مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
عقائد
   
فتاوى
   
الجواب على سؤال: من هم القائلون بأن الوجود بأسره هو الله؟
الجواب على سؤال: من هم القائلون بأن الوجود بأسره هو الله؟
الأربعاء 24 أكتوبر 2012

 

الجواب على سؤال: من هم القائلون بأن الوجود بأسره هو الله؟

السؤال: من هم القائلون بأن الوجود بأسره هو الله؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مما أصاب الأمةَ المسلمةَ بُعد البعض عن القرآن والسنة وإجماع الأمة، وما كان عليه سلف الأمة من الاتباع ونبذ الابتداع، فظهرت فِرقٌ ضالة بعيدةٌ عن الحق والصواب، وما جاءت به من البدع ليس على درجةٍ واحدةٍ من الضلال بل منها المكروه ومنها المحرم ومنها ما تُخرج من الملة وتُلقي صاحبَها في الكفر والعياذ بالله إن لم يؤوب ويرجع إلى خالقه ومولاه، ومن هذه المعتقدات الكفرية القول بأن الله حلَّ في المخلوقات، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً، والمقصود من قولهم الباطل: (أن الوجود عندهم واحدٌ ليس عندهم وجودان قديم وحادث وخالق ومخلوق وواجب وممكن، بل الوجود عندهم واحد بالعين والذي يقال له: الخلق المشبه هو الحق المنزه)(1).

فكان الخالق والمخلوق على حد زعمهم سواء -والعياذ بالله- وهناك فرق بين القول بالحلول، والقول بوحدة الوجود، فالقائلون بوحدة الوجود يعنون أن الله هو هذا العالم بعينه، والقائلون بالحلول يقصدون أن الله حالٌّ بهذا العالم.

قال ابن القيم رحمه الله: (إنه لو لم يكن مبايناً للعالم لزم أحد أمورٍ ثلاثة قد قال بكلٍ منها قائل:

الأول: أن يكون هو هذا العالم كما قال أهل وحدة الوجود، والذي قادهم إلى هذا القول هو نفي المباينة كأن قلوبهم وفطرهم طلبت معبوداً فلما اعتقدوا أنه غير مباينٍ للعالم وتيقنوا أنه موجودٌ قائمٌ بنفسه قالوا فهو هذا العالم بعينه.

الثاني: قول من يقول بل هو حالٌ في العالم وهو قول الحلولية.

الثالث: قول من يقول لا هو العالم ولا هو حالٌ فيه ولا بائنٌ عنه ولا متصلٌ به ولا منفصلٌ عنه وهو قول الجهمية، ومعلومٌ أنه إذا عُرض على العقول الصحيحة هذه الأقوال الأربعة علمت أن الصوابَ منها القول بأنه سبحانه بائنٌ من خلقه(2).

وقد جرهم إلى هذا القول الباطل والاعتقاد المنحرف أن العبد من أفعال الله عز وجل، وأفعال الله من صفاته، والصفات لا تنفصل عن الذات، فكانت النتيجة عندهم أن العبد من ذات الرب تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وبين ابن القيم رحمه الله بطلان هذا القول قائلاً: (وموضع الغلط أن العبد من مفعولات الرب تعالى لا من أفعاله القائمة بذاته، ومفعولاته آثار أفعاله، وأفعاله من صفاته القائمة بذاته، فذاته سبحانه مستلزمة لصفاته وأفعاله، ومفعولاته منفصلة عنه تلك مخلوقةٌ محدثةٌ والرب تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله)(3).

القائلون بالحلول والاتحاد:

القائلون بوحدة الوجود على قسمين:

1- من يقولون بالحلول والوحدة والاتحاد المطلق، كابن عربي والفارض والعفيف التلمسانى، وعبد الله البليانى، والصدر القونوي.

2- من يقولون بالحلول والاتحاد المعين كالنصارى وغلاة الشيعة.

يقول ابن تيمية رحمه الله: (هؤلاء أقوالهم فيها تناقض وفساد وهى لا تخرج عن وحدة الوجود والحلول أو الاتحاد، وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق بخلاف من يقول بالمعين كالنصارى والغالية من الشيعة الذين يقولون بإلهية علي أو الحاكم أو الحلاج أو يونس القنيني أو غير هؤلاء ممن ادعيت فيه الإلهية، فإن هؤلاء قد يقولون بالحلول المقيد الخاص وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم؛ ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم في التخصيص وكذلك يقولون في المشركين عباد الأصنام إنما كان خطؤهم؛ لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقاً على وجه الإطلاق والعموم، ولا ريب أن في قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من كفر اليهود والنصارى، وهذا المذهب شائع في كثير من المتأخرين وكان طوائف من الجهمية يقولون به وكلام ابن عربي في فصوص الحكم وغيره، وكلام ابن سبعين، وصاحبه الششتري، وقصيدة ابن الفارض نظم السلوك، وقصيدة عامر البصري، وكلام العفيف التلمساني، وعبد الله البلياني، والصدر القونوي، وكثير من شعر ابن إسرائيل، وما ينقل من ذلك عن شيخه الحريري، وكذلك نحو منه يوجد في كلام كثير من الناس غير هؤلاء هو مبنى على هذا المذهب مذهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود)(4).

بطلان القول بالحلول والاتحاد وحكمه في الشريعة:

لقد جرَّ هذا المعتقَدُ المنحرف والقولُ المبتدَع إلى ضلالات متعددة وشركيات متنوعة، فهؤلاء على نقيض الجهمية الذين ألهوا المعدوم الممتنع وجوده، وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد ألهوا الوجود المطلق الكل(5) فكانت عبادتهم مصروفة إلى المخلوقات، فوقعوا بالشرك الأكبر الذي يحبط العمل ويخرج صاحبه من الملة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الزمر:65].

قال ابن تيمية رحمه الله: (فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم، كما قيل متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء)(6).

وكان كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى كما ذكر ابن تيمية رحمه الله: (فهؤلاء كفرهم شرٌ من كفر النصارى الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وأما الأولون فيقولون بالإطلاق ويقولون النصارى إنما كفروا بالتخصيص. وأقوال: هؤلاء شرٌ من أقوال النصارى، وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، ولهذا يقولون بالحلول تارة وبالإتحاد أخرى وبالوحدة تارة، فإنه مذهبٌ متناقضٌ في نفسه، ولهذا يلبسون على من لم يفهمه فهذا كله كفرٌ باطناً وظاهراً بإجماع كلِّ مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافرٌ كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين)(7).

والوصف الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى هو ما ذكره في كتابه العزيز، قال عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5] وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾[الفرقان:59]، ومع علوه سبحانه فإنه قد أحاط بكل شيءٍ علماً، وهو مع العباد بعلمه سبحانه ومع المؤمنين بنصره وتأييده، ولا يتنافى علوه عز وجل مع علمه ومعيته، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الحديد:4].

قال الحكمي رحمه الله: (وهو القريب جل في علوه فهو سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه عالٍ على جميع خلقه، وهو قريبٌ يجيب دعوة الداع إذا دعاه ويعلم سره ونجواه، وهو أقرب إلى داعيه من عنق راحلته ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ فإن الذي عند عنق راحلته أو عند حبل وريده لا يعلم ما خفي عليه من كلامه، والله عز وجل على عرشه ويعلم السر وأخفى ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل م السماء وما يعرج فيها، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته لا تخفى عليه منهم خافية وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فهو على كل شيءٍ شهيد وبكل شيءٍ محيط، فهو سبحانه القريب في علوه العلي في دنوه، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)(8).

وبهذا يتبين بطلان القول بأن الوجود بأسره هو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وإنما ساقهم إلى هذا القول الفاسد متابعة العقل الكاسد، ولو أنهم اتبعوا ما في القرآن، وما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الانحراف والضلال المبين.

نسأل الله الهداية والتوفيق، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

 

                                                                                      مرفق ناجي مصلح ياسين

                                                                           27/ 6/ 1428هـ

                                                                           1/7 / 2008م

                                                                                 مراجعة : رياض + عبد الكريم الفهدي

____________________

(1) الصواعق المرسلة، ابن قيم الجوزية (3/ 931-932).

(2) الصواعق المرسلة (4/ 1339- 1340).

(3) مدارج السالكين (3/ 151).

(4) مجموع الفتاوى (2/ 296 – 297).

(5) شفاء العليل (1/ 307).

(6) مجموع الفتاوى (2/ 298).

(7) المصدر السابق (2/ 368).

(8) معارج القبول (1/ 207).

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: