ما هو قولكم لمن قال إن الله يدين؟
السؤال: ما هو قولكم لمن قال إن لله يدين؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اعلم أخي السائل وفقنا الله وإياك إلى ما فيه الخير والهدى! أن أسماء الله وصفاته توقيفية، فالواجب أن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته نبيه صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات دون تكييف أو تشبيه أو تعطيل قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11] فأثبت الله لنفسه كما في الآية السمع والبصر، وحتى لا يتوهم متوهم التشبيه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أو التعطيل فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فنثبت له جميع ما وصف به نفسه سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أن له صفات الكمال، فهو واحدٌ في ذاته لا قسيم له، واحدٌ في صفاته لا شبيه له، واحدٌ في أفعاله لا شريك له، وقد ثبت في القرآن والسنة أن لله تعالى يدين، قال عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾[ص:75] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[الفتح:10] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[الحديد:29] .
وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»، وقال: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وقال: أَرَأَيْتُمْ ما أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فإنه لم يَغِضْ ما في يَدِهِ»(1)، والسح: الصب الدائم(2).
وعن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ على مَنَابِرَ من نُورٍ عن يَمِينِ الرحمن عز وجل وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا»(3).
فأثبتت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية أن لله تعالى صفة اليدين وهي صفة كمال تليق به سبحانه وتعالى ولا يتطرق إليها النقص، والتسليم بما ورد خير من التأويل بلا دليل، ومن ذهب إلى التأويل إنما ذهب إليه خوف التشبيه، - تشبيه الخالق بالمخلوق- فقالوا المقصود باليد القدرة، ويرد عليهم أن للإنسان أيضاً قدره، فليس أمامنا إلا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته رسوله دون تكييف أو تشبيه أو تعطيل أو تحريف، ولو كان معنى اليد القدرة في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75] فما هي الفضيلة التي اختص بها آدم عليه السلام، إذ أن جميع المخلوقات خلقت بقدرة الله، فالناس يوم القيامة كما روى أَنَسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يوم الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لو اسْتَشْفَعْنَا إلى رَبِّنَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أنت أبو الناس، خَلَقَكَ الله بيده، وَأَسْجَدَ لك مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كل شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لنا عِنْدَ رَبِّكَ حتى يُرِيحَنَا من مَكَانِنَا هذا»(4) فهم يذكرون لآدم ما اختُصَّ به دون الأنبياء وهي الأربع الخصائص المذكورة في الحديث ومنها أن الله خلقه بيده، فكان المعنى الصواب للآية أن الله اختص آدم بأن خلقه بيديه سبحانه وتعالى وذلك داخلٌ في قدرته وإنما دل ذلك على تكرمةٍ اختص بها آدم عليه السلام، وقد ورد لفظ اليد مثنى مما يدل على أن لله يدين، وهل يصح القول أن معنى اليدين قدرتان، واعلم أخي السائل أن مثل هذه المسائل الدقيقة في علم العقيدة قد أشبعها أهل العلم تفصيلاً ليس هذا مقامه، ولكن اعلم أن السلف وقفوا حيث أوقفهم الوحي دون تجاوز أو تحذلقٍ كلامي بعيد عن المقصود، وإنما لجأ من لجأ إلى التأويل بعد القرون المفضلة، ولم يرتض المحققون من العلماء طريقتهم في التأويل، وقد ذكر الإمام الجويني إجماع السلف على المنع من التأويل(5)، والأدلة في الباب كثيرة ونكتفي بذلك، وفقنا الله والسائل لما يحبه ويرضاه، إنه سميع قريب يجيب من دعاه.
مرفق ناجي مصلح ياسين
28/ 10 / 1429هـ
27/ 10/ 2008م
_________________
(1) صحيح البخاري (4/ 1724)، برقم (4407).
(2) شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 80).
(3) صحيح مسلم (3/ 1458)، برقم: (1827).
(4) صحيح البخاري (4/ 1624)، برقم: (4206).
(5) العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، الجويني (ص:32- 33)، نقلاً عن الاتفاق بين أهل القبلة في أصول الاعتقاد، د/ صفوان الأزدي، (ص:471) [رسالة دكتوراه].