن كل إثم من الغيبة والنميمة... وغيرهما.

17- عفة النفس والترفع عما في أيدي الناس

 

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
العمل الإسلامي الذي ينشأ ينمو ويتغلغل في أواسط الأمة
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العمل الإسلامي الذي ينشأ ينمو ويتغلغل في أواسط الأمة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه..

فإن العمل الإسلامي الذي ينشأ وينمو ويتغلغل في أوساط الأمة، وفي ظروف وأوضاع وسياسات مباينة للإسلام تبايناً كلياً أو جزئياً يدرك عامة الناس بعده عن الإسلام لما يلمسون تحت مظلته من مظالم منتشرة، ومفاسد شائعة، وتسلط وقهر على الطبقات المستضعفة، وتعطيل لأحكام شرع الله تعالى، وتشجيع للمنكرات كالربا وغيره، وعدم مبالاة بحقوق الناس العامة في كل مجالات الحياة: من تعليم، واقتصاد وسياسة، ورعاية للطبقة المعدمة، إلى غير ذلك من المساوئ كل هذا يجعل العمل الإسلامي ـ في هذه الظروف ـ ينمو نمواً سريعاً؛ لأنه يكشف للناس مساوئ النظام القائم، وبعده عن الإسلام؛ ولأنه ـ من الناحية النظرية ـ يجد الناس فيه بغيتهم؛ لأنه يتحدث عن آلامهم ومعاناتهم، وما ينزل بهم من مظالم، وجور السلطان عليهم، فيرى الناس في هؤلاء الدعاة المثالية التي يبحثون عنها، لأنهم يجدون في حديثهم بلسماً لمعاناتهم، وعلاجاً لأدوائهم، ويتمنون الوقت الذي يحكمهم أمثال هؤلاء فيطبقون فيهم شرع الله عز وجل، كي ينتقلون إلى وضع يلقون فيه حقوقهم، وتصان فيه كرامتهم، وتحفظ فيه حريتهم، من أجل ذلك فإن هؤلاء الدعاة، الذين يقومون بمثل هذا العمل الإسلامي في أوساط الناس يلقون عند الناس احتراماً ووداً وتقديراً، ويتقبلون منهم نصائحهم، ويقتدون بهم في كثير من سلوكهم، وإن كان الناس لم يروا منهم سوى الجانب النظري في مجال الخدمات وتقديم المنافع ورعاة المصالح، ولا شك أن كسب هؤلاء الدعاة لمثل هذه المكانة في نفوس الناس أمر يؤذي النظام الحاكم، إلى جانب كونهم يكشفون دائماً سلبيات النظام وأخطاءه، وتلقى دعوتهم رواجاً وانتشاراً في مختلف الفئات.

وعندما جاءت مرحلة التعددية الحزبية، ووجدت قناعة عند بعض الأحزاب الإسلامية في الدخول في المعترك السياسي، والمشاركة في الحكم، رغبة منهم في أن يحولوا دعوتهم في المجال النظري إلى الجانب العملي التطبيقي، ولكن تبرز محاسن الإسلام في تقديم المصالح للناس، وحماية حقوقهم، والعمل على درء المفاسد قدر المستطاع وأعلنوا في أنفسهم تنظيماً سياسياً، ظن عامة الناس المتعاطفين معهم، أن هذا هو أوان الخلاص من الأوضاع السيئة وأن هؤلاء الدعاة الذين طالما تحدثوا عن الإسلام، وعن جوانبه المشرقة، وعن قدرته على معالجة كل السلبيات القائمة، هم الذين سيأتي على أيديهم الفرج بإذن الله، ولما جاءت مرحلة الانتخابات هب كثير من الناس ليعطوا أصواتهم لهؤلاء الدعاة الذين يثقون بهم، وكسب الدعاة عدداً كبيراً من المقاعد النيابية، وشاركوا في الحكم، ومرت بهم الأيام، وهم يصارعون في عدد من مؤسسات الدولة رغبة في تحقيق ما كانوا يطمحون إلى تحقيقه، وما كانوا قد وعدوا الناس بالقيام به، وظل الناس ينتظرون من وقت لآخر أن تتحسن أحوالهم، وأن تختفي بعض المظاهر السيئة، ولم يدرك الجميع، لا الدعاة، ولا المتعاطفون معهم، إن الإصلاح بالمعنى الذي كان يطمح إليه الجميع يحتاج إلى ظروف ملائمة تعين على تحقيق المآرب، وأن الإصلاح في جو مباين لما يريدون، ما هو إلا ترقيع، ومحاولة يائسة، وجهود تتبدد، دون جدوى، وبالتالي يصاب عامة الناس بخيبة أمل، في الإسلام الذي حمله الدعاة وتحدثوا باسمه فترة طويلة من الزمن، ومن الدعاة الذين كانوا عند العامة حلماً طالما تمنوه، كما يصاب بعض الدعاة بصدمة نفسية عندما يواجه الأوضاع التي يصطدم بها، والتيار المعاكس الذي لا قبل له به، فهو أينما يتجه لا يجد عوناً ولا مساندة، ولا رغبة في التصحيح.

وعامة الناس لا يدركون معاناة الدعاة الذين شاركوا في الحكم، ووصلوا إلى باب مسدود، وأن عدم القدرة على الإصلاح أمر أصبح خارجاً عن إرادتهم، فعامة الناس لا ينظرون إلى الدعاة في هذه المرحلة إلا أنهم مشاركون في الحكم، تحملوا المسئولية، ووضع الناس فيهم ثقتهم، ومنحوهم أصواتهم، كما أن الدعاة أنفسهم وعدوا الناس بمشروعهم الانتخابي على تحقيق كثير من المصالح في مجالات متعددة، وهنا بدأت ثقة الناس بالدعاة تضعف، واعتقادهم في قدرتهم على الإصلاح يتبدد، وحماسهم على الوقوف معهم في انتخابات قادمة يتلاشى، إلى جانب أن هناك مغرضون، استغلوا هذه الظاهرة، فانطلقوا منها، يغذون هذا التوجه لدى العامة، حتى يحولوا بينهم وبين الدعاة، كما أن النظام استفاد من هذه النتيجة التي انتهت إليها حالة الدعاة مع العامة.

ولا ننسى أن المرأة كان لها حماس كبير في الوقوف مع الدعاة، وبالأخص المرأة الصالحة، التي كان قبلها يملأ عاصفة نحو الدعاة، لما كانت ترى في صدق توجههم، وتوجه عامة الناس نحوهم، غير أن بعض هؤلاء النسوة كن يطمحن إلى أن يكون لهن دور في المشاركة السياسية، وأن يفسح لها الإسلاميون مجالاً لذلك فلما لم ينلن ذلك، ووجدن النظام يفتح الأبواب بدون حدود ولا ضوابط ولا شروط نحو المرأة لاقتحام هذا المجال، بدأ بعضهن يلمزن الإسلاميين، ويعبن عليهم ذلك، دون أن يدركن الدوافع التي تحدو بالإسلاميين في الأحجام عن إتاحة الفرصة للمرأة في خوض المجال السياسي، وما يترتب على ذلك من مفاسد هي أكبر من المصالح التي قد تجنيها المرأة من هذه المشاركة، فهناك اعتبارات شرعية، واجتماعية، وخلقية... وغيرها مما لا يغيب عن بال المرأة المسلمة.

ومع أن هناك مواقف سلبية من بعض العامة ذكورهم ونسائهم، إلا أن هناك من يعذر الإسلاميين لما يعرفه من الملابسات التي تحيط بهم، وأن عدم الإصلاح الذي كان مرجواً لم يكن عن تقصير منهم، وأن الأوضاع التي يعيشون في ظلها تحمل كل عاقل على أن يعذرهم.

على أنه من الإنصاف الاعتراف لهؤلاء الإسلاميين بأنهم قد حققوا بعض المصالح التي يقدرون عليها، والتي لم يألوا جهداً في تحقيقها، والله عز وجل إنما يكلف المرء في حدود طاقته وقدرته، كما أن المرء يؤاخذ على تقصيره وتفريطه فيما هو مقدور له.

ومما تقدم يتبين مدى ما يلاقيه المرء من صعوبة بالغة في تحقيق المصالح في أوضاع لا تساعده من قريب ولا بعيد على ذلك.

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب بن مهيوب الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الفوضى الفكرية
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الفوضى الفكرية

 

أما بعد:

فإن الفوضى الفكرية التي عمت الأمة الإسلامية اليوم، والتي تتحلى في تصدي من ليس بأهل للفتوى من أهل العلم والمعرفة، الذين تتوافر فيهم شروط الأهلية للحديث باسم الشرع الإسلامي، وحل قضايا الأمة في ضوء أدلةالشرع وقواعده وأصوله، بعد أن تتسرب للناس وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة وألقي الحبل على الغارب فصار يبث من خلال كل من عرف القراءة والكتابة، وعنت له فكرة، أو أغضبه من موقف معين، أو سمع برأي أو فكر، أو فتوى مما لا يوافق هواه فيتصدى للرد والتفنيد بأسلوب لا يعرف سوى الاتهامات والشتائم والتجهيل، دون مستند شرعي، ولا حجة لا برهان، دون نظر إلى كون الحق معه أو مع غيره، ولكنها الفوضى الفكرية وقد شاع اليوم ـ في ظل ما يسمى بالتعددية الحزبية ـ إطلاق كلمة الرأي والرأي الآخر، حتى صار كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أهل العلم، والمعرفة بالشرع المستند إلى الدليل رأياً، وكلام سائر البشر أصحاب الفوضى الفكرية رأياً، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون المكلف مخيراً بين أن يأخذ بهذا الرأي أو ذاك، فالكل حسب زعمهم، ودعاواهم الباطلة ـ آراء قابلة للأخذ والرد، بل قابلة للصواب والخطأ ، وأن عقولهم التي ضلت واختلت، هي الحكم في كل ذلك وانتهت بذلك حق الرب وواجب العبد، وغاب عن أذهان هؤلاء أنهم مخلوقون، وأن الواجب في حق الله عليهم كامل العبودية التي تعني كمال الخضوع والاستسلام له، وكمال الإتباع لشرعه، وكمال الاقتداء برسوله - صلى الله عليه وسلم- وأن العبد العاجز الفقير الجاهل ليس نداً لله تبارك وتعالى.

ولا شك أن هذه الفوضى التي تجعل الإنسان في حل من الواجبات الشرعية، وتجرؤه على انتهاك المحرمات، وتحمله على احتقار الأحكام الشرعية وعدم إعطائها القداسة الواجبة لها، واحترامها وتعظيمها، والوقوف عند حدودها بل تسوي بين الحق والباطل، والحلال والحرام لهذا كله كان لابد من توضيح الحقيقة في بيان من يحق له أن يتصدى للفتيا، ويوقع عن الله تعالى مخافة أن ينفرط العقد، ولا يجد العامة مستند يثقوا بفتواه ، براءة للذمة، وإظهاراً للحق، وإعادة للأمور إلى مجراها الصحيح، ودفعاً للفوضى القائمة، وتبصيراً لكل من يقحم نفسه فيما ليس له بأهل، حتى لا تختلط الأمور، ولا يفتن الناس في دينهم.

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب بن مهيوب الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
القدوة وأثرها في الدعوة إلى الله تعالى
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القدوة وأثرها في الدعوة إلى الله تعالى

 

يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2]. ويقول تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ  [البقرة:44].

إن عدم التوافق بين دعوة الداعية وبين سلوكه مشين وقد يؤدي إلى فتنة المدعو. فقد يقول الناس : لو كان هذا الداعية صادقاً فيما يدعو إليه لكان أول الناس التزاماً به أما السلوك المستقيم فإنه كفيل بأن يكون سبيلاً إلى الدعوة إلى الله عز وجل حتى لو خلا أحياناً عن القول، وهكذا كان حال الصحابة - رضي الله عنهم - في الفتوحات الإسلامية:

فالعدل والرحمة، والعزوف عن الدنيا، والترفع عن حقوق الناس، كانت من أهم الأساليب التي أبرزت محاسن الإسلام، وجذبت الآخرين إلى الإسلام وحببته إلى نفوسهم.

ولما كان انحراف الداعية له أثر كبير في الإساءة إلى الإسلام والتشويه به وصرف الناس عنه، فقد جاء الوعيد الشديد في حق من يفعل ذلك، فقد روى الشيخان عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه"(1).

وقال تعالى: (موضحاً منهج الأنبياء -عليه السلام - وذلك فيما حكاه سبحانه عن نبيه شعيب عليه السلام-) : ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

 

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي.

تخريج : عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي


(1) صحيح البخاري 3/1191، برقم: 3094.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
المؤمنون نوع واحد متجانس بعضه من بعض
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

المؤمنون نوع واحد متجانس بعضه من بعض

 

المؤمنون نوع واحد متجانس بعضه من بعض؛ ولذا يأتي الخطاب بيا أيها الذين آمنوا، وهو من أعظم الصفات التي يطلقها الله –عز وجل- على أوليائه فالمؤمنون إذاً بمنزلة النفس الواحدة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً  [النساء:29]. ويقول تعالى: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً  [النور:61] .

فكما أن النفس الواحدة يمثل أعضاؤها جسداً واحداً لا يستغني بعضه عن بعض بحيث لو قطع منه عضواً أدى إلى التشويه في الجسد أو التعطيل منه، فكذلك المؤمنون لا يمكن أن يتنكر جسد الأمة وبنيانها لعضو منه، ولما كان البنيان لا يكتمل إلا بجميع أجزائه بحيث لو انفصل منه أدى إلى تشويهه أو إلى فقدان المصلحة منه، فكذلك بنيان المؤمنين فكل مؤمن يشكل في جسد الأمة لبنة تعمل على تماسك البناء وتشده، وتكمل جماله وحسنه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"(1) "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(2) .

وإذا حصل التنافر والعداوة والبغضاء والشحناء فهو تفتيت لجسد الأمة، وتضييع لقوة المؤمنين، وهنا تذهب قوة المؤمنين وهيبتهم وتماسكهم، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  [الأنفال:46].

والمعاصي إذا دبت في جسد المؤمنين جعلتها غير متجانسة ولا متماسكة، بل تصبح سبباً في تفككه وضعفه وتلاشيه.

لما كان المؤمنون قبل إسلامهم في تناحر وعداء ثم من الله عز وجل عليهم بالإيمان فحولهم إلى كتلة متلاحمة ومتماسكة ذكرهم الله عز وجل هذه النعمة بقوله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  [آل عمران:].

فقوله: ﴿ فَأَلَّفَ  : أي أصبحت قلوبكم متآلفة متجانسة، وانتهى ما كان بينها من التباين والتنافر.

والكافرون بجميع أصنافهم يشكلون نوعاً واحداً متجانساً: في دنه وكفره، وخروجه عن سنن الله سبحانه وفي تعاونه وتعاضده، وتكاتفه ضد المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ  [الأنفال: 73]. وقوله: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  [التوبة:67].

