السير في الأرض
الأحد 11 نوفمبر 2012

السير في الأرض

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد:

فإن خير الكلام كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيراً ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل : 44].

قد يقول قائل: لماذا نحتاج إلى السؤال عن معنى من معاني القرآن، وقد أنزله الله بلسان عربي مبين، قد يحتاج غير العربي إلى السؤال عن القرآن، أما العربي وقد فهم لغة العرب فلا حاجة لذلك؟

نقول له: أنت إما جاهل لا علم لك بلغة العرب وتعتقد أن ما تفهمه من لغة العرب كافي لفهم لغة القرآن! وإما متعالم تريد أن تقول في القرآن برأيك وقد نهينا عن ذلك، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»(1), ولعل الله قد وفق السائل لأن يسأل عن أمر دينه وهذا أمر حسن؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[النحل :43], بل إن الله أمر رسوله أن لا يتعجل في القرآن ويتأنى به، ووكل تفهيمه وتعليمه إليه.

قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾[القيامة:16-19]، والشاهد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فإذا كان الأمر بهذه الخطورة وأن القرآن يحتاج إلى من يعلم تفسيره وتأويله فلا حرج إذن أن يسأل الإنسان عن تفسير معنى آية.

لننظر الآن أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[العنكبوت:20].

قال القرطبي: (أي: قل لهم يا محمد سيروا في الأرض ﴿فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم لتعلموا بذلك كمال قدرة الله)(2).

وقال ابن كثير: (أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات والأرضين وما فيها من مهاد وجبال وأودية وبراري وقفار وأشجار وأنهار وثمار وبحار كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها وعلى وجود صانعها الفاعل المختار الذي يقول للشيء كن فيكون ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾[العنكبوت:19]، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:27]، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾[العنكبوت:20]، أي يوم القيامة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت:53]، وكقوله تعالى : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾[الطور:35- 36])(3).

وقال الطبري: (قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات الجاحدين الثواب والعقاب: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها وكما أوجدها وأحدثها ابتداء فلم يتعذر عليه إحداثها مبدئا فكذلك لا يتعذر عليه إنشاؤها معيداً)(4).

وقال أبو السعود: (أمر لإبراهيم عليه السلام أن يقول لهم ذلك أي سيروا فيها فانظروا كيف بدأ الخلق أي كيف خلقهم ابتداء على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها)(5).

نرى أن أقوال المفسرين متقاربة فيما بينها من حيث المعنى العام وهو أن الله أمر الجاحدين المعاندين المنكرين للبعث والنشور يوم القيامة بالسير الحقيقي في الأرض وتتبع آثار مَن سلف من الأمم الغابرة، ولعل هذا الصنف من الناس لم ينقرض منذ ذلك الزمان وحتى يومنا هذا بل وإلى يوم القيامة وهو صنف لا يؤمن إلا بالماديات المحسوسة المشاهدة وينكر ما سواها من الآيات والأدلة التي يمكن مشاهدة آثارها في هذا الكون كرؤية أثر الهواء على أوراق الشجر فتحركها، فأمر الله تعالى نبيه أن ينبه هذا الصنف من الناس خاصة بالسير والنظر والتدبر بما يشاهدونه من وقائع وآثار وأدلة ملموسة على صدق ما جرى للأمم الغابرة لعلهم يتعظوا ويتنبهوا قبل أن يأتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ولا شك أن وسائل وأدوات من مضى من الأمم الماضية في البحث والتنقيب والسير والتنقل تختلف تماما عن وسائل وأدوات البحث والتنقيب والسير لمن يعيشون اليوم على هذه الأرض، وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى طول كلام فالبعير بالأمس جاءت  اليوم السيارة والطائرة بديلا عنه، والفأس والمعول والحبل والدلوا قد تحولت إلى وسائل متطورة من أدوات الاستشعار التي تعمل بالأشعة فوق البنفسجية والليزر ووسائل التصوير الحديثة والأقمار الصناعية، وغير ذلك مما لا يعلم به حتى الآن إلا أصحاب الاختصاص الدقيق، فإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن تكون الأسرار التي يكتشفها علماء اليوم أكثر وأدق بكثير مما اكتشفه أجدادهم من الرحالة والمكتشفين الذين وهبهم الله حب التنقيب والبحث في مجال الآثار وغيرها.

وبناءً عليه نقول وبالله التوفيق: إن الله هيأ لكل عصر وسائله التي يستطيع الناس أن يتوصلوا بها لأدلة مادية محسوسة قاطعة الثبوت لا لبس فيها ولا شك تناسب عقول أهل ذلك الزمان ليستدلوا بها على عظيم قدرة الخالق في إحياء الموتى يوم القيامة وأن البعث حاصل لا محالة كما أنشأنا أول مرة، وهكذا الأمر بالنسبة لمسألة بدء الخلق فإن الله يخبرنا فيما تقدم من الآيات أن هناك أدلة قاطعة تتناسب والزمان الذي يعيشه أهل كل عصر في إثبات ومشاهدة بداية الخلق وكأننا نعيش تلك الساعات التي بدأ فيها الخلق، ولا أعتقد أن من اطلع على كتابات المتخصصين في علم الفلك وكان هو من أهل هذا الاختصاص لا أظن أنه يبقى عنده أدنى شك في صدق بعض النظريات وتحققها على أرض الواقع عن مسألة كيفية بدء الخلق، خاصة في هذا القرن الذي توالت فيه النظريات القاطعة على حقيقة بدء خلق الكون، وبالأمس تحديداً تعلن قناة mbc عن بدء أعمال المؤتمر العالمي لمسألة بدء الخلق، ومن أراد الاستزادة حول هذا الخبر فما عليه سوى الرجوع إلى موقع قناة mbc الفضائية على شبكة الإنترنت لمتابعة أحداث هذا المؤتمر وما سوف يتمخض عنه من نظريات.

فكون أن ما يكتشفه العلماء اليوم وغداً بأن بعض الحقائق تتوافق مع نظرية التطور فهذا لا يجعلنا نشك في ديننا أبداً ولا أن كل ما قيل في تلك النظرية هو خطأ محض، إن ما ننكره على تلك النظرية عموما هو جعل هذا الكون يسير سيرا حثيثا ويتطور من البكتريا أحادية الخلية إلى إنسان بعقل وأحاسيس بلا مدبر له ولا خالق له، سبحان الله ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14]، ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[يونس:18]، ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾[الرعد:33].

وهذا الكلام بهذه الفكرة مردود جملة وتفصيلاً؛ لأنه لا يقول بهذا عاقل فكل مصنوع لا بد له من صانع والأثر يدل على المسير والبعر يدل على البعير فهل يكون هذا الكون الفسيح وتلك السماء ذات الأبراج وهذه البحار ذات الأمواج بلا خالق عليم خبير؟

إن كل من آتاه الله حظا من العلم يعلم علم اليقين بأن لهذا الكون خالقا ومدبرا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾[فاطر:28] فالسير إذن في الأرض واكتشاف ما خفي عمن قبلنا إنما هو وسيلة من وسائل العلم الحديث وطريق من طرق تثبيت الإيمان وترسيخه، وصدق الله القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت:53]، والحمد لله رب العالمين.

إعداد/ قسطاس إبراهيم

مراجعة/ عبد الكريم الفهدي، ورياض عيدروس.

________________

(1) أخرجه الترمذي في سننه (5/ 199)، برقم (2951)، وأحمد في المسند (1/ 293)، برقم (2657)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4/ 265)، برقم (1783)، وهو في ضعيف الجامع برقم (114).

(2) تفسير القرطبي (13/ 299).

(3) تفسير ابن كثير (3/ 541).

(4) تفسير الطبري (10/ 130).

(5) تفسير أبي السعود (7/ 35).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
بيان الأدلة الشرعية التفصيلية للإعجاز العلمي
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان الأدلة الشرعية التفصيلية للإعجاز العلمي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد:

الأخ الفاضل/ محمد إبراهيم بالنسبة لسؤالك وهو: بيان الأدلة الشرعية التفصيلية للإعجاز العلمي فنحيلكم على موقع جامعة الإيمان في كتاب تأصيل الإعجاز العلمي للشيخ عبد المجيد عزيز الزنداني بمشاركة بعض الباحثين ويحتوي هذا الكتاب على الأدلة التفصيلية للمانعين والمجيزين وكذلك التأصيل الشرعي لهذا العلم وقد طرحت هذه الأبحاث في المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي والجامعة الإسلامية بإسلام أباد والذي عقد في إسلام أباد بباكستان في الفترة 25-28 صفر الموافق: 18-21/ 10/ 1987م.

أجاب عن السؤال/ رياض عيدروس + عبد الكريم الفهدي

مراجعة/ د. قسطاس إبراهيم

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
رد جرف هار
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد:

فنقول للأخت الكريمة المتسائلة عن معنى الآيتين (108، 109) من سورة التوبة، وهل له علاقة مباشرة مع حادثة تفجير برجي التجارة العالمية في ذلك؟

أقول وبالله التوفيق: إن هذه الشائعة انتشرت في الإنترنت وبنت معلوماتها على الآتي:

1ـ المبنى يقع في منطقة في نيويورك تسمى (جرف هار).

والآية الكريمة في سورة التوبة رقم (109) فيها هذه اللفظة.

2ـ وقت انهيار المبنى العالمي للتجارة هو 11 / 9 / 2001.

وسورة التوبة تأتي في الجزء (11) من القرآن وهو يوم الانهيار.

3ـ سورة التوبة رقم (9) في القرآن وهو (شهر) الانهيار.

4ـ عدد الحروف من بداية سورة التوبة وحتى الآية (109) هو (2001 حرف) وهو (تاريخ سنة) الانهيار.

5ـ رقم الآية في القرآن هو (109) وهو عدد (أدوار البرج).

فقالوا: هذا التوافق عجيب وفيه إعجاز علمي.

وبالنظر والتأمل اتضح كذب هذه المعلومات المبني عليها هذه الفكرة المسماة بأن هنالك إعجاز علمي  لأسباب عديدة:

أولاً: ما علاقة هذه الآية التي تتحدث عن المسجد الضرار الذي أسسه المنافقون على غير تقوى الله، وتشير إلى أن كل إنسان يبني أعماله في الدنيا على غير تقوى الله فإن هذه الأعمال ستنهار وتهوي به في نار جهنم يوم القيامة. فما علاقة انهيار بناء يوجد مثله آلاف الأبنية بهذه الآية؟

ثانياً: أن عدد كلمات سورة التوبة ليس (2001) وعدد الكلمات من بداية السورة حتى الآية المذكورة ليس (2001) وهذا العدد ليس له وجود في السورة أصلاً.

ثالثاً: هذا الإعجاز المزعوم يعتمد على الرقم (109) وأنه هو عدد الطوابق للمبنى المنهار الموافق للآية (109) من سورة التوبة مع أن عدد طوابق المبنى هو (110)، وليس (109) كما زعموا.

رابعاً: لا يوجد في أمريكا  في تلك المنطقة التي حدث فيها هذا الحادث شارع اسمه (جرف هار).

خامساً: يتضح مما سبق أن المعلومات التي اعتمد عليها بأنها كاذبة وخاطئة ولا يمكن الاعتماد على ما فيها.

سادساً: من أين أتى هذا الشخص بهذا الإعجاز وهل هو متخصص في هذا العلم وعلى أي قاعدة بني عليها هذا التأويل لو صح سنجد أن هذا الكلام ليس من متخصص بل الراجح أنه من وضاعين الإنترنت ممن يحبون الغرائب بمثل هذه الأخبار وقد يكون ممن له قصد سيئ لتشويه الإسلام أو الإعجاز أو كليهما(1).

والتفسير الصحيح لهذه الآية ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[التوبة:109] هو ما أشار إليه المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس: (﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ بني أساسه ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ على طاعة الله وذكره ﴿وَرِضْوَانٍ﴾ بنوا إرادة رضوان ربهم وهو مسجد قباء ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ بني أساسه وهو مسجد الشقاق ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ على طرف هوي وليس له أصل ﴿هَارٍ﴾ غار ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾ فغار به يعني بانيه ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لا يغفر للمنافقين ولا ينجيهم)(2).

إعداد/ عبد الكريم علي الفهدي

مراجعة/ رياض عيدروس + محمد البعداني

________________

(1) بتصرف موقع عبد الدائم الكحيل.

(2) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (1/ 214).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
رد عن سفينة نوح
الأحد 11 نوفمبر 2012

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

رد عن سفينة نوح

ورد إلى موقعنا سؤال أو بحث حول سفينة نوح وهذا طرف منه:

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

تحية طيبة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونفع الله الأمة بكم لما تقومون به من علم ومعرفة.

الإخوة القائمين على موقع جامعة الإيمان أرجو منكم الاطلاع على الموضوع لأهميته وأرجو الرد عليه لنزداد معرفة وعلم.

العنوان: الجمهورية اليمنية - عدن – خور مكسر – ت 733806110.

بهذا البحث الخاص عن اكتشاف سفينة نوح عليه السلام في وسط الجمهورية اليمنية فأرجو الاطلاع عليه وأن نرى رأيك فيه حيث إنني عملت محاضرات في كل الجامعات اليمنية وأبليت بلاء حسناً فأرجو الاطلاع.

الباحث -م- عارف صالح التوي

[email protected]

الجواب: الحمد لله رب العالمين القائل: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[النساء:83].

واشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد وسع كل شيء علماً وأنزل علينا قرآناً عربياً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:

أيها الأخ الباحث! قد يكون البحث في هذا الموضوع الدافع من وراءه الغيرة على الدين لكن ومن خلال الاطلاع على البحث وجد الآتي:

1- أن هذا البحث لم يقم على الضوابط العلمية المنهجية التي وضعها علماؤنا الأقدمون أو أصحاب هذا العلم الجديد (الإعجاز العلمي) وأنصح الباحث بقراءة كتاب تأصيل الإعجاز العلمي وطرق التفسير للقرآن وشرح الأحاديث النبوية عند أصحاب الاختصاص.

2- أساس هذا البحث قام على قاعدة بيت العنكبوت شبكة العنكبوت ووضعها على مجسم خطوط الطول والعرض فطلعت على حسب رقم الآية وعدد الكلمات في اليمن أقول لك: من أي نوع اخترت هذه الشبكة التي وضعتها على خطوط الطول والعرض هنالك ما يقارب 30.000 صنف من العناكب وأشكال كثيرة جداً للشباك كشباك القبة الغشائية Filmy dome spider أو شباك العنكبوت سلمى الشباك Ladder- web –spider أو عنكبوت الحديقة الصليبية Garden cross spider أو عنكبوت النسج القمعي(1)Funnel- web spider  فما أدري أي نوع من الشباك وضعت ولماذا اخترت هذا النوع بالذات.

صورة لأنواع متعددة من الشباك للعنكبوت:

 

 

 3- لا أدري من أين أخذت هذا المنهج ربما اكتشفنا أمور أخرى اليوم نضع شباك عنكبوت وربما يوم آخر نضع شكل لشمع نحل عندما نستعرض قصة إبراهيم التي وردت في سورة النحل أو لبيت نمل عندما نستعرض بعض القصص التي وردت في سورة النمل ومن ثم نضعها على خطوط الطول والعرض!!

4- الجانب الثاني من البحث قام على خطوط الطول والعرض وهل خطوط الطول والعرض أصل أو مرجع من المراجع التي أخذ بها الشرع في تفسير آية أو شرح لحديث مثل اللغة أو التفسير بالقرآن أو بالسنة أو بقول صحابي....

5- من يسلم لنا أن خطوط الطول والعرض حقيقة علمية لا يمكن أن تتغير وكم من النظريات كان يظن أصحابها أنها حقائق ومع مرور الزمن اتضح أنها كانت مجرد أوهام عفى عليها الزمن وخطوط الطول والعرض وضعها الإنسان ولا يزال هناك إشكال حول هذه الخطوط ونظريات تقترح تغييرها بين وقت وآخر.

6- أخيراً أنبه الأخ الباحث وكل باحث بالتحري حتى لا يقع في القول على الله بغير علم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾[القصص:50]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ [يونس:69] وافتراء الكذب سواء كان بحسن نية أو بسوء النية لا فرق وقد يكون الكذب بإتباع طرق غير صحيحة للاستدلال، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف:33].

قال ابن القيم: (وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها كما في هذه الآية، حيث رتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم محرما منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم ويدخل في ذلك أن تقول أن المراد في تفسير هذه الآية أو تلك شيء معين من الاستدلال).

إعداد الباحث/ عبد الكريم علي الفهدي

19/ 10/ 2009م

مراجعة/ د. قسطاس إبراهيم النعيمي

________________

(1) من موقع المفصليات والعناكب على هذا الرابط http://www.smsec.com/ar/encyc/learn/vermin/ar9_1.htm

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
رد عن سؤال بخصوص الحبة السوداء
الأحد 11 نوفمبر 2012

 

 

رد عن سؤال بخصوص الحبة السوداء

السؤال كما ورد: السلام عليكم أخي الدكتور أريد أن أسال أخي عن الحبة السوداء الحقيقية ما هي؟ وهل توجد عندنا في المغرب أم لا؟ لأن بعض المغاربة يقولون: شونيز الموجود عندنا هو الحبة السوداء، وبعض المغاربة ليس هو الحبة السوداء الحقيقية، والدكتور محمد فايد عندنا في المغرب يقول: هناك تشكيكات حول الحبة السوداء هل هي حبة البركة الموجودة في البلدان الشرقية، أما السانوج الموجود في البلدان المغاربية وكثير من البلدان الأوروبية والأمريكية؟

وهذين النوعين من الحبوب لا يعني نباتين مختلفين، وإنما فصيلتين من نفس النوع تختلفان في الشكل فقط نظرا للعوامل البيئية والزراعية المختلفة بين المنطقتين، والسانوج أعلى تركيز من حبة البركة، ولو أن الناس يفضلون هذه الأخيرة، وليس المشكل في التسمية وإنما في الاستعمال، وكما هو معلوم فاستعمال زيت الحبة السوداء لا ينوب عن استعمال الحبوب كاملة، وكل المواد المستخرجة من الحبوب وأكثرها على شكل زيوت إما بالتقطير أو بالعصر ليست إلا أشكال تجارية، وربما لا تصلح للعلاج الطبيعي الذي يستعمل الحبوب كاملة. والمستخلصات التجارية لا تحتوي على كل المركبات الكيماوية الموجودة في الحبة السوداء، وأهمها الألياف الخشبية لهذه الحبوب، والتي تمثل ثلث المواد النشطة في الحبوب، إلى جانب الألكلويدات التي لا تكون في الزيوت ولا في الزيوت الطيارة، ولذلك نعتبر هذه الحبوب والبذور مواد غذائية، وليست أعشاب طبية، ويجب أن نفرق بين الطب النباتي والطب الغذائي، وتناول هذه الحبوب يجب أن يكون ضمن النظام الغذائي وليس بعد الإصابة بالمرض.

أريد أن تنصح كل المغاربة يا أخي الدكتور، وجزاكم الله خيراً، عيدكم مبارك.

سعيد الطيب - المغرب

Découvrez toutes les possibilités de communication avec vos proches

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين القائل صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء، إلا السام»(1) وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين وبعد:

عُرِفت الحبة السوداء أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالشونيز، وكان هذا هو الاسم الغالب لها، ولون هذه البذور أسود ولذا عرفت بالحبة السوداء، ويختلف اسمها باختلاف الدول (فتسمى بحبة البركة في مصر، وبعض الأماكن تسمى بالكراويا السوداء، وتسمى بالكمون الأسود في السودان، وتعرف في اليمن بالقحطة، وفي اللغة الفارسية بالشونيز، وذكرت في برديات قدماء المصريين باسم شنقت, والاسم العلمي لها هو: (Nigel sativa)(2). كما تسمى في بعض الأماكن بالسانوج وهذا ما تشير إليه المواقع الالكترونية(3).

وهذه الحبة السوداء نالت الاهتمام عند المسلمين بسبب ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها، فلذا ذكرها شراح الأحاديث بشيء من التفصيل كما ذكر خصائصها واستعمالاتها المختلفة الأطباء المسلمون وغيرهم.

والاستخدام المباشر للحبة السوداء أفضل لأن الطحن للحبة والبقاء فترة طويلة يذهب الكثير من الزيت الطيار للحبة السوداء الذي يعزى إليه الفوائد الطبية.

والمواد المستخرجة من الحبة السوداء تنفع بقدر معين والعلاج بالحبة السوداء ينفع قبل الإصابة بالمرض حيث يقوي المناعة وينفع بعد الإصابة بالمرض للغرض نفسه وهي حبوب غذائية وطبية في نفس الوقت.

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

إعداد الباحث/ عبد الكريم علي عبده الفهدي

4/ 10/ 2009م

________________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء (4/ 1735) رقم الحديث (2215).

(2) الحبة السوداء في الطب الشعبي: الدكتور الفاضل العبيد عمر ص:15، مكتبة دار المطبوعات الحديثة، جدة، الطبعة الأولى (1410هـ- 1990م).

(3) منها موقع رحماء الإسلام على هذا الرابط http://www.rohamaa.com/vb/showthread.php?t=747

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
سؤال حول استنباط من قوله تعالى (وحملناهم في البر والبحر)
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ العزيز/ عبد الخالق سعد يونس حشاش - بنغازي - لييبيا     الأكرم.

لقد وصلنا بحثك الذي تشكر عليه وجزاك الله خيراً لاهتمامك بمثل هذه الموضوعات المفيدة، وبعد الاطلاع على بحثك وجدنا فيه لفتة جميلة وهي ما يستدل بها الباحث على التنبؤ بوسائل الحمل الجوية من خلال ما استنبط من قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[الإسراء:70] على أن الحمل في البر والبحر معاً لا يتحقق إلا عبر وسائل النقل الجوي (الطائرات)، ومن هنا جاء استدلال الباحث بتنبؤ القرآن بالطائرات، وهذا كلام جميل لكنه ليس على إطلاقه، فقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[الإسراء:70] تعني: أن الله تعالى سخر للإنسان وسائل الحمل في البر على اليابسة من الدواب وغيرها، كما سخر لهم في البحر السفن والزوارق والقوارب ونحوها، ولكن لا يمكن قصر الحمل في البر والبحر معاً على الطائرات أو وسائل النقل الجوي، على أن هذا مقصود الآية الذي استشهد به الباحث، بل يكون الحمل عبر الجو في البر والبحر بواسطة الطائرات ونحوها من ضمن ما امتن الله به على بني آدم لاشتمال الآية عليه كون الجو (الغلاف الجوي) تابع للأرض التي يتكون سطحها من اليابس والماء (البر والبحر) وهذا الاستدلال الذي استدل به الباحث استدلال ضمني وليس تصريحي لأن الأصل في تأويل الآية هو الظاهر الذي يفهمه العرب الذين أنزل عليهم القرآن ولو أراد القرآن تخصيص الحمل في الجو في إشارة للنقل الجوي لقال في (الجو أو السماء)؛ لأن القرآن الكريم يعبر عن الغلاف الجوي بالسماء في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[النحل:79].

ومن جهة أخرى قصر تأويل الآية على الحمل في الجو ينفي منطوق الآية وهو في البر والبحر وهو ما تعارف عليه الناس من قبل نزول القرآن والقرآن يمتن على الناس بما وجدوا أنفسهم محمولين عليه من وسائل النقل قديما و حديثا وهي وسائل البر والبحر المعروفة، فإذا ما استحدث الإنسان شيئاً جديدا من الوسائل دخل ضمن هذا الامتنان.

من جهة أخرى: لا يشترط في التنقل (الحمل) عبر البر والبحر أن يكون عبر وسيلة واحدة كما فهم الباحث، لأن جملة ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[الاسراء:70] لا تعني وسيلة نقل واحدة وهي الطائرة، بل المعنى حملناهم في البر بما سخر الله لهم من الدواب وغيرها وحملناهم في البحر بما سخر الله لهم من السفن وغيرها، لأن العرب تختصر في الكلام ولا تطيل إلا لمعنى بلاغي إذا اقتضت الحاجة ولا حاجة هنا أن يقول وحملناهم في البر وحملناهم في البحر لأن معنى الآية مفهوم لدى العرب. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[الأنعام:59].

وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾[يونس:22].

وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم:41].

فهل يعني بناء على فهم الباحث للآية أن يكون معنى هذه الآيات ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعنى في الجو؟ الجواب: لا لأن التسيير بمعنى الحمل وزيادة، ولهذا وصف الله السحب وهي في الجو بالسوق وبالإزجاء وبالحمل والإقلال، وهكذا بقية الآيات.

إذا: لا يكون المن في الآية خاص بمن ركبوا الطائرات فقط وهم أهل زماننا؛ لأن هذا الامتنان لجنس الإنسان قديماً وحديثاً وهذا لا يكون إلا إذا كان معنى الآية هو المعنى الظاهر الواضح من الحمل في البر والبحر والظاهر للناس منذ القرون الأولى كما أنه ينطبق على الحمل في الجو كونه تابع لهما وهو ما عرفه الإنسان في العصر الحديث، فيتناوله الامتنان.

فيمكن القول أن في الآية إشارة إلى أن الإنسان سيتمكن من السير عبر الجو من هذا الوجه.

فتقسيم الباحث وسائل النقل إلى: وسائل في البر ووسائل في الجو ووسائل في البر والبحر بمعنى الجو، من خلال هذه الآية لا يصح سوى في البر والبحر، فإذا ما أراد الباحث حمل معنى البر والبحر على الجو وهو ما اشتبه لدى الباحث فقد ذكرت الآية الحمل في البر والبحر، وهو معلوم معروف عند العرب وغيرهم من الأمم فأين ذكر الجو . لأنه لا يصح عقلا ولا لغة ولا شرعا أن يقال أن معنى البر والبحر هو الجو وأن وسائل الحمل هي الطائرات.

الخلاصة:

يترتب على حمل الآية على الجو عدة أمور:

الأول: نفي وسائل الحمل البرية والبحرية، وهما منطوق النص.

الثاني: قصر الامتنان في الحمل على من ركب الطائرات من أهل زماننا وهذا خلاف مقصود النص وواقع الحال من الامتنان على بني آدم في القديم والحديث الذين لم يركبوا الطائرات، إذ كيف يمتن عليهم بالحمل في الجو وهم لم يعرفوا ركوب الطائرات.

الثالث: اشتراط الحمل عبر وسيلة واحدة وهو ما يتنافى مع العقل واللغة والشرع، وبالتالي فمعنى الآية هو كما ذكرنا وذكره المفسرون وكون النقل في الجو داخل فيه لأن الغلاف الجوي تابع للبر والبحر اللذان يشكلان سطح الأرض. والله تعالى أعلم. 

قسم الاعجاز

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لكم في القصاص حياة
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد وصلنا سؤالك أيها الأخ الحبيب، بسام علوي الجفري بخصوص قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:179].

والجواب من وجهين:

الوجه الأول:

أن هذه الآية تعد من أعظم أركان الإعجاز التشريعي في الجنايات، والقرآن الكريم قد عبر عن هذا الإعجاز بأبلغ تعبير حيث جعل القصاص حياة للناس وسلامة للمجتمع، والسؤال الذي يطرح وطرحه الباحث كيف يكون في القصاص حياة وهو موت، والحقيقة أن التجارب قد أثبتت وعلم النفس أكد هذه الحقيقة التشريعية المبنية على علم النفس، و هي أن الإنسان يحافظ على نفسه وهي أغلى ما يملك وفي سبيل الدفاع عنها قد يقتل ويضحي بأي شيء، فإذا ما انتهك إنسان حرمة حياة أي شخص آخر بدون وجه حق، جعلت الشريعة دواء لهذا التصرف والانتهاك وهو القصاص الذي فيه حياة المجتمع فعندما يقتص منه بالقتل أو بغيره، ليس القصاص هنا في الآية مقصور على القتل، بل لسائر الجنايات الأخرى شرع الإسلام في العمد فيها القصاص، فيعتبر القصاص حياة للمجتمع من حيث أن القاتل الذي يريد القتل إذا علم أنه سيقتل سينزجر عن القتل وكذلك بقية الجنايات الأخرى كالجروح والجنايات وقد جاءت الشريعة ببيان لكل ذلك، فهذا الإنزجار والتوقف عن ممارسة الجريمة بدافع الخوف من القصاص وحب النفس والحفاظ عليها يجعل الناس يتوقفون عن هذه الجرائم ويرتدعون وينزجرون عن الإقدام فيها، لأنه سيقتص منهم بالمثل، وبالتالي سيكون مردود هذه القاعدة (ولكم في القصاص حياة) وهذا القانون على المجتمع بالحياة فيحافظ كل إنسان على حياته هو بعدم تهوره وإقدامه على الاعتداء على حياة غيره.

أما الحلول الموجودة في القوانين الوضعية وهي أن يحبس القاتل عمداً: (بغض النظر عن المدة) أو يغرم غرامة مالية أو يدفع تعويض لأولياء الدم أو للدولة، فهي ليس حلا عادلاً لا للجاني ولا للمجني عليه ولورثته، وذلك أن المجني عليه الذي أهدرت حياته ظلما وعدواناً لا يرد حقه إلا إذا أهدرت حياة من قتله على الأقل والبادئ أظلم، وكذلك أولياء الدم لا يشفي قلوبهم وقد فقدوا قريبهم إلا بأن يلقى قاتله نفس المصير إذا اختاروا القصاص، فلا يغني الحبس ولا التعويض المالي إلا برضا من الورثة، وأما القاتل عمداً فيعتبر القصاص في حقه رحمة به من حيث أن القاتل يتعذب نفسيا ويبقى في جحيم نفسي وكوابيس لشعوره بالذنب، وأما الحبس مداً الحياة فيعتبر تعذيب للقاتل مدى الحياة وهو في حكم الميت فالأفضل له الموت.

وأما إذا كان القاتل يحبس مدة قصيرة أو سنين معدودة ثم يخرج من سجنه فإن كثيراً من الناس سيقتلون من يرغبون في قتلهم ويضحون ببعض السنوات في السجن ثم يخرجون منه لاسيما إذا كان القتل انتقاماً أو من أجل الحصول على مال كثير، فإن الإنسان سيفكر في التضحية بالحبس سنوات ثم يخرج غنيا مثلا خير من أن يبقى فقيرا طوال حياته في نظره، ثم ما تعانيه الدولة من تكاثر أعداد المجرمين المسجونين لديها من هذه الجريمة، وما يفتح إثر ذلك على المجتمع ممن سبق له القتل عمداً من استهانة بحياة الآخرين يعرض حياة الناس للخطر وتصبح جريمة القتل جريمة معتادة تتفشى في المجتمع، لأتفه الأسباب، وهذا ما تعانيه الدول الغربية فجرائم القتل في أمريكا وأوروبا تفوق التصور والمجرمون بهذه الجناية يملؤون السجون والكثير منهم خارجة ثم إن هذه الجريمة تتكرر ممن سبقت له هذه الجريمة، وبالتالي فالمجرم بجريمة القتل العمد يصبح عضوا فاسدا في المجتمع إن لم يستأصل فسيستمر بالإفساد في المجتمع وهذا يعرض المجتمع أيضا للخطر، وهكذا...

وبالتالي فإن أي حل أو تشريع لجريمة القتل العمد أو الاعتداء العمد بما دون القصاص من جرائم الجنايات الأخرى لا يكون بالقصاص سيفتح للناس وعلى المجتمع باب الجريمة على مصرعيه، لضعف العقوبة الرادعة أو تفاديها.  ومن هنا عبر القرآن عن هذا التشريع (القصاص) بأنه حياة، أي تكمن في تطبيقه الحياة، حياة المجتمع والناس؛ لأنه هو التشريع الوقائي الوحيد لردع الناس عن الإقدام على الاعتداء على حياة الآخرين وممارسة الجريمة. فهذا هو الإعجاز التشريعي في الآية.

الوجه الثاني:

وأما ما طرحه الأخ السائل من إمكان اعتبار الآية فيها إعجاز علمي من حيث زراعة الأعضاء.

وسؤال الباحث هو: هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ دليل على سبق القرآن في باب جراحة وزراعة الأعضاء ممن حكم عليه بالإعدام، فيستفاد من أعضائه لمن هو بحاجة إليها، ومن هنا يكون القصاص فرصة لهؤلاء المرضى باستبدال أعضاءهم التالفة أو المريضة بأعضاء من حكم عليه بالقصاص بالموت، فيعتبر القصاص حياة لهؤلاء المرضى الذين يستفيدون من أعضاء من حكم عليه بالإعدام. وبالتالي يكون في الآية إعجاز علمي من هذا الباب؟

فأقول: إن جراحة وزراعة الأعضاء والتبرع بها لها أحكام في الشريعة الإسلامية وقد تناولها الفقهاء ووضعوا لها شروط وقيود وضوابط منها:

1. أن يكون المتبرع بها عاقلاً راضياً كامل الرضى بما يتبرع به من أعضاء.

2. أن لا يلحق بالمتبرع أي ضرر جراء تبرعه أو العضو الذي سيفقده في صحته ويكون التبرع بالأعضاء التي بإمكان الإنسان الاستغناء بواحدة منها مثل الكلى واليد وغيرها.

3. أن يكون ذلك بإشراف طبيب مختص وتقرير طبي شرعي.

4. أن تكون الاستفادة غالبة الظن ليتبرع له.

كما أفتى العلماء بجواز تبرع من دنت منهم الوفاة كمن حصل له حادث سيارة وأوشك على الموت يجوز له التبرع بقلبه أو بإذن من ورثته، وأما من حكم عليه بالإعدام فهل يجوز له التبرع بأحد أعضائه سواء التي يستغني عنها أو التي يترتب عليه الإضرار به أو الوفاة، وكذلك هل يجوز لورثته أو الدولة أو أن يفتدي نسفه من أولياء الدم بجزء من أعضاءه. هذه مسألة فقهية، ولو كان لهذا الجاني التبرع أو البيع أو الافتداء بجزء من أعضائه شرعاً، مع العلم أن العلماء حرموا بيع الأعضاء، ويكون في هذا التبرع فائدة صحية للمتبرع له أو الممنوحة، هل يمكن أن تحمل آية القصاص هذا النوع من الإحياء، وتكون من دلائل الآية ومقاصدها، الجواب لو صح ذلك لكانت الآية نفسها دليلا على هذا التبرع من هذا الوجه، وبالتالي لا شك أن الآية تحمل في طياتها زيادة على الإعجاز التشريعي الظاهر الذي سبق الكلام عنه، هذا الإعجاز العلمي والتشريعي في نقل وزراعة الأعضاء ممن حكم عليه بالموت ولا شك أن زمن التبرع سيكون بعد تنفيذ الحكم مباشرة بإجراء عملية الجراحة والنقل.

وإما إذا كانت هذه العملية محرمة، فلا يجوز لمن حكم عليه بالإعدام التبرع إلا بما يجوز أن يتبرع به غيره من الناس العاديين الذين لم يحكم عليهم بالإعدام، فلا يجور له ولا لغيره أن يأخذ منه عضو  يتسبب في موته كعضلة القلب ونحو ذلك لأن هذا من الاعتداء عليه بما لم يشرعه الله، وهذا هو الظاهر من الآية وأحكام الشرع والله تعالى أعلم، وقد أفتى فضيلة العلامة أ.د عبد الكريم زيدان بجواز أن يوصي بالتبرع بأحد أعضاءه بعد موته. والله تعالى أعلم.

د/ سلطان زايد

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
لماذا؟؟
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[النور:51]، والقائل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾[النساء:65]، والقائل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾[الأحزاب:36]، والقائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الحشر:7].

فالله سبحانه قد وضع لنا قاعدة جليلة عظيمة واضحة ولكنها خاصة بالمؤمنين الموقنين قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[القصص:50]، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وهو القاهر فوق عباده، وفي ما تقدم بيانا واضحا لصفات المؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه فالمؤمن الحق أسرع ما يكون إلى الاستجابة لخالقه الذي خلقه وسخر له هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى.

يذكرنا الله تعالى بآياته العظيمة المنتشرة في كل مكان قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾[الجاثية:2- 5].

نعم فإذا لم يؤمن الإنسان في هذه الحياة الدنيا ويستسلم لخالقه وينقاد لأوامره ويعلم أنه حكيم في خلقه خبير في ملكه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون فإنه والله في ضلال مبين، شرع لنا ما ينفعنا في الدارين أمرنا باتباع أمره واجتناب نهيه فمن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط لا يضره شيء في الأرض ولا في السماء ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[طه:124].

أرأيت إن جاءك أمر من ملك وأنت تحبه هل تتأخر في التنفيذ لكي تكتشف أسرار أمره؟ هل إذا قيل لك إن لك بكل خطوة تخطوها لذلك الملك دولار لاستلام جائزتك هل تترد لحظة؟ فعلام هذا التلكؤ نحو الآخرة أرضينا بالحياة الدنيا عن الآخرة؟ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[الأعلى:15-16].

ألم تعلم أن رسول الله الذي اختاره الله مبلغاً ومبشراً ونذيراً أنه أخبرنا بأن بعد الحياة حياة لا موت فيها؟ وأن في هذه الحياة وسائل تقربنا إليه ونمحو بها سيئاتنا منها هذه التي تسأل عنها؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. قال: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين. فاختلفنا بيننا فقال بعضنا: نسبح ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبر أربعاً وثلاثين فرجعت إليه فقال: تقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين»(1).

فانظر أخي كيف كان المؤمنون الأولون يتسابقون فيما بينهم على الأجر ولا يلوون على العلة والحكمة لأنهم كانوا على يقين بالآخرة لأن رسول الله كان بين ظهرانيهم وهم أصحابه ولكننا إخوانه سمانا هو بنفسه أفلا نسابق أصحابه ليكون لنا النصيب في الثلة التي من الآخرين أم رضينا بالقعود مع القاعدين فهلم أخي شمر عن ساعد الجد والعزم ولا تجعل الشيطان يخذلك فقد أقسم على الله ليغوينا أجمعين إلا عباد الله المخلصين ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[ص:82] نعم إنه الشيطان يريد أن يشغلنا بوساوسه عما ينفعنا في الآخرة والله لو نعلم ما أعده الله لأهل الجنة من النعيم ولأهل الإعراض من العذاب المقيم لما تأخرنا لحظة واحدة عن ذكر الله.

عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله»(2).

أقول بعد هذه الكلمات التي أحببت أن أهديها لك أخي السائل: إن المسلم له الحق أن يسأل عما خفي من المعاني وما توارى عنه من الحكم لأن الله وعد بأنه سيرينا آياته في الآفاق حتى يتبين لنا أن هذا القران وهذه السنة المطهرة التي لا ينطق بها صلى الله عليه وآله وسلم عن الهوى إنما هي وحي يوحى قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت:53] لنا الحق أن نسأل وما الإعجاز العلمي إلا خير دليل على صدق ما وعد الله به ورسوله ولكن لا يجوز لنا أن نسأل على سبيل الاستهزاء والسخرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾[التوبة:65-66] فانظر لحالك واسأل نفسك من أي الصنفين أنت واحذر أن تكون من الصنف الأول فتردى مع الردى، واعلم أن الله ما خلقنا في هذه الدنيا ليعذبنا وإنما هي دار ابتلاء ﴿مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾[النساء:147].

فما أحسن أن نتأدب بأدب المسلم الحق الذي يعتقد أن كل ما أُمر به حق من عند الله تعالى، ولا يجعل ما أشكل عليه عائقا في طريق الإيمان والوصول إلى رضى الرحمن وليكن شعارك شعار من سبقك من المؤمنين الصادقين ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.

قسطاس إبراهيم النعيمي

مراجعة/ رياض عيدروس وعبد الكريم الفهدي

________________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب من لم ير رد السلام على الإمام (1/ 289)، برقم (807).

(2) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم (4/ 556)، برقم (2312)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (1/ 260)، برقم (401).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مرض الفصام
الأحد 11 نوفمبر 2012

 

 

 

 

 

 

مرض الفصام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

كنت قد شاهدت اللقاء بالشيخ عبد المجيد الزنداني حفظه الله على قناة الجزيرة، والمتعلق بأبحاث الإيدز فعلمت أن الجامعة يهمها ألا يعتمد المسلمون على الكفار بالأخص في المجالات الحيوية كالدواء، وذلك يبدو جليا في موقف الشيخ الزنداني لما رفض إعطاء سر تركيبة علاج الإيدز لشركات الأدوية، أسأل الله لنا وله العافية.

الموضوع الآن أني أعاني من داء الفصام السالب منذ مدة طويلة تجاوزت السبع سنوات وعولجت بأنواع كثيرة من أدوية الفصام مثل (الريسبيردال) وغيرها الكثير، لكن بلا جدوى، وكما تعلمون أن الفصام إلى الآن كل أدويته شبه تجريبية بالإضافة إلى الاكتشافات المتتالية التي تثبت خطأ الأساليب المتبعة في العلاج سابقاً، بالإضافة إلى أنه لا يوجد مقاييس حقيقية ثابتة لقياس نسبة المرض أو حتى مقدار الجرعة العلاجية التي يحتاجها المريض بمقاييس ثابتة وكلها تعتمد على أسس ظنية الدلالة، لكني لاحظت شيئاً هاماً، كنت لما أصاب بالإنفلونزا أشعر بأن أعراض الفصام تضاءلت إلى حد كبير، ولما تكررت هذه المسألة بصورة ملحوظة، وتابعت سلوكي أثناء مرض الأنفلونزا وجدت أنني آخذ أقراص (فلوريست وسيدال)، وهما شائعان في علاج نزلات البرد، وفي البداية لم أكن أعلم أيهما الذي يخفض أعراض الفصام!! فجربت الفلوريست وحده أولاً لعدة أيام كان بالفعل يخفض الأعراض لكن كان يضعف تأثيره بمرور الأيام مما يدفعني إلى الزيادة في الجرعة، فقررت إيقافه بعد ذلك وبدأت تناول (السيدال) وهو فيتامين سي.

بدأت مع السيدال وأخذته بانتظام، كنت آخذ ثلاث أقراص يومياً، ولما وجدت أن التأثير لا يتراجع بمرور الوقت وثبتت حالتي عند حد معين من التحسن قررت زيادة الجرعة إلى ست أقراص فوجدت تأثيره ممتاز، وقدر لي يوماً أن شريت بديلاً له وهو روتاسي 60، ووجدت أن القرص الواحد منه بثلاثة أقراص من السيدال من ناحية نسبة الفيتامين، وأن المادة المصاحبة له هي مادة الروتين، والتي تختلف عن مادة السالسيلاميد الموجودة بالسيدال، فاستمريت عليه لمدة شريطين بمعدل قرصين يومياً أي حوالي 10 أيام.

اعلم أن فترة التداوي هذه غير كافية في ظهور تأثير الدواء بالصورة الملحوظة، هذا عند مقارنته بمنهج التداوي بأدوية الفصام، لكن هذا ما حدث بالفعل!! حيث كانت عدة أيام كافية لتخفيف الأعراض بصورة جيدة، ولكن كان تأثير كل منهما مختلف عن الآخر فظننت أن التأثير يعتمد على المواد المصاحبة للفيتامين، وأن الفيتامين يقلل فقط من إجهاد التأكسد، إلا إذا كان له دور آخر لا أعلمه، أو أن يكون هناك دور مشترك للفيتامين والمادة المصاحبة له في الحد من أعراض الفصام.

مع العلم أني كنت أدخن السجائر بشراهة تصل إلى حد 20 سيجارة باليوم الواحد، وقد علمت فيما بعد أن هناك دراسة أعلنت نتائجها هذا العام 2009 بأنه توجد علاقة وطيدة بين النيكوتين والفصام، وأن النيكوتين يؤثر على عشرات البروتينات في الخلايا، وأنا الآن أجرب أخذ الاثنين معاً بمعدل ست أقراص من سيدال وقرصين من روتاسي يومياً.

طبعاً أنا أعلم أن هذه الطرق ليست علمية وغير مبنية على دراسة أو تحليلات مخبرية، ومما لا شك فيه أن البحث العلمي الجاد لا يتوفر في بلادنا!! ولا مفر من إرسال هذه التجربة الشخصية لمركز متخصص في مثل هذا النوع من الأبحاث الطبية كي يدرس الأمر لعله يجد بارقة أمل في علاج هذا البلاء.

ومما شجعني على إرسال هذه الرسالة إلى الإخوة في جامعة الإيمان هو أني متأكد بإذن الله أنه لو كانت هذه التجربة مفتاحاً جديداً لحل مشكلة الفصام لما فرطوا فيها للغرب الكافر، كما أني على علم بأن كوادر الجامعة من الثقافة بمكان مما لا يجعلهم يحقروا مثل هذه التجارب الشخصية، فلقد رأينا من أكتشف علاجاً للزهايمر بدواء للمفاصل بل وكان تأثيره خلال ساعات معدودة، والذي أدهشني أيضا أن مادة السالسيلاميد تعالج الروماتيزم وهي إحدى مشتقات حمض السالسيليك، وكانت الفياجرا لا تستخدم من قبل في علاج الضعف الجنسي، وأضف إلى ذلك الكثير من تلك المصادفات التي لا تكون إلا بقدر الله، فسبحان الله الشافي.

أرجو من إخواني في جامعة الإيمان الاهتمام بهذه المسألة فوالله إن مريض الفصام في عذاب أليم لا يعلمه إلا الله، كما أن علاجه هلكة للمال بصورة بشعة جداً، فأقل تكلفة يتكلفها المريض شهرياً حوالي 400 جنيه مصري إن لم يكن أكثر، وذلك ثمن 4 شرائط ريسبردال، والذي لا يجدي نفعاً، بل وقد ينصحه الطبيب بالاستمرار على هذا العلاج إلى سنوات طويلة هذا لو أننا تجاهلنا أجر الطبيب الذي قد يصل إلى 100 جنيه مصري في الجلسة الواحدة، فضلاً عن إعادة الكشف وغيره الكثير.

علماً بأن راتب الشاب في المتوسط يتراوح بين 300 إلى 400 جنيه مصري، ولكم أن تتخيلوا حجم المصيبة، هذا وإن وجد الشاب فرصة العمل أصلاً، فضلا عن مرضه الذي يعد إعاقة، وهذه أسماء الأدوية المذكورة آنفاً بالتفصيل:

سيدال - ج (Cidal - C )، والمادة المصاحبة للفيتامين هي السالسيلاميد (salicylamide)، ويحتوي القرص الواحد على 500 مللي جرام سالسيلاميد و50 مللي جرام فيتامين ج.

روتاسي 60 (RUTA C 60 )، والمادة المصاحبة للفيتامين هي روتين (Rutin )، ويحتوي القرص الواحد على 60 مللي جرام روتين و160 مللي جرام فيتامين ج.

أرجو مراسلتي على هذا الإيميل.

وجزاكم الله عنا خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين القائل صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله»(1).

وبعد:

أخي السائل! شفاك الله وعافاك، وسدد الله خطاك وجعل الجنة مثوانا ومثواك، في البداية أنصحك باللجوء إلى الله الشافي المعافي، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[يس:82].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى(2).

فالجأ إلى الله وابكِ بين يديه، وحافظ على كل أمر، فكل أمر سواء كان واجباً أو مندوباً ما جاء إلا لحكمة في الدنيا والآخرة، وابتعد عن المحرمات والمكروهات، وتقرب من الله عز وجل، وأكثر من قراءة القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد:28].

أما عن العلاج للأمراض النفسية بشكل عام، فقد أثبتت الأبحاث العلمية الآتي:

1- أن المحافظة على الصلوات في أوقاتها لها فوائد عديدة منها: علاج لكثير من الأمراض النفسية والعصبية وبعث الاطمئنان في القلب وتهدئة التوتر ويمكنك الاطلاع على بحث الإعجاز في الصلاة على موقع جامعة الإيمان(3).

2- أن قراءة القرآن لها فوائد علاجية من الناحية النفسية منها: أن القرآن الكريم ينقص التوتر ويمكن الاطلاع على أبحاث بعنوان الشفاء بالقرآن في موقع المهندس. عبد الدائم الكحيل(4).

3- العلاج بالتأمل يفيد وبالذات للأمراض النفسية وغيرها، وأصبح علاجاً معتبراً من علاجات الطب البديل، ويمكن الاطلاع على الموقع السابق.

أما عن علاج مرض الفصام بشكل خاص:

أخي السائل الكريم! بارك الله فيك، وسدد خطاك، وأشكرك على حسن ظنك بجامعتنا جامعة الإيمان، وما رسالتك وطلب المشورة مننا إلا خير دليل على حسن ظنك بنا، ونحن بدورنا آثرنا أن نخبرك الحق الذي أمرنا الله تعالى أن نقول به، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الأنعام:152]، ولأن الله تعالى أخبرنا بأن نكل الأمور إلى أهلها حيث قال عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾[الفرقان:59]، وقال جل شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[النحل:43].

وعليه فإن ما ذكرته من تجارب شخصية حول مرض الفصام الذي ابتلاك الله به، ونسأله أن يعافيك منه وجميع المسلمين، هي تجارب يجب أن تعرض على طبيب متخصص تثق به لكي يسدي لك النصيحة الصادقة في ذلك؛ لأن المستشار مؤتمن، وليس في جامعة الإيمان متخصصين يمكن الرجوع إليهم لوصف حالتك؛ لأن الجامعة متخصصة في العلوم الشرعية، كعلوم التفسير، والحديث، والفقه، والدعوة، والإعجاز العلمي الجزئي، بمعنى أن شيخنا المبارك عبد المجيد الزنداني إذا تهيأت له مسألة في الإعجاز عرضها هو بدوره على أصحاب الاختصاص من العلماء ذوي التخصص الدقيق ليتسنى له الجمع بين النص والحقيقة العلمية بعد ذلك، وليس الأمر كما تتصور من أن الجامعة لديها الإمكانيات والتخصصات الدقيقة لكل أصناف العلوم.

ويا أخي ابحث عن العلاج، وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، وشفاك الله وعافاك، وجميع مرضانا ومرضى المسلمين.

وممكن أخي أن تستفيد في علاج هذا المرض عن طريق هذا الرابط  http://www.elazayem.com/SCHIZOPHRENIA.htm

إعداد الباحث/ عبد الكريم علي الفهدي

5/ 10/ 2009

مراجعة/ د.قسطاس إبراهيم النعيمي

 

________________

(1) مسند أحمد: (1/ 443) برقم (4236) تعليق شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن.

(2) سنن أبي داود (1/ 420) برقم (1319) حسنه الشيخ الألباني.  

(3) الرابط: http://www.jameataleman.org/agas/tasher/tasher28.htm

(4) الرابط: http://www.kaheel7.com/modules.php?name=News&file=articla&sid=543

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: