مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
عقائد
   
فتاوى
   
أفيدونا رعاكم الله في أشراط الساعة، وهل الزمن الحالي بداية النهاية؟
أفيدونا رعاكم الله في أشراط الساعة، وهل الزمن الحالي بداية النهاية؟
الخميس 25 أكتوبر 2012

السؤال: أفيدونا رعاكم الله في أشراط الساعة، وهل الزمن الحالي بداية النهاية؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

من المعلوم من الدين بالضرورة أن للساعة أشراطاً دل عليها الكتاب والسنة وأجمعت عليها الأمة، وهي من دلائل النبوة الشاهدة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنه أخبر عنها وهي من أمور الغيب التي لا تعرف إلا بوحيٍ من الله وإذا بها تتحقق كما أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي دليل من أدلة البعث الذي جحده الجاحدون وأنكره المشركون، إذ هي أمارة من أمارات الساعة ودليل على قربها فإذا وقعت الأمارة دل وقوعها على حتمية وقوع الساعة وأن ذلك حق، ونحن بعون الله عز وجل سنجيب على سؤال الأخ الكريم على النحو الآتي:

المقصود بأمارات وأشراط الساعة لغة وشرعاً:

الأمَرُ: بالتحريك: جمع أمرَةٍ، وهي العلامة(1) والأشراط: جمع شرَط. والشرط بالتحريك: العلامة، والجمع أشراط. وأشراط الساعة أعلامها، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾[محمد:18](2).

وأما الساعة: (فهي اسم للوقت الذي تصعق فيه العباد، والوقت الذي يبعثون فيه، وتقوم فيه القيامة، وسميت ساعة؛ لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم عند الصيحة الأولى)(3).

ومعنى أشراط الساعة في الشرع: (العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدُلُّ عليها)(4) أو هي: (العلامات التي يعقبها قيام الساعة)(5).

أقسام الأشراط وأمثلتها:

أولاً: الأشراط الصغرى: (وهي التي تقدم الساعة بأزمان بعيدة نسبياً وتكون في أصلها معتادة الوقوع).

ثانياً:الأشراط الكبرى: (وهي التي تقارب قيام الساعة بأزمان بعيدة نسبياً، وتكون في ذاتها غير معتادة الوقوع مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وظهور يأجوج ومأجوج، وغير ذلك)(6).

والأشراط الصغرى على قسمين:

القسم الأول: العلامات التي وقعت وانقضت أو وقعت وهي مستمرة, ومنها:

أولاً: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم:

فعن سهل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وبعثت أنا والساعة كهاتين» ويشير بإصبعيه فيمدهما(7).

ثانياً: أن تلد الأمة ربتها:

روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام حين سأله عن الساعة: «وما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها...»(8).

قال الخطابي رحمه الله: (معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله علي بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها؛ كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها)(9).

ثالثاً: التطاول في البنيان:

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة ... حتى يتطاول الناس في البنيان»(10) ومعنى التطاول في البنيان: أن كلاًّ ممن كان يبني بيتا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من الارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك، وهو في ازدياد(11) وهذا واضح في زماننا وعصرنا بل وصل بهم الأمر إلى أن بنوا ما يشبه ناطحات السحاب ويتفاخرون في طولها وزخرفتها.

والمراد بالعالة كما يقول ابن رجب رحمة الله: (الفقراء) كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾[الضحى:8], والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم؛ حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وارتفاعه(12).

رابعاً: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، وتضيء أعناق الإبل ببصرى»(13) (وبصرى: بضم الباء مدينة معروفة بالشام وهي مدينة حورات بينها وبين دمشق ثلاث مراحل)(14) هذه من العلامات التي وقعت كما ذكر المؤرخ الحافظ ابن كثير رحمة الله(15).

 القسم الثاني: العلامات التي لم تقع:

أولاً: عودة جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً»(16).

ثانياً: حسر الفرات عن جبل من ذهب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجلٍ منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو»(17).

أي (ينكشف لذهاب مائه)(18) وهذا كله ما لم يقع بعد, وهو واقع كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

أما بالنسبة للأشراط الكبرى فهي مذكورة في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: «أطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون؟ قالوا: نتذاكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم»(19).

وهذه الآيات العظمى قد أشار القرآن الكريم إليها، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾[الأنبياء:96], وقال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِين﴾[الدخان:10].

ومما ورد ذكره في القرآن الكريم من الآيات الكبرى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾[النمل:82].

ومما ذكر في القرآن الكريم من الآيات الكبرى الدالة على قرب الساعة:

قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾[الأنعام:158].

ومن ثمرات الإيمان بأشراط الساعة:

أولاً: الإيمان بأشراط الساعة من جملة الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، وهو إيمان بالغيب الذي أمتدح الله تعالى أصحابه فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾[البقرة:3](20).

ثانياً: الإيمان بأشراط الساعة دليل واضح على أن ما أخبر الله عنه ورسوله من أحوال اليوم الآخر حق لا ريب فيه، فتحقق الأشراط دليل على صحة النهاية وصدق الخبر عنها وهي يوم القيامة.

ثالثاً: كما أن وقوع الأشراط وحدوثها هو من دلالات النبوة وصحة الرسالة، قال عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾[الجن:26-27].

 رابعاً: معرفة الكيفية الصحيحة للتعامل مع الأحداث التي قد تلتبس علينا إن لم يكن لنا فيها من الله دليل وبرهان، ومن تلك الغيبيات الكثير والكثير، ونقتصر في موضوعنا بما يتعلق بأشراط الساعة والتي منها(21).

خامساً: إشباع رغبة الإنسان وإرواء فطرته بالكشف له عما يحدث من أمور غيبية مستقبلة وتوجيهه التوجيه الصحيح.

سادساً: فتح باب الأمل والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان.

الحكمة من تقديم أشراط الساعة والدلالة عليها:

لما خفي علمُ الساعة عن الخلق جعل الشارع الحكيم لها أمارات وعلامات تدل عليها لحكمة عظمية، أشار إلى ذلك القرطبي رحمه الله فقال: (قال العلماء رحمهم الله تعالى: والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها تنبيه الناس من رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة، كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكون بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها. والله أعلم. وتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها)(22) يؤكد ذلك ابن حجر رحمه الله فيقول: (والحكمة في تقديم الأشراط إيقاظ الغافلين، وحثهم على التوبة والاستعداد)(23) وهذا رحمة منه سبحانه وتعالى بإيقاظ الخلق وتنبيههم وإرشادهم إلى الخير والصلاح.

وأما هل قول السائل هل الزمن الحالي بداية النهاية؟

فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن بعثته صلى الله عليه وسلم من الأمارات الدالة على قرب الساعة فهو خاتم النبيين، عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وبعثت أنا والساعة كهاتين» ويشير بإصبعيه فيمدهما(24).

قال القرطبي رحمة الله: (فمعناه أنا النبي الأخير فلن يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة، كما تلي السبابة الوسطى وليس بينهما إصبعُ أخرى)(25).

ودل على أن الزمن الذي نحن فيه أقرب إلى النهاية من زمنه صلى الله عليه وسلم، وقد بين الله قرب الساعة في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾[محمد:18], وقوله : ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[النحل:77], وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:1], وقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾[القمر:1], وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[النحل:1]، وعبر عن المستقبل بصيغة الماضي لتأكيد وقوعه، والله أعلم.

مرفق ناجي مصلح ياسين

27/ 6/ 1429هـ

1/7 / 2008م

مراجعة: علي عمر بلعجم

ورياض عيدروس

وعبد الكريم الفهدي

________________

(1) لسان العرب لابن منظور (1/ 113).

(2) المصدر السابق (7/ 82).

(3) المصدر السابق (6/ 431).

(4) النهاية في غريب الحديث والأثر/ ابن الأثير (2/ 460).

(5) فتح الباري (13/ 79).

(6) المسيح المنتظر ونهاية العالم، عبد الوهاب عبد السلام طويلة (ص:13), دار السلام، القاهرة، مصر الطبعة الأولى: 1419هـ، 1999م.

(7) أخرجه البخاري (3/ 105), برقم: (6503).

(8) أخرجه مسلم (1/ 101), برقم: (1).

(9) معالم السنن على مختصر سنن أبي داود (7/ 67), وهذا النص للخطابي في فتح الباري (1/ 122).

(10) صحيح البخاري (13/ 81 - 82).

(11) فتح الباري (13/ 88).

(12) جامع العلوم والحكم، ابن رجب (ص:39).

(13) أخرجه مسلم (18/ 25), برقم: (2902).

(14) شرح النووي (18/ 25).

(15) البداية والنهاية (13/ 187).

(16) أخرجه مسلم (2/ 701), برقم: (157).

(17) أخرجه البخاري (13/ 78)، برقم: (7119), مختصراً, ومسلم (4/ 2219)، برقم: (2894) بلفظه.

(18) شرح النووي على صحيح مسلم (18/ 17).

(19) أخرجه مسلم (4/ 2225), برقم: (2901).

(20) علم الإيمان، الشيخ/ عبد المجيد بن عزيز الزنداني (1/ 324).

(21) المهدي وفقه أشراط الساعة (591).

(22) التذكرة (709 ).

(23) فتح الباري (13/ 153).

(24) أخرجه البخاري (3/ 105), برقم: (6503).

(25) التذكرة (711).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: