مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
عقائد
   
فتاوى
   
سكنى الجن في البيوت
سكنى الجن في البيوت
الأربعاء 24 أكتوبر 2012

السؤال: ما هي الحقيقة المضمونة عن البيوت المسكونة بالجن؟ يعني هل يسكن الجن بيوت الإنس؟ هل جاء في القرآن ما يدلل ذلك أو ينفيه؟ ولماذا نجد اليوم كثير من البيوت هجرت على أنها مسكونة؟ وهل يوجد مثل هذا في الغرب؟ يعني غير المسلمين.

الجواب وبالله التوفيق: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وبعد:

الجن والإنس من خلق الله سبحانه وتعالى، وهم مكلفون ومحاسبون على أعمالهم، ومنهم المطيع القانت، والعاصي المارق، والجن من عالم الغيب الذي أخبر الله عنه في كتابه العزيز، فعلمنا بهمم ومعرفتنا إياهم إنما تكون بما ورد في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فالجن يسكنون في البيوت التي يسكنها الإنس كما يسكنون البيوت الخربة، وغيرها من الأماكن، وقد يتصورون بصورة حيوان أو إنسان، ويراهم من يسكن في البيت، وتسمى بالعوامر، وقد ورد ما يدل على ذلك في الشرع المطهر، قال أبو السائب مولى هشام بن زهرة: «أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت؛ لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيتٍ في الدار، فقال أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس, قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ عليك سلاحك؛ فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح؛ ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت؟ حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له وقلنا: ادع الله يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان»(1), وفي رواية عند مسلم(2): «إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئاً منها فحرجوا عليها ثلاثاً فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافرٌ وقال لهم: اذهبوا فادفنوا صاحبكم» وهذا مما يدل على تواجدهم في البيوت المسكونة.

قال ابن تيمية رحمه الله: (والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفى صور الطير وفى صور بني آدم كما أتى الشيطان قريشا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال:48].

وكما روى أنه تصور في صورة شيخٍ نجديٍ لما اجتمعوا بدار الندوة هل يقتلوا الرسول أو يحبسوه أو يخرجوه كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[الأنفال:30] فإذا كان حيات البيوت قد تكون جناً فتؤذن ثلاثاً فان ذهبت وإلا قتلت فإنها إن كانت حيةً قتلت، وإن كانت جنيةً فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حية تفزعهم بذلك، والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلاً، وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك فلا يجوز)(3).

وإذا دل ذلك على وجودها في البيوت، فقد يصدر منها إيذاءٌ لساكني البيوت من الإنس، والإيذاء الصادر منهم ليس له صورةٌ محددة، إلا أنه قد ورد في ديننا الحنيف بعضٌ من هذه الصور، كالإحراق، وتصفيق البيوت المفتوحة، بل قد يكون القتل كما في الحديث السابق، وقد يصدر منها ما يؤذي الساكن ويجعله يترك بيته، ومن ثم أرشد إلى ما يقي المؤمن من هذا الإيذاء وذلك الضرر، عن جابر: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناء، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً، ويذكر اسم الله فليفعل فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم»(4).

كما أنه قد يكون هناك أسبابٌ لتسليط الجن على الإنس وإيذائهم والتي منها:

الإعراض عن ذكر الله والبعد عنه سبحانه وتعالى، وهذا البعد عن كتاب الله من الظلم الذي نهى الله عنه، وقد وعد بتسليط بعض الظالمين على بعض، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[الزخرف:36]، قال الطبري رحمه الله: (حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[الأنعام:129] وقرأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[الزخرف:36] قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس)(5).

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾[مريم:83] قال الزمخشري: (الأز والهز والاستفزاز: أخوات ومعناها التهييج وشدة الإزعاج)(6), وكذلك اللجوء إلى الجن وترك اللجوء إلى الله هو مما يجعل الشياطين تتسلط على الجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾[الجن:6].

  قال ابن تيمية رحمه الله: (كان الإنس إذا نزل أحدهم بوادٍ يخاف أهله قال: أعوذ بعظيمِ هذا الوادي من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سبباً لطغيان الجن، وقالت: الإنس تستعيذ بنا، وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور وهذا من جنس السحر والشرك)(7).

وإذا كان هذا أخي الكريم يحدث في ديار المسلمين وفي بيوت الموحدين، فبلاد الكافرين من أهل الغرب أولى بذلك، بل أن بعض الآيات قد صرحت بذلك قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾[مريم:83].

فهذه الظاهرة ليست خاصة بالمسلمين بل هي شائعةٌ عند أمم وشعوب أخرى، فثمة كتاب عنوانه "البيوت المسكونة بالأشباح" لمؤلفه بيتر بروكسميث، وثمة مواقع على شبكة الانترنت باللغة الانجليزية متخصصة في معالجة الظاهرة تحت عنوان "haunted houses" (8)، إلا أن المبالغة في ذلك والتهويل منه، مما قد يؤدي إلى خلط الحقيقة بغيرها لأغراضٍ معينة، مما يؤكد على الإنسان الاحتراز والتثبت، والله أعلم.

 

مرفق ناجي ياسين

29/ 4/ 1428هـ

الموافق 16 / 5/ 2007م

مراجعة/ علي عمر بلعجم

______________________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه (4/ 1756)، برقم (2236).

(2) أخرجه مسلم في صحيحه (4/ 1756)، برقم (2236).

(3) مجموع الفتاوى (19/ 44- 45).

(4) أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1594)، برقم (2012).

(5) تفسير الطبري (5/ 344).

(6) الكشاف (1/ 743).

(7) مجموع الفتاوى (1/ 362).

(8) المصدر: http://alghad.dot

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: