مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
آداب وأخلاق
حرمة الهجر والقطيعة
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فقد جاءني سؤال عبر مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان، ونص السؤال هو: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجوكم أفتوني في هذا الأمر، يوجد امرأتين بنات عم لكنهن متخاصمتين مع بعضهن ولهن فترة على ذلك، ولا يكلمن بعضهن أبداً رغم أنهن في نفس البيت بحجة مشاكل بين أزواجهن وأمهاتهن، ولقد حاولنا نصحهن لكن دون جدوى، وأم إحداهن تقول لابنتها: إذا كلمتيها فعليك غضبي إلى يوم القيامة، فهل يجوز طاعة الأم في هذا، وكيف نحاول نصحهن؟ أرجو الإجابة ضروري، وجزاكم الله ألف خير.

الجواب وبالله التوفيق: بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً علي حرصكم على معرفة أحكام الشرع الحنيف، وعلى ما تقومون به من محاولة الإصلاح بين الناس وتقديم النصح لهم، فالتناصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه من الواجبات الشرعية على المسلم.

أما ما يتعلق بهذه المسألة فهناك أمران:

الأول: ما يحصل بين الأقارب من مخاصمة وهجر بسبب المشاكل الواقعة بينهم.

والثاني: ما يتعلق بطاعة الأم في هذا الأمر أعني الهجر والمخاصمة.

فعليكِ أختي المسلمة تقديم النصح لهن، وتكرار ذلك، وبيان أن ما يقومون به من تخاصم وتقاطع يؤدي إلى:

1- الهجر الغير الشرعي.

2- وقطيعة للرحم.

3- وفساد ذات البين، وكلها من المحرمات التي نهى عنها الشارع الحكيم.

والهجر هو ترك مجالسة الشخص ومحادثته والسلام عليه، أو الاتصال به أو زيارته، والهجر على نوعين هجر دنيوي كالهجر على أمر من أمور الدنيا وتدخل فيه حظوظ النفس وشهواتها، وديني كهجر صاحب المعصية، وما يقومون به هو هجر دنيوي لا يجوز فوق ثلاثة أيام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاث»(1).

 ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: «لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجُرَ أخاهُ فوق ثلاث ليالٍ؛ يلتقيان، فيُعرِضُ هذا، ويُعرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسَّلام»(2).

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم الهجر بين المسلمين، فكيف بين الأقارب لا شك أنه أشد تحريماً، وهو إلى جانب أنه هجر محرم، هو قطيعة رحم كما ذكرنا سابقاً.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجرة»(3).

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاث ليال فإن كان تصادراً فوق ثلاث فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما فيا فسبقه بالفيء كفارته فإن سلم عليه فلم يرد عليه ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة ورد على الآخر الشيطان، فإن ماتا على صرامهما لم يجتمعا في الجنة أبدا»(4)، وفي رواية: «لم يدخلا الجنة جميعا أبدا»(5).

وأما قطعية للرحم، فهي أمر عظيم، وهي من الكبائر في الدين المنهي عنها، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، منها إن الله سبحانه وتعالى أوجب صلة الأرحام وحرم قطيعتها؛ فقد قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ...﴾[النساء:36].

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾[النساء:1]، بل قد لعن الله تبارك وتعالى قاطع الرحم فقال سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾[محمد:22-23].

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم»(6) ومن القطع ترك الكلام أكثر من ثلاثة أيام، وقطيعة الرحم توجب تأخير المغفرة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المتخاصمين: «قال تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا»(7) وغيرها من الآيات والأحاديث الزاجرة عن هذه المعصية.

وأما فساد ذات البين فهي أيضاً من الأمور التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها الحالقة التي تحلق الدين، أي تكون سبباً في الجناية عليه، وتستأصل الدين، فهو باب من أبواب القضاء على فعل الخيرات والأعمال الصالحات وتحصيل الحسنات.

وعليكِ أختي الفاضلة: بيان وجوب التوبة عليهن، فالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى واجبه عليهن من هذه القطيعة، وهذا الإثم، وأن عليهن صلة الرحم، وأن لا يتمادين في قطعها، وأن الله سبحانه يحب توبة العبد إذا تاب.

وليس عليكِ أختي الكريمة أن يستجيبوا لنصحك، بل قدمي النصيحة بأحسن الطرق لعل الله ينفع بها، وداومي عليها، وهذا يحتاج إلى صبر وتحمل، ولا تنسي التذكير بالوعيد والعقوبة العاجلة والآجلة وسوء العاقبة لمن يقطع الرحم، وأن عليهم الابتعاد عن نزعات الشيطان، وهوى النفس.

أما ما يتعلق بطاعة الأم في هذا الأمر أعني الهجر والمخاصمة، فطاعة الأم والإحسان إليها معلومة، لكن هذه الطاعة مضبوطة بعدم المعصية، فمتى أمرت الأم بمعصية فلا طاعة لها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل»(8).

وعليها التودد واللطف في الحديث مع أمها ومحاولة إقناعها أن ما تقوم به مخالفة لشرع الله تبارك وتعالى.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

 

 أجاب عنه الفقير إلى الله تعالى

خالد حسن محمد البعداني

بتاريخ: 29/ 11/ 1429ه

الموفق: 27/ 11/ 2008م

_______________

(1) أخرجه البخاري (5/ 2253)، برقم: (5718)، ومسلم: (4/ 1982)، برقم: (2558).

(2) أخرجه البخاري (5/ 2302)، برقم: (5883).

(3) أخرجه أبو داود (2/ 696)، برقم: (4912).

(4) أحمد بن حنبل في المسند (4/ 20)، برقم: (16301)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم رجاله ثقات رجال الصحيح.

(5) مسند أحمد بن حنبل (4/ 20)، برقم: (16302).

(6) أخرجه البخاري (5/ 2231)، برقم: (5638)، ومسلم (4/ 1981)، برقم: (2556).

(7) أخرجه مسلم: (4/ 1987)، برقم: (2565).

(8) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (1/ 131)، برقم: (1095)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الصبر عند الفتن
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الصبر عند الفتن

نص السؤال: كيف السبيل إلى الصبر في ظل هذه الفتن؟

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

الفتن سنة من سنن الله تبارك وتعالى الجارية على الناس، يصدق فيها أهل الايمان، ويظهر فيها أهل الكذب والنفاق، قال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾[الملك:2].

وأكثر هذه الفتن تكون في آخر الزمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر»(1).

وقال صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة»(2).

ونحن في زمن الفتن، التي تموج كموج البحار، فالواجب على المسلم الاستعداد للفتن بالصبر والإيمان حتى يخرج منها منتصراً محافظاً على دينه وعقيدته وأخلاقه.

ولا شك أن من أهم الطرق والسبل الموصلة إلى الصبر والقدرة على تحمل وتجاوز كثير من هذا الفتن هو الإيمان، وتقويته في القلوب، وكثرة الاتصال والارتباط بالمولى جل وعلا.

وهناك أمور تعين المسلم على الصبر والتحلي بها في زمن الفتن نذكرها أجمالاً:

 التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما: قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾[آل عمران:(103)].

فالناس في زمن الفتن يحبون الرجوع إلى شيء يعصمهم منها، وأهل الايمان يرجعون إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم، ومن ذلك لزوم جماعة المسلمين.

 المبادرة إلى الأعمال الصالحات والقربات: فقد أوصى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا»(3).

وقال صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»(4) والمراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وهذا يرجع إلى تشاغل الناس وغفلتهم عن العبادة في زمن الفتن.

فمن المنجيات من الفتن وتثبيت الايمان هو العودة إلى العبادة والطاعة، والاستكثار منها فهي هجرة من المعاصي إلى الطاعات، كما كانت الهجرة في زمنه صلى الله عليه وسلم من المنجيات.

 تقوى الله تعالى: فهي المخرج من الفتن قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾[الطلاق:2].

 الصبر وخاصة في زمن الفتن: قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾[البقرة:(155)].

وقال صلى الله عليه وسلم: «فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم﴾(5) فالقبض على الجمرة لا يكون إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلا بصبر عظيم(6).

وقد أمر المولى جل وعلا رسوله بالصبر فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾[غافر:55].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فأمره بالصبر وأخبره أن وعد الله حق وأمره أن يستغفر لذنبه، ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر، فالمظلوم المحق الذي لا يقصر في علمه يؤمر بالصبر فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور)(7).

 الاستعاذة من الفتن ومن مضلاتها: فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاستعاذة من الفتن، ومن شرورها، وما فيها من الضلال والانحراف بقوله: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال»(8).

 الحذر من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم: فسبب كثير من الفتن هي مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63].

 التزود بالعلم النافع: فالعلم النافع يجعل الإنسان على بصيرة وعلم، يعلم طريق المبطلين، وسبلهم، وطرق أهل الأهواء والفتن، وبالعلم يعلم الحق فيصير إليه، ويعلم الباطل فيجتنه، ولذلك فإن كثيراً من الخائضين في الفتن، يقعون في الأخطاء والبلاء، ويحصل الانحراف والتفرق بسبب جهلهم وعدم علمهم.

 البعد عن الفتن وعدم التعرض لها: فقد بين المصطفى صلى الله عليه وسلم خطورة ذلك فعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من مراه»(9).

وقال صلى الله عليه وسلم في خطورة السعي في الفتن والتعرض لها: «تكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به»(10).

فتحقيق الايمان وتثبيته في القلوب، والتأكيد عليه، وعبادة المولى جل وعلا على بصيرة وعلم، والتوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى، وتقوى الله تعالى في السر والعلن، والإكثار من الأعمال الصالحات والقربات، والتناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولزوم جماعة المسلمين، والتوكل على الله تعالى، واجتناب الظلم، والتحلي بالصبر، والتعاون على البر والتقوى، ومعرفة طرق المبطلين، وتحذير الناس منها، والتذكر الدائم أن ما عند الله خير وأبقى من هذا الدنيا الفانية، وليعلم المسلم أن الصبر على الفتن، فيه خير كثير فقد قال صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»(11).

نسأل من الله أن يلمنا الرشد والصواب، والحمد لله رب العالمين.

خالد حسن البعداني

_______________

(1) صحيح مسلم (3/ 1472)، برقم: (1844).

(2) سنن ابن ماجه (2/ 1339)، برقم: (4036)، وقال الألباني: صحيح.

(3) صحيح مسلم (1/ 110)، برقم: (118).

(4) صحيح مسلم (4/ 2268)، برقم: (2948).

(5) أخرجه الترمذي (5/ 257)، برقم: (3058)، وقال الألباني: صحيح لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 128)، برقم: (3172).

(6) تحفة الأحوذي (6/ 445).

(7) الاستقامة (1/ (38).

(8) صحيح مسلم (4/ 2199)، برقم: (2867).

(9) صحيح مسلم (1/ 128)، برقم: (144).

(10) صحيح البخاري 3/ 1318)، برقم: (3406)، وصحيح مسلم (4/ 2211)، برقم: (2886).

(11) أخرجه مسلم (4/ 2295)، برقم: (2999).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
كيف أحافظ على التزامي بالدين
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف أحافظ على التزامي بالدين

الحمد لله، وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

سؤال الأخ الكريم يقول: كيف أحافظ على التزامي بالدين؟

والجواب: الاستقامة على المنهج القويم مما أمر به ربُّ العالمين، وأرشد إليه خاتمُ النبيين، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[هود:112]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾[فصلت:6].

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: «يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل آمنت بالله فاستقم»(1).

فالاستقامة على أمر الدين والالتزام به مما أمر به الكتاب والسنة، فما معنى الالتزام بالدين أو ما المقصود بالاستقامة؟

قال ابن رجب رحمه الله: (والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها)(2).

وقال ابن عاشور رحمه الله: (الاستقامة هي العمل بكمال الشريعة بحيث لا ينحرف عنها قيد شبر)(3).

والاستقامة قد تصعب على النفس البشرية التي جبلت على الميل إلى الشهوة وحب العاجلة، وترويضها على الطاعة والعمل للآخرة يحتاج إلى صبرٍ ومجاهدة، فما السبيل إلى ذلك؟

السبيل إلى ذلك يتحقق من خلال الآتي:

1 الاستعانة بالله العلي القدير، من يقول للشيء كن فيكون، وطلب العون من الله هو شعار المؤمنين الموحدين، يهتفون بكل صلاة داعين الله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾[الفاتحة:6] ويوسف عليه السلام بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم استعان بربه في أحلك الظروف، وأشد الصعاب على النفس البشرية إن لم تحطها العناية الإلهية، فقال تعالى: ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾[يوسف:33].

يــا مــن ألوذُ بـه فيـــما أوأمــلُــه          ويامـن أعوذُ به مما أحـاذرُه

لا يجبرُ الناسُ عظماً أنت كاسرُه      ولا يكســــرون عظماً أنت جابرُه

فبالاستعانة يوفق الإنسان للخير ويهتدي إليه ويستمر عليه.

والاستعانة بالله من أعظم العبادات؛ إذ أن طلب العون منه سبحانه دعاء، وفضل الدعاء وأهميته وأثره دل عليه الكتاب والسنة، ولاحظه المؤمنون في واقع حياتهم.

2 المجاهدة: طريق الهداية، ومن أعظم الهداية لزوم الاستقامة، فهي مطلب القانتين، ومُبتغى الموحدين، ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾[الفاتحة:6]، وقد وعد الله المجاهدين أن يهديهم سبيله المستقيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت:69].

والمجاهدة من الأخذ بالأسباب التي أمرنا بالأخذ بها، ولا ينافي ذلك التوكل على الله، فالتوكل عمل القلب، والأخذ بالأسباب من عمل الجوارح، وكلاهما من العمل الصالح.

3 مما يجعل الإنسان محافظاً على الدين ملتزماً بالشريعة إخلاصه لله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ﴾[الزمر:2]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البينة:5].

فبالإخلاص يوفقك الله إلى عمل الخير، ومن أعظم التوفيق أن تبقى على طاعة الله، وإنما يتعثر من لم يخلص.

4 الجليس الصالح يعين على الطاعة والتي من أعظمها الاستقامة، كما أن جليس السوء يؤثر على الإنسان سلباً، فيكون متقاعساً متكاسلاً بعيداً عن الهدى، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾[هود:113].

عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة»(4).

5 مما يجعلك أخي مستديماً على الطاعة هو العمل الصالح، وكيف ذلك؟

اعلم أن الحسنة تسوق إلى الحسنة وتُذهِبُ السيئة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾[هود:114]، وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾[التوبة:124]، وأن السيئة تسوق إلى مثلها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[التوبة:125].

فتجد توفيقاً إلهياً وتأييداً ربانياً حين تعمل الصالحات وتبعُد عن المنكرات، يقول ابن القيم: (مثال تولد الطاعة ونموها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثم أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلما أثمر منها شيء جنيت ثمرة وغرست نواه، وكذلك تداعي المعاصي فليتدبر اللبيب هذا المثال فمن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها)(5).

وأخيراً:

لتعلم أن الإنسان ضعيفٌ ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾[النساء:28] فالنفس تهوى، والشيطان يُغوي، والدنيا حلوة خضرة، ذكر القرطبي في التذكرة قول الشاعر:

إنــي بُــــليت بأربــعٍ يـرميننــي            بالنبلِ قد نصبوا علي شِراكا

إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى       من أيــــــن أرجــــو بينهـــن فِـــكاكــا

يــا رب ســـاعــدنـي بـعــفوٍ إنني                    أصبحتُ لا أرجو لهن سِـواكا

وأنشد غيره أيضاً في معنى ذلك:

إني بُلِيتُ بأربـعٍ يرمـينني              بالنـبلِ عن قـوسٍ لها توتـيرُ

إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى       يا ربُّ أنـــت علــى الخــلاص قديرُ(6)

لما كان ذلك كذلك كان لا بد من تقصيرٍ؛ ولذا شرع الله الاستغفار ليس من المعاصي بل بعد الوضوء وعقب الصلاة والحج ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[البقرة:199].

ولما كانت الاستقامة أن تلتزم بما شرع الله وذلك من أعظم الطاعات، وكان لا بد من التقصير شرع الله الاستغفار بعد الأمر بالاستقامة فقال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾[فصلت:6].

قال ابن رجب الحنبلي: (وفي قوله عز وجل: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾[فصلت:6] إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها فيجير ذلك الاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها»(7)(8).

مرفق ناجي مصلح ياسين

_______________

(1) صحيح مسلم (1/ 65)، برقم: (38).

(2) جامع العلوم والحكم (1/ 205).

(3) التحرير والتنوير (2148).

(4) صحيح البخاري (5/ 2104)، برقم: (5214).

 (5) الفوائد (35).

(6) التذكرة للقرطبي (473).

(7) سنن الترمذي (4/ 355)، برقم: (1987)، قال الشيخ الألباني: حسن، انظر حديث رقم: (97) في صحيح الجامع.

(8) جامع العلوم والحكم (1/ 205).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
هل تقدم الأم على الأب في الطاعة
الأحد 11 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

هل تقدم الأم على الأب في الطاعة

السؤال: هل هناك فرقٌ وتفاوتٌ في طاعة الأم على الأب علماً أن لي صديق يفضل أمه على أبيه ويطيعها أكثر من أبيه، فإذا نصحته أجاب لي بقوله: أبي لم يتعب علي ولم يدرسني بينما أمي تعبت وسهرت وجاعت فما نصيحتكم بارك الله فيكم؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اعلم أخي الكريم وفقك الله للخير والهدى! أن بر الوالدين من الواجبات الشرعية التي أمر بها القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾[الأحقاف:15].

قال ابن كثير رحمه الله: (أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما)(1).

وقد شفع القرآنُ الكريمُ عبادةَ اللهِ وعدمَ الإشراكِ به سبحانه بوجوب برهما والإحسان إليهما فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[الإسراء:23].

وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾[النساء:36].

وقال عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾[الأنعام:151].

كما أن عقوق أحدهما أو كليهما كبيرةٌ من الكبائر، والكبائر من موجبات النار إن لم يتب صاحبها ويرجع إلى الله، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً. قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين -وجلس وكان متكئاً فقال-: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت»(2).

وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف" قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة»(3).

فدلت الآيات على وجوب البر والطاعة للوالدين، وأما سؤال الأخ -وفقه الله للخير هل هناك فرقٌ وتفاوتٌ بين طاعة الأم والأب؟

فأقوال أهل العلم في ذلك على النحو الآتي:

1-  تقديم الأم، وهو مذهب الجمهور، قال القاضي عياض: (وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب).

وقد نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر(4).

والصحيح أن المسألة ليست محل إجماع، بل فيها الخلاف المذكور.

2 أنهما سواء، وهو الظاهر من قول الإمام مالك، قال رجل لمالك: (والدي في بلد السودان كتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك فقال له مالك: أطع أباك ولا تعص أمك)(5).

قال ابن حجر: (قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء، كذا قال وليست الدلالة على ذلك بواضحة)(6).

وهو قول بعض الشافعية(7).

3 الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر، قال الإمام احمد: (للام ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ، وقال أيضاً: الطَّاعَةُ للأب، وللأم ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ)(8).

وقد دلت الآياتُ الكريمة والأحاديثُ النبوية على تأكيد حق الأم فقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[لقمان:14].

وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾[الأحقاف: 15].

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[الإسراء:23].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أبوك»(9).

قال القرطبي رحمه الله: (فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات، وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان، وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب)(10).

فوصَّت الآياتُ القرآنيةُ ببر الوالدين ثم أفردت الأم ببيان ما تجده من مشقةٍ تتفرد بها عن الأب، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وعند قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾.

 ولكن ينبغي ألا يكون ذلك مدخلاً للشيطان في الاستهانة بحق الأب وعدم الإحسان إليه بحجة أن الأمَّ هي التي حمَلت وولِدت وأرضعت، ليس ذلك صحيحاً لأنك حينئذٍ تكون عاقاً لوالدك ومخالفاً لقوله تعالى بعد أن وصَّى ببرهما ثم خص الأم ببيان ما تفردت به من المعاناة: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾[الإسراء:23]، وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾[لقمان:14].

فالمبالغة بالتذلل للأم والحنو والشفقة عليها وإكرامها بالعطية لا يخل بحق الأب وليس فيه عقوق بل يُفرِح الأب ويُؤنسه، بل إن الأبَ يدرك حاجةَ الأمِّ إلى مثل ذلك، وقد يكون رضاه في مثل ذلك.

وطاعتهما إنما تكون بالمعروف وليس من المعروف طاعة أحدهما في عقوق الآخر ومخالفة أمره.

(حكى الباجي أن امرأة كان لها حق على زوجها، فأفتى بعض الفقهاء ابنها بأن يتوكل لها على أبيه فكان يحاكمه ويخاصمه في المجالس تغليباً لجانب الأم، ومنعه بعضهم من ذلك قال؛ لأنه عقوق للأب، والحديث الصحيح إنما دل على أن بره أقل من بر الأم لا أن الأب يُعق)(11).

 ولكن قد يتزاحم الأمر عندك مما يجعلك تأخذ برغبة أحدهما، فالذي ينبغي فعلُه هو المقاربة والتسديد والعمل بما فيه المصلحة وأن يسعى في ترضيتهما.

فإذا كان الأخ الذي أشار إليه السائل يزيد في بر أمه والإحسان إليها مع بره بأبيه وطاعته، فإن ذلك من البر الذي حث عليه الشرع المطهر، وهو ما دل عليه حديث أبي هريرة السابق، قال النووي رحمه الله عند شرحه للحديث: (وفيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حمله ثم وضعه ثم إرضاعه ثم تربيته وخدمته وتمريضه وغير ذلك)(12).

وإذا كان يقدم أمر أمه على أمر أبيه وطلبه فليس صحيحاً، فالطاعة أخص من البر، إذ أن البر يتناول جميع ما فيه إحسان إلى الوالدين، والطاعة تكون عند الطلب وإن كانت وجهاً من وجوه البر والإحسان إلى الوالدين، وهذا ما فهمه الأئمة من العلماء كما هو واضح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة، قال الإمام احمد: (للام ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ، وقال أيضاً: الطَّاعَةُ للأب، وللام ثَلَاثَةُ أرباع الْبِرِّ)(13).

فإذا لم يتمكن الابن من الاستجابة لأمريهما فكما ذهب الإمام أحمد تكون الطاعة للأب، ويقوي ذلك أن الأم يجب عليها طاعة زوجها بالمعروف ففي تحريضها للابن بالقيام بطلبها المخالف لطلب الأب خروجٌ عن طاعة الزوج الذي أمرت بطاعته وجُعِلت له القوامة، وقد يؤدي ذلك إلى سوء معاملة الأب للأم، ويكون مدخلاً للشيطان في السعي للتفريق بينهما، وهذا لا يتنافى مع حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق ذكره، لأن بوسع الولد الإحسان إلى الأم بوجوهٍ عديدةٍ من وجوه البر والإحسان.

مرفق ناجي مصلح ياسين

8/ 11/ 2008م

_______________

(1) تفسير ابن كثير (4/ 200).

(2) صحيح البخاري (2/ 939)، برقم: (2511)، صحيح مسلم (1/ 91)، برقم: (87).

(3) صحيح مسلم (4/ 1978)، برقم: (2551).

(4) فتح الباري (10/ 402).

(5) الفروق مع هوامشه (1/ 263).

(6) فتح الباري (10/ 402).

(7) فتح الباري (10/ 402).

(8) إعلام الموقعين (4/ 359).

(9) صحيح البخاري (5/ 2227، برقم: (5626)، ومسلم (4/ 1974)، برقم: (2548).

(10) تفسير القرطبي (10/ 239).

(11) الفروق مع هوامشه (1/ 263).

(12) شرح النووي على مسلم (16/ 102).

(13) إعلام الموقعين (4/ 359).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: