بسم الله الرحمن الرحيم
الجمهورية اليمنية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الإيمان
عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي
كلية الدعوة والإعلام -قسم الإعلام
العمل الإعـلامي للمرأة
فــــــي ميزان الإســــــــلام
بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير
إعــــداد: سمير عبد الرحمن الشميري
إشــراف: د. صالح صواب
1425 هـ - 2004م
ثناء وشكر
لا يسعني في هذا البحث المتواضع إلا أن أتوجه بالثناء على الله والشكر له على ما وفق وأعان، فهو صاحب الفضل كله، وإليه يرجع الفضل كله، وما كان من حق وفقت إليه فمنه سبحانه، وما كان من خطأ أو قصور فمني والشيطان واستغفر الله منه، وأتراجع عنه في حياتي وبعد مماتي.
كما أشكر إدارة الجامعة ممثلة برئيسها فضيلة الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني، وكذا وكالة الدراسات العليا، وجميع مشايخ الجامعة، الذين أعانونا على طلب العلم، وهيأوا لنا أسبابه فجزاهم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
كما أشكر كل من أعانني وساعدني ووجهني في هذا البحث وفي مقدمتهم فضيلة الدكتور / صالح صواب الذي كان مشرفا لي في رسالتي هذه، والذي كان له لفضل الأول بعد الله في إخراج البحث بهذه الصورة، حيث كان البحث يصل إلى الضعف مما هو عليه الآن، فأشار علي - حفظه الله - بتركيزه واختصاره، حتى أصبح على الوضع الحالي، فله مني جزيل الشكر، كما أشكر لجنة المنقاشة المكونة من فضيلة الدكتور/ حيدر الصافح، وفضيلة الدكتور/ أمين علي مقبل، على ما سيقدماه من ملاحظات تزيد البحث إثراء وبيانا.
كما لا أنسى أن أوجه شكري وامتناني لفضيلة الدكتور صلاح محي الدين - عميد كلية الدعوة والإعلام في جامعة الإيمان ( سابقا ) - صاحب البذرة لهذا البحث.
ولا أنسى في الأخير أن أخص والدي بالشكر والتقدير والامتنان الذي وقف بجانبي في هذا الطريق العلمي وشجعني عليه، فأسأل الله أن يجزيه عني خير الجزاء، كما أسأل الله أن يتغمد والدتي بواسع رحمته، ويدخلها فسيح جنته، وأن يتولانا والمسلمين بولايته، والحمد لله رب العالمين وصلى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــ
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صاحب الفضل كله، عليه الاعتماد وإليه الملجأ ومنه التوفيق والسداد.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أرشدنا إلى كل خير، وحذرنا من كل شر، رغبنا في كل فضيلة، وزهدنا في كل رذيلة، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والسائرين على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعـــــــد:
فعالمنا اليوم هو عالم المعلومات وعالم الإعلام، حيث يتم نقل حوالي 35 مليون كلمة يوميا،ً ويتم نقل عشرات الألوف من ساعات بث البرامج التلفازية من المحطات المختلفة في العالم، كما تنشر آلاف العناوين من المجلات والصحف والكتب.
وإن المعلومات التي يحصل عليها الإنسان حالياً خلال عقد واحد، تعادل المعلومات التي حصل عليها خلال مئات السنين من القرون الماضية، فإلي ما قبل خمسين عاماً كانت تمضي أربعون سنة حتى تتضاعف معلومات الإنسان العلمية، أما في الوقت الحاضر فإنّ هذه الفترة قد تقلّصت إلى أربع سنوات. قد يكون هذا هو السبب في تسمية عالم اليوم بعالم المعلومات.
وفي وسائل الإعلام أصبحت المرأة المحور الأساسي إن لم تكن المحور الأكبر في وسائل الإعلام بمختلف وسائله، فما تكاد تجد وسيلة إعلامية إلا وللمرأة تواجد فيها، وما تكاد تجد مادة إعلامية إلا كان عنصر المرأة مكونا أساسيا له.
ولما كان الإعلام -كما هو معلوم- قادما علينا من الغرب، فإنه لم يراع أي ضوابط أو شروط في دخول المرأة في هذا المجال؛ شأنه شأن سائر المجالات الأخرى، فأصبح الإعلام بهذا من الوسائل الرئيسة في انتشار الفساد وشيوع الفاحشة، ومصدرا للاستهتار بالقيم والأخلاق، وأصبح الهم الأكبر عند كثير من أفراد شعوب الأرض هو تحقيق رغباتهم الجنسية الشهوانية، من خلال الأفلام الخليعة، والأغاني الماجنة، والرقصات السافلة، والصور العارية الفاضحة.
ولما كانت الأمة العربية والإسلامية في هذا العصر أمة ضعيفة متخلفة في ميزان الحضارات الإنسانية المعاصرة، كانت أمة تبعية إذ أن من شأن الضعيف تقليد القوي إذ يشعر بأن في ذلك قوة له. وفي البخاري(1) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ). قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟ قال: ( فمن )(2).
فسارعت هذه الأمة ومن غير أي ضوابط باستقبال وأخذ ما يقدمه الغرب من مادة إعلامية من غير تمحيص أو عرض على دين الأمة وقيمها وأخلاقها.
ومما هو معلوم أن للإسلام حكما في كل قضية نزلت أو تنزل، باعتبار أنه دين البشرية إلى أن تقوم الساعة، فإن لعمل المرأة في هذه الوسائل حكما في شريعتنا، يجب على العلماء بيانه، إلا أنني أؤكد أن مثل هذه المواضيع الجديدة، بحاجة ماسة إلى بذل جهود كبيرة، من علماء الشرع وعلماء الإعلام الإسلامي معاً، للخروج برؤية شرعية متكاملة.
ومحاولة من الباحث في الوقوف على جزئية من هذا الموضوع؛ رأى أن يكون له مشاركة متواضعة في هذا الباب، بياناً لما يسمح به الإسلام من دور للمرأة في هذا المجال.خاصة لما نراه جميعا ونشاهده من اكتساح المرأة وانغماسها في هذا المجال، ولما نعتقده من رغبة الكثير من النساء الصالحات في المشاركة في هذا المجال نشراً للخير والفضيلة ومساهمةً منهن مع إخوانهن الرجال في نشر دين الإسلام، ولعلمي أن هذا الموضوع لم يأخذ حقه من الدراسة والتمحيص رأيت أن يكون عنوان بحثي (العمل الإعلامي للمرأة في ميزان الإسلام ). مبينا فيه وضع المرأة في وسائل الإعلام وحكم عملها، وواضعا الضوابط الشرعية التي يجب الالتزام بها لمن أراد العمل من النساء في هذه المجالات.
والله أسأل التوفيق والسداد والإعانة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
أسباب اختيار الموضوع:
1. إقحام المرأة في وسائل الإعلام بكل مجالاته ووسائله.
2. الدعوات من هنا وهناك لإشراك المرأة في مختلف مجالات الحياة ومنها الإعلام.
3. ندرة الأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع.
4. عظم الفتنة الناتجة عن دخول المرأة غير المنضبط في هذا المجال.
5. لم أجد في حدود علمي بحثا يتناول الموضوع نفسه إلا ما كان من بحوث متفرقة تتناول جزئيات منه بشكل جزئي لا تفي بالغرض.
أهداف البحث
-
المساهمة في بناء النظرية الإعلامية الإسلامية المتكاملة.
-
إقامة الحجة ببيان ضوابط العمل في هذه الوسائل.
-
إفساح المجال لمشاركة مشروعة للدعاة رجالا ونساء، في هذه الوسائل.
-
وقوف المرأة العاملة على حقيقة العمل في هذه الوسائل.والموقف الشرعي منه.
طريقتي في البحث:
-
الوقوف أولا على حقيقة وماهية الشيء المراد بيان حكمه، ليكون الوصول إلى أحكام المسائل بصورة منضبطة وتكون أحكامها أقرب إلى الحق، لاسيما عندما تتعقد المسائل، وتندر فيها النصوص الصريحة، وتتداخل فيها الاجتهادات المختلفة, والآراء المتباينة.
-
الوقوف على كلام العلماء المعاصرين في المسألة، ما استطعت وإن كان حديثهم عن هذه المسألة عزيز، خاصة ما كان من بحوث متخصصة.
-
الوقوف على المسألة من خلال النصوص الشرعية، ومقاصد الشرع، والقواعد العامة، ومن خلال المصالح والمفاسد، ونقولات العلماء، وقياسها بما يشابهها من المسائل، وإعمال الجهد المقدور عليه في استنباط الأحكام الشرعية من خلال ذلك.
-
الاقتصار على الصحيح من الأدلة في الاستشهاد.
-
الترجمة لكل من ورد اسمه في أصل البحث من غير الصحابة.
-
ابتدأت بحثي بمقدمة قصيرة، وأنهيته بخاتمة أجملت فيها خلاصة البحث والتوصيات.
-
وضعت في آخر البحث فهارس البحث، واكتفيت بفهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس الآثار، وفهرس الأعلام، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
خطة البحث:
الباب الأول: عمل المرأة في وسائل الإعلام، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عمل المرأة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المرأة في الحضارات الإنسانية.
المبحث الثاني: عمل المرأة بين النشأة والتطور.
المبحث الثالث: حكم عمل المرأة.
الفصل الثاني: عمل المرأة في وسائل الإعلام، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الإعلام الراهن والدور المطلوب.
المبحث الثاني: أسباب دخول المرأة مجال الإعلام، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: ضعف التربية الإيمانية أو انعدامها في المجتمعات الكافرة.
المطلب الثاني: الدراسات الأكاديمية.
المطلب الثالث: الكسب المادي الكبير والشهرة.
المطلب الرابع: التبعية الإعلامية.
المطلب الخامس: دعوى تحرير المرأة.
المطلب السادس: أسباب أخرى.
المبحث الثالث: وضع المرأة في الإعلام، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التفسخ من الآداب والضوابط الشرعية.
المطلب الثاني: استغلال المرأة في وسائل الإعلام.
المطلب الثالث: أنماط الأدوار الإعلامية للمرأة في وسائل الإعلام.
المبحث الرابع: حكم عمل المرأة في وسائل الإعلام.
الباب الثاني: ضوابط عمل المرأة في الإعلام وفيه فصلان:
الفصل الأول: ضوابط عامة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مشروعية الدور الإعلامي.
المبحث الثاني: مراعاة المصالح والمفاسد وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أصل اعتبار المصلحة والمفسدة في حكم عمل المرأة في الإعلام.
المطلب الثاني: تقدير المصالح والمفاسد للعلماء.
المطلب الثالث: المصلحة والمفسدة من عمل المرأة في الإعلام.
المبحث الثالث: مشروعية الوسائل والمقاصد وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الثاني: المقاصد والوسائل.
المطلب الثالث: اعتبار المقاصد في عمل المرأة.
الفصل الثاني: ضوابط خاصة بالمرأة وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: كون المؤسسة ملتزمة بتعاليم الإسلام أو تسمح بذلك.
المبحث الثاني: الحاجة لمشاركة المرأة.
المبحث الثالث: الالتزام بالآداب الشرعية، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: ضابط الخلوة.
المطلب الثاني: ضابط الاختلاط.
المطلب الثالث: ضابط الكلام.
المطلب الرابع: ضابط اللباس والزينة.
المطلب الخامس: ضابط الخروج والسفر.
المطلب السادس: ضابط النظر.
المبحث الرابع: القيام بالحقوق والواجبات الأخرى وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حق الزوج.
المطلب الثاني: حق الأبناء.
المطلب الثالث: حق المجتمع.
ــــــــــــــــــــــ
الخاتمة:
نحمد الله على ما وفق وهدى، واستغفر الله عن كل خطأ وقصور، وكل عمل بشري معرض للنقص والنقد، والكمال لله الواحد القهار، وحسبي أني بذلت ما وسعني من جهد في هذا البحث، وقد واجهت في هذا البحث بعض المصاعب في مقدمتها ندرة المراجع في الموضوع وفي هذه الخاتمة أذكر النتائج التي وصلت إليها في هذا البحث المتواضع والتوصيات التي تزيد الموضوع تكملة وإثراء، ولعلي أحصرها في أربع نتائج عامة:
النتيجة الأولى: أن المرأة مرت بأوضاع إنسانية مضطربة، وفترات تاريخية منتكسة، وردود أفعال كثيرة، ولم تشعر بالسعادة والاستقرار إلا في ضوء حضارة الإسلام، وكان لهذه الأوضاع التي تعرضت لها المرأة في مختلف تاريخها قبل الإسلام وبعد الإسلام السبب الأكبر في الانفلات الكبير للمرأة في تاريخنا المعاصر خاصة من بعد الثورة الفرنسية في أوروبا، ومن ثم إلى بلاد العالم ومنها البلدان الإسلامية، وبالتالي كان سببا رئيسا في دخول المرأة في المؤسسات الإعلامية لتعوض ما فقدته خلال سنوات طويلة، وكان هو أيضا سببا للمرأة المسلمة في زمن غياب الحضارة الإسلامية إضافة إلى أسباب ودوافع أخرى، أهمها: ضعف التربية الإيمانية، والدراسات الأكاديمية، والكسب المادي الكبير والشهرة، والتبعية الإعلامية للغرب، ودعوى تحرير المرأة، وأسباب أخرى.
وبالفعل مكن للمرأة في هذه الوسائل تمكينا عظيما، وعبثت فيها أيما عبث، وأفسدت فيها أمما وأجيالا، وأصبحت المرأة رحى القوم يدورون معها حيث دارت، وحجر الزاوية التي تركز حولها الأضواء، فتفسخت من آدابها الإنسانية، وتهتكت من ضوابطها الشرعية، في أخلاقها وحيائها، ولبسها وكلامها، ودخولها وخروجها، واستغلتها هذه المؤسسات في إثارة الشهوات، ونشر الرذيلة والفساد، والترويج للأفكار والقيم والمعتقدات، وكذا للسلع والمنتجات، حتى بلغ بهن الأمر مبلغه. أما الدور الإيجابي التي تقدمه المرأة في هذه الوسائل فلا يكاد يذكر، مقارنة بما يقدمنه من أدوار سلبية. وقد عدن إلى الله بعض أولئك الإعلاميات من ممثلات ومغنيات وراقصات وغيرهن، وينادين أخواتهن يحذرنهن أن يسلكن ما سلكنه.
النتيجة الثانية: إن وسائل الإعلام السائدة اليوم وما فيها من مخالفات جعل كثيرا من العلماء والدعاة يتجاهلها ويغض الطرف عنها ومن تحدث عنها غالبا، إنما تحدث بحسب الوضع القائم المشاهد وما فيه من الفتنة، فحرم العمل فيها في الغالب أو زهد فيه وقلل من شأنه، وغلب مفاسده على مصالحه، ولهم عذرهم في ذلك، لكن ذلك من وجهة نظري لم يكن حلا أكثر منه هروبا من معايشة الواقع المرير، وكان لموقف العلماء الأثر الكبير في صرف الشباب المتدين عن هذه المؤسسات، وبالتالي إفساح الباب لغير المتدينين، وهذا يوضح المنهجية الخاطئة في التعامل مع ما يجد من القضايا المعاصرة، فإن من السهولة إطلاق ألفاظ التحريم أو حتى التوقف في الأمر، لكن ذلك لا يعد حلا، لا سيما إذا آمنا بأن للشرع حكما في كل حادثة، وقد كان لبعض العلماء السبق في وضع الرؤى الجادة لهذه القضايا، وما زال الأمر يحتاج إلى جهود مضنية، خاصة في موضوع من الخطورة كموضوع الإعلام ودور المرأة فيه على وجه الخصوص، حيث أصبحت هذه الوسائل من الأساسيات لعصرنا المعاش حتى أسمي بالقرية الكونية، واعتزال هذه المؤسسات يعني تسليم أبناء الأمة بكل مستوياتها رجالا ونساء، صغارا وكبارا فريسة لأعداء الإسلام، خاصة وقد تمكن غير المسلمين من امتلاك هذه المؤسسات اليوم وأضحت المؤسسات الإسلامية تابعة لها تبعية كلية أو جزئية.
النتيجة الثالثة: عمل المرأة في الإعلام جزئية هامة من العمل الإعلامي لا يمكن استكمال النظرية الإعلامية إلا ببيانها، وتعتبر هذه الكتابة مشاركة في بناء النظرية الإعلامية الإسلامية.
وقد تم النظر في حكم عمل المرأة في وسائل الإعلام من جانبين، الأول من حيث النظر إلى نصوص الشرع ومقاصده، والجانب الآخر من حيث النظر إلى فنون الإعلام ووظائفه.
الجانب الأول: فقد وصل فيه الباحث بعد استعراض النصوص الشرعية وما وقف عليه من أقوال العلماء إلى أن عمل المرأة في وسائل الإعلام في العموم يمكن بيانه في الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى: أن يكون العمل مشروعا: إذ أن من الأعمال الإعلامية ما يستوي فيه الرجال والنساء ويعتبر مشروعا في حقهما معا، ومن هذه الأعمال ما يصل إلى حد الوجوب الكفائي، لا سيما ما يتعلق منها ببيان أمر الدين و الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن بيضة الإسلام وعن بلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأموالهم. ومن تلك الأعمال ما يندب أو يباح للمرأة القيام به وهو ما لا يصل الأمر فيه إلى حد الوجوب أو تتحقق الكفاية بقيام الرجل به.
الحالة الثانية: أن يكون العمل غير مشروع: وعدم مشروعيته إما من حيث الأصل وهو ما خالف الشرع الحنيف، أومن حيث المقصد بأن كان القصد من الفعل قصدا محرما، أو من حيث الوسيلة المستخدمة، أو من حيث عدم صلاح هذا العمل للمرأة وإن كان صالحا للرجل، أو من حيث عدم إمكانية أو صعوبة التزام المرأة بالضوابط والآداب الشرعية أثناء قيامها بالعمل، ومنه ما تصل المخالفة فيه إلى درجة الحرمة ومنه ما يكون مكروها.
ومن هنا يتبين أن حكم عمل المرأة في وسائل الإعلام من خلال نصوص الشرع ومقاصده تدور مع الأحكام الخمسة وهي الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة.
الجانب الثاني: وهو النظر إلى عمل المرأة من خلال فنون ووظائف الإعلام، وفي هذا الموضوع لم يتوسع الباحث فيه واكتفى بالإشارة إليه بقدر ما يتضح به الحال، وأسند التفصيل إلى دراسة علمية متخصصة، وعلى ضوء ذلك اكتفى بالحكم الكلي لهذه الفنون الإعلامية، وبيان إمكانية مشاركة المرأة في فنون منها، والمنع من بعضها، والمشاركة في أجزاء ومهام معينة من البعض الآخر؛ وتقييد ذلك كله بالضوابط العامة التي ذكرت في الباب الثاني من هذا البحث.
النتيجة الرابعة: القول بجواز عمل المرأة في الإعلام منضبط بضوابط شرعية، ولا يصح في نظر الباحث إطلاق القول بالجواز بدون هذه الضوابط، وذلك للمخالفات الشرعية الواضحة، والمفاسد الراجحة في المؤسسات الإعلامية القائمة اليوم، وقد ذكر الباحث في بحثه هذا سبعة ضوابط عامة، وفي بعض هذه الضوابط العامة ضوابط تفصيلية، وهذه الضوابط منها ما تشترك فيها المرأة مع الرجل، ومنها ما هي أكثر خصوصية بالمرأة.
الضوابط المشتركة:
أولا: مشروعية الدور الإعلامي: أي عمل لابد أن يأخذ مشروعيته من الشرع الحنيف، فما أقره كان صحيحا، وما منعه كان فاسدا مردودا.
ثانيا: مراعاة المصالح والمفاسد: فإن لم يمكن أن تكون مصالح خالصة وهي نادرة، فلا مانع أن تكون مشوبة بمفسدة وهنا لابد من اعتبار قواعد هامة ومن ذلك: النظر إلى المصلحة الغالبة لا المغلوبة، ومنها درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومنها أنه يمكن تحقيق مصلحة بعمل مفسدة، ومنها أن ما حرم لسد الذرائع أبيح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، ومنها أن ما حرم تحريم الوسائل أبيح للحاجة أو المصلحة الراجحة، ومنها أن العمل قد يكون فعله مستحبا تارة وتركه تارة باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، ومنها أن تقدير المصلحة والمفسدة منوط بالعلماء.
ثالثا: مشروعية الوسائل والمقاصد: إذ أن اعتبار المقاصد في الأعمال معتبر شرعا وعليه يتوقف حكمه من حيث الحظر والمنع أو الوجوب والندب والإباحة، وهنا يراعى أيضا قواعد ضرورية عند تقرير المقاصد من ذلك: أن المقاصد الشرعية ضربان، مقاصد أصلية ومقاصد تابعة، وأن حكم المقاصد حكم الوسائل قاعدة أغلبية لا قاعدة مطلقة وغير ذلك.
الضوابط الخاصة أو الأكثر خصوصية بالمرأة:
أولا: كون المؤسسة ملتزمة بتعاليم الإسلام أو تسمح للمرأة بذلك واعتباره ضابطا في حكم عمل المرأة لوجود المخالفات الشرعية في المؤسسات الإعلامية القائمة اليوم في الغالب، فإن لم تلتزم تلك المؤسسات فأقل الأحوال أن تسمح للمرأة العاملة بالالتزام.
ثانيا: الحاجة لمشاركة المرأة: وذلك أن قرار المرأة في بيتها عزيمة شرعية وخروجها منه رخصة تقدر بقدرها، ولا يعني ذلك المنع من الخروج على إطلاقه، بل يجوز الخروج بشرط عدم التبرج، لكن يبقى الأصل القرار في البيت والخروج يكون للحاجة سواء حاجة المرأة الخاصة أو حاجة المجتمع، وعلى أساسه تكون المشاركة فقد تصل الحاجة للمشاركة إلى الوجوب أو الندب أو الإباحة أو قد تكون المشاركة محرمة أو ومكروهة بحسب ما أشرنا إلى ذلك عند بيان حكم عمل المرأة في الإعلام.
ثالثا: الالتزام بالآداب الشرعية للمرأة: وهي عبارة عن ستة آداب وضوابط هي:
1- ضابط الخلوة.
2- ضابط الاختلاط.
3- ضابط الكلام.
4- ضابط اللباس والزينة.
5- ضابط الخروج والسفر.
6- ضابط النظر.
وجعل لكل أدب من هذه الآداب الضوابط الشرعية الخاصة بها.
رابعا: القيام بالحقوق والواجبات الأخرى للمرأة: حيث أن عمل المرأة في وسائل الإعلام أو غيره قد يؤدي أحيانا كثيرة إلى تفريط المرأة بواجباتها وحقوقها الأخرى، وقد تم الحديث عن أهم هذه الحقوق وهي: حق الزوج، حق الأبناء، وحق المجتمع.
التوصيات
أولا: الدعوة إلى تكوين هيئة إعلامية عالمية مكونة من علماء الشرع وعلماء الإعلام للقيام بمشروع النظرية الإعلامية المتكاملة بكل جزئياتها ومنها ما يخص المرأة المسلمة في هذه الوسائل، والفصل في الجزئيات المتجددة والمتسارعة.
ثانيا: دعوة البلدان والحكومات الإسلامية إلى إنشاء القنوات الإسلامية، وأسلمة قنواتها القائمة، قياما بواجبهم الشرعي في سيادة الدين وسياسة الدنيا به، وحفاظا على هوية الأمة ودينها وأخلاقها، ووقوفا أمام السيول الجارفة من وسائل الإعلام الوافدة من الخارج، ووضع المرأة في هذه المؤسسات في الإطار المسموح لها شرعا.
ثالثا: عمل دراسات متخصصة عن عمل المرأة في وسائل الإعلام، تتناول هذه الدراسات الوسائل والفنون والوظائف الإعلامية، وبيان عمل المرأة ودورها في كل منها على انفراد، وتمثل هذه الرسالة في نظر الباحث خطوطا عريضة لهذا الأمر.
(1)- البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم البخاري. حبر الإسلام ولد في بخارا عام 194هـ، أكثر من الرحلة في طلب العلم، سمع من نحو ألف شيخ، وكان رأساً في العلم والذكاء والورع والعبادة، بدأ بالتصنيف وعمره 18 عاماً، قال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري، توفي عام 256هـ في خرتنك (إحدى قرى سمرقند). انظر: تهذيب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (9/47)، دراسة وتحقيق مصطفى عبد الحفيظ عطاء، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1993م، بيروت ـ لبنان.
(2)- صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الجعفي، المتوفى 256هـ، ج3/برقم3269. دار ابن كثير , اليمامة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1407هـ – 1987م.
تحقيق: د. مصطفى ديب البغا ورواه الحاكم عن ابن عباس "وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته في الطريق لفعلتموه". قال المناوي: إسناده صحيح.