فقوله: ﴿ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: أي يشكلون في كفرهم وعدائهم للمؤمنين جسداً واحداً متلاحماً لا يختلف في عدائه للمؤمنين ومحاربتهم لهم، وإن كانوا بسبب كفرهم مختلفين متعادين، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ  [البقرة:113]. وقوله: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  [البقرة:111].

أي قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى.

وعندما يكون المؤمنون على كمال الاتصاف بالإيمان عقيدة، وفهماً وسلوكاً، وعبادة، وخضوعاً واستسلاماً لحكم الله وشرعه، وإتباعا لهدي رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإن ذلك كله سوف يثمر كمال المحبة والأخوة والنصرة والعون، المعبر عنها بالتولي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  [التوبة:71]. وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  [الحجرات:10]. وقوله : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا  [المائدة:55].

والمعاصي هي بمثابة الأمراض التي تفتك بالجسم وتخرجه من حالة الاعتداء، فإذا حلت المعاصي بالمؤمنين حل التفكك والتناحر، والبغضاء، وهي نتيجة حتمية لابد منها؛ لأنها فقدت أسباب التلاحم والتماسك، ولذلك يذكر الله المؤمنين بهذه النتيجة الحتمية في سننه سبحانه في الأمم، إذ، يقول تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ  [المائدة:14].

أثر العداوة في حياة الأمة؛ وعلاقتها بربها:

عن أبي هريرة - رضي عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئا الا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا انظروا هذين حتى يصطلحا"(3). وقال عليه الصلاة والسلام: "يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة قال فاطلع رجل من أهل الأنصار تنطف لحيته من وضوئه " (4).

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي.

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.


(1) صحيح البخاري 1/182، برقم: 467.

(2) صحيح مسلم 4/1999، برقم: 2586.

  (3) الموطأ - رواية يحيى الليثي 2/908، برقم: 1618، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/529، برقم: 5281.

  (4) مصنف عبد الرزاق 11/287، برقم: 20559، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب 2/132، برقم: 1728.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الهجرة النبوية منعطف تاريخي في مسيرة الدعوة الإسلامية
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

الهجرة النبوية منعطف تاريخي في مسيرة الدعوة الإسلامية

 

الهجرة هناك انفصام بين مرحلة ما قبل الهجرة، وبين الهجرة نفسها، فالمنهج الذي سلكه المؤمنون قبل مرحلة الهجرة، كان منهجاً تقتضيه المرحلة، ويقتضيه حال المؤمنين من القلة والضعف والخوف على أنفسهم، وهي الحال التي أشار الحق تبارك وتعالى إليها بقوله: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26].

وهذه الحالة كانت تقتضي الصبر وعدم المقاومة للعذاب الذي كانوا يتلقونه من أعدائهم، كما كانت تقتضي الاستخفاء بالدعوة وعدم الجهر بها في مرحلتها الأولى، في الوقت الذي يتربص بها العدو، ويكيد لها محاولاً إطفاء نوها، كما قال عز وجل: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8].

وكان المنهج الذي سار عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم- بتوجيه من ربه، هو المنهج الذي أوصل الدعوة وحملتها إلى النجاح؛ وإلى النجاة من سطوة الأعداء وكيدهم وفوت عليهم ما يريدون.

ومع مرور الأيام هيأ الله تعالى للدعوة عاملين مهمين للخروج من القرية الظالم أهلها، لتصبح الدعوة في منعطف جديد، يتيح لها سرعة النمو، ولحملتها القدرة على التحرك بها، ومقاومة خصومها الذين تصلَّبوا في موقف المعاند المكابر، الذي لم يتقبل الدعوة، ولم يترك لها حق إيصال حجتها إلى عامة الناس:

فأما العامل الأول: فكثرة الأنصار، والأتباع، الذين ظلوا في ازدياد ونمو منذ بدأت في نشأتها إلى أن مر عليها ثلاث عشرة سنة.

وأما العامل الثاني: فوجود الأرض التي تأوي الدعوة، وتكون لها منطلقاً، وتضم شتات المؤمنين بحيث يجدون أنفسهم في جو ملائم لمزاولة شعائر الإسلام، وإعلان الدعوة، وترتيب شئون السلم والحرب، وتجميع الطاقات، والقدرة على الانطلاق لمقاومة الخصم.

وهذه من أهم منعطفات الدعوة في مرحلتها الجديدة بعد الهجرة.

ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى الذي أراد نصرة هذا الدين، وأن يكون ظاهراً غالباً في الأرض، جعل الحفاظ عليه مقدماً على الحفاظ على النفس، من أجل ذلك شرع الله عز وجل الجهاد من أجل حماية الدين؛ والجهاد عبادة تزهق فيها الأرواح، إلا أن الحياة لما كانت لا تستقيم في ظل الكفر الذي يعبد الناس لطغيانه، ويسلب الإنسان ما وهبه الله من الكرامة والحرية، ويحكم الناس بأهوائه، وينشر الفساد في الأرض، ويطمس معالم الهدى والعدل والحق والخير في الأرض، كان لابد من مقاومته، حفاظاً على الدين، وجلباً لمصلحة الإنسان في تخليصه من الظلم، وإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الإنسان الظالم المتجبر الطاغي إلى عدل الإسلام ورحمته.

من أجل ذلك كله فإن الله عز وجل أذن بالهجرة، للمؤمنين إلى المدينة، حتى لا تظل الدعوة محاصرة، مطوية في نفوس أبنائها، وحتى ينتهي سلطان الشرك والخرافة والتسلط البشري والمؤمنون الذين خلصوا أنفسهم من قبضة أعدائهم في مكة، لم يخرجوا منها بحثاً عن الراحة ورغد العيش والانطواء على النفس والاتجاه إلى ملذات الحياة، فقد رمتهم العرب عن قوس واحدة، وواجهوا كثيراً من صنوف البلاء، وقدموا قوافل من الشهداء، ولكن كل ذلك هين في سبيل إعزاز الدين، وإعلاء كلمة الله تعالى، وكسر شوكة الباطل تحقيقاً لإرادة الله تعالى، وكسر شوكة الباطل تحقيقاً لإرادة الله تعالى القائل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[الصف:9].

ولا يعني ذلك أنه لم يكن هناك تضحية من المؤمنين في خروجهم من مكة إلى المدينة، بل لقد كان في ذلك صورة من أعظم صور التضحية، ذلك أن مفارقة الأهل، والتخلي عن الأموال، وترك مسقط الرأس أمر شاق على النفس البشرية، وقد ذكر الله عز وجل في معرض الثناء عليهم تحملهم ذلك في سبيله، وابتغاء مرضاته، بقوله جل شأنه: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8] .

والسعي وراء نيل مرضاة الله عز وجل، ونصره دينه أعز عليهم وأغلى في نفوسهم من الديار والأموال، فليست المعركة مادية، وليس الصراع من أجل المادة، بل من أجل دين الله عز وجل، الذي تتم بنصرته سعادة الدنيا والآخرة.

وقد جعل الله تعالى من صور الظلم التي أعطت المؤمنين الحق في الدفاع عن النفس ـ الإخراج من الديار، قال الله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ  [الحج:39-40] . 

ولما كان المؤمنون في مرحلتهم الجديدة ـ بعد الهجرة ـ قد تأخذهم الهيبة من العدو لقلة عدتهم وعددهم، فإن الله عز وجل أراهم صوراً من قدرته على العدو في الانتصار منه دون حاجة إليهم، ولكنه عز وجل اقتضت حكمته في ابتلاء المؤمنين، وإجراء الأمور على سنن الأسباب والمسببات التي جعل الله تعالى الكون قائماً عليها تكليف عباده المؤمنين بالجهاد بالنفس والمال، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [ محمد:4 ].

وكان من هذه الصور: أن نصر الله تعالى رسوله عند خروجه من مكة مهاجراً، دون أن يقدم المؤمنون في ذلك أي سبب لحمايته ونصرته، وقد ذكر الله عباده المؤمنين بذلك ـ وهو يدعوهم إلى الجهاد في سبيله، لينتزع منهم الخوف والمهابة من عدوهم، ويخبرهم بغناه سبحانه عنهم إذا هم تقاعسوا عن نصرة الإسلام، قال عز وجل: ﴿ إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [ التوبة:40 ].

مواقف ثلاث كلها حرجة، تولى الله عز وجل وحده فيها رعاية رسوله وحفظه دون أي سبب من الناس، والعدو يبذل كل الأسباب الممكنة، ويبذل كل حيلة لمحاولة العثور على الرسول - صلى الله عليه وسلم - للقضاء عليه وعلى صاحبه، هذه المواقف هي:

إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين.

إذ هما في الغار.

إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا.

كما أراهم الله عز وجل صورة أخرى من الصور التي رباهم بها، ليغرس في نفوسهم اليقين بأن النصر يبد الله عز وجل، وأن الإنسان لا يملك إلا بذل الأسباب المطلوبة منه مادياً ومعنوياً ليستنزل بها النصر عند الله عز وجل الذي وعد به عباده المؤمنين الصادقين، هذه الصورة شاهدوها بأنفسهم، وتمكنوا من النصر فيها على عدوهم وهم قلة على غير استعداد المواجهة العدو وكان ذلك بمحض فضل الله عز وجل الذي هيأ لهم من أسباب النصر ما لم يكن في حسبانهم، وقد سرد الله عز وجل هذه الأسباب في سورة الأنفال حتى قال عز وجل: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  [الأنفال:17]. 

ذكرهم الله عز وجل بهذه النعمة بعد انتهاء المعركة معركة بدر، وحذرهم في الوقت نفسه على الاتكال وعدم الأخذ بالأسباب، بل أمرهم في السورة نفسها بالأخذ بالأسباب المادية في قوله: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  [الأنفال:60].

ثم أمرهم بالأخذ بالأسباب المعنوية في قوله سبحانه: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 45-46] .

فلا تَدَعوا الأسباب المادية ركوناً على نصر الله ، ولا يركنوا إليها عند الأخذ بها دون الاعتماد على الله عز وجل وطلب النصر منه.

وقد ذكرهم الله عز وجل أيضاً بعد النصر في بدر بحالهم وهم في مكة، وحالهم اليوم وقد أمكنهم الله من عدوهم الذي أذاقهم ألواناً من العذاب، ليقارنوا بينا لحالين، وليكون ذلك مدعاة لشكر الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  [ لأنفال:26 ].

وكل هذه الصور ألوان من التربية لإقامة الجماعة على الطريق الصحيح، وهي تسير في منعطف جديد في تاريخ الدعوة إلى الله عز وجل.

وها نحن نرى في واقع حياتنا نتائج التخلي عن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، والتولي عن المنهج الذي تربى عليه الصحابة في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل، فما ضاعت ديار المسلمين، ولا تمزقت أوصالهم، ولا تسلط عليهم عدوهم، ولا أصبح الصليب يعلو على ديار المسلمين ويضربهم أفراداً وجماعات وشعوباً، وينتهب خيراتهم، ويذلهم، إلا عندما تخلى المسلمون عن الجهاد في سبيل الله عز وجل الذي جعله الله تعالى سبباً لإعلاء كلمته وإعزاز دينه.

ولم يعد من حالنا اليوم إلا التغني بأمجاد الماضي، ومواقف السلف الصالح في الدعوة والجهاد ونصرة الدين، ونشر العدل والحكم بما أنزل الله، نسود بذلك صفحات مجلاتنا وصحفنا ونتشدق بذلك على المنابر، ونكرر هذه الصور مرات ومرات دون أن نأخذ من ذلك الدروس والعبر، ودون أن نغير من واقعنا الأليم شيئاً، بل أحوالنا كل يوم تسير من شيء إلى أسوأ، بل لقد هجرنا المعالم المشرقة والمضيئة في تاريخ الخلفاء الراشدين وأعرضن عن الاستفادة من تجاربهم، وتنكرنا لمحاسنهم، واستبدلنا بكل ذلك إثارة الخلافات التي جرت بينهم، وجعلنا منها قضية نتناحر ونختلف ونتقاتل بسببها، ناسين أن تلك أمة قد خلت، وأن لها من المواقف في طاعة الله ورسوله، وخدمة الإسلام، والجهاد في سبيل الله تعالى، ومحاربة الظلم، والتجرد للحق، والبذل والتضحية، والزهد والورع، والعلم والفهم والفقه، ما يجعل المنصف المحب للخير يتجه إلى مثل هذه الجوانب، مغضاً للطرف عن الزلات محسناً الظن بأولئك العظام، حتى يتجه الناس جميعاً إلى البناء بدلاً من الدمار والانشغال بالأمور التي لا تكسبهم في حياتهم إلا العداوة والبغضاء والشحناء وتعرضهم لسخط الله تعالى، وتجعلهم في حالة من الضعف بحيث يصبحون لقمة سائغة لعددهم كما هو حالهم اليوم، أسأل الله عز وجل أن يعيد عباده إلى طريق الهدى، وسبيل الرشاد، وأن يلهمهم الصواب، وأن يوافق حكامهم إلى مرضاته إنه على ما يشاء، قدير والحمد لله رب العالمين.

فضيلة الدكتور : عبدالوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الهدف من إقامة الدولة
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الهدف من إقامة الدولة

-  حماية الدين، وحمل الناس عليه، وحفظ الثغور وإقامة الجهاد في سبيل الله.

- وسياسة الدنيا بالدين: لحفظ حق الحياة لكل مسلم المتمثل في صيانة الأنفس والدماء والعقول والأموال والأعراض، وذلك عن طريق إقامة أحكام الله وتطبيق الحدود الشرعية.

ولا يتم كل ذلك إلا بوجود الهيبة للدولة في نفوس الناس، فإن النفوس الشريرة لا يردعها إلا الرهبة، والخوف من سلطان الدولة وسطوتها، وكل ذلك أيضاً لا يتم إلا بوجود القدوة الحسنة في القائمين على شئون الأمر: من الكفاءة، والأمانة، والنزاهة، والعفة، والتقوى، فإن نفوس القائمين على الأمر إذا طبعت على الشر والهلع والطمع في المصالح الدنيوية، كان همها السعي وراء الكسب المادي الدنيوي دون ورع؛ وهنا قد تسطو على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، وتتضافر حينئذ جهود المفسدين لحماية مصالحهم، ويصح المسئولون عبارة عن عصابة لا تفكر إلا في نهب حقوق العامة وتسخير سلطانها وجاهها في تحقيق مطامعها، وبدلاً من أن يكون القائمون على الأمر محل احترام وتقدير وقدوة صالحة يتأسى الناس بهم، إذا بهم يصبحون محل استهانة واحتقار، لا هيبة لهم في النفوس ولا مكان لأوامرهم وتوجيهاتهم عند أحد، بل تقتدي بهم الناس، في استخدام كل حيلة ممكنة، وكل طريق فوصل إلى المصالح الفردية، وإهدار حقوق الآخرين الخاصة والعامة.

وفي هذه الحال يصبح دستور البلاد وقوانينها عرضه للانتهاك والاختراق، فيكون صانعوا القوانين الذين يفترض فيهم أن يكونوا حماتها ـ هم أول ـ من يتجاوزها، وهنا تسقط هيبة الدولة ودستورها وقوانينها، وتتفلت الأمور، وتتحول الدولة من دولة نظام وقانون إلى فوضى، يتعرض فيها الفقير والمسكين والضعيف لظلم الغني والقوى وذي الجاه والسلطان، ولا يجد أحد من المظلومين من يمكن أن يلجأ إليه لينصفه ويعيد له حقه، بل تصبح جهات الحكم والتنفيذ معينة على ظلم الظالم وجور الجائر، وفساد المفسد، ويتعرض المجتمع للتفكك والانهيار، ويتعرض مصالح الأمة العامة، وأموالها العامة كذلك للنهب، ويتأصل الفساد من النفوس، ويتظافر الناس على الرشوة والغش والكذب والخديعة والاحتيال، ويصبح الحق باطلاً، والباطل حقاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً ويصبح الملتزم بالصدق والأمانة والسلوك السوي محل سخرية واحتقار عند العامة، لا يجد له نصيراً وظهراً إلا النادر في مثل هذه الأوضاع بخطر ما حق يأتي على كل خير في نفوس الأمة وسلوكها وأمنها، واستقرارها وقيمتها، ويصعب بالتالي تدارك الأمور وإصلاحها والأخذ بزمام الأمور لإعادة الناس وإصلاحها والأخذ بزمام الأمور لإعادة الناس إلى الجادة، ويندم الناس وخاصة العقلاء أنهم أخذوا يجارون أهل الفساد ويمالئونهم ويلزمون الصمت أمام تصرفاتهم، ولا تنفع الندامة حينئذ.

وقد يظن بعض الناس أن مصالحه لا يمكن تنال أو تحفظ إلا إذا سلك مثل هذه السبيل، وأطلق القتال للمفسدين وأحاط نفسه بهم، وحماهم وجعل من نفسه درعاً وافياً يحتمون به عند عبثهم وفسادهم، وهذا من وساوس الشيطان ومكره، فالفساد لا يؤدي إلى خير أبداً، والحق والخير والصلاح والمصالح لا تحمي بالفساد ولا بالمفسدين، والظلم لا يدوم بل عواقبه خيمة.

والتعاون على الإثم والعدوان ينقلب بالخسران والوبال والندامة على أهله، والفتنة إذا عمت لا تترك أحداً، ولا تدع أخضر ولا يابس.

وإذا انعدم فائدة السلطان في حماية وحراسة الدين ورعاية المصالح أصبحت عديمة الفائدة، بل إذا كان المشاركون في السلطات هم أحد أسباب الفساد والداعمون له والممارسون له، فالكارثة أعظم وأفدح؛ لأن الأمر حينئذ انقلبت إلى الضد.

 

تأليف فضيلة الشيخ: عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الوراثة النبوية بين الأمانة والخيانة
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

الوراثة النبوية بين الأمانة والخيانة

 

1 ـ حديث: "إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر"(1).

2 ـ بقاء الدين مرهون ببقاء العلم، قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  [البقرة: 129 ].

3 ـ واجب العلماء قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ  [البقرة:159 ].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ  [البقرة: 174-175].

4 ـ واجب العامة ، قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  [النحل:43]. وقال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً  [طه: 114] . وقال تعالى: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: 22 ]. وقال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ  [محمد:19] .

5 ـ التحذير من علماء السوء وذم سلوكهم قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ  [ التوبة: 24]. وقال تعالى: ﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  [آل عمران: 187] . وقال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  [البقرة: 44] .

 

في الحث على طلب العلم، والعمل بما علم:

ولقد جاء من كلام الخطيب البغدادي: « لا تأنس بالعمل، ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم، ما دمت مقصراً في العمل، ولكن أجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما. وما شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته»(2). وقال بعض الحكماء: لأن أدع الحق جهلاً به، أحب إلي من أن أدعه زهداً فيه. وفي حديث: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه"(3)، قال مالك بن دينار: « إن العلم إذا طلب للعمل كسره علمه، وإذا طلبه لغير ذلك ازداد به فجوراً أو فخراً ». وقال فضيل بن عياض: « لا يزال العالم جاهلاً بما علم حتى يعمل به فإذا عمل به كان عالماً».

ـ التحذير من الازدياد من العلم بدون عمل: قال داود الطائي: إن العلم آلة العمل فإذا أفنى عمره في جمعه فمتى يعمل؟

ـ ترهيب الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ  [الصف:3]. وفي الحديث: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلانا ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرننا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه "(4). وكان سفيان الثوري يقول: «ليتني لم أكتب العلم، وليتني أنجو من علمي كفافاً لا علي ولا لي». عن جبير بن نفير ، قال حدثني عوف بن مالك الأشجعي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نظر يوماً إلى السماء فقال: "هذا أوان يرفع العلم" فقال له رجل من الأنصارـ يقال له: زياد بن لبيد ـ يا رسول الله يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة" ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، فلقيت شداد بن أوس، فحدثته بحديث عوف بن مالك، فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلت بلى؟ قال: الخشوع حتى لا ترى خاشعاً"(5).

ـ التحذير من تعلم العلم للمباهاة والمماراة والرياء، عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة "(6)، وفي حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - المشهور الذي ذكر فيه أول الناس يقضى فيه يوم القيامة، ومنهم: "رجل تعلم العلم والقرآن، فأتى به الله فعرّفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وقرأت القرآن، وعلمته فيك، فقال: كذبت إنما أردت أن يقال: فلان عالم، وفلان قارئ، فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار"(7).

ـ الترهيب من حفظ حروف القرآن وتضييع حدوده: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت فقلت: يا جبريل من هؤلاء ؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ويقرءون كتاب الله ولا يعملون به"(8). كان يقول أيوب السختياني: لا خبيث أخبث من قارئ فاجر. وقال الفضيل بن عياض: إنما نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملاً، قيل: كيف العمل به؟ قال: أي ليحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه.

وروى الخطيب البغدادي عن معروف بن فيروز الكرخي أنه قال: «إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شراً، فتح له باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل» .

روي عن بعض السلف منهم عائشة وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري أنهم كانوا يقولون لمن يكثر التعلم منهم والمسألة: «هل علمتم بما عملتم فيقولون: لا، فيقولون: حتى تعلموا بما تعملون» وينهون الناس عن مجرد التكاثر في الحديث وكانوا يخافون من كثرة التحديث، مخافة أن لا يكون لوجه الله. وكانوا ينكرون على من يجتهد في تعلم النحو ليقيم لسانه حتى لا يلحن، وهو لا يقيم أفعاله على الحق فيقولون: «تلقى الرجل وما يلحن حرفاً، وعمله كله لحن».

ـ اغتنام الأيام، وزمن الشباب، وعدم التسويف "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"(9). "اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (10).

التهافت على القضاء:

ـ جاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي في ترجمة أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أن أبا جعفر المنصور كان يعرض على أبي حنيفة أن يوليه القضاء وكان أبو حنيفة يرد عليه بقوله: «اتق الله ولا ترع أمانتك إلا من تخاف الله، والله ما أنا بمأمول الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب.. فقال له المنصور: كذبت، أنت تصلح فقال: قد حكمت على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب» . فعن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين"(11)، وعن ابن بريدة عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: " القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل قضى بغير الحق فعلم ذلك فذاك في النار وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة قاضيان في النار، وقاض في الجنة"(12).

ـ أين أصحاب الورع الذين كانوا يتهيبون تحمل مسئولية القضاء، وإذا كان القضاء فريضة على الكفاية، فأين أهلها اليوم، وأين معاقل العلم التي تغطي حاجة البلاد اليوم وفي المستقبل؟

ـ ها هو القانون الوضعي يفرض على أبنائنا ليخرج كوادر القانون ليفرض القانون علينا في المستقبل حين نفقد رجل الشرع.

ـ لا يدرس من الشريعة في كلية القانون ـ في الغالب ـ إلا القوانين المستمدة من الشريعة، وهذه القوانين في الأصل إنما صيغت لتيسر للقاضي وتعينه على الحصول على نص القانون في القضية المعينة، لكنها لا توصل أبناءنا بالعلوم الشرعية الأصلية التي استمدت منها هذه القوانين ليكون الأبناء على صلة بهذه العلوم، ومصطلحاتها، ومعرفة أقوال الأئمة وكيفية الاستنباط، ودليل كل إمام، وطرق الترجيح...

وهذا الأسلوب معناه أن يحال بين أبنائنا وبين كتب سلف هذه الأمة، حتى بمعزل عنها ولا يعرفون طريقة الاستفادة منها، فيكون موقفهم منها هو الجهل المطلق، والجاهل لا يستطيع الاستفادة من القوانين الشرعية إلا عند ما يكون عنده إلمام بحظ كبير من العلوم الشرعية.

ـ وإذا كان عندنا اليوم مجموعة من العلماء ينفذون طاقتهم في القضاء، فأين العلماء الذين يجب أن يشتغلوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأين العلماء الذين يحيون رسالة المسجد بإحياء العلم الشرعي فيها، وأين العلماء الذين يقومون بواجبهم في تعليم العلوم الشرعية في جامعة صنعاء. وهل كانت مهمة العلماء في الإسلام قاصرة على مجرد القضاء، ولا واجب عليهم سواه.

العلماء الربانيون:

جاء ذكر الربانيين في القرآن الكريم في مواضع منها :

1) قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ  [آل عمران:79].

2) قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  [آل عمران:146].

3) قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  [المائدة:44].

4) قال تعالى: ﴿ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  [المائدة:62-63 ].

قال الإمام علي - رضي الله عنه- في تفسير "الربانيين": (هم الذين يغذون الناس بالحكمة، ويربون عليها).

المتطفلون على العلم: ـ "الجهل المركب" "مركب النقص".

1 ـ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم – يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"(13).

2 ـ عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها- أن امرأة قالت: يا رسول الله إن لي ضرة، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور"(14).

المتشبع الذي يتشبه بالشبعان وليس به، وبهذا المعنى استعبر للمتحلي بفضيلة لم يرزقها، وليس من أهلها.

تأليف فضيلة الدكتور : عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.

  (1) سنن ابن ماجة 1/81، برقم: 223 ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 1/43، برقم: 182، وفي صحيح البخاري ترجمة الباب العاشر من كتاب العلم 1/37، ورواه الترمذي، ورواه أبو داود، وابن ماجة والدارمي وأحمد وابن عبد البر وابن حبان، والحاكم مصححاً،   وقال الحافظ ابن حجر: له شواهد يتقوى بها.

(2) اقتضاء العلم العمل 1/14.

(3) سنن الترمذي 4/612، برقم: 2417، وصححه الالباني في الجامع الصغير وزيادته 1/1326، برقم: 13256.

  (4) صحيح البخاري 3/1191، برقم: 3094.

(5) مسند أحمد بن حنبل 6/26، برقم: 24036

(6) سنن أبي داود 2/346، برقم: 3664، وصححه الالباني في الجامع الصغير وزيادته 1/1111، برقم: 11104.

(7) صحيح مسلم 3/1513، برقم: 1905.

(8) المعجم الأوسط 3/170، برقم: 2832، وصححه الألباني الجامع الصغير وزيادته 1/13، برقم: 129.

(9) صحيح البخاري 5/2357، برقم: 6049.

(10) المستدرك 4/341، برقم: 7846، الجامع الصغير وزيادته 1/196، برقم: 1957.

  (11) سنن أبي داود 2/322، برقم:3571، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/1114، برقم: 11135، قال الحافظ العراقي:   (سنده صحيح) .

(12) سنن الترمذي 3/612، برقم: 1322، الجامع الصغير وزيادته 1/775، برقم: 7747.

  (13) صحيح البخاري 1/50، برقم: 100.

(14) صحيح البخاري 5/2001، برقم: 4921.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أهمية الوقت
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أهمية الوقت

 

من القرآن :

1- قال تعالى: ﴿ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ  [البقرة:189].

2- قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً  [النساء:103].

3- قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً* وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً  [الفرقان:16- 62].

4- قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ  [فاطر:37].

5- قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ  [الإسراء:12]

6- قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ [القصص:71- 72].

7- قال تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا  [النازعـات:46].

8- قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ  [يونس:45].

9- قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ  [الروم:55].

10- قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً* يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً* نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً  [طه: 102-104] .

11- قال تعالى: ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ* قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  [ المؤمنون: 112-114].

 

 

 

من السنة:

1-  عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال " أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة"(1).

2-    عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : " من عمره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر"(2).

3-    عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"(3).

4-    عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلا"(4).

5-    عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم- لرجل و هو يعظه :" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك و صحتك قبل سقمك و غناك قبل فقرك و فراغك قبل شغلك و حياتك قبل موتك"(5).

تنظيم الوقت:

إن من أهم ما يساعد على اغتنام الوقت:

تنظيم الأعمال، والابتعاد عن المجالس الفارغة الخاوية، وترك الفضول في كل شيء، ومصاحبة المجدين النبهاء الأذكياء المتيقظين للوقت والدقائق، ومسابقتهم في فعل الخيرات.

ومما يعني على اغتنام الوقت ويساعد على التحصيل الصبر على شظف العيش، وعدم الميل إلى الدعة والراحة، قال أحمد بن فارس الرازي:

إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا

ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قـل لي متى؟

وعلى المرء أن يعلم أنه كلما كبرت سنه كبرت مسئولياته، وزادت علاقاته، وضاقت أوقاته، ونقصت طاقاته، فالوقت في الكِبَر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصحة فيه أقل، والنشاط فيه أدنى، والواجبات في الشواغل فيه أكثر وأشد، فعليه أن يبادر ساعات العمر وهي سانحة، ولا يتعلق بالغائب المجهول، فكل ظرف مملوء بشواغله وأعماله ومفاجآته .

ومنه بيت من الشعر للجاحظ أبي عثمان:

أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب

ومن تنظيم الوقت: الحرص على أن لا يطغى عمل على عمل، ولا واجب على غيره، ولا غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا غير الموقوت على الموقوت، فأولى الأعمال وأجدرها بالمسارعة ما حان وقته، بل هو أفضل الأعمال على الراجح.

روى ابن حبان ـ من حديث طويل ـ عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه جاء في صحف إبراهيم: "أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث : تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه"(6).

ومن تزاحمت الواجبات عنده فهو من أولى الناس بتنظيم وقته، وترتيب أموره.

ولابد من الترويح على النفس بعض الوقت إذهاباً للملل، وتجديداً للنشاط، على أن يكون الترويح بما لا إثم فيه، فإن الغلو يؤدي إلى إرهاق النفس وبالتالي إلى الانقطاع عن العمل، وقد عاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرهط الذي تقالوا أعمالهم ثم تعاهدوا على الانقطاع للعبادة "أما والله أتي لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"(7)، كما عاب على عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- ما ألزم به نفسه "إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس لا صام من صام الدهر صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله  وقال لأصحابه – رضي الله عنهم- : "لو تدومون على ما تكونون عندي في الخلاء لصافحتكم الملائكة حتى تظلكم بأجنحتها عيانا ولكن ساعة وساعة "(8). وقال: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا"(9).

كان الجنيد بن محمد يقرأ القرآن وهو في سياق الموت، فقيل له: أجهدت نفسك، فقال: ومن أحق بالإجهاد إلا أنا.

وكان الأسود بن يزيد يصلي أكثر الليل، فقال له بعض أصحابه: لو ارتحت قليلاً. قال: الراحة أريد: يعني في الآخرة.

وجلس سفيان الثوري في الحرم مع قوم يتحدثون، فقام من بينهم فزعاً وهو يقول: نجلس هنا والنهار يعمل عمله.

وذكر الشيخ عايض القرني في كتابه: ثلاثون درساً للصائمين تقسيم الأوقات فقال:

فبعد الفجر، وهو زمن التلاوة والحفظ والذكر والتأمل، ومن ارتفاع الشمس إلى الظهر، هو وقت العمل، والكسب، والتجارة، وطلب العلم، والسعي في الأرض، وبعد صلاة الظهر حاجته لطلبة العلم هو وقت قراءة المجاميع العامة وكتب التاريخ، وبعد العصر هو زمن المكتبة والتحصيل الجاد وتحقيق المسائل، وبعد المغرب لزيارة الإخوان واستقبال الأصحاب، وبعد صلاة العشاء للأهل ثم النوم، فقيام آخر الليل...".

أقول: قد تكون هذه تجربته الشخصية لتوزيع الأعمال على الأوقات، وإلا فالأمر يخضع لإقبال النفس ورغبتها وشوقها، والناس في ذلك يختلفون، كما أن تخصيص بعد المغرب لما ذكر إذا كان كل يوم ففيه نوع من المضيعة للوقت، إذ لا يلزم أن يكون هناك وقت في كل يوم للزيارة واستقبال الأصحاب.

التوقيت في العبادات ونتائج لزومها:

- من يفي بوعده مع ربه سبحانه في لزوم أداء الصلاة في أوقاتها المحددة لها حقيق بأن يفي بمواعيده الأخرى، وأن يضبط أعماله بالوقت ويحرص على استثماره والاستفادة منه وينظم أوقاته وأعماله؛ لأن نفسه التي طبعت على ضبط الوقت في الصلاة جديرة بأن تكسب هذا الحلف في سائر أعمالها بتوقيت من الله سبحانه وتعالى.

الوقت لا يعوض:

 إذا فات المرء شيء فقد يتمكن من تعويضه إلا الوقت فإنه يستحيل عليه تعويض ما فات منه.

 وكل وقت جديد يأتي بواجباته ومهماته، ولا يملك المرء أمام ما فات من الوقت سوى الندامة التي لا تغني شيئاً.

- وقد قال الحسن البصري -رحمه الله-: "ما من يوم ينشق فجره إلا وينادى: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة".

- قال العباس بن الحسن العلوي : "اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم، وأن مالك لا يغني الناس كلهم، فخص به أهل الحق، وإن كرامتك لا تطبق العامة ـ أي لا تعمهم وتتسع لهم ـ فتوخ بها أهل الفضل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما، فأحسن قسمتها بين عملك ودعتك من ذلك؛ فإذ ما شغلت من رأيك في غير المهم إزراء بالمهم، وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحق، وما عمدت من كرامتك إلى أهل النقص، أضر بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة".

 

من الحكم :

يقول الشعر:

وإذا كان آخر العمر يوماً       فسواء قصيره والطويل

ما يحكى عن نوح عليه السلام ـ بعد عمر طويل ـ أنه قيل له: كيف وجدت الدنيا؟

قال: "كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر".

يقول الشاعر:

وما المرء إلا راكب ظهر عمره      على سفر يغنيه باليوم والشهر

يبيـت ويضحي كل يوم وليلة      بعيداً عن الدنيا قريباً إلى القبر

من كلام الحسن البصري:

"يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك".

إن المرء لا يعرف قيمة الوقت إلا ساعة الاحتضار، حين يدرك ما فرط في عمره وهنا يتمنى أن يمد له في عمره ليستدرك ما فاته؛ وأنى له ذلك. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ* وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ  [المنافقون:9-10] . وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  [المنافقون:11]. وقال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) *لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  [المؤمنون: 99- 100] .

من كلام الحسن البصري:

"أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم".

ومن كلام بعض السلف: "من علامة المقت، إضاعة الوقت".

و من كلام ابن مسعود – رضي الله عنه-: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي".

يقول الشاعر:

إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ولم أستفد علماً فما ذاك من عمري

يقول أحد الحكماء: "من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو مرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه".

ما يشاع اليوم عن "قتل الوقت" يعني إضاعته باللهو عن عمد وقصد، وإهمال الواجبات وإضاعتها، ما هو إلا قتل للنفس؛ لأن الوقت هو العمر، وبذلك يكون قتل الوقت تبذير وتبديد له، وذلك أقبح من تبذير وتبديد المال.

ليس هناك أمر اسمه فراغ، فالنفس إما أن تشغلها بالطاعة والخير، وإما تشغلك بالباطل واللهو والشر والفساد.

إذا انضاف إلى الفراغ، الشباب، والسعة في الرزق كان ذلك ـ عند عدم الإيمان ـ من أقوى العوامل على الفساد، كما قال أبو العتاهية:

إن الشباب والفارغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة

والتسويف، وتأخير عمل اليوم كله أو بعضه إلى غد، إنما يحمل عليه مرض العجز، أو الكسل، وهما داءان فتاكان بالمرء، استعاذ منهما الرسول - صلى الله عليه وسلم- بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل"(10).

الانشغال بما هو أولى وأفضل من غيره، قال صالح بن عبد القدوس:

وإذا طلبت العلم فاعلم أنه حمل فأبصر أي شيء تحمل

وإذا علمت بأنه متفاضل فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل

وجود الدوافع، وانتفاء الموانع لاستغلال الوقت:

ومن أجل القضاء على داء العجز والكسل أمر الله عز وجل في عدد من الآيات إلى استباق الخيرات، والمسارعة إلى ذلك والتنافس فيه، قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً [البقرة:148] . وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  [آل عمران:133] . وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21].

ومن مسببات الخمول والكسل: كثرة النوم، وكثرة الأكل.

يروى عن لقمان -عليه السلام- أنه قال: "يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة".

وقال سفيان الثوري: بِقِلَّة الطعام يملك سهر الليل" وقال سحنون: " لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع".

 

قصر العمر مهما طال:

 ندامة الإنسان على ما فرط عند نهاية العمر.

 عمارة الحياة بالطاعة أو هدمها بالمعصية.

 لذائذ الدنيا غير المشروعة تؤول إلى ندامة ونغص.

 لا ينقل المرء من أمور الدنيا إلى نعيم الآخرة إلا العمل الصالح.

 حاجة النفس إلى المراقبة الدائمة والمحاسبة المتوالية ومخالفتها إلى ما تكره من الطاعة والعبادة والمجاهدة.

- الانجراف وراء مطالب النفس موبق المرء ويؤول حاله إلى أن يصبح أسيراً للشهوات والمألوفات التي يصعب عليه الانفكاك عنها.

 حلال الدنيا حساب وحرامها عقاب.

- من الناس من يخاف انقطاع العمر قبل الأخذ بنصيب وافر من لذائذ الدنيا فيقبل على إشباع الغرائز بكل ما يستطيع؛ ومنهم من يرى العمر مهما طال قصيراً في جانب الآخرة فيقبل على المسارعة في الخيرات والتزود لطول الطريق.

 كم غني ملك ما لا ينتفع به بل كان عليه وعلى أولاده من بعده وبالاً.

- تحري الحلال: فيه بركة العمر، وسعادة المرء، وراحة الضمير، وطهارة النفس، وتغذية الزوجة والولد بما لا يجلب سخط الله عزوجل، وبما تنفتح لدعوة صاحبه أيوب السماء، وتقبل أعماله.

- الوسطية في الإنفاق بما لا إسراف ولا تبذير فيه ولا خيلاء، ولا تقتير ولا تضييق على النفس ولا على الأهل والولد وبما وهب الله من الرزق الحلال.

 

تأليف فضيلة الدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي

___________________ 

  (1) صحيح البخاري 5/2360، برقم: 6056.

  (2) مسند أحمد بن حنبل 2/417، برقم: 9383، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/42، برقم 415.

(3) صحيح البخاري 5/2357، برقم: 6049.

  (4) سنن الترمذي 4/612، برقم : 2417، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/1326، برقم: 13256.

  (5) المستدرك 4/341، برقم: 7846، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1/196، برقم: 1957.

  (6) صحيح ابن حبان 2/76، برقم : 361، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب 2/43، برقم: 1352.

(7) صحيح البخاري 5/1949، برقم : 4776.

  (8) صحيح ابن حبان 2/55، برقم: 344، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/606، برقم: 1965.

(9) صحيح البخاري 2/695، برقم: 1869.

(10) صحيح البخاري 3/1059، برقم: 2736.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أول ما يبدأ به موضوع العلم
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

أول ما يبدأ به موضوع العلم

 

1-    الإشارة إلى انشغال كثير من العلماء اليوم إلى التأليف بدلاً عن بناء الرجال بالعلم والتربية، لأنه إذا فقد العالم فمن يقرأ ما تزخر به اليوم المكتبات في العالم الإسلامي، مع أننا نلاحظ فشو الجهل اليوم وعدم ثمرة الكثير مما يكتب ويؤلف، ولو أمكن الجمع بين التأليف والتعليم والتربية لكان أمراً حسناً ، بدلاً من الانقطاع لمجرد التأليف، الذي نخشى أن يكون الدافع له غرض تجاري منفعي عاجل.

2-  بيان الأحاديث التي تشير إلى أنه من علامات الساعة فشو الجهل، وقبض العلم ودروسه مثل الحديث المروي في التجارب كتاب العلم باب21 .الحديث الأول والثاني وباب 34 وكذا الأحاديث في صحيح مسلم ج4/2056 وما بعدها من الحديث رقم 2671-2673 ، وكذا حديث رقم 2653 في سنين الترمذي .

 

تأليف فضيلة الدكتور :عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حالة الرسول مع الأصحاب في مكة والأسباب التي أدت إلى الهجرة
أ.د. عبد الوهاب لطف الديلمي
الثلاثاء 27 نوفمبر 2012

حالة الرسول مع الأصحاب في مكة والأسباب التي أدت إلى الهجرة

 

يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  [سبأ:34-35 ].

1) سرية الدعوة مدة ثلاث سنوات، أسلم فيها من أسلم.

2) نزول قوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] .

3) ظهور عداوة القوم:

أ‌- ذهاب قريش إلى أبي طالب، وطلبوا منه أن يكف ابن أخيه مما هو فيه، فرد لهم رداً فيه لين وحكمة.

ب‌- معاودة قريش لأبي طالب مع أسلوب التهديد لأبي طالب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يكف عن دعوته وقوله -صلى الله عليه وسلم- : "يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"(1).

ت‌- (إنابة كل قبيلة من قريش على من فيهم من المسلمين لتعذيبهم إياهم:

- أمية بن خلف يعذب بلالاً، وينقذه أبو بكر.

- بنو مخزوم يعذبون عماراً وأبويه، وموت أمه تحت التعذيب، وبشارة الرسول لهم.

- مصعب بن عمير يحسبه أهله حتى هاجر إلى الحبشة.

عثمان بن مظعون يدخل في جوار الوليد بن المغيرة بعد عودته من الحبشة ثم يرفض جواره ويرضى بجوار الله سبحانه وحده، ومقالته الخالدة لما لطمه أحد المشركين بين يدي الوليد بن المغيرة.

عثمان بن عفان أوثقه رباط عمه الحكم بن أبي العاص، ولما رأى إصراره على الإيمان تركه.

خباب بن الأرت، عذبه كفار قريش حتى برص ظهره، وهو الذي قال فيه الإمام علي: رحم الله خباباً أسلم راغباً وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً.  

لما لم تفلح قريش في أسلوب التعذيب لمن أسلم عمدت إلى أسلوب التنفير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- برميه بكثير من المطاعن التي تنفر الناس عنه، فأغروا به سفهاءهم فرموه: بالكذب، والسحر، والشعر ، والكهانة والجنون، وآذوه ونفوا في إيذائه.

ثم عمدوا إلى إيذاء ذاته الكريمة صلى الله عليه وسلم:

أ ـ جاء -صلى الله عليه وسلم - يوماً ليطوف بالكعبة وجمع من رؤساء قريش حول الكعبة، فغمزوه ببعض القول وكرروا ذلك، ثم التفت إليهم - صلى الله عليه وسلم - وأشار إليهم بالذبح فأخافهم لم يعرفون من صدقه.

وفي يوم آخر جاء ليطوف بالبيت فعمدوا إليه بالضرب وتدخل أبو بكر ليخلصه منهم وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله.

وفي يوم آخر كان النبي - صلى الله عليه وسلم- ساجد يصلي حول الكعبة، فقال أبو جهل من يعمد منكم إلى جزور بني فلان ..

وقام أبو بكر يوماً يدعو إلى الله تعالى فقام إليه المشركون يضربونه وكان عتبة بن ربيعة يضربه بحرفهما، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمله بنو تميم، وهم لا يشكون في موته..

الهجرة إلى الحبشة، ومحاولة قريش إرجاعهم إلى مكة حيث بعث في إثرهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، والمحاولة التي وقعت بين : وفد قريش، والنجاشي ، وجعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب في العام السابع للبعثة واستمرار المقاطعة ثلاث سنوات.

إيذاء ثقيف له -صلى الله عليه وسلم -حين خرج إليهم يدعوهم إلى الله تعالى، ودعاؤه المشهور :  اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أرحم الراحمين أنت ارحمني إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن غضبانا علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك اللهم إليك أشكو..(2).

تأليف فضيلة الشيخ : عبد الوهاب بن لطف الديلمي

تخريج : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1) سيرة ابن هشام 2/101، وضعفه الألباني السلسلة الضعيفة 2/310، برقم: 909.

(2) فقه السيرة 1/125، وضعفه الألباني السلسلة الضعيفة 6/435 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: