مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
ندوة الإيمان
   
ندوة الإيمان الأولى (1425هـ)
أهم أهداف المنهج القرآني لبناء وتقوية وزيادة الإيمان
السبت 26 يناير 2013

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أهم أهداف المنهج القرآني لبناء وتقوية وزيادة الإيمان  (1)

الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني

 

مقدمة :

الحمد لله رب العالمين ، وأصلى وأسلم على من أرسله الله منادياً للإيمان وجعله رحمة للعالمين وبعد..

فإن الإيمان هو أفضل الأعمال عند الله ، وهو سبب الفلاح في الدنيا والآخرة ، وهو المحور الذي يدور حوله الابتلاء من الله للعباد كما قال سبحانه : ﴿ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) ﴾ (سورة العنكبوت) .

ولما كان الإيمان بهذه المنزلة ، فإن القرآن والسنة هما المنهج النظري والعملي للإيمان والمشتمل على قواعده وتفصيلاته ، والرسول - صلى الله عليه وسلم – هو منادي الإيمان الذي أخرج الله على يديه خير أمة أخرجت للناس ؛ لذلك من الصعب الإحاطة بهذا الموضوع الكبير في صفحات محدودة. لكني بإذن الله سأستعرض بعض أهداف المنهج القرآني الإيماني ، وموضوعاته ، ووسائله ، وأساليبه وكياناته ، وسأحاول – بإذن الله – تقديم بعض المشاريع والمقترحات العلمية والعملية المحققة لبناء الإيمان وتقويته وزيادته .

أهداف المنهج الإيمان في القرآن :

1-    إيقاظ الإنسان من غفلته ، وحثه على استعمال سمعه وبصره وفؤاده ؛ ليتفكر في حقائق وجوده الكبرى من أين جاء إلى الدنيا ؟

من خلقه ؟

لماذا خلقه ؟

لماذا يموت ؟

ما الذي ينتظره بعد الموت ؟

ما الذي جاء به الرسل ؟

ما الدليل على صدقهم ؟

ما هو الحق المشروع له أن يعمله ، ويرضي به الخالق المالك له ولكل ما في الوجود ؟

ما الباطل المحرم عليه الذي يغضب ما لكه ، ومالك كل شيء ؟

ما الطريق إلى الفوز برضا الله والجنة ، والنجاة من غضب الله والنار ؟

وطلب القرآن من الإنسان أن يستفيد من أدوات العلم التي خلقها الله للإنسان ؛ ليعلم بهذه الحقائق كي لا يكون من أهل النار ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179) ﴾ [سورة الأعراف] .

2- حث الإنسان على العلم بالرسول الذي أرسله الله لهدايته والعلم بأدلة صدقه وبينات رسالته كما قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) ﴾  [سورة الحديد] ، وأنكر القرآن على من لا علم له بأدلة صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم - التي تبين للناس أن كل ما جاء من عند الله إلى رسوله حق لا مرية فيه ، فقال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾ [سورة الرعد] .

3- العلم بالله وآياته التي بثها في الكون لتعرف الناس بآثار صفات ربهم ، كما قال سبحانه: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) ﴾ [سورة محمد] ، أي : أنه الإله الواحد الذي لا يستحق أحدً العبادة غيره ، وكما قال سبحانه : ﴿ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) ﴾ [سورة الروم] ، فالرحمة : صفة لله ولها آثار أِمْرنا أن ننظر إليها ، وكذلك الصفات الإلهية المتعلقة بأفعاله سبحانه لها أثار مشاهدة أمرنا الله أن ننظر إليها فتدلنا على صفات ربنا وأسمائه .

فإذا رأينا آثار الحكمة ظاهرة في المخلوقات دلتنا على أنها من صنع حكيم ، وإذا رأينا آثار العلم مشاهدة في الأرض والسماوات دلتنا على أنها من صنع عليم ، وهكذا سائر صفات ربنا الخالق ، المصور ، البديع، الهادي ، الرزاق ، القوي ، القادر ، السميع ، البصير ، الواحد الأحد ، الذي امتلأت صفحات الكون بآثار صفاته ، وآيات وجوده ، وجلاله سبحانه، القائل : ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) ﴾  [سورة الجاثية] .

والقائل : ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (75) ﴾  [سورة الأنعام] ، والقائل: ﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) ﴾ [سورة الأعراف] .

4- العلم بوعد الله ووعيده الذي أرسل الله به الرسل مبشرين ومنذرين ليندفع الناس رغبة ورهبة للعمل بما جاء به الرسل قال تعالى:﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)﴾ [سورة النساء].

5- العلم بما جاء به الرسل من صور العبادة لله واجتناب الشرك به سبحانه بكل صوره وأشكاله كما قال تعالى : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) ﴾ [سورة البينة] .

 

الطرق العلمية والعملية لتحقيق الأهداف الإيمانية

1- الهدف الأول : الخروج من الغفلة :

أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الأول :

1- جمع الكتب والرسائل التي تعنى بإيقاظ الإنسان من غفلته ، والعمل على نشرها ، وبثها في المجتمع بشتى الوسائل المتاحة .

2-    إعداد الكتب والرسائل التي تخاطب المستويات الثلاثة :

-         العلماء والمفكرين والمثقفين .

-         طلاب العلم ، والجامعات والمدارس .

-         عامة الناس .

3-    الاستفادة من وسائل الإيضاح والأفلام المبينة للفكرة .

4-    تدبر آيات القرآن والأحاديث النبوية في هذا الباب .

  ثانياً : الوسائل العملية لتحقيق الهدف الأول :

1.    إدخال المادة العلمية في مناهج التعليم والتذكير بها في الأنشطة المدرسية والجامعية المصاحبة .

2.    تقديم هذه الحقائق ضمن خطب الجمعة وترتيب إيصالها إلى الخطباء .

3.    إعداد برامج لإيقاظ الغافلين ، وتذكير الناسين في التلفزيون والإذاعة والصحافة كل بما يناسبها من الخطاب والإخراج .

4.    الحث على حضور الجنائز وزيارة المقابر على الطريقة الشرعية المذكرة بالآخرة ، وإعداد المواعظ المذكرة للناس بذلك .

5.    الحث على زيارة المرضى ؛ فإنها تذكر بنعمة الصحة ، وتذكر بقرب الأجل ، وتقمع الغرور .

6.    إعداد القصائد والأناشيد وتلحينها وبثها .

7.    اختيار أنفع الرسائل ، والمحاضرات ، والأشرطة الداعية إلى اليقظة والخروج من الغفلة .

8.    صحبة أهل الإيمان ، واليقظة والذكر والتذكير .

9.    الخروج في سبيل الله للدعوة والوعظ ، والاتعاظ والتفكر في آيات الله .

10.    إقامة حلقات قرآنية مع تفسير الآيات بما يناسب السامعين .

11.    المواعظ القصيرة عقب الصلوات ، وفي المقايل وسائر المجالس .

 

2- الهدف الثاني : الإيمان بصدق الرسول – صلى الله عليه وسلم- .

  أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الثاني :

1. جمع معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم – وبينات رسالته ، وإعدادها في رسائل وكتب ، لتناسب المستويات الفكرية الثلاثة :  العلماء والمفكرين والمثقفين – طلاب العلم والجامعات والمدارس – عامة الناس .

2. جمع أقوى أبحاث الإعجاز العلمي الموثقة بالصور والمرجع ، وكتابتها على المستويات الثلاثة ، ونشرها بين الناس .

3. الاستفادة من وسائل الايضاح المتاحة ، والأفلام التي تصور المعجزة ، وإقامة المعارض المتنقلة المبينة لتلك المعجزات .

4. إقامة حلقات نقاش علمية حول هذه المعجزات لتطوير عرضها .

5. الرد على الشبهات الشائعة حول الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو رسالته .

  ثانياً : الطرق العملية لتحقيق الهدف الثاني :

1. دراسة المعجزات في مناهج التعليم الأهلية والحكومية في المدارس ، والمعاهد، والجامعات، والتذكير بها في الأنشطة المصاحبة .

2. إعداد المعجزات للخطباء كي يضمنوها خطب الجمعة .

3. مطالبة المؤلفين والمخرجين بإعدادها في صورة أفلام تلفزيونية ومطالبة الإذاعة والصحف بالتركيز على إبراز وإظهار معجزات النبي صلى الله عليه وسلم في البرامج والصحف.

4. نشر محاضرات الإعجاز العلمي خاصة وغيرها من المعجزات باستخدام أجهزة عرض الشرائح (البروجكتور) وإقامة دورات لتدريب الراغبين من الدعاة .

5. تكوين فرع لهيئة الإعجاز العلمي في اليمن .

6. مطالبة الباحثين في الدراسات العليا في الجامعات أن يتناولوا موضوع المعجزات النبوية بالبحث والتحقيق .

7. إقامة المحاضرات ، والندوات لعرض المعجزات النبوية .

8. إعداد اللوحات الفنية المظهرة للمعجزات العلمية ، ونشرها بين الناس .

9. إقامة دورات للدعاة ، والخطباء ، وطلاب العلم حول نشر المعجزات .

10. جمع أنفع الكتب ، والرسائل والعمل على نشرها بين الناس .

11. نشر كتاب بينات الرسول -صلى الله عليه وسلم – ومعجزاته ، وشريط "إنه الحق" .

 

3- الهدف الثالث : الإيمان بالله :

  أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الثالث :

1- جمع الكتب والرسائل التي تعنى بتثبيت الإيمان بالله وتحقيق التوحيد والعبودية، ودفع الشرك بكل صوره وأشكاله، والعمل على نشرها .

2- إعداد الكتب والرسائل على المستويات الثلاثة المذكورة سابقاً .

3- الاستفادة من كتب وأفلام ومجلات العلوم الكونية التي تتحدث عن آيات الله في آفاق الكون وأسرار النفس البشرية ، وإعادة عرضها في ثوبها الإيماني ؛ لأن الذين ألفوا في هذه المجالات معظمهم يكتب وهو معرض عن الدلالات الإيمانية لهذه الآيات كما قال تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) ﴾ [سورة يوسف] ، وذلك بسبب الجو الذي نشأت فيه العلوم الحديثة في معركة بين الدين الذي حرف وبين العلم الحديث .

ومن أمثلة هذه المحاولات الجادة فيلم : (الله الرزاق) إلى جانب العديد من الكتب النافعة التي تخدم هذا الموضوع. وهذه الكتب ، والرسائل ، والأفلام فيها من التشويق ، والتوثيق ما يعمق الإيمان بالله سبحانه .

4- توثيق حوادث إجابة الدعاء ، كما يحدث في صلاة الاستسقاء ، وما حدث من إجابة الدعاء في شفاء المرضى ، وتفريج الكرب ، وإنزال النصر لعباد الله المؤمنين الصادقين، ودعوة الناس إلى توثيق صلتهم بربهم عن طريق الدعاء ؛ فإذا ما شاهد الناس الجواب الإلهي تحقق لهم يقين عملي تشاهده أبصارهم وتحسه أجسامهم؛ فكيف لا يؤمنون، والله يقول : ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) ﴾  [سورة النمل: 62]، ويقول سبحانه : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾ [سورة البقرة] .

5- حصر الشبهات ، وتأليف الردود عليها ونشر هذه الردود في البيئات التي تشيع فيها تلك الشبهات.

6- دراسة الشبهات الجديدة ، وإعداد الردود المناسبة ؛ لتحصين الأمة منها حتى لا تسبب الريب أو الشك ، كما قال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15) ﴾ [سورة الحجرات] .

  ثانياً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الثالث :

1. عرض أدلة الإيمان بالله في المناهج الدراسية الرسمية ، والأهلية ، والجامعية وما دونها ، كل فصل ومستوى بما يناسبه .

2. إعادة عرض الآيات الكونية في الدروس المدرسية ، والجامعية على ضوء الدلالات الإيمانية .

3. إعادة عرض الأفلام العلمية مع تعليقات إيمانية مناسبة ، ونشرها في التلفاز .

4. إقامة المعارض الإيمانية المتنقلة المشتملة على إظهار آيات الله التي أمرنا الله أن نتفكر فيها ، وأن ننظر إليها ؛ لنرى آثار صفات الله المتعلقة بأفعاله .

5. دعوة الكتاب في الصحف لنشر أدلة الإيمان بالله محلاة بالصور الموضحة .

6. حث الناس على الدعاء ليقيم كل مؤمن بينه وبين ربه صلة يجيب الله بها دعوته ، فيزداد الذين آمنوا إيمانا ، ويزدادوا على الله توكلا ، مع التأكيد على الأدعية المأثورة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – والمحافظة على آداب الدعاء .

7. إعداد كتاب عن آيات الله في المخلوقات ، توضح الآية وتبين الدلالة ، ويكون في متناول العلماء والخطباء ليتسنى لهم الاستدلال بهذه الآيات في دروسهم وخطبهم ومواعظهم .

8. تشجيع أصحاب الدراسات العليا في الكليات العلمية ، والعملية على الكتابة حول آيات الله في الكون .

4- الهدف الرابع : الإيمان باليوم الآخر

  أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الرابع :

1. جمع الكتب والرسائل والبحوث التي تعنى باليوم الآخر ونشرها ، أو إعادة صياغتها على المستويات الثلاثة كي تناسب العلماء وطلاب العلم والعامة .

2. التركيز على أدلة الإيمان باليوم الآخر ، وإظهار أوجه الدلالة .

3. تقديم كتاب موثق عن علامات الساعة ، يبين فيه ما وقع بالفعل وما هو واقع وما يتوقع ، وأن يناقش مناقشة جماعية لمنع الشطط الذي قد يقع فيه الباحث المنفرد .

4. نشر بحث عجب الذنب بعد استكمال توثيقه .

5. دراسة ظاهرة الأصوات العجيبة التي ظهرت في سيبيريا ، فإن تم توثيقها فستكون من أعظم ما يؤثر في الناس .

6. دراسة شبهات الكافرين حول الإيمان باليوم الآخر ، والرد عليها .

7. إعداد كتب مفصلة عن أحوال اليوم الآخر كما وردت في الكتاب والسنة ، ونشرها بين الناس لمن يريد الاستزاده .

8. إعداد كتب ورسائل حول الرقائق ، ليستفيد منها الوعاظ والمربون .

9. إعداد كتاب جامع حول الجنة ، ودرجاتها ، ونعيمها ، وأهلها ، وأحوالهم ، وتفاوت درجات أهل الجنة ؛ ليكون مرجعاً للباحثين والدارسين والوعاظ والدعاة والمربين .

10. إعداد كتاب شامل حول النار ، ودركاتها ، وأهلها ، وأصناف العذاب فيها ، وأحوال أصحابها يكون مرجعاً للدارسين والباحثين والدعاة .

11. إقامة حلقات قرآنية لتدبر آيات القرآن ، في المسجد والمنزل وغيرهما .

  ثانياً : الطرق العملية لتحقيق الهدف الرابع :

1. إحياء زيارة القبور على الوجه المشروع .

2. إحياء زيارة المرضى .

3. الجلوس في مجالس الذكر والرقائق .

4. مصاحبة الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، كما قال تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ [سورة الكهف] .

5. التذكر ، والتذكير بحقيقة الحياة الدنيا والحث على الزهد فيها .

6. البعد عن أهل الأهواء المنغمسين في الدنيا ، كما قال تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) ﴾ [سورة الكهف] .

7. إدخال أدلة الإيمان باليوم الآخر في المناهج الدراسية الأهلية ، والحكومية ، وفي جميع المؤسسات التعليمية العالية وما دونها .

8. حث القائمين على المحطات الفضائية أن يعدوا مواد إعلامية تذكر بالآخرة ، وتعرض أحوال الموتى أثناء موتهم وبعده ؛ ليتعظ الناس بالموت ، وليتذكروا الآخرة ، مع إعداد برامج تتعلق بالرقائق .

9. إقامة حلقات لتدبر آيات القرآن ، فهو الدواء والغذاء ، كما يقول العلماء .

10. إعداد القصائد والأناشيد الحادية إلى الدار الآخرة ونشرها بين الناس .

5- الهدف الخامس : إخلاص العبادة وإقامة الصلاة وإحياء رسالة المسجد

    أولاً : الطرق العلمية لتحقيق الهدف الخامس :

1. جمع الكتب والرسائل التي تعنى بإخلاص العبادة لله ، ونبذ كل شريك له ، والتي تعنى بتوضيح معنى العبادة ، وبيان صورها ، والتحذير من كل صور الشرك ، أو الابتداع والعمل على نشرها. وإعداد كتب ورسائل مناسبة للمستويات الثلاثة : مستوى العلماء ومستوى طلاب العلم ، ومستوى العامة ، ومخاطبة كل بما يناسبه .

2. إعداد أو اختيار رسائل حول الصلاة وأحكامها وكيفية تحقيق الخشوع فيها ، والحث على أدائها جماعة في المسجد .

3. إحياء رسالة المسجد ، وتعليم الناس أحكام المساجد ، والعمل على إقامتها. ونظافتها ، وجعلها مكانا لذكر الله ، وحلقات العلم ليلاً ونهاراً ، وتجنيبها المنازعات السياسية ، وكل ما يفرق كلمة المسلمين، كما قال تعالى : ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) ﴾ [سورة النور] .

4. إعداد كتب حول ما لا يسع المسلم جهله ؛ لبيان فروض العين على كل مسلم .

5. اختيار كتب مناسبة لتدريسها للعامة ، والخاصة في حلقات علمية مسجديه في الإيمان والتجويد ، والتفسير ، والحديث ، والفقه ، والسيرة ، واللغة ، والذكر ، والرقائق ، وكل علم يفقه الناس بدينهم ويصلح قلوبهم تحقيقاً لما بعث به الرسول – صلى الله عليه وسلم – كما قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) ﴾ [سورة الجمعة] .

    ثانياً : الطرق العملية لتحقيق الهدف الخامس :

1. المحافظة على المؤسسات الإسلامية : المعاهد ، والمدارس ، والجامعات التي تدرس العلوم الشرعية وتخرج العلماء .

2. الدعوة إلى إقامة منتدى للخطباء ، يحقق بينهم التعارف والتعاون ، ويمنع عنهم التعسف ، ويقدم لهم الخدمات العلمية التي ترتقي برسالتهم ، وتطور أداءهم ، أسوة بسائر المنظمات الجماهيرية التي كفل الدستور قيامها وحمايتها .

3. دعوة المسلمين للخروج الدعوي في سبيل الله بالمال والنفس والعيش مع الصحبة الصالحة وفق أحكام الشريعة ، والأخلاق الإسلامية ، والتعود على الاعتكاف في المساجد ، وقيام الليل وقراءة القرآن والخروج من مشاغل الحياة وهمومها. وتعويد النفس على التزام السنن في النوم واليقظة ، والمأكل والمشرب ، والإيثار والشورى ، والتحلي بالصبر، وأدب الدعوة إلى الله ، والتعرف على أحوال المسلمين. والتجرد عن حظوظ النفس وأهوائها .

4. الدعوة لإقامة الندوات العلمية ، والدعوية المشتركة بين الدعاة .

5. إحياء الحلقات العلمية في الإيمان ، والتجويد ، والتفسير ، والحديث ، والفقه ، والأخلاق ، وتعليم الواجبات ، والسيرة النبوية الكريمة .

6. إقامة المدارس لتحفيظ القرآن .

7. إحياء المواعظ المؤثرة عقب الصلاة .

8. إقامة دورات علمية ، ودعوية لخطباء المساجد .

9. إقامة حلقات علمية ، أو دورات حول إقامة الصلاة ، وتحقيق الخشوع فيها ، والحث على نوافلها وخاصة قيام الليل .

10. إقامة صندوق لصالح المسجد تحت نظر لجنة للعناية بالمسجد : نظافة ، وإضاءةً ، وفرشاً، وخدمات .

11. قراءة رسائل علمية مختارة في التحذير من مخالفة الدين أو لابتداع فيه بغير ما أنزل الله كما حذر سبحانه بقوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) ﴾ [سورة الشورى] ، فلا دين إلا ما أمر الله به .

12. الحث على إيتاء الزكاة بمقاديرها الشرعية ، والعمل على صرفها في مصارفها الشرعية. والحث على الإنفاق في سبيل الله .

13. الحث على السعي ، وكسب الرزق الحلال ، وتحسين دخل الفرد ، والدعوة والمشاركة في التنمية الاقتصادية(2) ، والدعوة إلى إقامة الشركات ، والتوصية بالحرص على دراسات الجدوى في المشاريع الاقتصادية ، وضبط العقود ، وإيجاد الرقابة المالية المستمرة والدورية ، وتقوية الحافز عند العاملين ، حتى لا تصاب تلك المشاريع بأمراض القطاع العام. وحتى يتحرر الناس في أقواتهم ، فيتحرروا في عبادتهم .

14. الحث على صيام رمضان وقيامه ، وصيام النافلة ، وإحياء سنة الاعتكاف وتنظيمها بما يحقق المقصود من الاعتكاف ، وبما يتيح فرصةً للإكثار من تلاوة القرآن ، والإلتزام بالقيام وسنة الضحى وسائر النوافل ، والتحلي بالأخلاق الإسلامية ، وآداب التعامل الشرعية. وحضور الدروس العلمية النافعة .

15. الحث على الحج والعمرة والعمل على المتابعة بينهما ، وفق ما يتيسر من الفرص ، والعمل على تنظيمها ، والاستفادة منها تعليماً ، وتربية ، ودعوة ، وسلوكا ، وأخلاقاً .

16. الحث على الدعوة ، والمساهمة فيها ، والتعلم لآدابها ، والتعاون بين المسلمين على تحقيقها والمشاركة فيها. والممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الضوابط الشرعية.

17. حماية الدستور الإسلامي والنظام الإسلامي في البلاد ، وتقديم النصح والمشورة لولاة الأمور.

18. تشجيع المرأة على تعلم دينها ، وإقامة الجمعيات النسوية الدعوية ، والخيرية ، والتعليمية ، ودعوتها للتمسك بدينها وأخلاقها .

19. الإهتمام بأمر المسلمين ، ودعوتهم إلى توحيد صفوفهم ، وجمع كلمتهم على المستوى القطري ، والإقليمي ، والعالمي .

20. مناصرة قضايا المسلمين الفردية والجماعية بحسب القدرة المستطاعة .

 

توصيات لأعضاء الندوة

  إذا كنا نعرف أهمية الإيمان في الدين والدنيا ، واستعرضنا بعض الأهداف الهامة التي يجب على كل مسلم أن يساهم فيها ، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا ، وأوصي نفسي وإخواني بما يلي :

1. أن نعاهد الله على الدعوة إلى الإيمان ، والعمل على نشر علومه ، وتقويته وزيادته .

2. أن نقرر أن تكون هذه الندوة سنوية ، حتى نتمكن من التشاور في الأهداف والوسائل والأساليب التي تخدم الإيمان في مجتمعنا .

3. أن نشكل لجنة لمتابعة توصيات الندوة ، وقراراتها من العلماء وأهل الاختصاص .

4. العمل على إنشاء مركز للبحوث والدراسات الإيمانية ، تشارك فيه جميع الجماعات والمؤسسات الإسلامية تحت إشراف نخبة من العلماء العاملين ، ويقوم المركز بإعداد البرامج المطلوبة لخدمة الإيمان وتقويته وزيادته ، وتقديمها للجمعيات ، والمنظمات ، والهيئات والمدارس الإسلامية للإنتفاع بها في برامجها كل بما يناسبه. ويقوم الحاضرون باختيار عدد من العلماء يقومون بالتحضير لإنشاء مركز البحوث ، والدراسات الإيمانية ، ودعوة أهل الاختصاص لاستكمال خطوات التكوين والإشهار على أن تعمل اللجنة بالتعاون مع جميع الهيئات والمنظمات ، والجمعيات ، والمؤسسات الإسلامية الراغبة في المشاركة . 

 

 -----------------------

(1) نتقدم بالشكر للأخوين : عبدالواحد الخميسي وعلي محمد البهجي لمساهمتهما في إنجاز البحث .

(2) مثل إقامة المزارع والمتاجر ، والمعامل ، والمصانع ، والمستشفيات والمدارس ، والمشاغل والشركات التعاونية والخاصة والمساهمة .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
محاور ندوة تقوية الإيمان وزيادته
الأحد 27 يناير 2013

محاور ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

 

المحور الأول : أهمية الإيمان وضرورة تقويته وزيادته:

1-     تعريف الإيمان .

2-     أهمية الإيمان وثماره في الدنيا والآخرة .

3-     أهمية الإيمان في حياة الفرد والأسرة والمجتمع .

4-     زيادة الإيمان ونقصه .

5-     مظاهر ضعف الإيمان اليوم وأسبابها .

6-     الحاجة إلى تقوية الإيمان وزيادته .

المحور الثاني : تقوية الإيمان وزيادته اعتقاداً:

أولاً : تقوية وزيادة الإيمان بلا إله إلا الله :

أ ـ براهين الإيمان بالله :

1-     معجزات الرسل .

2-     آيات الله في الكون .

3-     آيات الله في الأنفس .

4-     إجابة الدعاء للسائلين المخلصين .

5-     الأدلة العقلية .

6-     أدلة الفطرة .

ب ـ معنى ومقتضيات شهادة لا إله إلا الله :

1-     العلم بأسماء الله وصفاته .

2-     استحقاق الله للعبادة .

3-     البراءة من الشرك الأصغر والأكبر .

4-     محبة الله تعالى وطاعته.

5-     محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطاعته .

6-     التسليم المطلق لكل ما جاء من عند الله .

7-     القيام بالأعمال الصالحة .

8-     الولاء والبراء .

ثانياً : تقوية وزيادة الإيمان بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم :

1 ـ العلم بدلائل نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

أ ـ المعجزة القرآنية:

-       الإعجاز العلمي.

-       الإخبار بالغيب .

-       الإعجاز البلاغي .

-       الإعجاز التشريعي .

-       الإعجاز العددي .

-       خصائص القرآن المعجزة.

-       المعجزات الحسية الخارقة التي أثبتها القرآن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .

ب ـ البشارات في الكتب السابقة .

ج ـ إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب الذي تحقق في الماضي ويتحقق في عصرنا.

د ـ أنواع المعجزات الخارقة الثابتة في السنة الموثقة بأقوى طرق التوثيق .

هـ- شهادة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم بصدق رسالته.

2 ـ مقتضى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم :

-       الإيمان بصدقه وصدق رسالته.

-       محبته صلى الله عليه وسلم .

-       اتباعه وطاعته والاقتداء به .

-       التسليم لما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم .

-       ترك الابتداع .

-       الانتصار لدين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

3 ـ الرد على الشبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم :

ثالثاً : تقوية وزيادة الإيمان بالملائكة :

1-     أدلة الإيمان بالملائكة.

2-     صفات الملائكة الخَلقية والخُلقية .

3-     أهمية الإيمان بالملائكة .

4-     أعمال الملائكة .

5-     مقامات الملائكة .

6-     موقف الملائكة من المؤمنين .

7-     موقف الملائكة من العصاة .

8-     موقف الملائكة من الكافرين .

9-     حقوق الملائكة على المؤمنين .

10-    ثمار الإيمان بالملائكة .

رابعاً : تقوية وزيادة ي الإيمان بالكتب :

1-     أدلة الإيمان بالقرآن .

2-     حفظ القرآن وسلامته من التحريف .

3-     الكتب المذكورة في القرآن .

4-     تحريف الكتب السابقة .

5-     تصديق القرآن لها وهيمنته عليها .

خامساً : تقوية وزيادة الإيمان بالرسل :

1-     الحكمة من إرسال الرسل .

2-     أدلة الإيمان بالرسل .

3-     معجزات الرسل .

4-     الأمم التي أرسل إليها الرسل .

5-     تعدد الرسل واتحادهم في أصول الدين واختلاف شرائعهم .

6-     الرد على الشبهات حول الرسل .

7-     ختم الرسالات .

سادساً : تقوية وزيادة الإيمان باليوم الآخر:

أ ـ أدلة الإيمان باليوم الآخر النقلية والعقلية .

ب ـ مقدمات اليوم الآخر ( أشراط الساعة).

ج ـ وصف منازل الآخرة:

1-         الموت .

2-         الحياة البرزخية .

3-         قيام الساعة .

4-         البعث .

5-         الحشر .

6-         الحساب والميزان .

7-         الحوض والصراط .

8-         الجنة وأهلها .

9-         النار وأهلها .

10-    أهل الأعراف .

11-    الشفاعة والخلو .

د ـ أهمية الإيمان باليوم الآخر .

هـ- ثمار الإيمان باليوم الآخر .

و ـ الرد على الشبهات حول الإيمان باليوم الآخر .

سابعاً : تقوية وزيادة الإيمان بالقضاء والقدر:

أ ـ تعريف القضاء والقدر وأدلته العقلية والنقلية.

ب ـ مراتب القضاء والقدر:

1- العلم .         2- الكتابة         3- المشيئة .          4- الخلق .

ج ـ المحو والإثبات .

د ـ الإمساك عن ما لا يجوز الخوض فيه في باب القدر ، والحكمة من ذلك:

هـ- ثمار الإيمان بالقضاء والقدر .

و ـ الرد على الشبهات حول القضاء والقدر .

ثامناً : تقوية وزيادة الإيمان بكل ما جاء من عند الله:

أ ـ العلم بأدلة الإيمان بالله ورسوله ووضوحها (مانع من الشك فيما جاء من عند الله) .

ب ـ إظهار أدلة العقائد وإبطال الشبهات الواردة عليها (مانع من التشكيك) .

ج ـ بيان حِكَم التشريع .

المحور الثالث : الرد على الشبهات :

أ ـ حصر الشبهات الشائعة حول الإيمان والرد على ثلاث منها.

ب ـ سرد الشبهات المحصورة بين بعض الفئات والرد على ثلاث منها .

المحور الرابع : تقوية وزيادة الإيمان قولاً :

أ ـ الإكثار من ذكر الشهادتين والدعوة إليهما .

ب ـ الإكثار من تلاوة القرآن وتعليمه .

ج ـ المحافظة على الأدعية والأذكار المأثورة ونشرها .

د ـ الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

هـ- كيفية الاستفادة من وسائل الإعلام والتعليم والتوجيه .

و ـ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ز ـ نشر العلم بالدين ..

المحور الخامس : تقوية وزيادة الإيمان عملاً :

أ ـ أعمال القلوب :

1-     محبة الله عز وجل .

2-     تعظيم حرمات الله .

3-     الإخلاص .

4-     اليقين .

5-     الصدق .

6-     التوكل .

7-     الخوف والوجل .

8-     الرجاء .

9-     الشكر .

10-    الصبر .

11-    الرضا .

12-    الإحسان .

13-    الخشوع

14-    التوبة .

15-    المراقبة .

16-    التفكر .

17-    تدبر القرآن .

18-    المحاسبة للنفس .

19-    الاعتصام .

20-    الورع .

21-    الزهد .

22-    اليقظة والبصيرة والعزم.

23-    الاستقامة .

24-    الشوق إلى الله

25-    اجتناب المحرمات .

26-    سلامة الصدر من الحسد والرياء والعجب والغل والنفاق.. الخ .

27-    محبة النبي صلى الله عليه وسلم .

28-    تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم .

29-    شح المرء بدينه وحرصه عليه .

30-    تعديد نعم الله عز وجل .

31-    تعظيم أعراض وحرمات الناس وعدم الوقوع فيها ..

32-    السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة..

33-    محبة المسلمين ..

34-    الحياء من الله ومن الناس.

35-    قصر الأمل .

36-    الغيرة على العرض وعلى الدين وعلى الحرمات..

37-    أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه .

38-    الذكر .

39-    التذكر .

40-    التبتل .

41-    الشوق إلى الجنة .

42-    الرغبة إلى الله .

43-    الرأفة والرحمة .

44-    التواضع .

45-    الأمانة .

46-    الثقة .

47-    الإيثار .

48-    سعة الصدر.

49-    السكينة والطمأنينة.

ب ـ الأعمال التي تقوي الإيمان :

1-     الصلاة وكيفية إقامتها.

2-     إحياء السنن.

3-     قيام الليل .

4-     الحج والعمرة .

5-     الصيام والاعتكاف .

6-     قراءة القرآن .

7-     الزكاة والصدقات والتكافل بين المسلمين .

8-     الصلاة على الجنازة وزيارة القبور .

9-     الجهاد في سبيل الله .

10-    المرابطة في سبيل الله .

11-    امتثال الهدي النبوي في المطعم والمشرب والملبس .

12-    حسن الخلق .

13-    عيادة المريض .

14-    طلب العلم .

15-    الخروج في سبيل الله .

16-    الأخذ بالعزائم .

17-    الكسب الحلال .

18-    بر الوالدين .

19-    صلة الأرحام

20-    الإحسان إلى الأقارب.

21-    إكرام الجار .

22-    إكرام الضيف .

23-    الجود والسخاء .

24-    الرحمة بالصغير وتوقير الكبير .

25-    الإصلاح بين الناس.

26-    الطهارة والمحافظة على الوضوء .

27-    الكفارات الواجبة في الجنايات.

28-    حفظ اللسان وفضل الصمت .

29-    أداء الأمانة .

30-    الاقتصاد في النفقة.

31-    التقرب إلى الله بالذبائح المشروعة.

32-    الثبات للعدو وترك الفرار منن الزحف .

33-    أداء خمس المغنم إلى الإمام .

34-    الإيفاء بالعقود .

35-    مباعدة الكفار والمفسدين والظلمة .

36-    الستر على من ابتلي بمعصية .

37-    الإعراض عن الغلو .

38-    اجتناب المحرمات والمكروهات واتقاء الشبهات.

39-    اجتناب التشبه بالكافرين فيما يخالف الشرع.

40-    نبذ العصبيات الجاهلية .

41-    القيام بحقوق المسلمين ونصرتهم .

42-    تعظيم حرمات المسلمين واجتناب أذيتهم ورد المظالم.

43-    اجتناب الملاهي وأماكنها .

44-    طاعة أولي الأمر .

45-    التمسك بالجماعة .

46-    الحكم بين الناس بالحق وفقاً للشريعة .

47-    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

48-    اجتناب الإيذاء القتل والعدوان على النفوس .

49-    اجتناب السرقة والمماطلة في قضاء الدين .

ج ـ معوقات العمل وكيفية التغلب عليها .

1-     ضعف اليقين.

2-     الشبهات .

3-     الصحبة السيئة والبيئة الفاسدة .

4-     المشاغل عن العمل الصالح .

5-     وساوس الشيطان .

6-     الهوى .

7-     الجهل .

8-     الغفلة .

9-     الكبر.

10-    النفاق .

11-    العصبيات الجاهلية .

12-    التقليد المذموم .

13-    التسويف وطول الأمل .

14-    الأمن من عقاب الله .

15-    البدعة والغلو .

16-    حب الدنيا وإيثارها على الآخرة .

 

المحور السادس : نواقض الإيمان :

أ ـ نواقض الإيمان الاعتقادية .

ب ـ نواقض الإيمان القولية .

ج ـ نواقض الإيمان العملية .

د ـ ضوابط وموانع التكفير .

المحور السابع : الدعوة إلى الإيمان وإلى تقويته وزيادته :

أ ـ وجوب الدعوة إلى الإيمان وأهميتها.

ب ـ إعداد الداعية إلى الإيمان:

1)     إعداد الدعاة المؤهلين علماً وعملاً.

2)     مقترح إنشاء معهد لإعداد دعاة الإيمان .

3)     مقترحات أخرى لإعداد وتأهيل الدعاة .

ج ـ أساليب تبليغ الدعوة الإيمانية:

1)     الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .

2)     المحاورة والمجادلة بالتي هي أحسن .

3)     الترغيب والترهيب .

4)     التحبب إلى الناس .

د ـ وسائل الدعوة إلى الإيمان :

1)     خطبة الجمعة.

2)     المحاضرات .

3)     الدروس.

4)     الندوات .

5)     دور العلم.

6)     وسائل الإعلام المعاصرة :

* الانترنت (الشبكة المعلوماتية).

* الصحف .

* القنوات الفضائية .

* وسائل العرض والإيضاح .

* الشريط الإسلامي.

7)     الرحلات .

8)     التأليف والكتابة .

هـ أماكن الدعوة إلى الإيمان :

1-     المساجد .

2-     الأندية .

3-     المدارس .

4-     الجامعات .

5-     المقايل .

6-     المجالس العامة .

7-     المستشفيات .

8-     الإصلاحيات والسجون .

9-     المعسكرات .

10-    أماكن المناسبات .

11-    وسائل النقل .

12-    البيوت للآباء مع أسرهم  .. وغيرها.

و ـ التعامل مع المدعوين :

(1) أول من ندعو :

-       إقناع العلماء والأئمة والخطباء بتبني دعوة تقوية الإيمان وزيادته .

-       دعوة أفراد الأسرة والعشيرة والأقرباء .

-       دعوة الأصدقاء والزملاء والجيران .

-       دعوة الزعماء والمؤثرين في المجتمع والجماعات والأحزاب لتبني تقوية الإيمان وزيادته.

-       دعوة عامة الناس .

-       الدعوة في أماكن تجمعات الناس .

-       الدعوة في صفوف النساء .

(2) التعامل مع المستجيبين:

أ ـ حسن الرعاية وخفض الجناح .

ب ـ التعليم للمستجيب:

-       تثبيت الإيمان .

-       تحقيق العبادة .

-       التنقية من الشبهات .

-       تزكية النفس .

-       تقويم السلوك .

ج ـ تحقيق معاني الإخوة والتكافل .

د ـ تحقيق الولاء والبراء في النفس .

هـ التدرج مع المستجيب والارتقاء به علماً وعملاً .

و ـ زيارة المستجيبين وتقديم الهدايا وتفقد أحوالهم .

(3) البرامج العملية للمستجيبين :

أ ـ كيفية التربية على أركان الإيمان وتحقيقها في المستجيبين.

ب ـ كيفية التربية على شعب الإيمان وتحقيقها في المستجيبين .

ز ـ موضوعات الدعوة الإيمانية:

قال تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .

أ ـ نشر تلاوة القرآن في المجتمع .

1 ـ توسيع دائرة تلاوة القرآن :

-       إقامة مدارس تحفيظ القرآن الكريم .

-       إقامة حلقات القرآن في المساجد .

-       إقامة ورد القرآن في كل أسرة .

-       إقامة مراكز لتأهيل معلمي القرآن الكريم .

-       الدعوة إلى الالتزام بورد يومي من القرآن لكل فرد .

2 ـ كيفية جمع الجهود الرسمية والشعبية لنشر تلاوة القرآن وتعليمه:

·      مسابقات الحفظ للقرآن الكريم.

·      التشجيع على تلاوة القرآن وحفظه .

·      إحياء القراءات المتواترة .

·      تعليم ونشر آداب التلاوة .

·      المطالبة بقناة وإذاعة لتلاوة القرآن ونشر علومه .

ب ـ تزكية النفوس :

·      منهج مقترح لتزكية الداعية .

·      منهج مقترح لتزكية المدعو .

·      الطرق العلمية لتحقيق التزكية .

·      المحافظة على تزكية الداعية والمدعو والارتقاء في مدارجها.

·      المنهج النبوي في التزكية .

·      الاستفادة من مدارس تزكية النفس عند المسلمين وتجنب أخطائها.

·      أهمية دور المربي القدوة في التزكية.

ج ـ تعليم الكتاب والسنة :

1 ـ مالا يسع المسلم جهله :

في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك.

2 ـ ما لا يسع المسلم جهله في الحقوق والواجبات :

·     ما لا يسع التاجر جهله .

·     ما لا يسع الزوجين جهله.

·     ما لا يسع الموظف جهله .

·     ما لا يسع الآباء والأبناء جهله .

3 ـ كيفية تعليم ما لا يسع المسلم جهله :

·     إقامة حلقات تعليمية في المساجد .

·     إعداد مناهج وبرامج تعليمية في المؤسسات التعليمية .

·     إعداد وتقديم برامج في المؤسسات الإعلامية .

·     إقامة حلقات أسرية في البيوت .

·     إقامة دورات لتأهيل معلمي الواجبات .

·     حث المتعلمين على تعليم ما لا يسمع المسلم جهله.

·     حث العامة على تعلم ما لا يسمع المسلم جهله.

4 ـ كيفية إعداد العلماء :

·     إقامة الحلقات العلمية المسجدية .

·     إقامة مراكز لإعداد العلماء .

·     إنشاء المعاهد التعليمية.

·     إنشاء الجامعات .

المحور الثامن : التمويل والمساهمة في نشر دعوة الإيمان :

1-     حث الناس على الكسب الحلال.

2-     التعاون على مشاريع الكسب الحلال .

3-     التمويل الذاتي لمشاريع الدعوة .

4-     الحث على الإنفاق وتبني المشاريع الدعوية .

5-     إقامة الأوقاف الخاصة للإنفاق على مشاريع الدعوة.

6-     تبني مشاريع الصدقات الجارية .

7-     إقامة الجمعيات الخيرية الخاصة لتبني مشاريع الدعوة .

8-     الحث على إقامة المعاهد المهنية .

9-     رصد استثمارات قائمة لصالح الدعوة .

10-    تشجيع الأعمال والصناعات المنزلية .

المحور التاسع : معوقات الدعوة إلى الإيمان والحلول المقترحة :

أ ) المعوقات الذاتية في الداعية وكيفية معالجتها:

1-     ضعف اليقين والتوكل .

2-     العجب والغرور والكبر .

3-     العادات السيئة .

4-     الوهن .

5-     نقص العلم الشرعي فيما يدعو إليه .

6-     أهواء النفس .

7-     قلة التجربة .

8-     ضعف الإعداد للداعية علمياً وعملياً .

9-     التنازع بين الدعاة .

10-    نقص الإمكانات المادية .

11-    اقتراف المعاصي .

ب ـ المعوقات الذاتية عند المدعو وكيفية معالجتها :

1-     الشبهات .

2-     البيئة الفاسدة .

3-     الصحبة السيئة .

4-     العصبية العمياء .

5-     الجهل .

6-     الغفلة .

7-     الكبر .

8-     أمراض القلوب .

9-     التأثر بأفكار ودعايات أعداء الإسلام .

10-    الشهوات المحرمة واقتراف المعاصي .

ج ـ المعوقات الداخلية :

1-     الجهل .

2-     التقليد الأعمى للغرب .

3-     الدعوات والأحزاب المنظمات العلمانية .

4-     العصبيات الجاهلية والأعراف القبلية التي تخالف الشريعة.

5-     الأفكار البدعية (البدع).

6-     الأنظمة المخالفة للشريعة .

7-     الاستجابة للضغوط الخارجية.

8-     المنافقون .

9-     الحروب القبلية .

10-    النزاعات الفكرية .

11-    النزاع والخصومات بين علماء الإسلام ودعاته .

د ) المعوقات الخارجية :

1 ـ كيد الكافرين لمحاربة الإسلام :

· في مجال التعليم .

· في مجال الإعلام .

· في مجال السياسة .

· في مجال الاقتصاد .

· في مجال المرأة .

· في مجال الشباب .

· في المجال العسكري .

2 ـ حملات التنصير .

3 ـ حركات الاستشراق .

4 ـ محاربة العلماء ودعاة الإسلام .

5 ـ إلصاق التهم الكاذبة بدعاة الإسلام .

المحور العاشر : تعمير المساجد وإحياء رسالتها:

1-     الدعوة إلى بناء المساجد .

2-     إقامة المحلقات اللازمة للمسجد .

3-     تأهيل الأئمة والخطباء.

4-     إنشاء مكتبة مسجدية .

5-     رصد الأوقاف للمساجد .

6-     نظافة المسجد .

7-     إقامة الصلاة .

8-     إحياء الاعتكافات .

9-     إعداد وتأهيل الأئمة والخطباء والعلماء .

10-    إقامة الدروس والمواعظ .

11-    إقامة الحلقات القرآنية والعلمية .

12-    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

13-    زيارة الناس ودعوتهم إلى المسجد .

14-    الإصلاح بين الناس.

15-    مساعدة الفقراء والمساكين.

المحور الحادي عشر : الموقف من النوازل والحوادث المتجددة :

أ ـ إقامة مركز الدراسات الإيمانية والفقهية والدعوية .

ب ـ مواصفات العلماء القائمين على هذا المركز .

ج ـ أقسامه المقترحة .

د ـ وسائله المقترحة .

المحور الثاني عشر : واجب الأمة في تقوية وزيادة الإيمان :

أ ـ أدلة الوجوب .

ب ـ واجب العلماء والدعاة .

ج ـ واجب المؤسسات الرسمية .

د ـ واجب الهيئات والمؤسسات الشعبية .

هـ- وسائل التعاون بين الهيئات الرسمية والشعبية لتقوية الإيمان وزيادته .

المحور الثالث عشر : الجهة المرشحة للقيام بهذا الأمر :

أ ـ "ندوة الإيمان" اسم للجهة المرشحة .

ب ـ أهداف ندوة الإيمان .

ج ـ كيفية تكوينها .

د ـ صفات مؤسسيها .

 

 

الأخ الشيخ / ................................................... حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فتعلمون ما أحاط بالمسلمين من ضعف وانكسار بسبب ما أصابهم من الوهن مما جعل الوعود الإلهية للمؤمنين من النصر والعزة والتمكين تتأخر عن التحقيق، الأمر الذي يوجب على علماء الأمة أن يتدارسوا كيفية تقوية الإيمان وزيادته ليتحقق لهم ما وعد الله به عباده المؤمنين من فلاح في الدنيا والآخرة ، وقد قررت جامعة الإيمان الدعوة إلى عقد ندوة حول هذا الموضوع..

ونرسل لكم مع هذا محاور وموضوعات الندوة لمناقشة المحاور والموضوعات المقترحة للندوة قبل إرسالها إلى العلماء والمفكرين للكتابة في موضوعاتها ثم الاجتماع بعد ذلك لتدارس ما كتب وستكون الندوة التمهيدية بإذن الله في يوم الثلاثاء 25 / شعبان / 1424هـ .. في مركز البحوث التابع لجامعة الإيمان الساعة التاسعة صباحاً بإذن الله ..

شاكرين لكم المساهمة والحضور ..

والله يرعاكم ..

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

 

 

 

   رئيس الجامعة

عبد المجيد بن عزيز الزنداني

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
الأحد 27 يناير 2013

الإعجاز العلمي في القرآن والسنة(1)

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾ [سورة آل عمران] ، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ﴾ [سورة النساء] ، ﴿  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) ﴾ [سورة الأحزاب] .

أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

 وعد يتحقق :

 وعد الله من أنكروا أن القرآن من عند الله أن يقيم عليهم الحجة ، ويبين لهم أن القرآن من عنده سبحانه ، وذلك بأن يريهم آيات كتابه التي كذبوا بها مشاهدة في الآفاق وفي أنفسهم، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ﴾ [سورة فصلت] .

وتحقق هذا الوعد الإلهي في عصر الاكتشافات العلمية في الأنفس وآفاق الكون ، وأظهر الله بهذه الاكتشافات أن القرآن من عنده لأنه نزل بعلمه الذي أحاط بأسرار الكون في أرضه وسمائه ، كما قال تعالى : ﴿ لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ... ﴾ [النساء:166] ، أي : وفيه علمه(2) ، وكما قال تعالى : ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ [الفرقان:6] .

وتحقق هذا الوعد بعد ألف وأربعمائة عام معجزةً ، لأنه إخبار بغيب وقع بعد زمن طويل ، فتحقق وعد الله .

ووعد الله عباده أن يريهم ما أخبرتهم به آيات القرآن ، فتتم معرفتهم بحقيقة ما أخبرهم به في آياته قال تعالى : ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ... ﴾ [النمل:93] ، وقد أخبرنا الله في آياته عن أسرار الكون ، وبتقدم اكتشافات تلك الأسرار عرفنا تأويل تلك الآيات وما آلت إليه من المعاني الدقيقة التي تطابقت فيها الألفاظ مع الصور المشاهدة .

مسار البشرية يصحح :

وعندما بدأت النهضة العلمية التجريبية في أرض أوربا التي كان يسودها دين تعرض للتحريف والتبديل من قبل الكنيسة التي قدست أفكار أرسطو وخلعت عليها الصفة الإلهية ، وسرعان ما وقع الصدام بينهما وبين الاكتشافات العلمية؛ مما حمل الكنيسة على أن تشن حرباً على العلوم التجريبية ذهب ضحيتها الآلاف من قادة العلوم التجريبية الحديثة ؛ نتيجة للصدام العنيف بين الدين المحرف والعلوم الحديثة .

وبعد معركة مريرة انتصر فيها قادة العلوم التجريبية الحديثة على خصومهم من رجال الكنيسة، ساروا بالعلوم بعيداً عن الإيمان ؛ فراراً من رجال الدين ، وفرضوا الإلحاد والعلمانية، وحبسوا القسس داخل جدران الكنائس ، أو تخلصوا منهم انتقاماً لمن اضطهدتهم الكنيسة من قادة العلوم التجريبية الحديثة .

ونشروا في العالم أجمع : أن الدين والعلم ضدان لا يلتقيان، وأسسوا الحضارة المعاصرة على هذه المقولة ، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين الجاهلين بدينهم ظانين أن دين الإسلام الذي حفظه الله من التحريف كغيره من الأديان المحرفة.

وشاء الله أن يبين للناس الدين الحق الذي ارتضاه لعباده، فأراهم صدق خبر القرآن من خلال اكتشافاتهم لأسرار الأنفس والآفاق الكونية فظهرت المعجزة التي وعدنا الله بها في قوله : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ﴾ [سورة فصلت] ، وإذا بالعلوم التجريبية واكتشافاتها تثبت عدداً من القضايا وهي :

1- النصوص الدينية في التوراة والإنجيل قد تعرضت للتحريف فتصادمت مع حقائق العلم .

2- حفظ الله القرآن من أي تحريف فجاء العلم الحديث شاهداً لكل ما قرر في كتاب الله .

3- لا تناقض بين الدين الحق والعلم الصحيح .

4- بطلان دعوى الصراع بين الدين والعلم .

وانظر ما قرره قادة العلوم الحديثة عن إعجاز القرآن كما جاء على ألسنتهم في شريط : إنه الحق .

وبهذا تسقط الدعوى العلمانية التي أسست عليها الحضارة المادية الحديثة، وتعود البشرية إلى مسارها الإيماني الهادي تحت ظل حضارة إسلامية تجمع بين الدين والدنيا ، والمادة والروح ، والمصالح والأخلاق ، والوحي والعقل ، والفوز في الدنيا والآخرة ، ولقد قال البروفيسور البريطاني ـ صاحب تجربة التلقيح في الأنابيب (طفل الأنابيب) - بعد أن حضر مؤتمراً سمع وشاهد فيه آيات الإعجاز العلمي : " إذا كنتم تفكرون بهذا المنهج فإن علينا أن نتوقع ظهور حضارة عالمية جديدة "(3) .

وبهذا مكن الله علماء المسلمين من أن يبينوا للناس خطأ المسار الذي سلكته البشرية بعيداً عن الدين تحت الراية العلمانية ، كما أظهر الله للبشرية معجزة جديدة معاصرة يتمكن الإنسان من مشاهدتها وفحص حقائقها ليتبين له أن القرآن هو كتاب الله الحق ، وأن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم - هو الرسول الصادق وأن الدين عند الله الإسلام .

استقرار التأويل :

يأتي التأويل بمعنى التفسير للألفاظ والجمل وبيان معانيها كما في دعاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل(4) " . 

ويأتي بمعنى الوقوع أو المشاهدة كما في قوله تعالى على لسان يوسف ـ عليه السلام ـ : ﴿...هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا...﴾ [يوسف:100] ، أي : تحققت الرؤيا .

وكما في قوله تعالى : ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ... ﴾ [النمل:93] ، فإذا رؤيت الآية عرف الناس حقيقتها واستقر عندهم تأويلها .

ولهذا أثره في عمق الفهم ودقته لآيات القرآن التي كان تأويلها يتردد بين عدد من أقوال المفسرين، فيستقر التأويل بمشاهدة الحقائق المتعلقة بالآية الكريمة ، كما قال تعالى : ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:67] ، أي : أن العلم الذي كان غائباً عنكم عن حقيقة الآية سوف يتجلى عندما يأذن الله بمشاهدة تلك الآية ، فتعلمون معناها وحقيقتها ، كما قال سبحانه: ﴿ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا... ﴾ [النمل:93] .

الرد على المكذبين بحقائق بعض الآيات القرآنية :

قال تعالى : ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ...﴾ [يونس:39]  ، يخبرنا الله عن طائفة من الكافرين الذين يكذبون ببعض آيات القرآن التي نزلت بعلم الله الشامل الكامل ، وعجز علمهم البشري المحدود عن الإحاطة بعلم الله فكذبوا الآية ، فبين الله أن السبب عند هؤلاء المكذبين يرجع إلى أن تأويل هذه الآية لم يقع بعد . فإذا أظهر الله الآية للناس فوقعت أو تمكنوا من مشاهدتها سقط ذلك التكذيب .

ومن ذلك ما كان يروجه العلمانيون من اعتراض على جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين فأرى الله الناس في عام 1990م أن المرأة إذا تكلمت شغل الكلام جزءاً من ذاكرتها الذي ربما تكون المعلومة مخزونة فيه ، فتظل المعلومة عن صاحبتها بسبب انشغال جزء من الذاكرة بالكلام ، فتحتاج إلى امرأة ثانية تذكرها ، كما قال تعالى : ﴿ ... أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ... ﴾ [البقرة:282] .

بينما الرجل يتميز بمركز

خاص بالكلام ومركز آخر متخصص بالذاكرة فإذا تكلم فلا يؤثر كلامه في ذاكرته وبهذا يتبين لنا الحكمة في تقرير شهادة الرجل بشهادة امرأتين .

ومن هذا الباب ما كان يروجه الكفار ولا يزالون من إنكار إمكانية البعث بعد أن يكون الناس تراباً ، فكشف الله للعلماء أن عجب الذنب الذي يخلق منه الإنسان لا تأكله الأرض، ويبقى محتفظاً بخصائص أجسام البشر وقابلاً لإعادة الخلق مرة أخرى، كما ظهر أخيراً في بحث الإعجاز في عجب الذنب. فمشاهدة الآيات ترد على من كذب بها .

رفع بعض الإشكالات عند المفسرين وشراح الحديث :

وقد يقع المفسرون بعلمهم البشري المحدود أمام حيرة في فهم الحقائق والكيفيات المتعلقة ببعض آيات القرآن التي نزلت بالعلم الإلهي الكامل ، فتأتي المشاهدة لحقائق تلك الآيات مبينة لها رافعة لما قد وقع من أشكال في تفسيرها ، ومن أمثلة ذلك :

1 ـ عندما وقف المفسرون عند قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ [الفرقان:53] .

أشكل عليهم : الحجر المحجور ، الذي يقع بين النهر والبحر ، فقالوا : بأن كلاً من البحرين إذا التقيا يقول كل منهما للآخر : حجراً محجوراً . فلم يتخيلوا أنه منطقة فاصلة بين البحرين : العذب والملح ، كما هو ظاهر الآية ، وأولوه إلى كلام ينطق به كل بحر لصاحبه ، فجاء الكشف العلمي ليبين للناس دقة الخبر القرآني وحقيقة ذلك الحجر المحجور ، بأنه يتكون بين الماء الملح الأجاج في البحر والعذب الفرات في النهر في منطقة المصب الممزوجة بالملوحة والعذوبة والتي تفصل دائماً بين الماء العذب الفرات في النهر والماء الملح الأجاج في البحر ، فكشف العلم الحديث أن لمياه البحر الملح كائنات حية خاصة بها من الأسماك والنباتات ، فإذا أدخلت إلى مياه المصب تموت بسبب اختلاف الضغط التناضحي (الأسموزي) بين الماءين ، كما اكتشف العلم الحديث أن لمياه البحر العذب (النهر) كائنات من النباتات والأسماك خاصة به إذا أدخلت إلى ماء المصب تموت، فمياه منطقة المصب محجورة على الكائنات الحية في كل من ماء البحر وماء النهر .

والكائنات الحية في منطقة المصب لا تستطيع الخروج من ماء المصب لا إلى البحر ولا إلى النهر فلو خرجت تموت لنفس السبب السابق ، وهو الاختلاف في درجة الضغط التناضحي  ، فمنطقة المصب إذاً حجر على ما فيها من الكائنات، محجورة على ما بخارجها من الكائنات فهي بذلك حجر محجور كما وصف القرآن، فتتجلى الحقيقة ويرتفع الإشكال وتظهر الكيفية .

2 ـ وأخبر القرآن أن الناصية عند الإنسان هي الكاذبة  وهي الخاطئة في قوله تعالى عن ناصية أبي جهل : ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ [العلق:16] ، فمن المفسرين من توقف في تفسيرها ، ومنهم من قال : المقصود من الآية ناصيةِ كاذبٍ خاطئٍ، فصاحبها هو الكاذب وهو الخاطئ ، وليست الناصيةُ، لأن الناصية لا تنطق فكيف تكذب؟! ولا تجترح السيئات فكيف تكون خاطئة ؟! وجاء التقدم العلمي ليكشف الحقيقة ، ويبين الأسرار المحجوبة عن علم البشر وعلم المفسرين عبر القرون، وذلك باكتشاف أن المخ الذي يقع في الناصية (الفص الجبهي) هو مكان اتخاذ القرار بالكذب أو الخطيئة، فتبين بذلك دقة الوصف القرآني للناصية بأنها الكاذبة والخاطئة ورفع بذلك الإشكال .

3 ـ ومثال ذلك في الحديث النبوي : ما وقع من إشكال عند شراح الحديث في حديث عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عند البخاري ومسلم ، ولفظه عند البخاري : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك .. » الحديث .

فأوحى ذلك للشراح أن زمن النطفة أربعون يوماً، وأن العلقة تأخذ فترة أربعين يوماً أخرى، وكذلك زمن المضغة يكون أربعين يوماً ، فيكون المجموع مائة وعشرين يوماً . وهذا يشكل مع حديث حذيفة بن أسيد الغفاري عند مسلم والذي فيه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها . ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى ؛ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك »(5) .

ففي حديث حذيفة أن العظام تتكون بعد اليوم الثاني والأربعين وهي لا تكون إلا بعد مرحلة المضغة التي لا تكتمل إلا بعد مائة وعشرين يوماً كما في حديث عبدالله بن مسعود .

 فجاءت الاكتشافات العلمية لتبين دقة الأوصاف والأسماء القرآنية والنبوية للنطفة، والعلقة، والمضغة(6)، كما بينت أنها تجتمع كلها في الأربعين يوماً الأولى، وأن لكل من النطفة والعلقة والمضغة حصتها من الأربعين يوماً كما هو المفهوم من لفظ حديث عبدالله بن مسعود عند مسلم ، ونصه : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك .. » الحديث ، أي : أن الإنسان يجتمع خلقه في الأربعين يوماً الأولى ، ويكون في ذلك الجمع كعلقة مكتملة (مجتمعة الخلق) ويكون كذلك كمضغة مجتمعة الخلق في نفس زمن جمع الخلق ، أي : الأربعين يوماً الأولى ، وهكذا يرتفع الإشكال بين حديث عبدالله بن مسعود وحديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنهما.

فتح أبواب السبق العلمي عند المسلمين :

ومن فوائد أبحاث الإعجاز العلمي : أنها تدفع المسلمين إلى ولوج ميادين الأبحاث العلمية التجريبية بدوافع إيمانية، مما يمكنهم من السبق العلمي لوجود نصوص هادية لهم في أبحاثهم كما بدأ ذلك يتجلى في أبحاث الطب النبوي .

آثار الإعجاز العلمي عند غير المسلمين :

لقد كانت العلوم التجريبية سبباً في صرف الناس عن الأديان المحرفة وستكون ـ بإذن الله ـ سبباً لدخولهم في الإسلام ، وقد تجاوب عدد من كبار علماء العالم من غير المسلمين مع هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، فحضروا عدداً من المؤتمرات الدولية عن الإعجاز العلمي، وألقوا بشهاداتهم بأن العلم الذي تضمنته آيات القرآن ، وأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مجال اختصاصاتهم لا يمكن أن يكون إلا من عند الله، وهذه بعض شهادتهم التي ألقوها في عدد من المؤتمرات : يقول البروفيسور كيث. إل .مور : وهو من أشهر علماء الأجنة في العالم ، وله كتاب في علم الأجنة مترجم إلى سبع لغات ، " ويتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله ، لأن كل هذه المعلومات لم تكتشف إلا حديثاً وبعد قرون عده وهذا يثبت لي أن محمداً رسول من عند الله " ، ثم قال : "فإن أوصاف الأجنة البشرية في القرآن لا يمكن بناؤها على المعرفة العلمية للقرن السابع ، فالاستنتاج الوحيد المعقول هو أن هذه الأوصاف أوحيت إلى محمد – صلى الله عليه وسلم- من الله .

وقال البروفيسور تاجاتات تاجاسن : عميد كلية الطب بجامعة تشانج ماي بتايلاند وهو من أشهر علماء تايلاند : " أؤمن أن كل شيء ذكر في القرآن منذ 1400سنة لابد أن يكون صحيحاً ، ويمكن إثباته بالوسائل العلمية، وحيث إن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يستطع القراءة أو الكتابة فلا بد أنه – صلى الله عليه وسلم – رسول جاء بهذه الحقيقة التي أوحيت إليه من خالق عليم بكل شيء ، هذا الخالق لابد أن يكون هو الله ، ولذلك فإنني أعتقد أنه حان الوقت لأن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " .

وقال البروفيسور الفريد كرونر : وهو من أشهر علماء ألمانيا في الجيولوجيا : " وأن كثيراً من القضايا المعروفة فيه

(أي في القرآن) في ذلك الوقت لم يكن من الممكن إثباتها ، ولكن الوسائل العلمية الحديثة الآن في وضع تستطيع فيه أن تثبت ما قاله محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ 1400سنة ، ثم قال : " لأن العلماء قد اكتشفوا ذلك فقط خلال السنوات القليلة الماضية بوسائل معقدة جداً ومتقدمة تكنولوجيا " .

وقال البروفيسور مارشال جونسون مدير معهد دانيال وهو من أشهر علماء الأجنة في أمريكا : " إنني لا أرى سبباً ولا دليلاً على حقيقة تفنيد مفهوم هذا الفرد محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي كان لابد وأنه يطور هذه المعلومات في مكان ما ، وكذلك فإنني لا أرى شيئاً يتضارب مع مفهوم أن التدخل الإلهي كان مشمولاً فيما كان باستطاعته أن يبلغه " .  

وقال البروفيسور يوشيدي كوزاين : مدير مرصد طوكيو باليابان : " قلت إنني متأثر جداً باكتشاف الحقيقة في القرآن " . ثم قال : " ولذلك بقراءة القرآن وبإجابة الأسئلة اعتقد أنني أستطيع أن أجد طريقاً مستقبلياً للبحث في الكون " .

وقال البروفيسور جولي سمسون : وهو من أشهر علماء الأجنة والوراثة في أمريكا : " وجاء القرآن بعد سنوات من ذلك مؤيداً كما تطرقنا إليه مما يدل على أن القرآن هو كلام الله " .

وقال البروفيسور هي : وهو من أشهر علماء البحار في أمريكا : " إنني أجد من المثير جداً أن هذا النوع من المعلومات موجود في آيات القرآن الكريم " ، ثم قال : " اعتقد أنه لابد وأن يكون من الله ".

وقال البروفيسور تي .إف .إن. برساد : وهو من أشهر علماء الأجنة وأمرض النساء في كندا : " إن محمداً - صلى الله عليه وسلم – كان رجلاً عادياً جداً ولم يكن يستطيع أن يقرأ ولا يستطيع أن يكتب بل كان في الواقع أمياً ، ونحن نتحدث أنه كان منذ 1300سنة رجلاً أمياً يدلي ببينات وتصريحات عميقة ودقيقة بصورة مدهشة وذات طبيعة علمية" . ثم قال : "لا أجد صعوبة في أن أوافق في عقلي أن هذا إلهام إلهي أو وحي قادم " .

وقال البروفيسور اليسون بالمر : الرئيس السابق للجمعية الجيولوجية الأمريكية : " فإن هذا يقوي الاعتقاد بأن الله قد أرسل من خلال محمد - صلى الله عليه وسلم – مقادير ضئيلة من علمه اكتشفناها فقط في الأزمنة الحديثة ، إننا نتطلع إلى حوار مستمر في موضوع العلم في القرآن في سياق الجيولوجيا " . 

وقال البروفيسور أرم. استرونج : وهو الرجل الثالث في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا : " وإنني متأثر جداً كيف أن بعض الكتابات القديمة تبدوا متطابقة مع علم الفلك بصورة ملفتة للأنظار " .

وقال البروفيسور درجا .رام : وهو أحد مشاهير علم البحار في الهند : " من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة كان موجوداً في ذلك الوقت منذ 1400سنة هجرية "، ثم قال : " ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً " .

وقال : " ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة لطبيعة خارج الإنسان لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعة ".  

وقال البروفيسور شرويدر وهو أحد المشاهير في علم البحار في ألمانيا : " أود أن أعلق على المحاضرة التي ألقاها علينا الشيخ الزنداني بالأمس وأود أن أقول لكم : إنني أقدر هذه المحاضرة في إطارٍ اجتماعي علمي كهذا لا يحتاج المرء أن يكون مسلماً حتى بالنسبة لي كمسيحي من المهم ليس فقط أن أرى العلم كما هو عليه ، ولكن أيضاً أن أراه بصورة أوسع وأقارنه بالدين ، أي : أراه في إطار الدين ، في أديان كثيرة نجد أن القادة يظنون أن العلم يستطيع أن يأخذ شيئاً من الدين ، إذا كان العلم يتقدم فإن على الدين أن يتقهقر ، هنا لدينا تناول مختلف تماماً لقد أراني الشيخ الزنداني : أن العالم في الحقيقة يؤكد ما يقوله القرآن ، وما قيل بالفعل منذ عدد من السنوات في القرآن هو حقيقة يكشفها العلماء اليوم اعتقد أنه من المهم بالنسبة لندوة كهذه أن تبلغ هذا إلى العلماء من جميع الأمم ، وإنني واثق أننا جميعاً نرجع إلى أوطاننا ونحن نفكر أكثر في العلاقة بين الدين وعلوم البحار ليس هناك علم في جانب ودين في الجانب الآخر .

وقد سمح لي البروفيسور كيث. إل. مور أن أضيف إلى كتابه العالمي في علم الأجنة إضافات إسلامية كتب مقدمتها بنفسه ، وأعلن بعض هؤلاء العلماء إسلامهم ، ومنهم من لا يزال يتكتم بإيمانه. وشاركت مع خمسة من هؤلاء العلماء من غير المسلمين في كتاب : " مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة ". كما كان الإعجاز العلمي سبباً في دخول الكثير من الباحثين في الإسلام .

آثار الإعجاز العلمي عند المسلمين :

وبتطور أبحاث الإعجاز العلمي وتأصيلها نالت القبول المشترك من علماء الإسلام ورواد العلوم الحديثة معاً ، وحظيت بالتأييد العام ، والإقبال من الباحثين والجامعات والشباب ، وقد لاحظنا زيادة الإقبال والتأثر من العامة والخاصة عند الإعلان عن محاضرات عن الإعجاز العلمي أو سماعهم لها. فهم يشاهدون اليوم أمام أعينهم معجزة جديدة تؤكد لهم بلغة عصرهم صدق إيمانهم بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

مقترحات عملية :

نظراً لأهمية الإعجاز العلمي في تثبيت عقائد المسلمين ودعوة غيرهم إلى الإسلام أتقدم بالمقترحات الآتية :

1- إنشاء فرع لهيئة الإعجاز العلمي في اليمن .

2- استمرار التواصل مع قادة العلوم الحديثة من غير المسلمين ومن أكابر العلماء المشهود لهم من المسلمين

3- مواصلة أبحاث الإعجاز العلمي وتطويرها .

4- تدريس الإعجاز العلمي في المدارس والجامعات .

5- دعوة القنوات الفضائية لإخراج هذه الأبحاث بطرق فلمية موثقة ومشوقة .

والحمد لله رب العالمين ،،،

-------------------------

(1) نتقدم بالشكر للأخوة : د. شاكر نصيف ، وعبدالواحد الخميسي ، وعلي محمد البهجي ، لمساهمتهم في إنجاز البحث .

(2) انظر سبب النزول : ابن الجوزي ، الطبري ، ابن كثير ، تفسير الجلالين .

(3) قال هذا بعد حضوره القاعة الكبرى التي خصصت في المؤتمر الطبي السعودي الثامن الذي انعقد في الرياض والذي حضره قرابة ألفي طبيب من أنحاء العالم أثناء توديع الشيخ أحمد زكي له .

(4)  أخرجه البخاري حديث رقم 143 ، ومسلم في فضائل الصحابة ، باب فضائل ابن عباس حديث رقم 2477 دون قوله "وعلمه التأويل". قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء م1 ك/ العلم. الباب الثالث، حديث رقم 5 رواه البخاري من حديث ابن عباس دون قوله "وعلمه التأويل" وهو بهذه الزيادة عند أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ورواه الطبراني في الكبير.

(5) رواه مسلم ، كتاب القدر ، ج4 ، ص2037 ح3 / 2645 ، ورواه غيره.

(6) راجع كتاب "مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة" ، للمؤلف وآخرين من كبار علماء الأجنة .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أثر الإيمان بالله في القيادة التربوية
الأحد 27 يناير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أثر الإيمان بالله في القيادة التربوية

 

1 ـ معنى الإيمان بالله:

 

الإيمان بالله هو: الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، وأنه الذي يستحق وحده أن يفرد بالعبادة: من صلاة ، وصوم ، ودعاء، ورجاء ، وخوف، وذل، وخضوع، وأنه المتصف بصفات الكمال كلها، المنزه عن كل نقص(1).

 

ومعنى ذلك: أن تعتقد أن الله لا مثيل له، ولا شريك، ولا ند، ولا يستحق العبادة غيره ، وأنه متفرد بكل الصفات الحسنة من سمع وبصر وكلام وعدل وحكمة ورحمة وعزة ومجد وقوة ، وعلم ، محيط بكل شيء ، لا يدانيه علم البشر لو اجتمعوا ، وأنه هو الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء ، وأنه له الكمال والجلال والعظمة التي يتصف بها جل وعلا (2)، حيث أن العقيدة الإسلامية تنطلق من أن الوجود بكل محتوياه محدث- أي مخلوق من عدم-  ويعني ذلك أن لكل شيء فيه بداية ، ولابد من أن تكون له نهاية، وما دام محدثاً فلابد له من محدث أحدث هذا الوجود، ومقتضيات المنطق تؤكد الوجود الأزلي والأبدي للمحدث ، فلا شيء قبله ولا شيء بعده ،(3)

 

ويؤمن المسلم بوجود الله تعالى، وأنه خالق الأرض، والسماوات، عالم الغيب والشهادة، يعلم السر وأخفى، رب كل شيء وخالقه، لا إله معه ولا رب سواه ، موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقص(4)، ووجود الله حقيقة قائمة لا وهم فيها ،فانه ينقدح في العقول حقيقة وجود خالق، ويؤكدها ما جاء به الوحي ، وأخبر به رسول الله الصادق الأمين.

 

وتقوم عقيدة المسلم على أساس أن وراء هذا الكون والإنسان والحياة خالقاً خلقها جميعاً، وخلق كل شيء، وهو الله تعالى، وأن هذا الخالق أوجد الأشياء من عدم، وهو واجب الوجود، فهو غير مخلوق، وإلا لما كان خالقاً ، واتصافه بكونه خالقاً يقضي بكونه غير مخلوق، ويقضي بأنه واجب الوجود، لأن الأشياء جميعها تستند في وجودها إليه ولا يستند هو إلى شيء (5).

 

والعقيدة بوجود الله فطرة في النفس الإنسانية، وهي شيء ضروري يحصل للإنسان كثمرة من ثمرات مواهبه العقلية ، ومن الأشياء المتفق عليها أن كل شيء له علة توجده، أو صانع يصنعه، فإذا نظر الإنسان إلى الكون واستعرض ما فيه من الكائنات حصل له علم ضروري بأن هذه الكائنات لم توجد اتفاقاً، بل لا بد لها من موجد أوجدها .. وبالنظر إلى القرآن الكريم فإن فيه نصوصاً تقيم الدليل الحسي على وجود الله ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون ﴾ [البقرة:163-164]. والآيات: جمع آية، وهي العلامة الظاهرة،وهي في هذه الآية بمعنى الدليل على وجود الله ، فقد يكون في الشيء جملة آيات من نواح مختلفة ، فمن جهة أنه أثر يدل على مؤثر فيه، ومن ناحية تسويته وإتقانه يدل على علم صاحبه وحكمته(6).

 

ومن الدلائل على وجود الله في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [ أل عمران:190-191].

 

  وقال تعالى: ﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [العنكبوت:44].

 

ولهذا كان واجباً على كل مسلم أن يجعل إيمانه صادراً عن تفكير وبحث ونظر، وأن يحكم العقل تحكيماً مطلقاً في الإيمان بالله.

 

  والدعوة إلى النظر في الكون لاستنباط سننه وللاهتداء إلى الإيمان ببارئه، يكررها القرآن مئات المرات في سوره المختلفة، وكلها موجهة إلى قوى الإنسان العاقلة تدعوه إلى التدبر والتأمل ليكون إيمانه عن عقل وبينة، وتحذره الأخذ بما وجد عليه آباءه من غير نظر فيه وتمحيص له وثقة ذاتية بمبلغه من الحق، هذا هو الإيمان الذي دعا الإسلام إليه، وهو ليس الإيمان الذي يسمونه إيمان العجائز، إنما هو إيمان المستنير المستيقن الذي نظر ونظر، ثم فكر وفكر، ثم وصل عن طريق النظر والتفكير إلى اليقين بالله جلت قدرته(7).

 

والمراد بإيمان العجائز هنا هو الذي يعتريه الغموض والإبهام لأنه نابع من أناس لا نصيب لهم من التعليم والفهم الدقيق الذي يقوم على البحث والتحليل، فهو رغم كونه يتسم بالرسوخ والقوة ـ بحيث يصعب زحزحتهم عن إيمانهم ـ إلا أن هذا الإيمان قد يتعرض لهزات عنيفة ربما تجتثه من الجذور فتعصف به عصفاً ، كأنه هشيم تذروه الرياح لأن طبيعة إيمانهم لا يقوم على البحث والتحليل.. أما إيمان العلماء فهو مكين لأنه وليد البحث والتعمق الذي يفضي بهم إلى اقتناع راسخ، بالله، فيؤمن العالم حين يؤمن عن بحث واقتناع جازم راسخ، رسوخ الطود الأشم، أو أقوى وأعظم ، لا يؤثر فيه الإغراء أو التغرير ، بل يستطيع هو أن يؤثر في المغررين.(8)

 

2 ـ أثر الإيمان بالله في القيادة التربوية:

 

يعتبر الإيمان بالله عماد الحياة ومصدر كل سعادة في الدنيا والآخرة، ومنبع كل خير، وعليه فإن القائد المؤمن يكون راضياً بالقضاء، صابراً على البلاء، شاكراً لله في الرخاء، معترفاً بوحدانية الله عز وجل، ومقراً بقدسيته وعظمته، وقلبه ممتلئ بالخوف من الله ومحبته قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون ﴾ [ الأنفال:2].

 

ويتضح مما سبق أن الإيمان بالله يطلق النفس من قيودها المادية ويسمو بها إلى الملأ الأعلى، وإذا ما كان القائد التربوي مؤمناً بالله على الوجه الصحيح، سما بإيمانه ، وترفع عن الشهوات، فيقدم لأمته كل خير وتضحية وإيثار، فلا يخش في الله لومة لائم، بل يكون قادراً على مواجهة الأخطار وتحمل الصعاب، وعدم التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة ، لأنه يستمد قوته من عقيدة راسخة وإيمان ثابت، متمثلاً قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [ آل عمران: 173 - 174].

 

وهذه حقيقة ثابتة أثبتها القرآن الكريم وأكدتها التجربة الإنسانية، فمثلاً ظهر في كل عصر، وفي بعض المجتمعات أناس تفجرت مشاعرهم بالإيمان بالله، فوقفوا حياتهم لصالح الإنسانية، وعملوا جاهدين لخدمتها، باذلين كل ما في وسعهم لهداية البشرية ، والاستبسال دفاعاً عن الحق، وإرساء دعائم الفضيلة ، لأنه الإيمان متى كمل في الإنسان دفع صاحبه إلى خوض غمار الحياة بقوة واستبسال ، وحال بينة وبين التفاني في المطالب الجسدية والتهالك عليها، والتوغل في لذائذ الحياة ومتعها ، وبذلك يصفو عيشه وتتم راحته وأمته.(9)   

 

ويرى الباحث أن القائد التربوي في عصرنا هو أشد ما يكون حاجة إلى الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله يحول بين صاحبه واقتراف المعاصي والآثام ، فإيمانه بالله يخضعه لسلطان عقيدته ويسير على مقتضى ما توجيه إليه فيما يفعل ، فإذا كان كامل الإيمان أبى عليه إيمانه أن يفعل ما ينفيه أو يترك ما يقتضيه.

 

والإيمان بالله، ينير للقائد التربوي ظلمات الحياة، فيتحمل أعباء المسئولية بأمانة، ويتغلب على صعوباتها بصبر ، ويعالج مشكلاتها برؤية ، فلا يتذمر لا يتأفف ، فإذا فشل لم ييأس وإن نجح لم يغتر ، لأنه يعلم أن الدنيا ليست كل شيء لديه، ولا هي مقصوده ومبتغاه، ويعلم أن الله على كل شيء قدير، فإن شاء أعطاه أضعاف ما ضاع منه، وإن لم يعلم له سبباً ولم يعرف له طريقاً، فليست الأسباب منحصرة فيما علم، ولا الطريق مقصورة على ما عرف، ولأنه كثيراً ما وجد الخير فيما كان يظنه شراً، وكثيراً ما وجد الشر فيما كان يظنه خيراً ، فكم مرة استتبعت الأفراح الأحزان ، والشرور السرور ، فليس هناك ما يدعوه لليأس مادام مؤمناً بالله، وليس هناك ما يخيفه أو يفزعه إذا كثرت عليه الأهوال، لأن إيمانه بالله يجعل النفس مطمئنة ، تصغر أمامها الشدائد، وتهون عليها المصائب.

 

 ما أحوجنا إلى القائد التربوي المؤمن الذي إن اعتراه مكروه صبر عليه، ورضي بقضاء الله، لأنه يعتقد أن ما أصابه لم يكن ليضره، وما ضره لم يكن ليصيبه، وأن ما يصيب الإنسان من أذى إلا كفر الله بها خطاياه ورفع بها درجة.

 

ومعروف أن الناس في هذا العصر يعيشون وسط تيارات جارفة، من الآلام والمصاعب، الناجمة عن ضعف الإيمان، ومتاعب الحياة فليصعب معها التعامل مع البشر فكيف الحال بمن يتولى قيادتهم ، أو يدير شؤون أمورهم، فإنه ما لم يكن مؤمناً بالله إيماناً كاملاً ، تتخذ من إيمانه ملجأ وملاذاً يلوذ به في الشدائد والمصاعب، كان أشقى الناس وأتعسهم ، أما إذا كان مؤمناً بالله فإنه يحيا بإيمانه حياة كلها صفاء وبهجة ولذة .

 

ولذا فإن الإصلاح الإداري مرهون بصلاح القيادات الإدارية، والتطور التربوي لن يحصل إلا بوجود قيادات تربوية مؤمنة حق الإيمان، لأنه إذا أفقرت نفوس القادة التربويين من الإيمان، ساءت المؤسسات التربوية التي يقودونها، وتدني مستوى أدائها ، وعمها الفساد والفوضى، وأظلم حاضر العاملين فيها، وضاع مستقبل الأجيال ، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [سورة الرعد: 11].

 

من أجل ذلك كانت رسالات السماء تهدف أول ما تهدف إلى إصلاح النفوس وتزكيتها ففي ذلك صلاح الأحوال واستقامة الأمور ، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ [ الأنفال:53].        

 

 فحياة الناس صورة ظاهرة لما في قلوبهم، وإن سلوكهم يتلون باللون الذي ينبعث من القلب، من كفر أو إيمان، من غي أو رشد، من خير أو شر، من هدى أو ضلال، فتغيير الصورة الظاهرية أمر سهل ميسور، ولكن تغيير صورة الباطن ليس سهلاً كما قد يتصور البعض، إذ لا يمكن تغييرها إلا بالإيمان .

 

وليس بالإمكان أن نبني مؤسسات تربوية ناجحة في ظل قيادات تربوية لا تستنير نفوسها بنور الإيمان، ولا تشرق قلوبها بضياء الحب والنيات الطيبة، ولا تخضع لنوازع الضمير، لأن البناء الحقيقي يتطلب أولاً تغيير ما في النفوس.

 

وهذا هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة عند بدء دعوته، فهو قد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة، لم يأمر  الناس خلال هذه الحقبة من الزمن بصيام أو زكاة أو حج، ولم يبني لهم مسجداً، ولم يأمرهم الوحي خلال هذه الفترة بشيء من العبادات أو المعاملات، لأنه كان بصدد ما هو أهم وأجدر بالعناية من ذلك كله، وهو إرساء قواعد الإيمان، وتشييد الضمير الإنساني، وبناء النفوس التي ستحمل أمانة الدعوة، ويصنع الرجال الذي سينقلون البشرية إلى آفاق رحبة واسعة عبر تاريخها الطويل.

 

فالإيمان غير نفوس العرب من حالة الكفر إلى الإسلام، وحول نفوسهم تحويلاً جذرياً، فالشخص حينما يدخل الإيمان إلى قلبه تتبدل آراؤه، وترتقي أفكاره، وتتحسن نظرته إلى الأشياء، وتتغير تبعاً لذلك سلوكه.

 

 فالعربي كان راعياً للأغنام، وكان ذا طباع غليظة، وقلب قاس، ولكنه بالإيمان تحول من هذه الصفات الرذيلة، إلى إنسان راق ذي أخلاق فاضلة وقلب رحيم، وأصبح رعاة الإبل أساتذة العالم، وقادة الأمم، فاخذ العالم عنهم أرفع أساليب التربية، وأعظم نظم التشريع، ومن الذي غير حياة عمر بن الخطاب وحولها من حياة كان يتصف فيها بأنه جبار قاسي القلب لا يعرف الرأفة والرحمة، إلى حالة اتصف فيها بأنه رجل عطوف يشفق على رعيته، رقيق القلب؟ إنه الإيمان.

 

ويفهم مما سبق أن للإيمان بالله آثار عظيمة على الإنسان المؤمن، ولذا فالقيادة التربوية إذا كانت مؤمنة فإنها ستقرن أي عمل تقوم به بالإيمان، وسيكون لذلك تأثير على حياتها العملية والمهنية، وسيكون حالها ـ من دون شك ـ أفضل من القيادة غير المؤمنة بالله، وذلك لأنها بالإيمان:

 

- تحيا حياة طيبة .

- تنجو من المكاره والشرور .

- تنال رضا الله .

- تنال ثواب الآخرة ، والتنعم بالجنة .

- تنجو من عقاب الآخرة ، ودخول النار .

- يدفع الله عنها شرور الدنيا وكيد الشياطين .

- تكون مطمئنة وغير قلقة .

- تندفع لطلب المفيد من العلوم والمعارف .

- تسعى للقيام بالأعمال الصالحة والنافعة .

- تصبر على تحمل المشقات وصعوبات الحياة .

- تستعين على ترك الفواحش واجتناب الفساد .

- تكسب احترام الناس ورضاهم .

وهذا ما يوضحه الأنموذج الآتي:

------------------------

(1) ـ ياسين ، 1985، ص15 محمد نعيم ، 1985 الإيمان ، أركانه ، حقيقته نواقضه ، عمان، مكتبة الرسالة، 1405هـ ، 1985م .

(2) ـ إبراهيم ، 1997م ، ص60 مفيدة محمد، 1997 ، القيادة التربوية في الإسلام ، عمان، دار مجدلاوي، 1417هـ ، 1967م .

(3) ـ الأسمر ، 2001 ، ص34 أحمد رجب، 2001 النبي المربي ، إربد ، دار الفرقان للنشر والتوزيع ، 1422هـ ، 2001م .

(4) ـ الزحيلي، 1993م ، ص57 وهبة 1993 ، نظام الإسلام ، بيروت ، دمشق ، دار قتيبة للطباعة والنشر ، 1413هـ ، 1993م .

(5) ـ النبهاني ، 1953، ص4 تقي الدين ، 1953 ، نظام الإسلام ، 1372هـ ، 1953م

(6) ـ روح الدين الإسلامي ص58, عفيف عبد الفتاح طبارة ، ط3 ، (ب ت) ، بيروت ، مطابع دار العباد ..

(7) ـ النبهاني ، 1953م، ص6، 7

(8) ـ الأنصاري، 1964، ص93 أحمد مكي ، (1964) إيمان العلماء ، منبر الإسلام ، العدد 11 ، السنة21 ، ذو القعدة  1383هـ إبريل 1964م .

(9) ـ حسين ، 1969، ص96 مبارك حسن (1969) الإيمان قاعدة الإصلاح ، منبر الإسلام ، العدد (8) ، السنة 27 شعبان 1389هـ أكتوبر 1969م .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الجنة
الأحد 27 يناير 2013

الجنـــة

 

مقدمـة:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [سورة آل عمران:102] ، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [سورة النساء:1]،  ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  [سورة الأحزاب:70, 71] .

أما بعد:

 

 فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

 

لقد جعل الله سبحانه وتعالى الجنة جزاءً لعبادة المؤمنين الصادقين فقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ [سورة الكهف:107, 108] ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [سورة يونس:9, 10] ، فهيا لنرى بعض ما أعده الله لعباده في الجنة دار النعيم .

 

1- خلق الجنة :

 

الجنة مخلوقة ، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [سورة النجم:13-15] ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك في قصة الإسراء وفي آخره قال : « ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأْتِيَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى(1) فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لا أَدْرِي مَا هِيَ قَالَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ(2) اللُّؤْلُؤَ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ » (3) ، فالجنة مخلوقة موجودة في السماء عند سدرة المنتهى .

 

وزار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجنة ، ورآها ، ودخلها ، ووصف جنابذها وتربتها ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في موقف آخر أنه رأى كل شيء وعد الناس به في الدار الآخرة ، ورأى قطفاً من الجنة ، فقصرت يده عن تناوله، فدل ذلك على حقيقة وجود الجنة ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : «…لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ (4) »(5) ،،، فتأمل يا عبدالله سعة الجنة وعظمها ، فقد بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، فقال تعالى : ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [سورة آل عمران:133] ، قال الشوكاني : ذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض فذلك عرض الجنة(6) .

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة : «…إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ»(7) ، فإذا كان أقلهم منزلة في الجنة من له مثل الدنيا وعشرة أمثالها ، فكيف يكون ملك أعلاهم منزلة ؟! فتصور سعة الجنة وعظمها !!

 

2- الجنة دار النعيم :

 

الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  [سورة الكهف:107, 108] ، وقال تعالى: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَانُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا  [سورة مريم:61] ، وقال تعالى في الحديث القدسي : « أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾[سورة السجدة](8)، فدخول الجنة والنجاة من النار هو الفلاح العظيم والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. ﴾ [آل عمران:185] ، وقال تعالى أيضاً : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  0[سورة التوبة:72] ، وقال عز من قائل : ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  [سورة النساء:13] . فنعيم الجنة يفوق الوصف ، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا قال تعالى : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة:17]،وقال صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى:« أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر»(9).

 

3- إنها جنان :

 

قال الله تعالى : ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [سورة الرحمن:46] ، وقال تعالى : ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ [سورة الرحمن:62]، وعَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله : «أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْب ٌ(10) فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ(11) عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى» (12)، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :« جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ »(13).

4- التهيئة لدخول الجنة :

 

بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يُوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ، ثم يهذبون وينقون ، وذلك بأن يقتص بعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا ، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارا أبرارا ، ليس لأحد عند الآخر مظلمة ، ولا يطلب بعضهم بعضا بشيء ، روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا »(14) ، وقال تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ  [سورة الحجر:47] .

 

5- دخول الجنة :

 

أ- سَوق وفد الرحمن إلى الجنة :

 

قال تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ﴾ [الزمر: 73] ، وقال تعالى :   ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا ﴾ [سورة مريم:85] ، قال ابن عباس وفدا : ركبان(15) .

ونقل الطبري في تفسيره عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال : " أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم – ولكنهم يأتون بنوق لم ير الخلائق مثلها ، عليها رحال(16) الذهب وأزمتها الَزبَرْجد ويركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة "(17) .

ب- ريح الجنة :

 

ويسير وفد الرحمن إلى الجنة زمرا ، فيجدون رائحة الجنة العبقة الزكية التي تفوح من مسيرة سبعين عاماً ، فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «…وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا»(18) .

ج- أبواب الجنة :

 

ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة ، فينتهي ما سلف في الأيام الخالية من تعب ومكابدة وصبر ومصابرة وحساب وعرض ، فيروا أبواب الجنة الثمانية ، قال تعالى : ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الْأَبْوَابُ  [سورة ص:50]، وقال تعالى : ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ  [سورة الرعد:23, 24] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: « فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ »(19) ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ(20) الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ »(21).

وأبواب الجنة الثمانية لها مصاريع عظيمة ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما بين مصراعيها بقوله : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ(22) أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى(23)»(24), وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «… وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَإِنَّهُ لَكَظِيظٌ(25)»(26).

والباب الأيمن من أبواب الجنة خاص بالذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم : «… فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الأَبْوَابِ…»(27) .

4 - أول من يدخل الجنة :

 

ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة ، ويحين دخولهم إليها ، فيستفتح سيد الخلائق صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقرع باب الجنة ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم :« آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ »(28) ، فتفتح أبواب الجنة لوفد الرحمن ، قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ  [سورة الزمر:73] ، فيكون سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول الداخلين إلى الجنة وأمته أول الأمم دخولاً ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « نَحْنُ الآخِرُونَ(29) الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ…»(30) ، ويتقدم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أُمَّتِي قَالَ لا وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ »(31) ، وبعد ذِكْرِ السبعين الألف ذكرت رواية أخرى أن معهم ثلاث حثيات من حثيات ربي قال صلى الله عليه وآله وسلم : «…وَثَلاثَ حَثَيَاتٍ(32) مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ »(33) ، أي : يدخلون الجنة بغير حساب ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صورة أول زمرة تدخل الجنة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أَوَّلُ زُمْرَةٍ(34) تَلِجُ(35) الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ(37) وَرَشْحُهُمْ(38) الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا »(39) .

5- استقبال الملائكة :

 

تستقبل الملائكة وفد الرحمن بعد أن فتحت الأبواب بالتسليم والتبشير لهم بالحياة الطيبة ، والخلود في الجنة ، قال تعالى: « حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ  » [سورة الزمر:73]، وتتلقاهم الملائكة وتبشرهم وتهنئهم بأنهم قد وجدوا ما كان يعدهم ربهم به في الدنيا من الثواب والنعيم ، قال تعالى: ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  [سورة الأنبياء:103] .

6- ما يضيفون به عند دخولهم :

 

ويكرم الله سبحانه وتعالى وفده بهدية هي زيادة كبد النون ، ثم ينحر لهم ثور الجنة ، ويشربون من عين سلسبيل ، قال صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله حِبر من أحبار اليهود عن تحفة(40) أهل الجنة إذا دخلوها فقال : « زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ(41) قَالَ فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا(42) ؟ قَالَ يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا قَالَ فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً »(43) .

7- اهتداؤهم إلى منازلهم :

 

ويهتدي وفد الرحمن إلى بيوتهم ومساكنهم بعد إتحاف الله لهم بزيادة كبد الحوت فلا يخطئون في الوصول إليها ، بل هم أهدى إليها من مساكنهم التي كانت في الدنيا ، قال تعالى : ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾  [سورة محمد:6] ، قال مجاهد : "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا"(44) ، وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «…فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا(45) »(46) .

أوصاف الجنة:

 

ويشاهد أهل الجنة ما أعد الخالق سبحانه لهم مما لم تر أعينهم قبل ذلك ، ولم تسمع آذانهم ، ولم يخطر على قلوبهم ، فنعيم الجنة يفوق الوصف ، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا ، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [سورة السجدة:17] ،  وقال صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى : « أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة:17 ](47).

فهيا بنا لنتأمل مع أهل الجنة في :-

1- درجات الجنة :

 

فالجنة درجات ، بعضها فوق بعض ، وأهلها متفاوتون فيها بحسب منازلهم فيها ، قال تعالى :﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴾ [سورة طه:75] ، وينظرون إلى المائة درجة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : «… فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً وَمِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ »(48).

وقال : « إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ»(49)، ويمكن لكل أحد أن يرتقي في هذه الدرجات بعمله الصالح وبدعاء واستغفار ولده الصالح له بعد موته ، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ فَيَقُولُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ » وفي رواية : « بدعاء ولدك لك »(50).

2- أعلى منزلة في الجنة :

 

هي الوسيلة التي كان يسألها المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»(51) ، وقد سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قائلين : وما الوسيلة ؟ «قَالَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ…»(52).

3- لبنات الجنة :

 

وينظرون إلى بناء الجنة الذي قال عنه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أنه : « لبنة من فضة ولبنة من ذهب …»(53) ، ويشاهدون مِلاَطُها(54) الذي قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « وَمِلاطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ …»(55).

4- تربة الجنة وطينتها وحصباؤها :

 

وإذا نظر أهل الجنة إلى أرض الجنة التي يمشون عليها فإذا هي كما وصفها الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : «أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ »(56) ، وبين الرسول أن تربتها كالدقيق الخالص البياض ، فقال : « دَرْمَكَةٌ(57) بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ »(58) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «… ومِلاَطُها المِسْك الأَذْفَر(59) وحصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ واليَاقُوت …»(60) .

5- مساكن الجنة :

 

ويطلع أهل الجنة على ما بني لهم في الجنة من مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى : ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة:72] ، تحيط بها الحدائق الغدقة والبساتين النضرة التي فيها من كل الثمرات ، وأشجارها دائمة الثمر والظل يحيط بالمساكن التي تجري من تحتها الأنهار ، والتي لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم ، وليس فيها نصب ، ولا صخب ، فيشاهد أهل الجنة ما وصف الله ورسوله لهم من :-

أ- غرف الجنة :

 

قال تعالى : ﴿ لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [سورة الزمر:20] ، وقال تعالى : ﴿ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سورة سبأ:37]، وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ »(61)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ …»(62) .

ب- بيوت الجنة :

 

وتتحقق رؤيتهم لما بني لهم من البيوت بما قدموا في الدنيا من الأعمال الصالحة كبناء المساجد ، وصلاة النوافل بعد أداء الفرائض ، فقد قال تعالى : ﴿ .. رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ .. ﴾ [التحريم: 11] .

وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ »(63) ، وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم : « مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ »(64) .

ج- قصور الجنة :

 

وتظهر قصور الجنة الذهبية التي يذهب رونقها وجمالها كل جمال ورونق لقصور الدنيا التي كان يتباهى بها أهلها ، تلك القصور التي جعلها سبحانه وتعالى لمن أطاعه ، قال تعالى : ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ [سورة الفرقان:10] ، القصور التي يراها المؤمنون رأي العين بعد أن كانوا يؤمنون بها بالغيب ، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَدَعَا بِلالا فَقَالَ : « يَا بِلالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ فَأَتَيْتُ عَلَى قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرْتَفِعٍ مُشْرِفٍ...»(65) .

د- خيام الجنة :

 

النفس البشرية تشتهي التنويع والتغيير ، فتشتهي ألا تبقى على مسكن واحد ، بل تريد أن تدخل البيوت والقصور والخيام ، والله سبحانه أشبع رغبات المؤمن في الجنة ، فجعل له أصناف المآكل والمشارب ، وكذلك أصناف البيوت والمساكن، ومن ذلك : الخيام التي وصفها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : « إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلاً لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ فَلا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا »(66) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عرضها ، فقال : «…عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً …»(67) . ولزيادة متعة المؤمن في الجنة جعل الله خيام اللؤلؤ على حافتي النهر ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى مَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ »(68) .

هـ- أنهار الجنة :

 

ولنتجول مع أهل الجنة بين أنهارها ، ونمتع النفس بذلك النعيم الدائم المقيم الذي بشر الله به عباده المتقين، فقال سبحانه :  ﴿ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [سورة البقرة:25]، وقال تعالى : ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [سورة الكهف:31] ، وهذا نهر الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال سبحانه : ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ  [سورة الكوثر:1] ، وقد رآه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وحدثنا عنه ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ »(69)، وهذه أنهار الجنة الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل المصفى ، قال تعالى : ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ  [سورة محمد:15] ، وهذه الأنهار تنشق من بحر العسل والخمر والماء واللبن ، ففي سنن الترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ وَبَحْرَ الْعَسَلِ وَبَحْرَ اللَّبَنِ وَبَحْرَ الْخَمْرِ ثُمَّ تُشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ »(70) .

و- عيون الجنة :

 

وانظر أخي المؤمن إلى عيون الجنة الكثيرة النضاخة المختلفة الطعوم والمشارب كعين الكافور والتسنيم والسلسبيل التي يشرب منها المقربون ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [سورة الذاريات:15] ، قال تعالى:﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾[سورة الإنسان:5, 6]، وقال تعالى : ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [سورة الإنسان:17, 18] ، وقال تعالى :  ﴿ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [سورة المطففين:27, 28] .

ز- أشجار الجنة وثمارها :

 

وقد زين الله الجنة بأنواع الأشجار والثمار اليانعة والروضات المتفتحة التي تدخل السرور والحبور، قال تعالى: ﴿ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ  [سورة الروم:15] ، وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان ، كما فيها أشجار السدر(71) والطلح(72) ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ [سورة النبأ:31, 32] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ  [سورة الواقعة:27-29] ، وقد بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يجعل مكان كل شوكة في شجرة الطلح ثمرة ، فيها سبعون لونا من ألوان الطعام(73) .

وفي الجنة من أنواع الثمارٍ والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذ العيون ، قال تعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ [سورة ص:51] ، وقال تعالى : ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴾ [سورة الواقعة:20] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴾ [سورة المرسلات:41] ، وأشجار الجنة دائمة العطاء ، قال تعالى : ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ [سورة الرعد:35] ، وقال تعالى : ﴿ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴾ [سورة الواقعة:32, 33] ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :« مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ »(74) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا »(75) ، وفي مسند احمد عن أبي سعيد الخدري عندما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما طوبى ، قال :« شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا »(76) .

 والمؤمن يكثر من غرس أشجار جنته بكثرة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :« لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ »(77) ، وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ الرجل إذا نَزَعَ ثَمَرَةً مِنَ الجنَّة عَادَت مَكَانَهَا أُخْرَى »(78) ، ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، قال تعالى : ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  [سورة البقرة:25] ، وثمار أشجار الجنة قريبة دانية مُذَلَّلَـهُ ينالها أهل الجنة بيسر وسهوله، قال تعالى : ﴿ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ  [سورة الرحمن:54] ، وقال تعالى : ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا  [سورة الإنسان: 14] ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ أَوْ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ »(79) .

ومن أشجار الجنة :

 

أشجار الريحان الفائحة التي قال عنهـا الله تبارك وتعـالى : ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾ [سورة الواقعة88, 89] ، وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن سيد ريحان الجنة الحناء ، ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبدالله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: « سَيِّدُ رَيْحَانِ الجَنَّةِ الحِنَّاءُ »(80) .

ح- سوق الجنة :

 

يخلق الله سبحانه وتعالى سوقاً يغشاه أهل الجنة إتماماً للإنعام في دار النعيم ، فهذا الإمام مسلم يخرج لنا حديث السوق عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالاً فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً فَيَقُولُونَ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً »(81) .

سير المؤمن إلى ملكه :

 

بعد أن طفنا مع أهل الجنة في أوصاف الجنة ، آن الأوان أن نسير مع ملك من ملوكها لنرى ما أعده الله له من النعيم الذي قال الله تعالى عنه : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا  [سورة الإنسان:20] ، ويرتقي أهل الجنة في الجنة إلى منازلهم بحسب أعمالهم ، ويقال لصاحب القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا »(82) .

 

استقبال الخدم له : ويصل أهل الجنة كل واحدٍ إلى مملكته الخاصة به والتي لا يشاركه فيها أحد فتستقبله الولدان .

سعة مملكة المؤمن ونعيمها :

 

أ- سعتها :

 

فيدخل المؤمن مملكته الواسعة وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سعة مملكة أخر أهل الجنة دخولاً ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :« إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَقُولُ أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أَتَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ فَكَانَ يُقَالُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً »(83) ، وذكر مسلم في رواية لأعلى أهل الجنة منزلة عندما سأل موسى عليه السلام ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة ، فقال سبحانه وتعالى : « أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة:17](84) .

ب- نعيمها :

 

1- صفات أهل الجنة وحليهم ولباسهم :

 

تتغير هيئة أهل الجنة ، ويصبح طول أحدهم ستين ذراعاً ، قال صلى الله عليه وسلم: « خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ... فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ »(85)، وتكون صورة أول زمرة تدخل الجنة كالقمر ليلة البدر ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :« أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ »(86).

وسنهم ثلاثاً وثلاثين سنة ، لا تزيد أبدا ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا(87) مُرْدًا(88) بِيضًا جِعَادًا(89) مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ عَلَى خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا »(90) ، ويتزين المؤمنون في الجنة بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ ، قال تعالى : ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [سورة الإنسان:12] ، وقال تعالى : ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ  [سورة الحج:23] ، ومن حليهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ ، قال تعالى :  ﴿ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [سورة الإنسان:21] .

ومن ألوان الثياب التي يلبسها المؤمنون في الجنة :

 

الخضر من السندس والإستبرق ، قال تعالى : ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [سورة الكهف:31] ، وقال تعالى : ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ [سورة الإنسان:21] ، وثياب أهل الجنة لا تبلى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ لا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ »(91) .

ولباس أهل الجنة أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان ، فقد أتى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : «…لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا »(92) .

ومن حلي أهل الجنة التيجان ، فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الخصال التي يعطاها الشهيد ، فقال : « وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا… »(93) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إضاءة أدنى لؤلؤة في التاج ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ عَلَيْهِمْ التِّيجَانَ إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ »(94) ، وأخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : أن لأهل الجنة أمشاطاً من الذهب وأنهم يتبخرون بعود الطيب ، فقال : « وَأَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ(95) الأَلُوَّةُ(96)…»(97) .

2- نساء أهل الجنة :

 

الزوجات في الجنة من النعيم الذي تتم به نعمة أهل الجنة ، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة المؤمنة في الجنة تتم نعمتها وسعادتها بالزوج ، وإذا أدخل المؤمن الجنة ودخلت معه زوجته الصالحة ، فإنها تكون زوجته فيها أيضاً ، قال تعالى :  ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾ [سورة الرعد:23] .

ويعيش المؤمن مع أزواجه في الجنة حياة سرور ونعيم ، قال تعالى: ﴿ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ [سورة يس:56] ، وقال تعالى : ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴾ [سورة الزخرف:70] ، ويزوج الله المؤمن في الجنة بزوجات من الحور العين(98) ، قال تعالى : ﴿ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ [سورة الدخان:54].

وقد وصف القرآن الكريم زوجات المؤمنين في الجنة ، فوصف جمالهن ، فقال تعالى : ﴿ وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴾ [سورة الواقعة:22, 23] ، المكنون : الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس ، ولا عبث الأيدي ، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان ، فقال تعالى : ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ [سورة الرحمن:56-58] ، ووصف أعمارهن المتساوية فقال تعالى : ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴾ [سورة النبأ:33] ، والكواعب : جمع كاعبة ، وهي المرأة الجميلة التي برز ثديها. والأتراب المتقاربات في السن ، ووصفهن بأنهن قاصرات الطرف على أزواجهن قال تعالى : ﴿ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾ [سورة الرحمن:72] ، وقال تعالى : ﴿ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴾ [سورة الصافات:48] ، ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا ، فائهن مطهرات ، قال تعالى : ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة:25] ، ووصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمال نساء أهل الجنة بقوله :  « ولكل واحد منهما زوجتان ، يرى مخ سُوقِهِمَا من وراء اللحم من الحسن »(99)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الدنيا ، لأضاءت ما بينهما ، ولملأته ريحا ، ولنصيف(100) على رأسها خير من الدنيا وما فيها »(101) . وتغني الحور العين لزوجها في الجنة بصوت جميل عذب : قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط…»(102).

ووصف الله سبحانه الزوجات في الجنة بأنهن أبكار ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾[سورة الواقعة:35, 36]، وقال تعالى : ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ  [سورة الرحمن:74] ، وعن ابن عباس قال : قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا قال : « والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء »(103) .

3- خدم أهل الجنة :

 

أكرم الله أهل الجنة بولدان ينشئهم(104) ليخدموهم وهم في غاية الجمال ، قال تعالى : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا  [سورة الإنسان:19]، وقال تعالى : ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ  [سورة الواقعة:17, 18] ، قال أبو عبيده والفراء :- مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون(105).

4- طعام أهل الجنة وشرابهم :

 

في الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب ، قال تعالى : ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ  [سورة الواقعة:20, 21] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [سورة المرسلات:41, 42] ، وقد ذكرنا سابقاً ثمار الجنة وما فيها من الأنهار والعيون .

وأول طعام أهل الجنة هو زيادة كبد الحوت ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن أول شيء يأكله أهل الجنة ، فقال : « زيادة كبد الحوت »(106).

5- آنية أهل الجنة :

 

آنية طعام أهل الجنة التي يأكلون ويشربون فيها من الذهب والفضة ، قال تعالى : ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ﴾ [الزخرف:71] ، أي وأكوابٍ من ذهب ، وقال تعالى أيضاً : ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴾ [سورة الإنسان:15, 16] ، أي اجتمع فيها صفاء القوارير وبياض الفضة ، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما : عن أبي موسى الأشعري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ...»(107).

ومن الآنية التي يشربون بها :

 

الأكواب(108) ، والأباريق(109) ، والكؤوس(110) ، قال تعالى : ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ  [سورة الواقعة:17, 18] .

6- قوة أهل الجنة في الأكل والشرب والشهوة :

 

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَقَالَ لأَصْحَابِهِ إِنْ أَقَرَّ لِي بِهَذِهِ خَصَمْتُهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ »(111) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إن أهل الجنة يأكلون فيها ، ويشربون ، ولا يتفلون فيها ، ولا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يمتخطون , قالوا : فما بال الطعام ؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد ، كما تلهمون النَّفسَ »(112).

7- فرُش الجنة :

 

أعدت قصور الجنة وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك ، فالسرر كثيرة راقية ، والفرش عظيمة القدر بطائنها من الاستبرق ، فما بالك بظاهرها .

وهناك ترى النمارق مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس ، والزرابي مبثوثة على شكل منسق تكامل ، قال تعالى : ﴿ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ  [سورة الغاشية:13-16] ، وقال تعالى : ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ [سورة الرحمن:54] ، وقال تعالى : ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ  [سورة الطور:20] ، وقال تعالى أيضاً : ﴿ ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ﴾ [سورة الواقعة:13-16] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ  [سورة الحجر:47] .

 

أهل المؤمن في الجنة وذريته :

 

 من فضل الله وكرمه على المؤمنين وذريتهم المؤمنة أن يرفع الذرية إلى درجة الآباء دون أن ينقص من درجة الآباء شيئاً ؛ لتتم النعمة ، وتقر العين ، قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [سورة الطور:21] .

التزاور في الجنة :

 

أهل الجنة يزور بعضهم بعضاً ، ويجتمعون في مجالس طيبة ، يتحدثون عما كان منهم في الدنيا وما أنعم الله عليهم من دخول الجنة ، قال تعالى : ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ  [سورة الطور:26-28] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [سورة الحجر:47] .

أماني أهل الجنة :

 

 لبعض أهل الجنة أمانٍ لما كانوا يحبونه في الدنيا ، مع أنهم فيما تشتهيه أنفسهم في الجنة ، وقد حدثنا رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدث وعنده رجل من أهل البادية : « أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْت(113) قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ(114) نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا تَجِدُ هَذَا إِلا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ »(115) ، ويخبرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن مؤمن أخر يشتهي الولد في الجنة فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي »(116) .

ورضوان من الله أكبر:     

 

أفضل ما يعطاه أهل الجنة رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم ، قال تعالى : ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [سورة البينة:8] ، وقال تعالى : ﴿ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التوبة:72] ، وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ...»(117) ، قال تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [سورة القيامة:22, 23] .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا »(118) .

 

آمان ونعيم لا ينقطع :

 

 أهل الجنة في أمان تام من كل منغصات النعم ، فهم في مقام أمين آمنون من كل خوف، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ  [سورة الدخان:51, 52] ، وقال سبحانه : ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ [سورة الدخان:55] ، فقد أمنوا في الجنة من الموت ومن العذاب ، قال تعالى : ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [سورة الدخان:56] ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ»(119) . وهم أمنون من الخروج من الجنة ، أو انقطاع نعيمها ، قال تعالى : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [سورة هود:108] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴾ [سورة ص:54] ، وأمنهم سبحانه من كل خوف وحزن(120) ، قال سبحانه وتعالى : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [سورة الأعراف:49] . كما أنهم في صحة وشباب آمنون من كل مرض وهرم ، قال صلى الله عليه وآله وسلم :  « يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا »(121) . وأعظم ما يخافه المؤمن سخط الله سبحانه ، وقد أمن الله أهل الجنة منه بقوله تعالى في الحديث القدسي : « أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً»(122).

آخر دعوى أهل الجنة :

 

قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [سورة يونس:9, 10] .

ثمن الجنة :

 

الإيمان والعمل الصالح ثمن للجنة ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [سورة الكهف:107] ، كما وعد الله الجنة لمن يبذل نفسه وماله في سبيل الله بوعد مؤكد أخبر به في التوراة والأنجيل والقرآن ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التوبة:111] .

 

وهناك أعمال كثيرة مُبَيَّنَةً في الكتاب والسنة مردُّها للإيمان والعمل الصالح ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة »(123) .

وطاعة الله ورسوله في كل أمر من الأمور ثمن الجنة، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [سورة النساء:69] ، فالوصول إلى هذا النعيم هو غاية تنافس المؤمنين ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ* تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ* يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ* خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين:22-26].

 

إعداد: علي البهجي

تحقيق ومراجعة: علي عمر بلعجم.

 

---------------------

(1) - سدرة المنتهى: قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كأذان الفيلة. انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي - ك صفة الجنة - باب ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة .

(2) - الجنابذ: جمع جُنبُذ بضم الجيم والباء ، وهو البناء المرتفع المستدير من كل شيء كالجُلنار بضم الجيم وفتح اللام المشددة وهو : زهر الرمان وغيره انظر القاموس المحيط 1/523

(3) - أخرجه البخاري – كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء 3/1217, برقم: 3164، ومسلم- ك الإيمان - ب الإسراء بالرسول إلى السماوات وفرض الصلوات،1/148, برقم: 163 واللفظ له .

(4) - السائبة: ما أطلق من الدواب للآلهة والأصنام فلا يحمل عليها .

(5) - أخرجه البخاري 1/406, برقم: 1154, ومسلم 2/618, برقم: 901.  .

(6) - فتح القدير - 1/495 ط. مؤسسة الريان .

(7) - أخرجه البخاري - كتاب التوحيد - باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم 6/2728, برقم: 7073 .

(8) - رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - في كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في صفة الجنة 3/1185, برقم: 3072, ومسلم في صحيحه 4/2174, برقم: 2824,  من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(9) - سبق تخريجه.

(10) - أصابه بالخطأ والغرب هو : السهم الذي لا يُدْرَى راميه .

(11) - قال ابن حجر في الفتح عند شرح هذا الحديث كان ذلك قبل تحريم النوح، فلا دلالة فيه (أي على جواز النوح) فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر

(12) - أخرجه البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب من أتاه سهم غرب فقتله 3/1034, برقم: 2654 .

(13) - أخرجه البخاري - كتاب التفسير- باب قوله : (ومن دونهما جنتان) 4/1848, برقم: 4597، ومسلم - كتاب الإيمان - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ، 1/163, برقم:180, واللفظ له .

(14) - صحيح البخاري - كتاب الرقاق – باب القصاص يوم القيامة 2/861, برقم: 2308 .

(15) - تفسير ابن كثير .

(16) - الرحال جمع رحل ، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من أثاث ، وهو أيضاً رحل البعير وهو أصغر من القتب . انظر مختار الصحاح 237 .

(17) - تفسير الطبري عند الآية الكريمة .

(18) - أخرجه الترمذي - كتاب الديات - باب ما جاء فيمن يقتل نفساً معاهده 4/20, برقم: 1403، وابن ماجه - كتاب الديات - باب من قتل معاهداً 2/896, برقم: 2687، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/106, برقم: 2176، وفي السلسة الصحيحة 5/388, برقم: 2307, وقد وردت أحاديث أخرى أن رائحة الجنة تشم من مسافات مختلفة.

(19) - البخاري - كتاب بدء الخلق - باب صفة أبواب الجنة 3/1188, برقم: 3084.

(20) - فيسبغ الوضوء : أي يتم ويكمل ويحسن الوضوء .

(21) - مسلم - كتاب الطهارة - باب الذكر المستحب عقب الوضوء 1/209, برقم: 234.

(22) - هجر : مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين ، شرح النووي عند هذا الحديث .

(23) - بصرى : هي مدينة حوران بينها وبين مكة شهر.

(24) - أخرجه البخاري - كتاب تفسير القرآن – باب (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا ) 4/1745, برقم: 4435، ومسلم - كتاب الإيمان – باب أدنى أهل الجنة منزلة 1/184, برقم: 194, واللفظ له .

(25) - لكظيظ : أي ممتلئ .

(26) - أخرجه أحمد في أول مسند البصريين من حديث بهز بن حكيم 5/3, برقم 20037 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم:5590.

(27) - أخرجه البخاري - كتاب تفسير القرآن - باب (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا) 4/1745, برقم: 44, ومسلم 1/184, برقم: 194 .

(28) - مسلم - كتاب الإيمان – باب في قول النبي أنا أول الناس يشفع في الجنة 1/188, برقم: 197 .

(29) - نحن الآخرون أي في ترتيب الأمم في الدنيا .

(30) - أخرجه مسلم - كتاب الجمعة - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة 2/585, برقم: 855 .

(31) - البخاري - كتاب الرقاق - باب يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب 5/2170, برقم: 5420, ومسلم في صحيحه 1/199, برقم: 220.

(32) - الحثو : الأخذ بملء الكفين .

(33) - أخرجه أحمد 5/268 ، برقم: 22357، وابن ماجة في السنن 2/1433, برقم: 4286 وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/426, برقم 3459 .

(34) - الزمرة : الجماعة .

(35) - تلج : الولوج الدخول .

(36) - مجامرهم : مباخرهم .

(37) - الألوة : عود يتبخربه .

(38) - الرشح : العرق .

(39) - رواه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة 3/1186, برقم:3074, ومسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر 4/2178, برقم: 2834 واللفظ للبخاري .

(40) - ما يهدى إلى الرجل ويخص به ويلاطف .

(41) - النون : الحوت .

(42) - إثرها : خلفها .

(43) - أخرجه مسلم كتاب الحيض باب صفة مني الرجل والمرأة 1/252, برقم: 315.

(44) - تفسير ابن كثير .

(45) - أخرجه البخاري - كتاب المظالم - باب قصاص المظالم 2/861, برقم: 2308.

(46) - لقد تمكن الإنسان اليوم أن يضع برنامجاً للطائرات لتطير بركابها آلياً من قارة إلى قارة لتنزل في مدرج المطار المحدد لها ، كما أن طائرات التجسس بدون طيار تطير من قواعدها وتعمل في الأهداف المحددة وتعود إلى أماكنها المرسومة لها فكيف يعجب الناس من قدرة الخالق العظيم الذي يلهم كل شخص للاهتداء إلى منزله في الجنة.

(47) - سبق تخريجه.

(48) - البخاري - كتاب الجهاد- باب درجات المجاهدين في سبيل الله 6/2700, برقم:6987, والترمذي - كتاب صفة الجنة - باب ما جاء في صفة درجات الجنة 4/675, برقم: 2530, واللفظ له .

(49) - البخاري- كتاب بدء الخلق -باب صفة الجنة والنار3/1188, برقم:3083  ، ومسلم -كتاب الجنة -باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف 4/2177, برقم: 2831 .

(50) - أخرجه أحمد في المسند في باقي مسند المكثرين من حديث أبي هريرة 2/509, برقم10618, وابن ماجة في السنن 2/1207, برقم: 3660 وذكره الهيثمي 10/153 ، ورواه البزار ورجاله رجال عاصم بن بهدله وهو حسن الحديث ، وابن ماجه -ك الأدب -ب بر الوالدين ، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/294 ، برقم: 2953 .

(51) - أخرجه مسلم في الصلاة - باب استحباب القول مثل قول المؤذن 1/288, برقم: 384، وأبو داود 1/199, برقم 2523

(52) - أخرجه الترمذي -كتاب المناقب -باب في فضل النبي r 5/586, برقم: 3612, وأحمد في باقي مسند المكثرين 2/265, برقم: 7588, من حديث أبي هريرة ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 3/189, برقم 2857 .

(53) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها 4/672, برقم: 2526، وأحمد في باقي مسند المكثرين 2/445, برقم: 9742, من حديث أبي هريرة ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة6/164, برقم 2662 .

(54) - ملاطها : ما يوضع بين الأحجار في البناء .

(55) - سبق تخريجه في الحاشية 53.

(56) - أخرجه البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ذكر إدريس وهو جد أبي نوح ويقال جد نوح 1/135, برقم: 342.

(57) - الدرمكة : هي الدقيق الخالص البياض .

(58) - مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر بن صياد 4/2243, برقم 2928 .

(59) - الأذفر : الطيب الريح .

(60) - سبق تخريجه في الحاشية 53.

(61) - أخرجه الترمذي - عن علي بن أبي طالب -كتاب البر والصلة عن رسول الله - باب ما جاء في قول المعروف 4/354, برقم: 1984, وهو الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/230, برقم: 946.

(62) - سبق تخريجه في الحاشية 49.

(63) - أخرجه مسلم -كتاب المساجد -باب فضل بناء المساجد والحث عليها 1/378, برقم: 533 .

(64) - أخرجه مسلم - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن 1/502, برقم: 728.

(65) - أخرجه البخاري -كتاب التعبير - باب القصر في المنام1/386, برقم: 1098 ، وأحمد في باقي مسند الأنصار من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه 5/354, برقم: 23046، واللفظ لأحمد .

(66) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة - باب في صفة خيام الجنة 4/2182, برقم: 2838 .

(67) - أخرجه البخاري -كتاب تفسير القرآن -باب (حور مقصورات في الخيام)4/1849, برقم: 4598 .

(68) - أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أنس 3/103, برقم: 12027, وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم : 3365.

(69) - أخرجه البخاري -كتاب الرقائق باب في الحوض 4/1900, برقم: 4680 .

(70) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما جاء في صفة أنهار الجنة4/699, برقم: 2571 ، وأحمد في أول مسند البصريين5/5, برقم: 20064, من حديث معاوية بن حيدة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/319 برقم 2078, وفي صحيح الجامع برقم: 2122 .

(71) - السدر : هو شجر النبق الشائك لكنه في الجنة منزوع شوكه .

(72) - الطلح : شجر من أشجار الحجاز من نوع العضاه فيه شوك لكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كدٍ ولا مشقه ، انظر الجنة والنار للأشقر ص176 .

(73) - أخرجه الحاكم في المستدرك - 2/518 - ط دار الكتب العلمية ، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولفظه تفتق عن اثنين وسبعين لونا ما منها لون يشبه الآخر) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد - رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح 10/414.

(74) - أخرجه الترمذي 4/671, برقم: 2525, وابن حبان في صحيحه 16/425, برقم: 7410,من حديث أبي هريرة ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: 5647.

(75) - أخرجه البخاري -كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة4/1851, 4599, واللفظ له ، ومسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام 4/2175, برقم: 2826.

(76) - أحمد في باقي مسند المكثرين3/71, برقم: 11691, من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وفي صحيح ابن حبان16/429, برقم: 7413, وصححه الألباني  في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/639 برقم 1985.

(77) - أخرجه الترمذي بإسنادٍ حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه في كتاب الدعوات عن رسول الله - باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل 5/510, برقم: 3462, وحسنه الألباني في الجامع الصغير1/578, برقم: 5773.

(78) - أخرجه الطبراني في الكبير 2/102, برقم:1449, وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة 7/147, برقم: 3146.

(79) - قطعة من حديث أخرجه مسلم -كتاب الكسوف -باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار2/622, برقم: 904 .

(80) - الطبراني في المعجم الكبير - قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ما خلا عبدالله بن احمد بن حنبل وهو ثقة مأمون 5/157 وهو في مصنف ابن أبي شيبة -7/32 -ط مكتبة الرشد ( الرياض ) ، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/407 برقم 1420 .

(81) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة - باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال 4/2178, برقم: 2833.

(82) - رواه أبو داود -كتاب الصلاة -باب استحباب الترتيب في القراءة 1/463, برقم: 1464، والترمذي -ك كتاب فضائل القرآن - باب ما جاء فيمن قرأ حرفاً من القرآن ما له من الأجر 5/177, برقم: 2914، وصححه الألباني في الصحيحة 5/281, برقم: 2240 .

(83) - أخرجه البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة والنار5/2402, برقم: 6202، ومسلم -كتاب الإيمان -باب أخر أهل النار خروجاً 1/173, برقم: 186 واللفظ له .

(84) - أخرجه مسلم -كتاب الإيمان -باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/176, برقم: 189 .

(85) - أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب خلق آدم 5/2299, برقم: 5873 .

(86) - أخرجه البخاري كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة 3/1185, برقم: 3073.

(87) - الأجرد : الذي ليس على بدنه شعر .

(88) - لأمرد: الذي لا شعر في ذقنه، ويراد به الحسن .

(89) - أي أن شعر رأسهم قصير مجتمع .

(90) - أخرجه الترمذي 4/682, برقم: 2545, وأحمد ، في مسند المكثرين 2/295, برقم: 7920من حديث أبي هريرة , وقال محققو المسند حديث حسن بشواهده أنظر صحيح الترغيب والترهيب للألباني 3/256, برقم: 3700. 

(91) - أخرجه مسلم -كتاب صفة الجنة - باب دوام نعيم أهل الجنة 4/2181, برقم: 2836.

(92) - البخاري -كتاب اللباس - باب مس الحرير من غير لبس 2/922, برقم: 2473.

(93) - أخرجه الترمذي -كتاب فضائل الجهاد - باب ثواب الشهيد4/187, برقم: 1663 ، وأحمد في مسند الشاميين من حديث المقداد بن معدي كرب 4/131, برقم: 17221، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة7/30, برقم: 2829.

(94) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة 4/695, برقم: 2562، وابن حبان 16/410 وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي1/299, برقم: 468, وفي ضعيف الجامع برقم : 1882

(95) - مجامرهم: مباخرهم .

(96) - الألوة: عود يتبخر به.

(97) - سبق تخريجه.

(98) - الحوراء : هي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد والعيناء هي واسعة العين .

(99) - البخاري - كتاب الخلق -باب ما جاء في صفة الجنة 3/1185, برقم: 3073، ومسلم -كتاب الجنة -باب أول زمرة تدخل الجنة4/2178, برقم: 2834 .

(100) - النصيف: الخمار .

(101) - البخاري -كتاب الجهاد -باب الحور العين وصفاتهن 3/1029, برقم: 2643 .

(102) - أخرجه الطبراني في الأوسط 5/150 ، وهو في صحيح الجامع الصغير 1/325 رقم 1561 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح 10/419 .

(103) - أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة 374 ، والبيهقي في البعث 404 ، وأبو يعلى في مسنده 2436 ، وذكره الهيثمي في المجمع 10/416,  .

(104) - قال ابن القيم في حاد الأرواح : ( إذا تأملت لفظه الولدان ولفظة يطوف عليهم واعتبرتها في قوله تعالى : (ويطوف عليهم غلمان لهم) وضممت ذلك إلى ما في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبداً ، وكذلك أهل النار" أخرجه الترمذي في صفة الجنة ، علمت أن الولدان غلمان أنشأهم الرب تعالى في الجنة خدماً لأهلها . وهذا من تمام كرامة الله لأهل الجنة أن يجعل أبناءهم مخدومين معهم .

(105) - حادي الأرواح - لابن القيم - ص280 .

(106) - البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة والنار 3/1211, برقم: 3151, واللفظ له ، ومسلم -كتاب الحيض -باب بيان صفة مني الرجل والمرأة1/252, برقم: 315 .

(107) - سبق تخريجه.

(108) - الكوب : مالا أذن معه ولا عروة ولا خرطوم .

(109) - الأباريق : ذوات الآذان والعرى .

(110) - الكأس : القدح الذي فيه الشراب .

(111) - أخرجه أحمد في المسند 4/367, برقم: 19288,وابن حبان 16/443 ، واللهيثمي في مجمع الزوائد 10/416 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/266, برقم: 3739.

(112) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة ونعيمها -باب صفة الجنة وأهلها 4/2180, برقم: 2835.

(113) - أي فيما شئت من أنواع النعيم وألوان الطعام والشراب.

(114) - فبادر الطرف : أي سابق النظر .

(115) - أخرجه البخاري -كتاب الحرث والمزارعة -باب كراء الأرض بالذهب والفضة 2/826, برقم: 2221 .

(116) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة الجنة -باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة 4/695, برقم: 2563, وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/437, برقم: 3500 .

(117) - أخرجه مسلم -كتاب الإيمان -باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى1/163, برقم: 181 .

(118) - البخاري -كتاب التوحيد -باب كلام الرب مع أهل الجنة5/2398, برقم: 6183 ، ومسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها -باب إحلال الرضوان على أهل الجنة4/2176, برقم: 2829.

(119) - أخرجه البخاري -كتاب الرقاق -باب يدخل سبعون ألف بغير حساب5/2062, برقم: 5085، ومسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها- باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء4/2189, برقم: 2850، واللفظ له.

(120) - الحزن ينشأ من الخوف والخوف إما من شيء قادم أو من شيء قد مضى فأصل الخوف يستلزم الحزن ونفي الخوف من كل ما مضى ومن كل ما سيأتي ينتج عنه ذهاب الحزن .

(121) - أخرجه مسلم -كتاب الجنة - باب دوام نعيم أهلها 4/2181, برقم: 2836.

(122) - أخرجه البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة 5/2398, برقم: 6183، ومسلم -كتاب الجنة -باب إحلال الرضوان4/2176, برقم: 2829 .

(123) - أخرجه الترمذي -كتاب صفة القيامة والرقاق والورع -باب ما جاء في صفة أواني الحوض 4/633, برقم: 2450, والحاكم في المستدرك 4/343, برقم: 7852، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة2/637.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
من البينات العلمية في القرآن الكريم
الثلاثاء 29 يناير 2013

 

من البينات العلمية في القرآن الكريم

مقدمة :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران : 102] ، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1] ، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾  [الأحزاب:70-71] .

 

أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

وبعـد ...

لقد أرسل الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة على اختلاف عصورهم وثقافاتهم ومداركهم ، وأيده ببينات متنوعة تتناسب مع جميع من أرسل إليهم إلى يوم القيامة ، فمعجزة الفصاحة في كتاب الله أخضعت فصحاء العرب ، ومعجزة البشارات أقامت الدليل لأهل الكتاب على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعجزات الخوارق أرغمت الكافرين المعاندين وأوضحت لهم حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الساطعة ، ومعجزة الإخبار بالغيب تجلت ولاتزال تتجلى وتتحقق على مر القرون والعصور .

فهيا لنرى بعض الأبحاث من معجزة وعد بها القرآن وتجلت في عصرنا وشاهد حقائقها أهل الاختصاصات الكونية العلمية الدقيقة في عصرنا ، كعلم الفلك وعلوم الأرض والأرصاد والنبات والحيوان وعلوم الطب المختلفة وعلوم البحار وغيرها من العلوم الكونية ، ليكون ذلك دليلاً لكل عاقل في عصرنا أن هذا القرآن من عند الله ، وأن العلامة الإلهية الشاهدة بأنه من الله هي العلم الذي تحمله الآيات وتجليه الاكتشافات العلمية الدقيقة بعد رحلة طويلة من البحث والدراسة ، وباستخدام أدق الآلات التي لم تصنع إلا في عصر الثورة الصناعية الحاضرة ، ولقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الإعجاز ووعد بإظهاره في قوله تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53] .

إن البينة (المعجزة) القرآنية الموجودة بين أيدينا والباقية بعدنا إلى ما شاء الله تحمل الرسالة الإلهية إلى البشر ، كما تحمل الدليل على صدق هذه الرسالة فهي الشاهد والمشهود عليه كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [هود:17](1) .

والقرآن معجز بلفظه ومعناه ، لأنه من عند الله ، فألفاظه إلهية ومعانية وعلومه إلهية، وكل منها يدل على المصدر الذي جاء منه هذا القرآن .

وهو بذلك أكبر دليل وشهادة بين أيدينا قال تعالى : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام:19] ، فهو رسالة ومعجزة لمن نزل عليهم ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة .

وقد جعل الله العلم الإلهي الذي تحمله آيات القرآن هو البينة الشاهدة على كون هذا القرآن من عند الله كما قال تعالى :

﴿ لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء:166] ، أي : أنزله وفيه علمه(2).

ففي هذه الآية بيان لطبيعة المعجزة العلمية ، التي نزلت رداً على إنكار الكافرين ، لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم التي تبقى بين يدي الناس ، وتتجدد مع كل فتح بشري في آفاق العلوم والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي .

قال الخازن عند تفسير هذه الآية : " لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة ، بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك "(3).

وقال ابن كثير : " فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب ، وهو القرآن العظيم .. ولهذا قال : أنزله بعلمه : أي : فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه ، من البينات والهدى ، والفرقان ، وما يحبه الله ويرضاه ، وما يكرهه ويأباه ، وما فيه من العلم بالغيوب ، من الماضي والمستقبل "(4).

وقال أبو العباس ابن تيمية(5) : فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه(6)، فما فيه من الخبر ، هو خبر عن علم الله ، ليس خبراً عمن دونه، وهذا كقوله : ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [هود:14] .

وكل آية من كتاب الله تحمل علماً إلهياً يعرفه البشر عند ارتقائهم بأسباب العلوم والمعارف في ذلك الميدان الذي تتحدث عنه الآية القرآنية .

والقرآن ملئ بالآيات التي تتحدث عن مظاهر الكون ، وحديثه عن الكون هو حديث من يعلم أسراره ودقائقه ، مع أن البشرية كلها في وقت النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تعلم معظم تلك الأسرار، وكان يغلب على تفكيرها الأسطورة والخرافة. لذلك رأينا الجراح الفرنسي العالمي الشهير الدكتور: موريس بوكاي يتقدم إلى البشرية بأطروحة قال فيها : لقد قامت الأدلة على أن القرآن الذي نقرأه اليوم ، هو نفس القرآن الذي قرأه النبي محمد صلى الله عليه وسلم على الصحابة ، وما دام أن القرآن قد أفاض في الحديث عن الكون وأسراره ، فإننا نستطيع بهذه الحقيقة أن نعرف منها إذا كان القرآن من عند الله باختبار يعرفه كل عاقل في عصرنا .

فإذا كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مملوء بالوصف لمظاهر الكون : الأرض ، السماء ، الجبال ، البحار ، الأنهار ، الشمس ، القمر ، النبات، الحيوان ، الإنسان ، الرياح، الأمطار .. وغير ذلك ،فإن حديثه عن هذه المظاهر الكونية سيعكس لنا علم محمد صلى الله عليه وسلم وثقافته عن المخلوقات وأسرارها ، كما يعكس لنا علم مجتمعه وبيئته، وعلوم عصره في ذلك المجال ، وهي علوم غلبت عليها السذاجة والخرافة والأسطورة، وسنجد القرآن عندئذ مملوءاً بالخرافة والأسطورة والخبر الساذج عند حديثه عن الكون وأسراره ، كما هو شأن كل الكتب التي دونت في تلك الأزمنة بما فيها الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى (التوراة والإنجيل) التي طرأ عليها التحريف، هذا إذا كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم .

أما إذا كان القرآن من عند الله فسنراه في حديثه عن المخلوقات وأسرارها يسبق مقررات العلوم الحديثة, وسنرى  الاكتشافات العلمية تلهث وراءه فتقرر ما فيه من حقائق وتؤكد ما فيه من مقررات في شتى المجالات .

ولقد قضى الدكتور موريس بوكاي لتحقيق هذا الاختبار عشر سنوات يتعلم فيها القرآن واللغة العربية ، ويقارن بين القرآن وبين الكشوف العلمية الحديثة , ثم ألف كتاباً سماه : " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة " .

وقد أثبت فيه سلامة القرآن من التحريف, ودخول التحريف على التوراة والإنجيل وأثبت تعارض التوراة والإنجيل مع العلوم الحديثة ؛ كما أثبت سبق القرآن لهذه العلوم وبين أن هذا مما اشتمل عليه وعد الله القائل : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53] .

يقول د. بوكاي : " إن القرآن لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البارزة في مختلف صياغات الأناجيل بل هو يظهر أيضاً – لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم – طابعه الخاص وهو التوافق مع المعطيات العلمية الحديثة . بل أكثر من ذلك، وكما أثبتنا ، يكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنساناً في عصر محمد صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يؤلفها، وعلى هذا فالمعارف الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن "(7).

فهاهو ذا الحق يتبين كما وعد الله ، وهاهي ذي المعاني التفصيلية التي تضمنتها الآيات القرآنية عن الحقائق الكونية تُرى وتتجلى فتُعلم، كما قال تعالى : ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ [ص:87-88 ] .

قال الفراء(8) في تفسير الحين الذي ذكرته الآية أنه : " بعد الموت وقبله ، أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول "بعد حين" أي في المستأنف "(9). وذهب السدي(10) الكبير إلى هذا المعنى(11).

وقال ابن جرير الطبري ، بعد ذكر الأقوال المتعددة، في تفسير الحين الذي ذكرته الآية : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : أن الله أعلم المشركين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين ، من غير حد منه لذلك الحين بحد ، ولا حد عند العرب للحين لا يجاوز ولا يقصر عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا قول فيه أصح من أن يطلق، كما أطلقه الله، من غير حصر ذلك على وقت دون وقت "(12) .

لقد أظهر الله لعباده الكثير من آياته عبر القرون ، وفي عصر الاكتشافات العلمية الهائلة ، أظهر الله لعباده نوعاً جديداً من البينات المعجزة تعارف العلماء على تسميته بالإعجاز العلمي في القرآن. يعرف به أهل عصرنا أن القرآن نزل بعلم الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض .

1- وصف الحاجز بين البحرين :

التحقيق العلمي :

لقد توصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر، إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخاً يفصل بين كل بحرين ، ويتحرك بينهما ويسميه علماء البحار (الجبهة) تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين جيشين. وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على خصائصه التي قدرها الله له، ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة .

ومع وجود هذا البرزخ فإن البحرين المتجاورين يختلطان اختلاطاً بطيئاً ، يجعل القدر الذي يعبر من بحر إلى بحر آخر يكتسب خصائص البحر الذي ينتقل إليه عن طريق البرزخ الذي يقوم بعملية التقليب للمياة العابرة من بحرٍ إلى بحر ؛ ليبقى كل بحرٍ محافظاً على خصائصه .

تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينها من حواجز :

* اكتشف علماء البحار أن هناك اختلافاً بين عينات مائية أخذت من البحار المختلفة في عام (1284هـ- 1873م) ، على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة (تشالنجر)، فعرف الإنسان أن المياه في البحار تختلف في تركيبها عن بعضها البعض من حيث درجة الملوحة، ودرجة الحرارة ، ومقادير الكثافة ، وأنواع الأحياء المائية، ولقد كان اكتشاف هذه المعلومة بعد رحلة علمية استمرت ثلاثة أعوام، جابت جميع بحار العالم. وقد جمعت الرحلة معلومات من 362 محطة مخصصة لدراسة خصائص المحيطات. وملئت تقارير الرحلة 29.500 صفحة في خمسين مجلداً استغرق إكمالها 23 عاماً ، وإضافة إلى كون الرحلة أحد أعظم منجزات الاستكشاف العلمي فإنها أظهرت كذلك ضآلة ما كان يعرفه الإنسان عن البحر(13) .

* بعد عام (1933م) قامت رحلة علمية أخرى أمريكية في خليج المكسيك، ونشرت مئات المحطات البحرية ، لدراسة خصائص البحار، فوجدت أن عدداً كبيراً من هذه المحطات تعطي معلومات موحدة عن خصائص الماء في تلك المنطقة ، من حيث الملوحة والكثافة والحرارة والأحياء المائية وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، بينما أعطت بقية المحطات معلومات موحدة أخرى عن مناطق أخرى، مما جعل علماء البحار يستنبطون وجود بحرين متمايزين في الصفات لا مجرد عينات محدودة كما علم من رحلة (تشالنجر).

* وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يميز مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض ، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب ، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام مثل الموجات السطحية والداخلية والتيارات المائية والبحرية ؟

ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام (1361هـ-1942م) ، فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية ، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة ، والأحياء المائية ، والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسجين في الماء . 

وبعد عام (1962م) عرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر فيحدث الاختلاط بين البحار الملحة ، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز .

وفي دراسة ميدانية(14) للمقارنة بين مياه خليج عمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيمائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما ووجود البرزخ الحاجز بينهما .

وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية ، وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة ، اشترك فيها المئات من الباحثين، واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة .

بينما جلى القرآن الكريم هذه الحقيقة قبل أربعة عشر قرناً ، قال تعالى : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ(22) ﴾ [سورة الرحمن] ، وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:61].

المعاني اللغوية وأقوال المفسرين :

مرج : قال ابن فارس : "مرج : الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهابٍ واضطراب، ومرج الخاتم في الإصبع : قلق ، وقياس الباب كله منه ومرجت أمانات القوم وعهودهم : اضطربت واختلطت، والمَرْج : أصله أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب"(15).

البحرين : قال ابن فارس: "الباء والحاء والراء ، قال الخليل : سمي البحر بحراً لاستبحاره وهو انبساطه وسعته... ويقال للماء إذا غلظ بعد عذوبته  استبحر، وماء بحري أي مالح"(16).

وقال الأصفهاني(17) : "وقال بعضهم : البحر يقال في الأصل للماء المالح دون العذب"(18).

وقال ابن منظور(19) : "وقد غلب على المالح حتى قلّ في العذب"(20).

فإذا أطلق البحر دل على البحر المالح ، وإذا قيد دل على ما قيد به ، والقرآن يستعمل لفظ الأنهار للدلالة على المياه العذبة الكثيرة الجارية ، ويستعمل لفظ البحر ليدل على البحر المالح قال تعالى : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ (32) ﴾ [إبراهيم:32] .

وكذلك يستعمل لفظ البحر في الحديث للدلالة على الماء الملح ، فقد «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا رسول الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»(21) .

البرزخ : هو الحاجز : وقد ذهب أكثر المفسرين(22) إلى أنه لا يرى .

البغي : قال ابن منظور: "وأصل البغي مجاوزة الحد(23) ، وبمثله قال الجوهري(24) والأصفهاني(25)".

المرجان : قال ابن الجوزي(26) : "وحكى القاضي أبو يعلي أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان وروي عن الزجاج(27) ، قوله : المرجان أبيض شديد البياض"(28) .

وقال ابن مسعود : المرجان الخرز الأحمر .

ونقل أبو حيان(29) عن بعضهم أن المرجان هو الحجر الأحمر(30).

وقال القرطبي : "وقيل المرجان عظام اللؤلؤ وكباره ، قاله علي وابن عباس رضي الله عنهما، واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضاً بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره وقاله الضحاك وقتادة"(31) .

وقال الألوسي(32): "وأظن أنه إن اعتبر في اللؤلؤ معنى التلألؤ واللمعان ، وفي المرجان معنى المرج والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانياً فيهما"(33)، أي : أن اللؤلؤ ما عظم منه والمرجان اللؤلؤ الصغار .

والحاصل أن المرجان نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة بيضاء وحمراء، ويكون كبيراً وصغيراً، وهو حجر يكون كالقضبان ، وقد يكون صغيراً كاللؤلؤ أو الخرز ، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينها يقتضي المغايرة .

هذا والمرجان لا يوجد إلا في البحار الملحة .

والآيات ترينا دقائق الأسرار التي كشف عنها اليوم علم البحار ، فهي تصف اللقاء بين البحار الملحة ودليل ذلك مايلي:

أولاً : لقد أطلقت الآية لفظ البحرين بدون قيد ، فدل ذلك على أن البحرين ملحان .

ثانياً : بينت الآيات في سورة الرحمن أن البحرين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وقد تبين أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين، قال تعالى : ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ أي يخرج من كل منهما.

فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها رغم اتحادها في الأوصاف الظاهرة التي تدركها الأبصار والحواس، فكلها : ( ملحة ، زرقاء ، ذات أمواج ، وفيها الأسماك وغيرها ) ، وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها ؟ والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست، فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر وأمواج وتيارات وأعاصير ؟

والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين يختلف كل منهما عن الآخر، إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر لكانا بحراً واحداً ، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلافٍ بينهما مع كونهما ملحين .

و﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ أي أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب في منطقة الالتقاء، كما تدل اللغة على ذلك بلفظ مرج، وهذا ما كشفه العلم من وصف لحال البرزخ الذي يكون متعرجاً ومتنقلاً في الفصول المختلفة بسبب المد والجزر والرياح .

ومن يسمع هذه الآية فقط ، يتصور أن امتزاجاً واختلاطاً كبيراً يحدث بين هذه البحار يفقدها خصائصها المميزة لها، ولكن العليم الخبير يقرر في الآية بعدها ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان﴾ أي ومع حالة الاختلاط والاضطراب هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزاً يحجز بينهما يمنع كلاً منهما أن يطغى ويتجاوز حده .

وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدم في علومه وأجهزته ، فقد وجد ماء ثالثاً حاجزاً بين البحرين يختلف في خصائصه عن خصائص كل منهما .

ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر بخصائصه؛ لأن البرزخ منطقة تقلب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر لتكتسب المياه المنتقلة بالتدريج صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاءت منه وبهذا لا يبغي بحر على بحر آخر بخصائصه، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء ، وصدق الله القائل : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) ﴾ [الرحمن:19-20] .

ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين هو حاجز من قدرة الله لا يرى(34).

وقد أشكل على بعض المفسرين الجمع بين اختلاط مياه البحار مع وجود البرزخ ، إذ أن وجود البرزخ (الحاجز) يقتضي منع الاختلاط، وذكر الاختلاط (مرج) يقتضي عدم وجود البرزخ ، وقد زال الإشكال اليوم باكتشاف أسرار البحر على حقائقها .

أوجه الإعجاز في الآيات السابقة :

مما سبق يتبين :

1) أن القرآن الكريم الذي أنزل قبل أكثر من 1400 سنة قد تضمن معلومات دقيقة عن ظواهر بحرية لم تكتشف إلا حديثاً بواسطة الأجهزة المتطورة، ومن هذه المعلومات وجود حواجز مائية بين البحار، قال تعالى : ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) ﴾ [الرحمن:19-20] .

2) يشهد التطور التاريخي في سير علوم البحار بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار وبخاصة قبل رحلة تشالنجر عام (1873م) فضلاً عن وقت نزول القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة الذي نزل على نبيٍ أمي عاش في بيئة صحراوية ولم يركب البحر .

3) كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين . وقبل ذلك كان البحر مجهولاً مخيفاً تكثر عنه الأساطير والخرافات ، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة ، وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار ، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة ، ونسبة الملوحة ، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذٍ أن البحار الملحة متنوعة .

4) وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة ، إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها ، وبعد أن قضى وقتاً طويلاً في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام .

5) وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق .

6) وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض .

* فهل كان يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المحطات البحرية ، وأجهزة تحليل كتل المياه ، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة ؟ .

* وهل قام بعملية مسح شاملة ، وهو الذي لم يركب البحر قط ، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان وخاصة في ميدان البحار ؟

* وهل تيسر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر لعلماء البحار في عصرنا الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة ؟

* إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدق الأسرار في زمنٍ يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدلُ على مصدره الإلهي، كما قال تعالى :﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان:6].

* كما يدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحى إليه وصدق الله القائل : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53] .

3- (والجبال أوتاداً ) قال تعالى : ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ مِهَادًا(6)وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:6-7] ، تشير الآية إلى أن الجبال أوتاد للأرض ، والوتد يكون منه جزء ظاهر على سطح الأرض ، ومعظمه غائر فيها ، ووظيفته التثبيت لغيره .

 

بينما نرى علماء الجغرافيا والجيولوجيا يعرفون الجبل بأنه: كتلة من الأرض تبرز فوق ما يحيط بها، وهو أعلى من التل(35).

ويقول د. زغلول النجار: "إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدنى إشارة لامتداداتها تحت السطح، والتي ثبت أخيراً أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات"(36).

ثم يقول : "ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السيرجورج ايري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساساً مناسباً للجبال التي تعلوها، وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزءاً طافياً على بحر من الصخور الكثيفة المرنة ، وبالتالي فلا بد أن يكون للجبال جذور ممتدة داخل تلك المنطقة العالية الكثافة لضمان ثباتها واستقرارها"(37).

وقد أصبحت نظرية ايري حقيقة ملموسة مع تقدم المعرفة بتركيب الأرض الداخلي عن طريق القياسات الزلزالية، فقد أصبح معلوماً على وجه القطع أن للجبال جذوراً مغروسة في الأعماق ويمكن أن تصل إلى ما يعادل 15مرة من ارتفاعاتها فوق سطح الأرض، وأن للجبال دوراً كبيراً في إيقاف الحركة الأفقية الفجائية لصفائح طبقة الأرض الصخرية. هذا وقد بدأ فهم هذا الدور في إطار تكوينية الصفائح منذ أواخر الستينيات .

ويعرف الدكتور زغلول الجبال في ضوء المعلومات الحديثة فيقول إن الجبال ما هي إلا  قمم لكتل عظيمة من الصخور تطفو في طبقة أكثر كثافة كما تطفو جبال الجليد في الماء(38).

 

ولقد وصف القرآن الجبال شكلاً ووظيفة، فقال تعالى : ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ [النبأ:7] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ [لقمان:10] ، وقال أيضاً : ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [الأنبياء:31] ، والجبال أوتاد بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض .

وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل ، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقةٍ لزجةٍ نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية(39).

ولقد تنبه المفسرون رحمهم الله إلى هذه المعاني فأوردوها في تفسيرهم لقوله تعالى : ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ ، واليك أمثلة من ذلك :

1- قال ابن الجوزي : "﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ للأرض لئلا تميد"(40).

2- وقال الزمخشري(41): " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي : أرسيناها بالجبال كما يرس البيت بالأوتاد ".

3- وقال القرطبي : " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي : لتسكن ولا تتكفأ بأهلها"(42).

4- وقال أبو حيان : " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ أي : ثبتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد"(43).

5- وقال الشوكاني(44) : " ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ الأوتاد : جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتاداً للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرس البيت بالأوتاد"(45).

أول الجبال خلقاً البركانية :

عندما خلق الله القارات بدأت في شكل قشرةٍ صلبةٍ رقيقة تطفو على مادة الصهير الصخري ، فأخذت تميد وتضطرب، فخلق الله الجبال البركانية التي كانت تخرج من تحت تلك القشرة ، فترمي بالصخور خارج سطح الأرض ، ثم تعود منجذبةً إلى الأرض وتتراكم بعضها فوق بعض مكونة الجبال، وتضغط بأثقالها المتراكمة على الطبقة اللزجة فتغرس فيها جذراً من مادة الجبل ، الذي يكون سبباً لثبات القشرة الأرضية واتزانها .

وفي قوله تعالى : ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ [لقمان:10]  ، إشارة إلى الطريقة التي تكونت بها الجبال البركانية بإلقاء مادتها من باطن الأرض إلى الأعلى ثم عودتها لتستقر على سطح الأرض ، ويجلي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكيفية ، فقد روى أنس بن مالك(46) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَعَادَ بِهَا عَلَيْهَا .. الحديث» (47) .

فتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم المبين لكيفية خلق الجبال : « فعاد بها عليها » ، أي : أن خلقها كان بخروجها من الأرض وعودتها عليها .

أوجه الإعجاز :

إن من ينظر إلى الجبال على سطح الأرض لا يرى لها شكلاً يشبه الوتد أو المرساة، وإنما يراها كتلاً بارزة ترتفع فوق سطح الأرض، كما عرفها الجغرافيون والجيولوجيون. ولا يمكن لأحدٍ أن يعرف شكلها الوتدي ، أو الذي يشبه المرساة إلا إذا عرف جزأها الغائر في الصهير البركاني في منطقة الوشاح، وكان من المستحيل لأحدٍ من البشر أن يتصور شيئاً من ذلك حتى ظهرت نظرية (سيرجورج ايري) عام 1855م .

فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة الغائبة في باطن القشرة الأرضية وما تحتها على أعماق بعيدة تصل إلى عشرات الكيلومترات ، قبل معرفة الناس لها بثلاثة عشر قرناً ؟

ومن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بوظيفة الجبال ، وأنها تقوم بعمل الأوتاد والمراسي، وهي الحقيقة التي لم يعرفها الإنسان إلا بعد عام 1960م ؟

وهل شهد الرسول صلى الله عليه وسلم خلق الأرض وهي تميد ؟ وتكوين الجبال البركانية عن طريق الإلقاء من باطن الأرض وإعادتها عليها لتستقر الأرض ؟

ألا يكفي ذلك دليلاً على أن هذا العلم وحي أنزله الله على رسوله النبي الأمي في الأمة الأمية ، في العصر الذي كانت تغلب عليه الخرافة والأسطورة ؟

إنها البينة العلمية الشاهدة بأن مصدر هذا القرآن هو خالق الأرض والجبال ، وعالم أسرار السماوات والأرض القائل :

﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان:6].

---------------------

(1) معنى الآية : أفمن كان على بينة من ربه كمن ليس كذلك ، والبينة البرهان الذي يدل على الحق ، والمعنى ويتلو البرهان الذي هو البينة شاهد يشهد بصحته من القرآن أو من الله عز وجل والشاهد هو الإعجاز الكائن في القرآن أو المعجزات النبوية . فتح القدير للشوكاني بتصرف وبنحوه ، قال الشنقيطي فيما نقله عنه تلميذه القادري في تفسير سورة هود ، وفي الشاهد أقوال أخرى انظرها مجموعة في زاد المسير لابن الجوزي .

(2) انظر سبب النزول : ابن الجوزي ، الطبري ، ابن كثير ، تفسير الجلالين .

(3) الخازن في مجموعة من التفاسير .

(4) تفسير ابن كثير .

(5) الفتاوى : 14/196 .

(6) وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين : [ ابن الجوزي ، الزمخشري ، أبو حيان ، الآلوسي ، الشوكاني، البيضاوي ، والنسفي ، والخازن ، الجلالان (جلال الدين المحلي ، وجلال الدين السيوطي ) .

 (7)دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة / موريس بوكاي ص 285-286 / دار المعارف 1977.

(8) العلامة صاحب التصانيف أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبدالله بن منظور الأسدي مولاهم الكوفي النحوي صاحب الكسائي ، له كتاب [معاني القرآن] توفي عام 207هـ .

(9) تفسير القرطبي .

(10) إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة الحجازي ثم الكوفي إمام مفسر من التابعين توفي عام 127هـ .

(11) تفسير أبي حيان .

(12) تفسير الطبري .

(13) Introduction to Oceangraphy David A. Ross, 2nd ed. , 1977, USA, pp. 37-39

(14) للباحث محمد إبراهيم السمرة الأستاذ بكلية العلوم- قسم علوم البحار- في جامعة قطر. قامت بالدراسة سفينة البحوث (مختبر البحار) التابعة لجامعة قطر في الخليج العربي وخليج عمان في الفترة (1404- 1406هـ) (1984-1986م).

(15) معجم المقاييس في اللغة : لابن فارس مادة مرج.

(16) معجم المقاييس في اللغة ، لسان العرب ، المفردات للراغب الأصفهاني .

(17) العلامة المحقق أبو القاسم الحسين بن محمد ابن المفضل الأصبهاني الملقب بالراغب صاحب تصانيف مفيدة توفي عام 502هـ .

(18) المفردات .

(19) محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري ، لغوي ، عمر وكبر وحدث ، له "لسان العرب" وهو من أوسع المعاجم في اللغة العربية توفى عام 711هـ .

(20) لسان العرب .

(21) أخرجه أحمد في المسند 2/237 ورواه الترمذي في الطهارة ب/ ماء البحر أنه طهور، وابن الجارود في المنتقى 1/23، وابن خزيمة في صحيحه 1/59، وابن حبان في صحيحه 4/49، والحاكم في المستدرك 1/237، وأبو داود في السنن ك/الطهارة ب/ ماء البحر وابن ماجة ك/ الطهارة وسننها ب/ الوضوء بماء البحر، ومالك في الموطأ 1/22، وقال في تلخيص الحبير 1/9-10: وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي، وقال (الحافظ ابن حجر): إن ابن عبدالبر حكم بصحته لتلقي العلماء له بالقبول. ونقل (الحافظ أيضاً) عن ابن منده ترجيحه صحته، قال: وصححه أيضاً ابن المنذر وأبو محمد البغوي. وكذلك ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي .

(22) منهم : ابن الجوزي ، الزمخشري ، وأبو حيان ، والقاسمي، والخازن، والنسفي .

(23) لسان العرب .

(24) الصحاح. والجوهري هو إمام اللغة أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي صنف كتاب " الصحاح" وهو معجم في اللغة ، توفي بنيسابور عام 393هـ .

(25) المفردات .

(26) عبدالرحمن بن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ، محدث مؤرخ حافظ مفسر واعظ فقيه وله مؤلفات متعددة توفي ببغداد عام 597هـ .

(27) إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، نحوي لغوي مفسر، من كتبه "معاني القرآن" توفي عام 311هـ .

(28) زاد المسير .

(29) محمد بن يوسف بن علي بن ابن حيان الغرناطي الجياني ، نحوي مفسر له تآليف منها البحر المحيط في التفسير توفي بالقاهرة عام 745هـ.

(30) البحر المحيط .

(31) الجامع لأحكام القرآن .

(32) محمود بن عبدالله محمود الحسيني الألوسي مفسر محدث لغوي أشهر تآليفه "روح المعاني" في تفسير القرآن توفي ببغداد عام 1270هـ.

(33) روح المعاني .

(34) منهم : ابن الجوزي ، الزمخشري ، وأبو حيان ، والقاسمي، والخازن، والنسفي .

(35) Websters Seventh New Collegiate Dictionary

(36) الفكرة الجيولوجية عن الجبال في القرآن / الدكتور زغلول النجار ص3 (بالإنجليزية) ، 1992 إصدارات هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة- رابطة العالم الإسلامي/ مكة

(37) المرجع السابق .

(38)المرجع السابق ، ويقول : وإن جبلاً ذا متوسط جاذبية نوعية مقداره 2.7 (وهي جاذبية الجرانيت) يمكن أن يغطس في طبقة من الصخور البلاستيكية متوسط جاذبيتها النوعية حوالي 3.0 ، حتى يطفو مرسلاً جذراً يبلغ حوالي تسعة أعشار امتداده الكلي ، وتاركاً عشر حجمه الكلي فقط فوق سطح الأرض. وفي بعض الحالات تكون نسبة جذر الجبل إلى ارتفاعه الظاهر 15 إلى 1 تبعاً لتركيبة صخوره .

(39) تسمى المنطقة اللزجة "منطقة الوشاح" .

(40) زاد المسير .

(41) محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، له باع في اللغة والبيان والتفسير، أخذ بمذهب الاعتزال ودافع عنه، له "الكشاف" في التفسير وغيره من المؤلفات توفي عام 538هـ، وكلامه المذكور في كتابه الكشاف.

(42) الجامع لأحكام القرآن .

(43) البحر المحيط .

(44) محمد بن علي الشوكاني اليماني أحد العلماء المشهورين. له مؤلفات منها التفسير والدراري المضيئة والسيل الجرار وغيرها توفي عام 1250هـ بصنعاء .

(45) الشوكاني فتح القدير .

(46) أنس بن مالك بن النضر الخزرجي الأنصاري أبو ثمامة أو أبو حمزة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخادمه روى عنه كثيراً من الأحاديث رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة وبها توفي سنة 93هـ .

(47) أخرجه الترمذي في آخر كتاب التفسير من سننه واللفظ له، وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه (تحقيق أحمد شاكر وآخرين) وأخرجه أحمد في مسنده 3/124، وأبو يعلى في مسنده 7/682، وعبد بن حميد في مسنده 1/365 ، والبيهقي في شعب الإيمان 3/244 ، والأصبهاني في العظمة 4/1353 ، وفيه سليمان بن أبي سليمان الهاشمي، قال الذهبي في الكاشف : مجهول ، وقال ابن معين : لا أعرفه ، وقال ابن حجر : مقبول من الثالثة، وحسن إسناده المقدسي في المختارة 6/153 –154.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإيمان بالبعث
الثلاثاء 29 يناير 2013

الإيمان بالبعث

 

 تعريف البعث والنشور لغة واصطلاحاً :

 

البعث في اللغة :

 

يأتي على ثلاثة معاني هي : الإرسال ، والإثارة ، والقوم المبعوثين.

 

قال الخليل بن أحمد(1): "البعث : الإرسال ، كبعث الله من في القبور . وبعثت البعير: أرسلته وحللت عقاله ، أو كان باركا فهجته ، قال :

 

أنيخها ما بدا لي ثم أبعثها *** كأنها كاسر في الجو فتخاء

 

وبعثته من نومه فانبعث أي نبهته , ويوم البعث : يوم القيامة . وضرب البعث على الجند إذا بعثوا ، وكل قوم بعثوا في أمر أو في وجه فهم بعث ، وقيل لآدم ابعث بعث النار ، فصار البعث بعثا للقوم جماعة ، هؤلاء بعث مثل هؤلاء سَفْر ورَكْب"(2), وقال ابن فارس : "البعث هو الإثارة يقال : بعثت الناقة إذا أثرتها"(3).

 

وقال الجوهري(4): "بعثه وابتعثه : أي أرسله فانبعث ، وقولهم : كنت في بعث فلان أي في جيشه الذي بعث معه. والبعوث الجيوش"(5).

 

وقال الراغب(6): "أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه . يقال بعثه فنبعث ، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به ، فبعثت البعير أثرته وسيرته وقوله عز وجل : ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ﴾ [ سورة : الأنعام : 36] ، أي : يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة بعثرت، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ [سورة الانفطار:4] ، أي : قلـب ترابها أثير ما فيها"(7).

 

وقال ابن منظور(8): "بعثه يبعثه بعثاً : أرسله وحده ، وبعث به : أرسله مع غيره . وابتعثه أيضا : أي أرسله فانبعث . انبعث الشيء ، وتبعث: اندفع . وبعثه من نومه بعثاً فانبعث : أيقظه وأهبه ، وتأويل البعث : إزالة ما كان يحبسه عن التصرف ، والانبعاث .. والبعث أيضا الإحياء من الله للموتى ومنه قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ... ﴾ [سورة البقرة : 56] ، أي : أحييناكم . وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث ، وبعث الله الخلق يبعثهم بعثا : نشرهم ، ... وبعث البعير فانبعث : حل عقاله فأرسله ، أو باركاً فهاجه"(9).

 

البعث في الاصطلاح :

 

هو إخراج الناس من القبور بإنشاء أجسادهم ، وإعادة أرواحهم لأجل الحساب , وهنالك تعريفات أخرى مرادفة أذكرها لمزيد الإيضاح، منها : البعث إعادة بناء الأجساد بعد فنائها ، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها(10) ، ومنها أما البعث فالمراد به: المعاد الجسماني(11) .

 

ومنها أنه : هو إعادة الإنسان روحاً وجسداً كما كان في الدنيا(12) . ومنها أنه : إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها ، فيخرجون من الأجداث أحياء مهطعين إلى الداعي كما ذكر الله تعالى : ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ ﴾ [سورة القمر:7](13), قال ابن كثير : "البعث هو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة"(14) .

 

  وبهذا تجد التطابق والترابط بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي لكلمة البعث . فالبعث في الشرع يشتمل على كل المعاني اللغوية لأنه إثارة لمن سكن القبور وهو إرسال للأجساد عن قبورها وللأرواح إلى أجسادها ، والناس جميعهم هم بعث الآخرة يرسلون ويوجهون بأشخاصهم إلى أرض المحشر للحساب .

 

والنشور مرادف البعث في المعنى ، يقال : نشر الميت نشوراً ، إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله : أحياه ، فإذا شاء الله تبارك وتعالى إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فينفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد ، ويقوم الناس لرب العالمين(15).

 

 

حكم الإيمان بالبعث :

 

الإيمان بالبعث واجب لا يقبل الله إيمان عبد إلا به وهو جزء من أحداث يوم القيامة الركن السادس من أركان الإيمان ، المسمى باليوم الآخر ، والمسمى بيوم القيامة ، والمسمى بيوم البعث . وقد تعددت وتنوعت أسمائه وأوصافه لتنوع الأحداث التي تكون فيه فهو اليوم الآخر لأن ما قبله سابق وهو الأخير .

 

وهو يوم القيامة لأن الناس جميعاً يقومون من قبورهم لرب العالمين ويقومون في محشرهم لمجيء الرب سبحانه لفصل القضاء، وهو يوم البعث لأن الناس يبعثون فيه من قبورهم ويخرجون إلى محشرهم .

 

ثبتت حقيقة البعث في الكتاب والسنة وتتابعت نصوص الوحي بوجوب الإيمان به  فصار الإيمان به من الأمور المعلومة بالضرورة عند أهل الملة . وقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة للتأكيد عليه والتكفير لمنكره ، ولم تحظى قضية في القرآن والسنة بالتدليل والتأكيد عليها مثل قضية البعث ؛ فمن نصوص الكتاب العزيز قوله تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [سورة التغابن:7] .

 

ومن نصوص السنة الشريفة : ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما : عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس فأتاه رجلُُ فقال : ما الإيمان ؟ قال :  الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وبلقائه ، ورسله ، وتؤمن بالبعث ..»(16).

 

وعند احمد وغيره : عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا يؤمن عبدُُ حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت ، وحتى يؤمن بالقدر »(17) .

 

كذلك فإن البعث مما تستلزمه العقول وتستوجبه , ولتلك النصوص السابقة كان من لم يؤمن بالبعث كافرٌ خارجٌ عن الملة . وقد أجمع أهل ملة الإسلام على ذلك .

 

كيفية البعث :

 

إن معرفة طبيعة البعث ، وتصور كيفيته أساس لبناء الإيمان باليوم الآخر ، فبانعدامها تبقى ضبابية الرؤية ، ويجد الريب طريقة للقلوب .

 

إن أساس الريب هو غياب الشعور بعظم الخلق ، واستحضار الشعور بعظم الفناء الذي يجري على المخلوقات، ولأنه فناء عظيم استعظمت النفوس المعاد لتلك الأجساد بعد فنائها ، وظل الشياطين ينسجون على هذا الشعور الشك والريب في العودة خلقا جديداً لأجل هذا لابد أن نعرف تفاصيل كيفية البعث حتى يكون المعتقد عن الآخرة سليما والتصور لها صادقا.

 

وفي البداية يحسن أن أنبه إلى خطورة العادات التي أنستنا جمال الكون وعظم الخلق الأول ، تلك العادات التي جعلتنا ننظر إلى المخلوقات من حولنا نظرة تبلد لا انفعال وتأثر ، في حين أنه لو رأى دمية لاشتد إليها طرفه ، وتوجه عنها سؤاله . وهنا يظهر مدى الغفلة والسدور المسيطر علينا . كم أصداف وأسماك ؟ كم ممالك للنمل والنحل والطير ؟ كم لغات وأصوات ؟ كم أشجار وجداول وبساتين ؟ كم كواكب ونجوم ومجرات ؟ ، كل هذا غطت عليه العادات وجعلت الناظر كغير الناظر حتى صار الحال كما قال الله  تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [سورة  يوسف : 105] .

 

ويقول الشوكاني : "وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة وهي التفكر ، والاعتبار ، والاستدلال(18). إن عظمة هذا الخلق لا ينكرها أحد ، لكنه لا يذكرها إلا إذا فنيت فقط . ولو أنا نظرنا إلى المخلوق نظرة المتأثر وجوداً وعدما ، لكان تصور البعث لا ضبابية فيه وتصديقه لا مرية معه" .

 

وحتى لا يتكرر الشك ، ولا يوجد الريب في مسألة الإيمان بالآخرة إليك تفصيل عن كيفية البعث ،إعمالاً لواجب النظر في الخلق وتبيناً لكيفية البعث يوم القيامة أمر بالنظر ، ومن أعظم مجالات النظر الأنفس التي قال الله عنها : ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات : 21]  ، وذلك بالتعرف أولاً على الأجزاء الأساسية والرئيسية التي يتركب منها الإنسان ، وبالتعرف ثانياً على حالها عند فناء الإنسان عن هذه الدار ، ودورها ثالثا في التركيبة الجديدة لإنسان الآخرة .

 

أولاً: كيفية التركيب لأجزاء الإنسان عند خلقه :

 

الأجزاء التي تركب منها الإنسان ثلاثة : الأصل الآدمي ، والجسد ، والروح .

 

1-   الأصل الآدمي :

 

ونقصد بهذا الأصل الجزء الصغير الذي جاء من ظهر آدم وهو مشتمل على الحامض النووي DNA  وما يشتمل عليه من الخارطة الوراثية للإنسان هذا الأصل هو كالبذرة للنبات ، وهو جزء تناقلته أصلاب الآباء إلى أن ظهر كل فرد عن أصله من لدن آدم إلى آخر مولود يولد على وجه الأرض .

 

كل هذه الأصول كانت مجتمعة في ظهر آدم عليه السلام ، هذه الأصول لدقه تناهيها في الصغر لو اجتمعت لكانت شيئاً صغيراً جداً .

 

وقد أشار القرآن إلى حقيقة أن هذه الأصول كانت في ظهر آدم عليه السلام قال تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف : 172].

 

قال الشوكاني بعد أن ذكر الأقوال في معنى الإشهاد : " والمعنى أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته ، وأخذ عليهم العهد ، وهؤلاء : عالم الذرة وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ، ولا المصير إلى غيره ، لثبوته مرفوعاً إلى النبي صلى عيه وسلم وموقوفاً على غيره من الصحابة ، ولا مُلجئ إلى المصير إلى المجاز ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل "(19) .

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال : ﴿..أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ إلى قوله : ﴿..الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172-173](20) .

 

وقال ابن كثير: "أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه قال : أخرج الله ذرية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في أذى من الماء" . وقال ابن جرير : "عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ... ﴾ [الأعراف : 172] ، قال : أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم : ﴿ ... أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ...﴾ [الأعراف : 172] ، قالت الملائكة : ﴿... شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف : 172](21) ، هذا الأصل صار عبر رحلة الماء الدافق إلى الأرحام أساس التخلق البشري الذي قال الله عنه : ﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ [سورة الطارق:5-7]، وهذا وصف شامل للماء الذي يحمل هذا الأصل والذي يأتي من الرجل والمرأة وانه دافق ودافق بمعنى مدفوق ، والدفق الصب . قال الزجاج : "من ماء ذي اندفاق... فالدافق هو المندفق بشدة قوته "(22) .

 

وقد اشتمل الماء الدافق للرجل على السلالة التي جعل الله النسل منها ، والعاقل يقف متدبرا لهذا الماء الدافق  المشتمل على مالا يحصى من الحيوانات المنوية ، من المتحكم فيه وكيف كان الاختيار فيه للمنوي المخصص للشخص المخصوص إنه لا يسعنا إلا أن نقول سبحان الخلاق العليم .

 

وهذه نقطة الغيب التي لا يعلمها إلا الله فهو الذي يقدر اللحظة التي يتم فيها انتقال ذلك الأصل المحمول عبر الماء الدافق ، والتي يتم فيها الاختيار الخاص لسلالة الإنسان المعين ، واستنقاصها من بين ذلك الماء المتشابه في حيواناته التي لا يحصيها إلا الله الذي أحصى كل شيء عددا ، وقد اخبرنا الله عن هذه السلالة بقوله : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ [ المؤمنون : 12] .

 

 قال الشوكاني : " والمراد بالإنسان الجنس، لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم ، وقيل : المراد به آدم . والسلالة : فعالة من السل ، وهو استخراج الشيء من الشيء ، يقال سللت الشعرة من العجين والسيف من الغمد فانسل ، فالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة أيضا ... والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من طين ، لأن الأصل آدم وهو من طين خالص ، وأولاده من طين ومني "(23).

 

وقال ابن كثير في قوله  : ﴿  ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [السجدة:8]، " سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل ، وتنفصل عنه "(24) .

 

وفي اللغة يأتي لفظ سلالة في اللغة بمعاني منها : ( انتزاع الشيء في رفق ) ، كما تعنى ( السمكة الطويلة )(25)، وإذا نظرنا إلى المنوي سنجده سلالة تستخلص برفق من الماء المهين ، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [ سورة السجدة:8 ](26).

 

2-   الجسد :

 

بعد أن تصير سلالة الإنسان نطفة في الرحم تتخلق تلك النطفة وتأخذ في أطوار البناء للجسد، ولنستمع إلى القرآن يصف لنا ذلك التطور قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [سورة المؤمنون:12-14] ، وقوله تعالى : ﴿  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ ، هذا الجعل هو البداية الظاهرة لبناء الجسد الإنساني ، وهذه النطفة هي النطفة الأمشاج أي التي تم لها الإخصاب - اندماج المنوي في البويضة - فهي جزء من ماء الرجل وجزء من ماء المرأة ، وهي تأخذ شكل القطرة فهي نطفة ، ( وهي أمشاج لكونها تتكون من أخلاط متعددة  تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين )(27).

 

وفيها يبدأ الانقسام والتكاثر فيأخذ الجنين في أطواره إلى أن يتم إكمال بناء الجسد الإنساني عبر الأطوار التي تتبع طور النطفة ، هذه النطفة الأمشاج تعلق بها جانبان :

 

الأول - الخلق ، والثاني التقدير ، وفيما يلي تفصيل عن ذلك :

 

أ - الخلق :

 

وهو البداية لوجود الكائن الإنساني ، فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثيا ، كما يوجد في البويضة (23) حاملا وراثيا. ويمثل هذا نصف عدد حاملات الوراثة في أي خلية إنسانية ويندمج المنوي في البويضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحوى عددا من الصبغيات ( الكرموسومات ) مساويا للخلية الإنسانية (46) وبوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني ، ويتقرر به خلق إنسان جديد لأن جميع الخطوات التالية ترتكز على هذه الخطوة ، وتنبثق منها ، فهذه هي الخطوة الأولى لوجود المخلوق الجديد .

 

 

ب- التقدير ( البرمجة الوراثية ) :

 

وبعد ساعات من تخلق إنسان جديد قي خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى ، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقيل الصفات السائدة ، كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة ، وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها ... وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين : ( الخلق والتقدير ) ، في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى : ﴿  قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾ [ سورة عبس:17-19 ].

 

ج- تحديد الجنس :

 

ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة وإلى هذا تشير الآية : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ [ النجم : 45-46]  ، فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البويضة يحمل الكروموسوم (y) كانت النتيجة ذكرا وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم (X) كانت النتيجة أنثى(28), فتدبـر في هذا الأصل الصغير ماذا ينبني عليه وهو يمثل البذرة التي تختزل أوصاف النبات وعلى أساسها تكون حياته ونماؤه .

 

-    الحرث ( الانغراس ) :

 

وتكتمل مرحلة النطفة الأمشاج باستكمال انغراسها في جدار الرحم وهو الحرث: " وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض ... ويكون عمر النطفة حينئذ ستة أيام ، وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة ، وفيها ينتقل الحمين من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة ، وذلك في اليوم الخامس عشر "(29) .

 

وقال ابن جرير في قوله تعالى : ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ [المرسلات:21] : " ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين وهو حيث استقرت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة ، ووصفه بأنه مكين لأنه مكن لذلك ، وهيأ له ، ليستقر فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا ، وقوله : ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾ [ المؤمنون :14]   يقول : ثم صيرنا النطفة التي جعلناها نطفة في قرار مكين علقة . وهي القطعة من الدم. ﴿ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ﴾ [المؤمنون:14] ، يقول : فجعلنا ذلك الدم مضغة وهي القطعة من اللحم ، وقوله : ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ﴾ [المؤمنون:14]  يقول : فجعلنا تلك المضغة من اللحم عظاماً "(30).

 

وقال الشوكانى : "﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾ [المؤمنون:14] : أي أنبت الله سبحانه على كل عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ [ المؤمنون:14] أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جماداً ، وقيل : أخرجناه إلى الدنيا وقيل : هو نبات الشعر ، وقيل : خروج الأسنان ، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه ، ولا مانع من إرادة الجميع . والمجيء بثم لكمال التفاوت بين الخلقين ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [سورة المؤمنون:14] أي استحق التعظيم والثناء "(31) .

 

فهذه مراحل النمو (التخلق البشرى) بينتها الآية ، وبهذا نكون قد عرفنا كيفية بناء الأجسام عن ذلك الأصل .

 

3-   الروح :

 

الروح شيء من خلق الله لا يعلم حقيقته إلا الله ينفخه الملك في جسد الجنين . فيكون هو الحياة التي تسمى نفساً ، وبها يكون اكتمال نشأة الجنين . والروح من أمر الله تتعلق بالإنسان بعد تسويته كما أخبر سبحانه : ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [سورة السجدة:7-9] ، والآية تبين البداية التي يتم فيها تعلق الروح بالجسد وهي الفترة التي اكتملت فيها أطوار خلق الجنين ، ونجد تفصيل هذا فيما أخبرنا عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد»(32). فالروح تسكن الجسد بنفخ الملك لها في جسم الجنين في بطن الأم فتتركب منهما النفس الإنسانية ، قال ابن كثير: "... فحاصل ما نقول إن الروح هي أصل النفس ومادتها والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن ؛ فهي هي من وجه لا من كل وجه ، وهذا معنى حسن والله أعلم "(33).

 

ثانياً كيفية تفكيك أجزاء الإنسان عند الموت :

 

قبل أن نعرف كيفية التركيب لجسم الإنسان في الآخرة علينا أن نتذكر كيفية التفكك الذي يحدثه الموت لأجزاء الإنسان .

 

فناء الروح :

 

من المعلوم أن الإنسان عند الموت أول ما يفنى منه الروح وذلك بعد خروجها من الجسد ومفارقتها له ، وهو موتها ، وذلك بإخراج الملك الموكل بقبض الأرواح لها ، ووضعها في برزخ النعيم أو برزخ العذاب بحسب عملها ، وهذه من أدق المراحل وأخطرها ؛  لذلك نجد القرآن يؤكد عليها ، وهي أول جزء يؤخذ من الإنسان عند فناءه ، وآخر جزء يضاف إلى الإنسان عند إعادته.

 

لقد جاءت الروح ومعها من يحملها وينفخها في الجسد ، وهي تفنى ومعها من يأخذها وينتزعها من الجسد قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ  [ سورة الأنعام:61, 62] ، وقوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ﴾ ، أي احتضر ، وحان أجله ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ ، أي ملائكة موكلون بذلك . قال ابن عباس وغير واحد : " لملك الموت أعوان من الملائكة ، يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم .. ﴿ وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾  ، أي في حفظ روح المُتَوفى ، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل إن كان من الأبرار ففي عليين وإن كان من الفجار ففي سجين عياذاً بالله من ذلك "(34).

 

هنا يتوجه السؤال لإظهار عجز العاجزين ، وضعف الخلق أجمعين : ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ  [ سورة الواقعة:82-85] , إنه مشهد مهيب أذهل ناظريه ، وأظهر عجزهم الشديد أمام هذا الأخذ المتحكم بلا منازع ، لا يملك هؤلاء إلا التمني والترجي لبقاء حياة المحتضر ، ولكن هيهات فقد جاء أمر ربك وانتهي زمن الإمهال ، إنها نهاية صعبة لا قبول فيها لشافع أو صديق حميم ، وتؤخذ الروح وتوضع في عليين أو في سجين بحسب حالها في الدنيا .

 

فناء البدن :

 

ويعقب فناء الروح فناء البدن فبعد خروج الروح منه يصبح متغيراً إلاَّ الأنبياء ومن شاء من خلقه فيوضع في التراب ليتحلل إلى أصله التراب الذي جاء منه كما قال الله تعالى : ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [ سورة طه:55] ففنائها إعادتها إلى التراب .

 

قال الشوكاني ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ : "وما بعده راجع إلى الأرض المذكورة سابقاً . قال الزجاج وغيره : يعنى أن آدم خلق من الأرض وأولاده منه ، وقيل المعنى إن كل نطفة مخلوقة من التراب في ضمن خلق آدم لأن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه ﴿ مِنْهَا ﴾ [ سورة طه : 55] ﴿ وَفِيهَا ﴾ أي : في الأرض ﴿ نُعِيدُكُمْ ﴾ بعد الموت فتدفنون فيها وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض ، وجاء (بفي) بدون ( إلى) للدلالة على الاستقرار, ومنها (أي : الأرض نخرجكم تارة أخرى) ، أي بالبعث والنشور وتأليف الأجسام ورد الأرواح إليها على ما كانت عليه قبل الموت"(35).

 

وفناء الأجسام محاط بعلم الله الذي أحاط بكل شئ علما فهو يعلم السر وأخفي وقد أكد الله هذا المعنى بقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [سورة ق: 4].

 

شرح ذلك ابن كثير قائلاً : " أي ما تأكل من أجسادهم في البلى نعلم ذلك ، ولا يخفي علينا أين تفرقت الأبدان ، وأين ذهبت ، وإلى أين صارت. ﴿ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ ، أي : حافظ لذلك ، فالعلم شامل ، والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء محفوظة . قال العوفي(36): عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ أي : ما تأكل من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم "(37).

 

أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض :

 

وفناء الأبدان خاضع للقانون الذي يختاره الله فما شاء أفناه ، وما شاء أبقاه ، وإن أجساد الأنبياء قد حرم الله على الأرض أن تأكلها ففي الحديث : عن أوس بن أوس(38) رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، وفيه النفخة ، وفيه الصعق ؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا : يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعنى قد بليت -  قال :  إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم »(39) , وهذا من خصوصيات الأنبياء تكريماً لهم وتعظيماً ، وهو إعلام بعظيم قدرة الله عز وجل على فعل الشيء وضده فهو خالق السنن والقوانين سبحانه .

 

فناء الأصل الآدمي :

 

أما الأصل الآدمي ففناؤه ببقائه متفرداً ، وهو كالبذرة تحتفظ بخصائص النبات ، وهو أيضاً يحتفظ بخصائص الجسد , هذا الأصل يبقى في الأرض لا يتغير ولا يقع عليه الفساد ، ولا يؤثر عليه شيء قد أحاطت به قدرة الله عز وجل التي حفظت أصول كل الأشجار والنباتات اليابسة .

 

ثالثا كيفية تركيب أجزاء الإنسان عند البعث :

 

على أساس معرفة التركيب والتفكيك لجسم الإنسان في الدنيا ، نتعرف هنا على كيفية التركيب لإعادته يوم البعث.

 

وقبل التفصيل أضرب هذا المثل : إذا فككت آلة ثم أردت إعادة تركيبها فإن العادة قد جرت بالبدأ بآخر الأجزاء تفكيكا والانتهاء بأولها حتى يتم التركيب لذلك الجهاز أو تلك المكنة . إن هذه سنة ثابتة تكاد أن تعم كل المصنوعات والمركبات ولله المثل الأعلى فهو خالق الخلق وجاعل السنن في كل ما عمله سبحانه أو عملته أيدينا ، ومن ذلك سنته في كيفية إعادة تركيب الإنسان وهي :

 

 

أولا حفظ الأصل الآدمي :

 

إن الأصل الآدمي هو ذلك الجزء المتناهي في الصغر المتناسل من آدم عليه السلام، وهو أصل قد حفظه الله من البِلى والتغير ، كما حفظ أصول النباتات والأشجار وان مرت عليها سنون القحط والجدب ، فهو كتاب حفيظ اشتمل على الجينات (الكروموسومات) حاملات الوراثة ولعل الله يشير إلى هذا الكتاب الخلقي في قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ  [ سورة ق:4] ، وهو حفيظ بمعنى حافظ أو بمعنى محفوظ ، والمعنيان مقصودان والله أعلم .

 

إنه محفوظ بقدرة الله التي حفظت أصول النباتات والأشجار ، وعلم الله محيط بكل ذلك ، وهذا الأصل حافظ في نفسه لكل الصفات والسمات الجسدية وعلى أساسها يكون تركيب الجسد مرة أخرى ففي الحديث عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : « كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب(40)  منه خلق وفيه يركب »(41)، فيبدأ التركيب من هذا الأصل بسريان الحياة فيه وإعادة سنة الانقسام والتكاثر فيه بعد نزول المطر على الأرض الذي هو كمني الرجال ؛ فتبدأ النشأة الثانية بقدرة الله .

 

وفي رواية لمسلم أيضا قال قال رسول الله صلى عليه وسلم : « إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة ، قالوا : أي عظم هو يا رسول الله ؟ قال: عجب الذنب ».(42)

 

 

ثانيا تخلق الجسد :

 

في يوم البعث تعود الأجساد بعد بلائها وتنشأ في تراث الأرض فتنشر العظام وتكسى باللحم بقدرة الله عز وجل , وقد علمنا أن أصل هذه الأجساد هو الأصل الآدمي وأنه لها كالبذرة للنبات . ولعودة الحياة إلى الجسم مرة أخرى لابد من عمليتين أساسيتين أولهما دبيب الحياة في الأصل الآدمي ، وثانيهما نبات الجسم وتطوره عن ذلك الأصل ، وهاتان العمليتان تتم بتهيئة الحال المناسب لانتشار الحياة في الأصل الآدمي وقد توصل العلماء إلى ما يسمى بالحامض النووي DNA وأنه أساس التحكم في عمل الخلية(43)، وقد علمنا من الخلقة الأصلية أن الحياة تدب فيه بالماء المناسب وهو المني ، وفي الوسط البيئي المناسب وهو الأرحام . وهنا تتكرر السنة عند إرادة الخلق مرة أخرى فيرسل الله ماء مناسباً لحياته ، ويجعل الله الأرض رحماً عاماً لتشمل الإعادة كل الخلق ، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم:« ما بين النفختين أربعون ، قالوا : يا أبا هريرة أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون شهراً ؟ قال : أبيت . قالوا : أربعون سنة ؟ قال : أبيت ، ثم ينزل من السماء ماء ، فينبتون كما ينبت البقل ، قال : وليس في الإنسان شيء إلا يبلى ، إلا عظم واحد ، وهو عجب الذنب فيه يركب الخلق يوم القيامة »(44) ،  فإذا نزل هذا الماء فإن الحياة تنشأ في حامض ذلك الأصل وتبدأ الجينات تقوم بعملها بإذن ربها ويبدأ النسخ للأجناس البشرية ، وتبدأ عملية التكاثر والانقسام للخلايا الجسدية فينبت الجسم كما أخبر البني صلى الله عليه وسلم في الحديث : «فينبتون كما ينبت البقل» ، ولنقف عند صورة البقل وهو ينمو من بذرة البقل الصغيرة شيئا فشيئا ، تأخذ وتسترسل طولاً وعرضاً داخل التربة بقدرة الله سبحانه وتعالى ، وهكذا كيفية خلق الإنسان عند البعث ، لذلك يبعث الناس على حالتهم الأصلية فتعود إليهم الغرلة التي في مذاكيرهم ، وإن كانوا قد ختنوا في الدنيا ؛ فإن سجلها موجود في ذلك الأصل , وتعود الأجساد كما بدأت تماما .

 

إن الله يقول عن الخلق الأول : ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا  [سورة نوح:17] أي : أنه نشوء من الجزء الصغير إلى الجزء الأكبر ، وهو نمو من جزء واحد لا من مجموعة أجزاء - كالشجرة عندما تنبت لا تنبت من أصول متعددة - وإذا كان مبدأ الخلق كذلك فمعاد الخلق كذلك كما يوجبه النص ، فيعود الجسد من ذرة واحدة لا من جميع الذرات ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن مبدأ الخلق : « ما من كل الماء يكون الولد»(45)  وهذا معلوم عند علماء الأجنة أن المنى يحتوى على ما لا يحصى من المنويات ويكون الجنين من واحد منها فقط ، وعلى هذا يتم القول بأن ما من كل الذرات يعود الجسد يوم القيامة لقول الله تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [سورة الأعراف:29] ، وهذه مقايسة في غاية الصحة والوضوح كما هو بين من التشبيه في الآية الكريمة .

 

معاد الأجساد حقيقة لا ريب فيه :

 

قد اشتهر الخلاف حول نوع معاد الإنسان في الآخرة : أهو معاد روحاني ، أم معاد جسماني ؟ وقبل الإجابة نسأل هل الجسد الذي يعيش من بلغ من العمر (40) عاما هو نفس الجسد الذي عاش به وهو ابن (30) عاما ؟ .

 

إن العلم اليوم يؤكد أنه ليس هو ، وذلك أن جميع خلايا الجسم تتغير إلا الخلايا العصبية ويستعيض عنها الجسد خلايا جديدة ولكن ، بنفس المواصفات والهيئات والوظائف ، وتصبح تلك الخلايا التي تخلص منها الجسم ذرات ميتة تستحيل إلى التراب(46)

 

فجسدك اليوم غير جسدك في الماضي وهو في نفس الوقت لا ينسب إلى غيرك لأنه مهما تغير يحمل صفات جسدك الأساسية لا صفات الغير ، والأصل الآدمي في الآخرة ينبت الجسم منه كما نبت منه في الدنيا وذلك بنشاط الخلية الأولى وانقسامها ، والخلية عندما تنقسم تحمل مواصفات الخلية التي انقسمت منها كاملة ، إلا أن بيئة التخلق في الآخرة عامة وهي تربة الأرض ، وبيئة التخلق في الدنيا محدودة وهي أرحام الأمهات وكذلك الوسط المائي في الآخرة عامُُ يسقي الأرض كلها . ولسنا يوم القيامة محتاجين إلى جميع خلايا أجسادنا السابقة ولكن يكفي الأصل الإنساني ( البذرة ) ليبنى الجسد على أساسه بحسب الجينات الكامنة فيه كما هو الحال في الدنيا .

 

 فالجسم في الآخرة هو نفس جسم الدنيا لأنه يحمل نفس مواصفاته وصفاته ولكن بصورة أتم وأكبر, وهنا يمكن أن نعرف أهمية الشرع بالنسبة للعقل ، وسنعرف أن العقل سباح ماهر ، ولكنه في المحيط ، لذلك يحتاج إلى قارب .

 

إن الشرع هو الهادي للعقل إلى السداد ، والمقيد له عن الضلال و التيه ، وخير مثال ما نحن بصدده من معرفة طبيعة البعث وكيفيته ، ولننظر كيف يصاب العقل رغم حسن جوهره وبهاء منظره بالإعياء بحثاً عن الحقيقة وما أقربها إليه لو التفت إلى الهدي القرآني والنور النبوي .

 

إن القرآن الكريم يخاطب كل المستويات العلمية في شتى الأزمنة والمواقع ، ولو رفض الناس دلالات القرآن بحجة أن العقول تحار في إدراكها لكان ضلالا فليس معيبا قبول ما تحار فيه العقول وهي لا تستحيله إذا جاء من خبر الغيب الصادق , إن الكشوف العلمية اليوم تكشف لنا الحيرة في كثير من الأمور وتصير الأمر غير المقيس كالأمر المقيس .

 

وعلى ضوء ما كشف للناس من العلوم لو قلنا : بالقول الأول إن الجسد في الآخرة جسد جديد لا يلزم أن يكون أصله الجسد الأول لكنا مخطئين لخروجنا على أصل السببية، وهي سنة في الخلق الأول ، وقد أخبرنا الله أن الخلق الثاني كالخلق الأول في قوله سبحانه  : ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  [ سورة الأعراف:29] فلابد من بذرة ، ولابد من غذاء  الأرض ولابد من ماء . ولو قلنا : بالقول الثاني إن الجسد في الآخرة هو نفس الجسد بمعنى أن الذرات هي نفس الذرات بأعيانها والتي استحالت ترابا وصارت من خصائصه المحايدة في الغالب ، لكنا أيضا مخطئين لأن هذا يستلزم وجوب عدم تحلل خلايا أجسام الموتى ، وهذا لا يكون إلا لبعض عباد الله ومنهم الأنبياء وليس في ذلك من شأن إلا التكريم الخاص ، والاستحالة(47) مع الإعادة تستوجب بقاء الأصل ، والأصل محفوظ وعليه يتركب الجسد مرة أخرى وهو الصحيح . فلو كانت الاستحالة بل إبقاء للأصل لكان المعاد مستحيلا وليس في الشرع الصحيح مستحيل يلزم قبوله ، ولكن يكفي للمعاد بقاء الأصل وحفظه بقدرة الله وعلمه  كما حفظه من قبل لتقدير ما تحتاجه الأجساد لتركيبها للمعاد والله الهادي إلى طريق الرشاد، ولا ضرورة توجب تعليل معاد جميع الذرات بقدرة الله مع وجود سنته هذه في خلقه ولا تبديل لخلق الله .

 

ثالثا عودة الأرواح إلى أجسادها :

 

بعد اكتمال الأجساد يبث الله الأرواح ويرسلها إلى أجسادها وتأتي كل روح فتتعرف على جسد صاحبها فتدخله وذلك عند نفخة الإحياء - النفخة الثانية - ففي الحديث : « إن الله تعالى يقول لإسرافيل : أنفخ نفخة البعث، فينفخ فتخرج الأرواح كأمثال النحل ، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده , فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد  ثم تدخل في الخياشيم فتمشي في الأجساد مشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق عنه الأرض فتخرجون منها شبابا كلكم أبناء ثلاثا وثلاثين 000 الحديث »(48), (49).

 

هذه الحال مشابهة لحالة الجنين في بطن أمه ، إذا اكتمل تخلقه أرسل الله إليه ملكا فينفخ فيه الروح كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق(50) فتتحرك الأجساد بالحياة وتصير كاملة الحياة فتقوم من رقدتها ، وتنشق الأرض ، عنهم كما تنشق عن النبات فيخرج الناس أحياء فذلك  هو البعث وهذه هي كيفيته.

 

 

 

أدلة الإيمان بالبعث

 

 1- الإخبار عنه في القرآن والسنة :

 

إن الذي خلق اليوم الآخر وخلق الجنة والنار قد أخبرنا عما أعد لعباده المؤمنين ، وتوعد به الكافرين ، فقال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾  [ سورة الحج:6, 7] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ  [ سورة الذاريات:5, 6]، وقال تعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ  [ سورة القيامة:1-4] ، وقال تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [ سورة التغابن:7] ، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن اليوم الآخر وهو الذي زار الجنة وراء النار في ليلة الإسراء والمعراج فهو شاهد العيان الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عن الإيمان :« أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»(51).

 

كما ذكرت السنة النبوية كثيراً من تفاصيل أحداث اليوم الآخر كالبعث والحشر والموقف والحساب والصراط والميزان والجنة والنار.

 

ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً» (52) ، قَالَتْ عَائِشَةُ : «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ فَقَالَ : الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ »(53) .

 

ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذكر النفخات التي تسبق قيام الناس من القبور، وفيه : « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ »، قال : « لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(54).

 

وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الميزان بقوله : « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء »(55).

 

وقوله صلى الله عليه وسلم في وصف الصراط : « وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ(56)، قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهَا لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ... »(57).

 

قال صلى الله عليه وسلم عن القنطرة : « إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ(58)  بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا »(59) .

 

وقال صلى الله عليه وسلم: « إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ.. »(60)

 

وقال صلى الله عليه وسلم : « قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ ، حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا ، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ : أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ – حسبت أنه قال : تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، لاَ هي أَطْعَمَتْهَا وَلاَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ –» قال نافع : "حسبت أنه قال : «مِنْ خشيش أو خَشَاشِ الأَرْضِ» "(61).

 

2- استحالة العبث ، ولن نترك سدى :

 

إن الحياة الدنيا بدون الحياة الأخرى تكون عبثاً، وتعالى الله عن العبث، فالحكمة ظاهرة في تضاعيف هذا الكون وبنائه وفي جميع خلايا الإنسان وأجهزته, وكل جزء في كيان الإنسان قد خلق لحكمة، فكيف تكون الحياة بأكملها عبثاً لا حكمة من ورائها ؟ فلابد أن هناك حكمة ، وإذا كانت لا تظهر في الدنيا فلابد من يوم آخر تظهر فيه، قال تعالى : ﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى  [سورة القيامة:36-40] .

 

3- العدل الإلهـي :

 

إذا رأيت جباراً يعتدي على طفل صغير فإن مشاعرك ستتحرك مستنكرةً لذلك العدوان ، ولكل ظلمٍ تراه , ولو أن حماراً يرى نفس المنظر للظالم ما تحركت مشاعر كراهية الظلم لديه، ذلك لأن الذي خلقك قد فطرك على حب العدل(62) ولم يفطر الحمار على ذلك .

 

وكل مخلوق من البشر قد فطر على نفس ما فطرت عليه أنت ، ولو جمعنا حب العدل الذي قسم بين الأولين والآخرين وفي نفوس الأنبياء والفضلاء والصالحين لما كان إلا قبساً من عدل الله العظيم لأن حب العدل صفة كمالٍ ، والخالق أكمل من مخلوقاته فهو صاحب العدل الكامل سبحانه .

 

ومن العدل أن يثاب المحسن ويعاقب المسيء ، فإذا عرفنا أن عدل الإنسان يأبى التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي، وعلمنا أن الله هو صاحب العدل المطلق والكمال الأعلى ورأينا موازين العدل لا تتحقق كاملة في الحياة الدنيا جزمت العقول بأن الله سيقيم العدل الكامل في حياة أخرى ، كما قال سبحانه : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ  [ سورة الجاثية:21] ، وقال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [ سورة القلم:35, 36] ، وقال تعالى : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [ سورة الأنبياء:47] .

 

4- دليل الحق :

 

لو أنك زرت بلداً متحضراً في حياته المادية ، ورأيت جميع الشوارع في جميع المدن معبدةً منارةً بأعمدة الإضاءة فإنك ستستنتج أن قانون هذه الدولة ونظامها يقضي بتعبيد الشوارع وإنارتها .

 

فإذا دخلت شارعاً في مدينة من هذه المدن ، ورأيت الحفريات وأعمدة الإضاءة ملقاةً على الأرض ومتناثرة فيه ستجزم بأن هذا الشارع لا بد أن يعبد ، ولا بد أن يضاء بالنور وأن تقام فيه أعمدة الإضاءة كبقية الشوارع في تلك البلاد، وجميع تلك المدن وفقاً لقانون تلك البلدة ونظامها ؛ لأن الحكومة التي من شأنها تعبيد الطرق وإضاءتها لا تترك هذا الشارع شاذاً عن نظامها ، إذا عرفت ذلك فتأمل في هذا الكون الذي أقام الله بناءه بالحق .

 

لقد خلق الله السماوات والأرض بالحق ، فانظر إلى خلايا جسمك وأنسجته وأعضاءه وأجهزته، سترى أن كلاً منها في موضعه الصحيح وشكله الصحيح ويؤدي وظيفته الصحيحة وأنها جميعاً قد خلقت بالحق شكلاً ووظيفة وموضعاً. وإذا تأملت في أجزاء سائر الحيوانات والنباتات وجدت ما تجده في نفسك من وضع كل شيء في موضعه المناسب وبحجمه وشكله الصحيح المناسب لوظائفه .

 

وإذا درست الأرض وتركيبها ستجد أن كل أجزائها من هواء وماءٍ وأرض وصخور وموقع في المجموعة الشمسية قد وضعت في أماكنها الصحيحة المناسبة لحياة ما عليها من كائنات .

 

وإذا تأملت في الشمس والقمر والنجوم والكواكب وجدتها بأحجام ومدارات وتركيب وسرعات محكمة موزونة متقنةٍ متناسبة مع كل جرم من تلك الأجرام ومتناسقة في بناء كامل قامت عليه السماء ، فيدلك ذلك على أن الحق الذي هو وضع الأمور في نصابها هو القانون الإلهي الذي قام عليه بناء الأرض والسماء .

 

والاستثناء هو ما تراه في حياة الناس ، فنجد الظالم مكرماً والمظلوم مهاناً في أحيان كثيرة. وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء ، وتجد العبد المتأله يعبد من دون الله، فلا ترى سنة إقامة الحق الذي شمل الأرض والسماء كاملة التحقق في حياة البشر .

 

فيدلنا ذلك على أن الذي أقام الحق في أجزاء الكون لابد أن يقيمه في حياة الناس ولابد أن تخضع حياة الناس للقانون الذي خضع له الكون . وما دام هذا القانون غير متحقق في الدنيا، فلابد من يوم آخر يقام فيه الحق ، كما قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ  [ سورة الجاثية21, 22] .

 

5- الأطماع الواسعة وحب الخلود :

 

لو نظرنا إلى خلق الأطراف (اليدين والرجلين) عند الجنين في رحم أمه ما فهمنا الحكمة من خلقها ، إذ أنه لا يمكنه استخدامها في ذلك المكان الضيق حيث لا تقوم الحاجة إليها. ولن تظهر الحكمة منها إلا عند خروجه من ذلك المكان إلى مكان أرحب حيث يحتاج لتلك الأطراف في السعي في الأرض . إذاً فخلق تلك الأطراف وإحكامها كان من أجل مرحلة تالية من الحياة .

 

والذي يقصر نظره على طور الرحم سينكر الحكمة من خلق تلك الأطراف عندما يراها لا تؤدي وظيفة. لكن الإحكام في خلق تلك الأطراف مشاهد، وإنكاره باطل، وعدم ظهور الحكمة في الطور الأول لا ينقض الإحكام ولكن يدل على ضرورة وجود طور آخر تظهر فيه الحكمة من ذلك الخلق الزائد عن سعة الرحم وحاجة الجنين في تلك المرحلة. وكذلك الأطماع الواسعة للإنسان في هذه الدنيا وحبه للخلود لا تتسع الحياة الدنيا على الأرض لتلبيتها، فكلما تحقق للإنسان مكسب من مكاسب الحياة سعى إلى مكسب آخر، وان أعطي وادياً من مال طلب آخر، كما قال صلى الله عليه وسلم : « لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ »(63).

 

ولو امتلك الإنسان نصف الأرض لطلب النصف الآخر ، ولو أعطي الأرض كلها لسلك سبيلاً إلى القمر . ولو عرض عليه أن يعمر ألف عام أو مليون عام أو أكثر من ذلك لطلب المزيد ، ولن يرضى إلا بالخلود . وما زلت قدم أبينا آدم عليه السلام من قبل إلا طمعاً بالخلود والملك الذي لا يبلى، كما قال تعالى : ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى  [ سورة طه:120] .

 

فهذان دليلان من فطرة الإنسان على أن حاجة فطرته أكبر من هذه الأرض وعمرها. ولما كان الخالق حكيماً لا يعبث ، والأرض لا تكفي لتلبية هذه الفطرة ، فالعقل يقضي بأن هناك طوراً آخر خلقت من أجله هذه الفطرة الزائدة عن حجم الأرض وعمرها ، قال تعالى : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ  [سورة ق:34, 35] .

 

6- دليل البدء والإعادة :

 

إن نسمة الهواء (الأوكسجين) التي تتنفسها تتحول في جسمك إلى ثاني أكسيد الكربون الذي تأخذه الأشجار فيعود مرة أخرى نسمة جديدة من الأوكسجين انظر ص : 85،87 , وإن ماء النهر يجري إلى البحر ثم يتبخر فيكون سحاباً ثم يصب مطراً فيعود أنهاراً تصب في البحار ، وإن صخور الأرض التي نعيش عليها تدخل في باطن الأرض فتصهر في باطنها الناري لتخرج حممًا بركانية فتعود صخوراً مرة ثانية على سطح الأرض .

 

وإن الصباح يأتي ثم يعقبه الليل ثم يعود الصباح مرة أخرى ، والقمر يبدأ هلالاً ثم يكتمل بدراً ثم يعود هلالاً كالعرجون القديم ، وإن النجم يبدأ من سحابة من دخان ثم ينفجر فيعود دخاناً .

 

إن الكون كله بدأ بانفجار عظيم ثم أخذ في التوسع وسيعود كما بدأ أول مرة ، فسنة الله في الكون بدء وإعادة ، وكما بدأ الله خلق الإنسان فسوف يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  [ سورة الروم:11] ، وقال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [ سورة الروم:27] ، وقال سبحانه : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [سورة العنكبوت19, 20] ، فالذي شأنه أن يعيد الخلق كما بدأه قادر على يعيد خلق الإنسان كما بدأه ، وهو سبحانه يرينا كيف يحيي المواد الميتة ، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [فاطر:9] ، وقال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة فصلت:39] ، وقال سبحانه : ﴿ وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا  [سورة مريم:66-68] .

 

7- دليل الثواب والعقاب :

 

ما جعل الله الدنيا دار جزاء ولكن كادت الدنيا أن تكون دار جزاء ، فكم نرى من المجرمين قد أحيط بهم بعد طول أجرام ؟ ! وكم من المظلومين يقتص الله لهم ممن ظلمهم ؟! وكم أخذ الله الأمم الكافرة بعد قوة وتقلب في البلاد ؟! وكم أجاب الله دعاء المؤمنين بالنصر على أعدائهم . فعندما استقام المسلمون على دينهم كان نصر الله يتنزل عليهم ، وعندما انحرفوا سلط الله عليهم أعداءهم, وعندما جاءت الدول الاستعمارية محاربة للإسلام ظالمة للمسلمين ؛ ثارت عليها الشعوب المظلومة وطردتها من بلادها. وعندما نشر الاتحاد السوفييتي الكفر والظلم والفساد حطمه الله وهو في أعز قوته.

 

 وهكذا من يتأمل في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات يجد أن الدنيا تكاد تكون دار جزاء يعاقب فيها المسيء ويكافأُ فيها المحسن ، وإذا تأملت هذا جلياً فإنك ستصل إلى نتيجة تدلك على أن الذي عجل للكافرين والظالمين بعض ما يستحقون من العذاب لابد أن يوفيهم في الدار الآخرة ما يستحقون من العقاب، كما قال سبحانه عن قوم عاد : ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ﴾ [ سورة فصلت:16] ، وقال تعالى عن المنافقين : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ  [سورة التوبة:101] .

 

وكما يعجل الله بعض العقاب للكافرين فإنه يعجل للمؤمنين بعض حسناتهم في الدنيا ويوفيهم أجورهم يوم القيامة. قال تعالى عن المؤمنين : ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ  [سورة النحل:30] ، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ ﴿ (النحل:122) ، وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  [ سورة النحل:41] ، فيكون بعض الثواب والعقاب من الله في الدنيا دليلا على الثواب والعقاب الكاملين في الدار الآخرة .

 

8- ظهور علامات الساعة :

 

لقد أخبرنا رسول الله صلى الله وسلم بأحداثٍ ستقع في الدنيا ، تكون علامات على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها(64)، مثل ما جاء في حديث جبريل عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة فقال : «.. أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ...»(65) ، وقد وقع ذلك بشيوع التسري (اتخاذ الإماء) فتلد لسيدها بنتاً تضم إلى أسرته وتبقى هي في الإماء ، وبعد ظهور النفط والمعادن رأينا من كانوا حفاة عراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد صدق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة والآخرة. وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً فسنرى الجنة والنار حقاً، وسيجد كل فريق ما وُعد به ، يقول تعالى : ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  [ سورة الأعراف:44].

 

 

 

ثمار الإيمان بالبعث

 

 

 

إن لكل شيء نؤمن به أثر يظهر على ذواتنا وأعمالنا ومقاصدنا ونشاطنا ورغباتنا زيادة ونقصا بحسب ذلك الشئ ، وليس من شئ أعظم من أمر المبدأ الذي أتينا منه ، ولا أعظم من أمر المعاد الذي ننتهي إليه ، فهما أعظم ما يشغل الإنسان العاقل وينفعل له .

 

وقد ذكرت في بدء البحث بعض تفاصيل المبدأ ثم استعرضت أمر المعاد العظيم ذلك المورد الجامع لكل شخص خرج من بطن أمه ، وذلك القيام الأعظم لرب العالمين .

 

وإن من عرف المعاد وآمن به لابد أن يغير من طبيعة حياته ، ونوعية اختياراته وأسبقية أولوياته ، فإنه المصدر الثاني لمادة التقوى بعد الإيمان بالله ؛ ففي المبدأ تتجلي آيات الله ، وفي المعاد يتحقق لقاؤه ، وهذه آثار الإيمان بغيب البعث لمن بلغ الإيمان به حد الشهادة أو أزيد .

 

 

المطلب الأول

 

قبول هدي الله واتباعه

 

 

 

بعد أن تيقنا أن الله هو الذي أبدأنا وأنه سيعيدنا ، يلزمنا أن نؤمن بضرورة الهدى الإلهي ، فإن فترة مابين المبدأ والمعاد بدون الهدي جهل وضلال ، وتعالى الله أن يترك خلقه بلا هدي كيف وقد تقررت هذه الضرورة عند مبدأ الخليقة حين أهبط آدم إلى الأرض ولابد من أمر الله تكميلا لخلقه وتحقيقاً لوعده في قوله : ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  [سورة البقرة:38] .

 

وهدي الله كتبه المنزلة على الأنبياء المؤيدين بالمعجزات ، وقد ختم الكتاب بالقرآن الكريم المصدق لما قبله والمهيمن عليه، وختم الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس جميعا .

 

وإن الإنسان يسعى للسعادة ويحرص على مجانبة الشقاوة ، وإن الخالق هو العليم بالأسباب المستوجبة للسعادة ، والأسباب الموصلة إلى الشقاوة ، قد جعل لذلك هدياً موجب للسعادة اتباعه وموجب للشقاوة إجتنابه .

 

وهدي الله عين الحق لأن مصدره الله ؛ فإذا ابتغينا الهدى في غيره ضللنا ، وأخطأنا ، وظلمنا أنفسنا .

 

وهدي الله كامل غير ناقص شامل لشئون الإنسان والحياة كلها الدنيوية والأخروية فلا سبيل للخطأ أو النقص إليه أبدا ، وهدي الله ضرورة لكل أمة ، فما من أمة إلا وأرسل الله إليها رسولاً يعلمها الهدى والنور حتى لا تبقى حجة للخلق على الله يوم القيامة .

 

فالخسران الذي ما بعده خسران هو مجانبة هدى الله عز وجل قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ [سورة طه:124-126] .

 

فإذا كان المبدأ منه والمعاد إليه لزم السؤال عن المعنى الذي خلق له الإنسان على سبيل التفصيل والإيضاح لا على سبيل الإجمال والإبهام فإن الإجابة هي ما جاء به الكتاب مفصلا وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً .

 

وكل من يؤمن بالبعث واليوم الآخر لابد أن يؤمن بالكتاب كما قال الله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [سورة الأنعام] .

 

وذلك لما بينهما من التلازم وهو كون المعاد لشئ عظيم ، وهذا الشئ هو ما تضمنه الهدى الإلهي قال الشوكاني : " والمعنى أن من حق من صدق بالآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ، ويعمل بما فيه ؛ لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعى الناس إلى ما ينال به خيرها ويدفع به ضرها " (66).

 

أما من لم يؤمن بالآخرة لا يجد معنى يدفعه للإيمان بالكتاب ، إنه يشعر بالإستغناء عنه ، إنه لا يرى له ضرورة ، ولا يشعر بمسؤولية ، فكان الفارق والبعد بين الكتاب وحامله وبين هذا كبير.، حتى ولو جهر به حامله على الأسماع فإن بينه وبين هذا المعرض حجاب من الغفلة والانصراف مما يجعله كمن لا يسمع فهو كما قال الله : ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا  [سورة الإسراء:45] ، يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستورا . قال قتاده ، وابن زيد : هو الأكنة على قلوبهم كما قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ [سورة فصلت:5] ، أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شئ ، وقوله ﴿ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ أي بمعنى ساتر كميمون ، ومشئوم بمعنى شائم ، ويامن لأنه من يمنهم وشؤمهم ، وقيل مستورا عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى؛ ومال إلى ترجيح هذا ابن جرير رحمه الله(67) .

 

قال ابن عاشور : " ولما كان إنكارهم للبعث هو الأصل الذي استبعدوا به دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حتى زعموا أنه يقول محالاً ؛ إذ يخبر بإعادة الخلق بعد الموت.. استحضروا في هذا الكلام بطريق الموصولة ، لما فى الصلة من الإيماء إلى علة جعل ذلك الحجاب بينه وبينهم فلذلك قال : ﴿ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ .. ﴾ [الإسراء:45] "(68).

 

وقد نجد من يؤمن بالله إيمان المبدأ ولا يؤمن بالمعاد وهذا لا ينفع صاحبه فكفره بالمعاد أبطل إيمانه بالمبدء ؛ إذ لا معنى للإيمان برب خلق الخلق ثم راح وتركهم كما يعتقده هؤلاء .تعالى الله الحي القيوم عن ذلك علواً كبيرا، وهولاء سريعاً ما ينصرفوا عن الله إلى غيره .

 

وإن هناك علتان للإعراض عن الهدي الإلهي : الإنكار ، والاستكبار وهما نتاج عدم الإيمان بالآخرة قال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [سورة النحل:22] .

 

أما الإنكار : فهو إنكار قلوبهم لشرع الله وهديه ؛ لأن من لا يؤمن بالآخرة لا يجد معنى للهدى ولا مبرر له ، بل الحياة عنده فلتة لا غاية لها ، وطفرة من اللذائذ والآلام ؛ فهو مستنكر لشئ اسمه نظام أو آداب أو أخلاق أو فضيلة ؛ إذ لا قيمة لها في نظره ، فإن قيمة الشئ ما استلزم المحاسبة عليه ، ولا معاد في حسبانه تكون فيه المحاسبة .

 

وأما الكِبر : فإن من لا يؤمن بالآخرة لا يشعر بسلطان قاهر عليه فيتولد في نفسه الاستغناء فتتغلب عليه روح الكِبر والتعالي ، يرفض أي مبدأ يستنقص من غلواء كبره ، ولضاضة عتوه ، فهو لهدى الله مفارق ولشرعه مشاقق ولأولياء الله مبغض محارب ، حاله كما قال الله : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [سورة الزمر:45] ، فالانقباض والتوتر عند ذكر الله من سمات من لا يؤمن بالآخرة .

 

وإن الهدى الإلهي هو صراط الله المستقيم الموصل إلى الجنة وهو الذي قال الله عنه : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [سورة الأنعام:153] ، إن صراط الله مستقيم شكلاً لا اعوجاج فيه ، ومضموناً لا باطل فيه، وغاية لا شقاوة معه ، وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن هذا الصراط مبتعدون كما قال الله : ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾ [سورة المؤمنون:74] ، أي عنه مائلون عدول, فإذا كان هذا هو حال من لم يؤمن بالآخرة ، فإن المؤمن بها على العكس من ذلك .

 

والإهتداء لا يتم إلا باتباع الكتاب المنزل والتأسي بالنبي المرسل لأنه الذي ارتضى الله سنته وهديه للناس : ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام:124] ، فكان التقيد بسنته ، شرطه الاهتداء ، ومن علم هذه الحقيقة وتيقن لقاء الله خشي على نفسه المخالفة وقد قال الله تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [سورة الأحزاب:21] والأسوة من الائتساء وهو الاقتداء فمن كان له أمل في الآخرة فلا يلقى الله إلا وهو متبع للكتاب مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا يلزمنا التقيد بهدي الله وشرعه في جميع مناحي الحياة .

 

 

المطلب الثاني

 

النجاة من الشيطان الرجيم

 

 

 

ليس هناك أخطر من الشك من لقاء الله ،أو الريب في وعده ، وإن العمل الأول للشيطان هو التشكيك بوعد الله ،ثم التزيين للمعصية والتحلية لها .

 

إن وسائل الشيطان لإضلال بنى آدم مصدرها الشك أو الشهوة ، والشهوة لا تتحكم إلا بقدر ما تتحكم الشبهة ، أو بانقطاع الشعور عن معاني اليقين بالغفلة ؛ لذلك فإنه « لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن»(69).

 

ولا يكون للشيطان سلطان على من يؤمن بالآخرة إذ لا سبيل للشك إليهم إلا بقدر النسيان والغفلة ولكنهم لإيمانهم ويقينهم بقرب لقاء الله يتذكرون فتنقشع عنهم الجهالة والغفلة فيبصرون كما قال الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [سورة الأعراف:201] ، فلا يتمكن من الفتك بهم .

 

وإن الله ابتلى الناس بالشيطان ليظهر من يؤمن بوعد الآخر ممن هو منها في شك كما أخبر : ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ  [سورة سبأ20, 21] ، ( أي : إنما سلطانه عليهم ليظهر أمر مَن هو مؤمن بالآخرة ، وقيامها والحساب فيها والجزاء فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك )(70) ، فلا سلطان له على أهل اليقين بالآخرة ، وذلك لانتفاء الحيرة والتردد الذي يوجده الريب فلا يتمكن من مخادعتهم وإضلالهم ، ولمسارعتهم إلى التوبة عند الغفلة ، ولكن يبقى سلطان الشهوة يكابدها المؤمن ثم يتغلب عليها بيقينه الذي يورثه الاستهانة بشهوات الدنيا لتذكره نعيم الآخرة ، ويورثه الخوف من عاقبتها لتذكره عذاب الآخرة .

 

أمّا أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة فإن وساوس الشيطان ووعوده تأتيهم من كل جانب كالأمواج المتلاطمة ، وكالصواعق المفزعة ، حالهم كما قال الله : ﴿ أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [سورة مريم:83]،إنهم في لجاج بحر وُعُوده، وتزييناته وزخارفه؛ لا سفينة تحملهم ، ولا شاطئ يعصمهم، فهم في ريبهم يترددون ، قد يئسوا من الآخرة؛ فسلموا للشيطان قيادهم فهم من حظه وجنده صدق فيهم قول الله : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [سورة الأعراف:27] .

 

أما المؤمن بالآخرة فيعلم أن وعود الشيطان كاذبة وتزييناته خادعه فلا تنطلى عليه الشبه ، ولا يؤثر الفاني على الباقي ، فيحرز نفسه بما يوجب أن يحترز به - من ذكر الله عز وجل ، وتذكر لقاء الآخرة .

 

 

المطلب الثالث

 

الخوف والإشفاق

 

 

 

إن اليقين بالبعث يجعل صاحبه خائفا من لقاء الله لا على سبيل القنوط من رحمة الله - فرحمة الله واسعة - ولكن على سبيل الإشفاق الذي وصف به أهل الجنة أنفسهم عند تزاورهم كما قال الله : ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾ [سورة الطور:25, 26] ، والإشفاق هو : الحذر من قولهم ، ( أشفقت من الأمر: إذا رققت وحاذرت)(71) ، فلربما استنفد المؤمن جزاء عمله بما أعطى من الدنيا مع أنه لا يسلم من الغفلة التي بها ينال منه الشيطان ما ينال لذلك فإن المؤمن بالبعث يستحضر مشاعر الخوف دائما ، كتب محمد ابن النصر الحارثي إلى أخ له : "أما بعد فإنك في دار تمهيد ، وأمامك منزلان لابد من أن تسكن أحدهما ، ولم يأتك أمان فتطمئن ، ولا براءة فتقصر والسلام "(72).

 

- وللخوف آثار منها :

 

1- التقوى :

 

وهى توقي سخط الله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر ، وهذا التوقي لا يتأتى إلا ممن خاف الحشر إلى الرب سبحانه كما قال الله : ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ... ﴾ [الأنعام:51] ، وخص الذين يخافون أن يحشروا لأن  الإنذار يؤثر فيهم ، لما حل بهم من الخوف ، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له ، فإنه لا يؤثر فيه ذلك (73) .

 

2- المسارعة في الخيرات :

 

وذلك بعدم تأخيرها ، والإستزادة من الأعمال الصالحة فوق الواجبات من الأمور المستحبات خوف الفوات، كان مطرف بن عبد الله بن الشخير (74) يقول : "يا أخوتي اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات في الجنة ، وإن يكن الأمر شديد كما نخاف ونحاذر لم نقل :ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا "(75) ، هذا هو حال أهل العزم والكياسة ممن وجلت قلوبهم فرقا من لقاء الله ،وهم الموصوفون بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ  [ سورة المؤمنون60, 61] ، قال ابن كثير(76): " أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء ". وهذا من باب الإشفاق والاحتياط كما قال الإمام أحمد : «عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول  الله : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ.. ﴾ [المؤمنون:60] ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ، ويصوم ، ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل »(77) ، والعاقل يسارع في الخيرات خشية الفوات ، فإن الدنيا فرصة قال الأصمعي(78) : أنشدني رجل من أهل البصرة

 

فمالك يوم الحشر شئ سوى الذي *** تزودته قبل الممات إلى الحشر

 

     إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا *** ندمت علي التفريط في زمن البذر(79)

 

3- الاعتبار بما حل في الأمم السابقة :

 

إن المؤمن الذي عرف ما وراء الوجود من واجب الوجود جل جلاله ينطلق في الحياة فيشاهد مصارع الأولين ، وآثار ديارهم المخربة ، وحصونهم المدمرة ، فيرتعب لتلك المشاهد أن أُخِذ أهلُها في غفلة ، وقد كانوا أقوياء ذوي كثرة، فما أغنى عنهم غناهم ولا دفعت عنهم قوتهم لما جاءهم العذاب ، لقد كانت لهم آلهة مدعاة يعبدونها من دون الله ،وهم وهي من خلق الله !،وكانوا يحسبون أنها ستدفع عنهم النقم وتصرف عنهم المحن ،فحان عليهم الدهر وأحاط بهم القهر : ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  [سورة هود:101] .

 

إن من بلغ به الإيمان بلقاء الله حد اليقين اعتبر بما حصل للأمم السابقة من العذاب - كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وذلك لعلمه بأن الله من ورائهم محيط ، وقد أخذهم علي حالهم لينالوا كمال العقوبة في الآخرة ، فكان ذلك الأخذ آية مشاهده دالة على لزوم محاسبة الناس على أعمالهم : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [ سورة هود:103] ، وقد كان المشركون من أهل مكة يمرون علي ديار من أخذوا بالعذاب - كقوم لوط فلا يتأثرون لعدم رجائهم للآخرة ؛ فانعدم الخوف من نفوسهم فلم يعتبروا بمرورهم ذلك كما قال الله : ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا  [سورة الفرقان:40] ، والقرية : ( يعني قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي كانت من سجيل …. ﴿ بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا  [سورة الفرقان:40] ، أي معادا يوم القيامة )(80) لهذا كله كان الخوف من لقاء الله مادة كل خير والأمان من غضب الله مادة كل شر...

 

 

المطلب الرابع

 

رجاء الآخرة

 

 

 

إن من أهم آثار الإيمان بالبعث حصول الرجاء، والرجاء هو أمل الحصول على رضوان الله بفعل طاعته وترك معصيته.

 

قال ابن فارس : ".. وهو الأمل يقال رجوت الأمر رجاءً . ثم يتسع في ذلك فربما عبِّر عن الخوف بالرجاء قال الله تعالى : ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [سورة نوح:13] ، أي : لا تخافون له عظمة ، وناس يقولون ما أرجو : أي ما أبالى ، وفسر الآية على هذا ، وذكروا قول القائل :

 

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وخالفها في بيت نوب عوامل(81) .

 

قالوا معناه : لم يكترث ، ويقال للفرس إذا دنى نتاجها : قد أرجت ترجى إرجاءً "(82).

 

ولا يتم الرجاء إلا عند أمل الحصول على مرغوب في أمر متيقن بوسيلة موصلة ؛ فهذه أركان ثلاثة للرجاء . ولا أرغب من نيل رحمة الله ، ولا أيقن من وقوع البعث ، ولا وسيلة أنفع من العمل الصالح ؛ لذلك لا رجاء لمن لم يؤمن بالآخرة إذ ليس لهم فيها مرغوب ، وهم منها في شك ، ولا وسيلة لهم بها يرجون؛ فانعدمت أركان الرجاء عندهم، فهم في يأس من رحمة الله ، وهو حال مناقض لحال من يرجوا رحمة الله وقد بين الله تلك الحال بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) ﴾ [سورة العنكبوت:23] ، واليأس هذا نقيض الرجاء لأنه نتاج الكفر بلقاء الله نقيض الإيمان به .

 

 

العمل الصالح دليل رجاء الآخرة :

 

والرجاء شرط الاستمرار فى العمل الصالح ، والعمل دليل وجوده لأنه باعثه قال تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [سورة الكهف:110] .

 

والأعمال الصالحة وهي ما وافقت مراد الله سبحانه، ومراد الله مبين في الكتاب المنزل وتعاليم النبي المرسل ، وما ألهمت إليه الفطر السليمة المستنيرة بالكتاب والسنة .

 

وإن لله في كل شأن أمر يجب أداؤه وفعله ، ومن أمر الله اجتناب ما نهى عنه فإن من تمام العمل الصالح أن يجتنب المحظور إلى جانب فعل المأمور .

 

والمحظور أنواع وأخطرها ما استلزم عدم الإيمان بالآخرة كموالاة غير المؤمنين من دون المؤمنين فإن الله يقول : ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [سورة المجادلة:23] .

 

والمأمور أنواع : وأهمها الإيمان بما يجب الإيمان به شرعا مصحوباً باليقين  ومجاهدة أعداء الإسلام بالنفس والمال فإن الله يقول : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ [سورة الحجرات:15] .

 

وشرط قبول العمل الصالح أن يبتغي به وجه الله وحده فلا يشرك مع الله فيه أحدا فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم يروي عن الله عز وجل أنه قال:« أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا برئ منه وهو للذي أشرك »(83) قال مطرف رحمه الله :"صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصحة النية " (84) وقال ابن القيم رحمه الله : " والأصول التي انبنى عليها سعادة العبد ثلاثة : ولكل واحد منها ضد ، فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده : التوحيد وضده الشرك ، والسنة وضدها البدعة ، والطاعة وضدها المعصية . ولهذه الثلاثة ضد واحد  وهو خلو القلب من الرغبة في الله ، وفيما عنده . ومن الرهبة منه ومما عنده "(85).

 

والرجاء قسيم الخوف ولابد منهما ، فهما كالجناحين للطائر بالنسبة للمؤمن  ( ولا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي ، وبالرجاء يكثر من الطاعات )(86).والرجاء يطلق علي أمل الحصول على المرغوب ، ويطلق أيضا علي الخوف فإذا علمت ذلك فاعلم (أنهما متلازمين فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس .(87) ومن تجلت لهم آية البعث أعملوا هذا الرجاء  فيظهر عليهم أثره من فعل العمل الصالح ، والابتغاء به وجه الله أداءاً للازم ذلك الرجاء قال ابن القيم : " وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر ، وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر "(88) ، فحال الراجي للقاء الله ووعده كما قال الله : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [سورة الزمر:9] ، حقا إنها حال من عرف الحقيقة وعلمها .

 

ولابد للمؤمن من الرغبة والرهبة ؛ الرغبة ليقينه بما عند الله من الرحمة ، والرهبة ليقينه بما عند الله من العذاب، وكان هذا شأن رسل الله الكرام كما أخبر الله عنهم : ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [سورة الأنبياء:90] ، إن من حرم الرغبة وقع في اليأس والقنوط ، ومن حرم الرهبة وقع في الجرأة والتعدي علي الحرمات .

 

والشيء لا يكون مرجوا حتى يكون له شأن ، ولا أعظم من شأن الآخرة، والمؤمنون بالبعث علموه وتيقنوه فكانوا له أكثر رجاء ؛ فابتغوا إليه الوسيلة كما قال الله : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [سورة الإسراء:57] ، قال ابن عباس : " أي القربة "، وقال قتادة : "أي تقربوا إليه بطاعته ، والعمل بما يرضيه ، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى المقصود ، والوسيلة أيضا علَم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله صلي الله عليه وسلم وداره في الجنة ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش كما ورد في الصحيح "(89).

 

 

المطلب الخامس

 

الفوز العظيم

 

 

 

إن المؤمن بالبعث يشعر بالسعادة لأنه نال من معرفة الحقيقة ما يكفيه لإدراك ماضيه ومستقبله، ومن ذلك ما أعد الله للعاصين من العذاب ، وما أعد للطائعين من النعيم ؛ فاستعد لذلك بما ينجيه.

 

وتُعْلم السعادة من حال من لا يؤمن بالبعث ، فانه يظل في عذاب نفسي أليم من المستقبل المجهول ، ولا أشد على النفس الإنسانية من طريق لا يعرفها ، ولا يدري ماتؤول إليه ؛ فهو في عذاب ، وفي ضلال مبين ؛ حيث إن البعث قد جاء به الخبر الصادق عن مصدر الغيب ،ودلت عليه الخلقة ؛ فآمن به الناس واتقوه ، وهذا ماض في ضلاله وغفلته فما أعظم غبنه ، صدق فيه قول الله : ﴿ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ  [سورة سبأ:8] .

 

إن السعادة هي تحقيق الأمنيات ،والسعادة مطلب كل إنسان ،ولها بالنسبة لفريق المؤمنين طابع خاص ينالونها في الدنيا ولا تنتهي فيها ، بل يقطفون ثمارها في الآخرة فهي سعادة مستمرة ختامها  الفوز العظيم بدخول الجنة ، يعبرون عن سعادتهم تلك بقولهم : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [سورة فاطر34, 35] ، والمؤمن يبقي مغمور بأحاسيس السعادة في حياته كلها في الدنيا والآخرة .

 

- أحاسيس السعادة في الدنيا :

 

1- الثبات والصبر : والثبات هو الصمود أمام التحدي في مواطن الابتلاء ، وإن مواطن الابتلاء هي مواقع نيل السعادة ، حيث يشهدها من انغرس يقين الآخرة في قلوبهم ؛ فيجتلون السعادة من تلك المواقع ، وهذان مثالان لذلك الثبات ، وذلك الصبر .

 

أ- ثبات من كانوا مع طالوت : قال الله  تعالى : ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾ [سورة البقرة:249]، ولنتأمل وصف الفئة القليلة التي تريد الوصول إلي السعادة قال : ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ ... ﴾ [البقرة:249] ، أي الذين تيقنوا أنهم ملاقوه يوم القيامة فقالوا قولة الثبات في موطن خذلان الأكثرية : ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  [سورة البقرة:249] ؛ فيقينهم بلقاء الله أعلمهم أن الأمر في الدنيا والآخرة بيده وحده .

 

ب- ثبات سحرة فرعون: لما رأو الآيات فعرفوا المعنى من الحياة وغايتها فقالوا مقالة الثبات،وفرعون يتوعدهم بالصلب: ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [سورة طه]:73، إن هذا هو موقف من استقر يقين الآخرة في صدورهم .

 

2- الشوق إلي نعيم الجنة : إن من آمن بالبعث قد علم أن الله قد أعد للمؤمنين دارا يتحقق فيها رضاءه عنهم في صورة نعيم ما بعده نعيم ، وإن أهل هذا الإيمان في حالة من الشوق إلى ذلك النعيم لايصرفهم عن تذكره ، ولا عن الحنين إليه نعيم الدنيا وهذا حال خير الخلق الأنبياء ،قال الله عن إبراهيم وبنيه: ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾[سورة ص:46]، قال مجاهد : "أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم غيرها ، قال السدي : ذكرهم للآخرة وعملهم لها , وقال مالك بن دينار : نزع الله تعالي من قلوبهم حب الدنيا وذكرها  وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها .... وقال قتادة : كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها ...."(90) .

 

3- أحاسيس السعادة في الآخرة : أما الشعور بالسعادة في الآخرة فهو الوصول إلي السعادة نفسها حيث تتحقق السعادة وتنتفي الشقاوة إلى الأبد ؛ فتظهر عليهم آثار تلك السعادة ومنها :

 

أ- الحمد : الذي تلتهجه ألسن أهل النعيم يوم مشاهدة الفوز العظيم ؛ فيحمدون الله على صدق وعده : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [سورة الزمر:74] ، ويحمدون الله على هدايته لهم بصيرورتهم إلى ما صاروا إليه فإن الهداية بيد الله : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة الأعراف:43] .

 

ب- إعلان الفرح : فيفرح المؤمنون لأخذهم كتبهم بأيمانهم قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه  [سورة الحاقة:25, 26] ، إنه يفرح لكتابه ففيه الشهادة العظمى له بالفوز ، وقد أخذه بيمينه ، ويفرح لعاقبة يقينه بملاقاة الله للحساب : ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه ﴾ [سورة الحاقة:20] ، فأي فرح أعظم من هذا ! .

 

ج- التزاور في الجنة : ويتزاور أهل الجنة فيتذكروا ما كانوا عليه من الخشية  والإشفاق فى الدنيا ، وكيف صاروا إلى ما صاروا إليه من النعيم والأمن والإسعاد فيأخذهم التذكر إلى ذكر حال من كان للقاء الله جاحد ولوعده مكذب فيذكر بعضهم بعض حال ذلك الصنف، قال تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ* قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ* قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي* وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ* أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ* إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ ﴾[سورة الصافات:50-61].

 

 

 

 

الخاتمــــة

 

أ- الخلاصة :

 

هذه دراسة لقضية البعث استلزمت  نظرة شاملة عن الحياة الإنسانية من مبدأ الخليقة إلى منتهاها من منظور قرآني ، والقرآن أحكم الوصف في ذلك وفصل ؛ لأن الإدراك السليم هو الإدراك الناشئ عن معرفة كلية جامعة حتى يتم استيعابه لجزئيات الأشياء والمعاني استيعاباً صحيحاً محكماً .

 

وإن هذه النظرة الشاملة المذكورة في القرآن هي عين الحقيقة ؛ لأنها جاءت من خالق الإنسان والحياة الذي يعلم السر والتفاصيل والغايات .

 

وإن البشرية اليوم تتخبط كثيراً فيما يتعلق بالدراسات الإنسانية لانصرافها عن هذا المنهج القويم والمنبع الصافي ؛ فتولدت تصورات خاطئة ، وأفكار منحرفة ، وخرافات مضللة تاهت فيها البشرية وابتعدت عن سواء السبيل.

 

وقد بين القرآن أمر الحياة المشاهدة وأصلها, وأن أصلها الماء ، وأكد أن بداية الإنسان كانت من الطين ، وتناسله عبر الماء المهين واكتمال وجوده بنفخ الروح فيه ، وفصل قصة الإنسان الأولى ، وكيف نزل إلى الأرض ، ولماذا أنزل ، وما الذي يجب عليه ، وما المصير الذي هو صائر إليه ؟ .

 

وبهذا عرف المرء الإجابة الصحيحة للأسئلة الكبرى ، من أين ، ولماذا ، وإلى أين؟.

 

 إن مواطن الحياة الإنسانية ثلاثة : الحياة الدنيا -الحياة البرزخية - الحياة الآخرة .

 

والغاية من الحياة الدنيا العمل ابتلاءاً وامتحاناً ، ومن الآخرة الجزاء تكرماً وتفضلاً، ومن البرزخ قنطرة اتصال بين الدنيا إلى الآخرة ، عبره تنتقل البشرية إلى الحياة الآخرة فمن ظن أن الحياة هي الحياة الدنيا فقط جمع فيها العمل والجزاء؛ فكان الصراع والاختلاف ؛ لأن جزاء الدنيا لا يشبع نفساً واحدة ، فكيف تشبع ملايين النفوس، إن النتيجة الحتمية لذلك هي الصراع البشع، والظلم والاستئصال الذي نشاهده .

 

ولن يكتف الإنسان من الدنيا بالعمل حتى يتيقن بأن للجزاء داراً أخرى ؛  فيبقى الجهد الإنساني في دائرة التنافس الشريف والعمل البناء .

 

وإن الجزاء الأخروي جزاء لا حدود له نعيماً كان أو عذاباً ، يستوعب ويشمل كل العاملين ، فلكل فرد يدخل الجنة له ما تشتهى نفسه وتلذ عينه ، وأما النار صرفها الله عنا فإنه إذا كان أخف الناس عذاباً من توضع  على قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه(91) ، فلا تسأل عن من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل !.

 

وقد وصف الله الحياة الدنيا وضرب لبيانها الأمثال حتى نعرف قدرها ، ووصف الآخرة حتى نعرف قدرها ؛ وبمعرفة تلك الأوصاف نحصل على الميزان الصحيح الذي يجب أن نزن به تصرفاتنا تجاه الدنيا والآخرة ، فلا إفراط ولا تفريط ، بل يُعطى كل ذي حق حقه في إطار مفهوم الدنيا مزرعة الآخرة ، وقد اختل هذا الميزان عند كثير من الناس للجهل بحقيقة الدنيا والآخرة ؛ فكان له آثار ضاره ، وانحرافات كثيرة ؛ فكان لابد من بيان ذلك .

 

- لقد تأكد من تعريف البعث اشتماله على عودة الأجساد وإرسال الأرواح إليها ولا يصح تصور غير ذلك ؛ ولا يقبل الفكر السليم البعث للروح بدون الجسد ، ولا للجسد بدون الروح.

 

- استفاضت نصوص الكتاب والسنة بوجوب الإيمان بالبعث ، فصار الإيمان به من الأمور المعلومة بالضرورة في دين الإسلام ، فلا دين لمن لم يؤمن به ، والجاحد له كافر خارج عن الملة.

 

- الله امرنا أن ننظر إلى كيفية الخلق ، ومن ذلك الإنسان ، ففي كيفية خلقه آية كافية الدلالة والإيضاح على كيفية إعادته يوم البعث ، وفى هذا تقريب للمعتقد إلى التصور ، وهو من باب تقريب المعقول من المحسوس ، وقد أكد القرآن هذه المقايسة فختم عرضه لآيات البعث بقوله : ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ  [سورة فاطر:9] ، ﴿ كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [سورة ق:11] ، ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [سورة الأعراف:29] ، ولإتمام معرفة كيفية البعث لزم التفصيل في التعرف على كيفية  الخلق ، وكيفية الفناء وكيفية الإعادة .

 

- وعند النظر في كيفية خلق الإنسان نجد أن الإنسان مركب من ثلاثة أجزاء هي:

 

الأصل الآدمي : الذي جاء من ظهر آدم وهو الذي يمثل البذرة للإنسان .

 

الثاني الجسد : المعروف الذي به شكل الإنسان وقوامه المادي .

 

الثالث الروح : وهى من أمر الله ينفخها الملك في جسم الجنين ؛ فتتكون النفس الإنسانية ذات الأوصاف .

 

فالروح قبل البدن من أمر الله لا يعلم سره إلا الله وبعد البدن تسمى نفس تكتسب صفات الخير أو صفات الشر حسب ما قدر لها وتهيئت له .

 

وعند الفناء يعود كل أصل من هذه الأصول الثلاثة إلى الجهة المناسبة له فالأصل الآدمي يبقى في الأرض محفوظاً لا يتغير ، والجسد يتحلل إلى أصله التراب ، والروح تخرج إلى مستقرها الذي قدره الله ، فإذا كان يوم البعث عاد التركيب أشبه ما يكون بالخلق الأول فإذا كان ظهور الأصل الآدمي عبر الماء الدافق فإن الله ينزل ماءاً يوم القيامة فتسرى الحياة إلى تلك الأصول فتنشأ عنها الأبدان من بين التراب كما نشأت عنها في الأرحام وترسل الأرواح فتأتى على أجسادها تتعرف عليها فتدخلها ، وتتشقق الأرض عنهم فيخرجون ، فيصير الناس أحياء كما كانوا في الدنيا .

 

والاختلاف في معاد الأجساد مشهور ، وقد تبين لنا من النصوص الصريحة والتشبيهات القرآنية للبعث بالحياة الأولى أن المعاد معاد الأجساد وعودة الأرواح إليها .

 

لقد تبين أن لا حاجة في إعادة الأبدان إلى جميع ذرات البدن السابقة ، بل يكفى الجزء الصغير المحفوظ من البِلاء لإعادة الجسد واستنساخه منه . وهذا هو الذي تؤيده النصوص وتستوجبه العقول .

 

وضرب الله أمثلة للإحياء وقعت في التاريخ الأول وهى أمثلة حدثت في الواقع ، منها صاحب بقرة بنى إسرائيل ، وصاحب القرية الخاوية على عروشها ، ودعوة إبراهيم للطيور الميتة المجزأة ، وقيام أهل الكهف ...  إلى غير ذلك .

 

هناك أمور تحدث قبل الساعة أخبرنا الله عنها ، وجعلها علامات للساعة وهى نوعان علامات صغرى ، وعلامات كبرى. وإن حدوث علامات الساعة الصغرى يؤذن بحدوث علامات الساعة الكبرى ، وحدوث علامات الساعة الكبرى إعلان بالساعة ، وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم علامات الساعة الكبرى في أحاديث عديدة صحيحة وأن الساعة لا تحدث إلا بعد وقوعها ، وفيها أن آخر تلك العلامات نار تحشر الناس إلى محشرهم تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا(92) ، وعند قيام الساعة ينفرط نظام الكون بالنفخ في الصور فتدك الأرض والجبال ، وتنشق السماء وتنطفئ النجوم وتتناثر الكواكب إيذاناً لمجيء نظام جديد يتناسب مع الهيئة والوضعية الجديدة التي سيؤول إليها الكون يوم القيامة .

 

والصور قرن لا يعلم عظمته إلا الله ينفخ فيه إسرافيل نفختين الأولى للفناء يموت فيها كل حي إلا من شاء الله ، والثانية للإحياء يحيى الله بها الأموات ، وثبتت حقيقة الصور بنصوص الكتاب والسنة وأن الملك الموكل به قد أستعد ملتقماً القرن ينتظر حتى يؤمر بالنفخ فينفُخ فيه (93).

 

في يوم القيامة أهوال وأحداث جسيمة ؛ لذلك تعددت أسماؤه, فمن أسمائه يوم الحسرة ، ويوم التلاق ، ويوم الآزفة ، والواقعة ، ويوم التغابن ، والطامة ، والقارعة . يخرج الناس من القبور عند النفخة الثانية أحياءاً كأنما استيقظوا من نومة يخرجون فيكونوا من كثرتهم كالفراش المبثوث ، فيشاهدون كل شئ يتغير : الجبال تنهد والأرض تتزلزل ، والسماء تنشق ، والنجوم تنكدر, يحشر الناس بعد مبعثهم إلى عرصات القيامة ، وتكون مواقف وآخرها الورود مروراً بالظلمة دون الجسر المضروب على جهنم, وعند ذلك يتم التبديل للأرض والسموات  ويصير الخلق إلى ما يصيروا إليه.

 

وقد عرض القرآن الكريم قضية البعث فلم يترك مقاماً من مقامات الخطاب والتوجيه إلا عرضها فيه بأساليب متنوعة متعددة لا يقدر عليها إلا الذي علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم يعلم . ومن تلك المقامات: مقام التفكر والنظر، ومقام الإنكار على كفر الكافرين ، ومقام بيان آيات الله ، ومقام إقرار الوحدانية ، ومقام الدعوة إلى عبادة الله ، ومقام العبرة بقصص الأولين ، ومقام التأكيد بالقسم ، ومقام  التخويف والتحذير ، ومقام الموعظة الخاصة ، ومقام الموعظة العامة ، ومقام النصيحة .

 

واهتم القرآن بالردود على أقوال المنكرين للبعث ، ومعالجة أسباب تشككهم فأتى على شكوكهم فكشفها ، وعلى ريبهم فمحاه ، وما أبقى لهم من حجة ولا ترك لهم من متمسك فجاءت تلك الردود في صور عديدة: منها في صورة الإلزامات التقريرية ، وفى صورة النداء والإعلام ، وفى صورة تأكيد بالقسم ، وفى صورة الجدل والمحاجة ، وفى صورة الحوار الجمعي ، وفى صورة حديث نفس ، وفى صورة تعجب .

 

لقد اهتم القرآن ومعه السنة بالبعث لأهميته في المعتقد ؛ فأورد الأدلة عليه وجاء بالبراهين الساطعة ، والحجج القاطعة ، منفردة حينا ، ومذكورة في سياقات العرض القرآني حيناً آخر ، ومن تلك الأدلة : دليل الخلق ، ودليل الأطوار ، ودليل الإحياء ، ودليل البدء والإعادة ، ودليل الحفظ ، ودليل العدل ، ودليل الحق .

 

وللبعث آثار نافعة ونتائج طبية كثيرة منها :

 

إتباع الهدى الإلهي المتمثل في الكتاب والسنة ، والنجاة من سلطان الشيطان الرجيم، والخوف والإشفاق ، ورجاء الآخرة  والسعادة والفوز العظيم .

 

 

ب- النتائج :

 

1- إن المصدر الصحيح لمعرفة الحقيقة هو الله خالق الإنسان وقد بين تلك الحقيقة من جميع جوانبها في القرآن الكريم .

 

2- إن الوصف القرآني لحقيقة الإنسان يورث معرفة يقينية ؛ لأن له خاصيتان : الأولى  أنه وصف حقيقي من مصدر الحقيقة مباشرة لأنه كلام الله. الثانية - أنه وصف تام لأنه ممن يعلم السر في السموات والأرض .

 

3- مراحل الحياة البشرية ثلاثة : الحياة الدنيا ، والحياة البرزخية ، والحياة الآخرة وقد تقررت هذه المراحل منذ بداية نزول آدم إلى الأرض .

 

4- الدنيا هينة لفنائها وهى دار العمل والآخرة غالية لبقائها وهى دار الجزاء فإذا جعلت الدنيا مزرعة الآخرة غلت لغلائها ، وإن جعلت الدنيا لأجل الدنيا هانت لزوالها .

 

5- إن أساس الانحرافات النفسية والاجتماعية يعود في الأصل إلى سوء الفهم لحقيقة الدنيا والآخرة .

 

6- الإيمان بالبعث واجب وهو ركن من أركان الإسلام ، ومن لم يؤمن به فهو كافر خارج عن الملة .

 

7- البعث هو إحياء الأجساد وإعادة الأرواح إليها وإخراجها من قبورها .

 

8- لا يلزم لعودة الجسد عودة جميع ذراته السابقة ؛ لأن الجسم يتخلص من أغلب ذراته باستمرار ويستعيض عنها خلايا جديدة بنفس المواصفات التي تكون للخلية فيكفي الأصل .

 

9- نصوص الشرع تعوّل في معاد الأجساد على بقاء الأصل الآدمي ، وحفظه وقد ثبت احتواؤه على جميع أوصاف البدن فهو كالبذرة للنبات إذا جاءها الماء استعاضت حياتها ، ونشأ عنها الزرع، وكذلك الأجساد ينشأها الله عن ذلك الأصل، وينسخها منه .

 

10- الحياة الإنسانية تركيب من ثلاثة عناصر هي : الأصل الآدمي ، والجسد ، والروح  والموت تفكيك لها ، والإعادة تركيب لها مرة أخرى وبإدراك ذلك التركيب  ندرك كيفية البعث .

 

11- علامات الساعة من مقدمات يوم القيامة فإذا كانت علامات الساعة الصغرى قد تحققت فإنها مؤذنة بتحقق العلامات الكبرى والكبرى مؤذنة بقيام الساعة .

 

12- كُيّفَ الكون في البداية تكييفاً معيناً يتناسب مع طبيعة الحياة على الأرض ، ويوم القيامة يحدث له تغيير بالنفخ في الصور لغرض تغيير وضعيته حتى تتناسب مع الوضعية الجديدة التي ستؤول إليها الحياة في الآخرة .

 

13- إن موعد البعث لا يعلمه إلا الله ، ولكن الله أمرنا بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ففيه المؤشرات الدالة على قرب تلك النهاية لعمر الكون المشهود .

 

14- لقد عرض القرآن الكريم قضية البعث كأهم قضية في المعتقد بعد الإيمان بالله فاستعمل في عرضه لها الأساليب المتنوعة في مقامات الخطاب المختلفة حتى تبلغ إلى جميع الأفهام لكل المستويات الفكرية والنفسية والعاطفية .

 

15- لقد رصد القرآن جميع مواقف من فيه ريب من البعث ، وعالج تلك الإنحرافات بردود تناسب كل حالة.

 

16- أهتم القرآن ببراهين البعث وأدلته ففصلها وبينها بأساليب متنوعة حتى لا يبقى ريب أو شك .

 

17- إن الإيمان بالبعث مادة اليقين ، لذلك انبنت عليه المنافع العظيمة في حاضر الحياة ومستقبلها .

 

18- الإيمان بالبعث يستلزم ويستوجب الاستسلام الكامل والإتباع لهدي الله وشرعه والخوف منه والاستعداد للقائه .

 

 

ج- التوصيات :

 

1- أدعو الباحثين إلى المزيد من الدراسات القرآنية لمعرفة الحقيقة الإنسانية لأنها وصف الخالق لخلقه .

 

2- يمكن تقديم الحلول والعلاجات لأساس الإنحرافات النفسية والاجتماعية بالتعرف على حقيقة الدنيا والآخرة من القرآن الكريم والسنة النبوية للحصول على الإتزان النفسي.

 

3- من واجب مراكز الدعوة إلى الإيمان دراسة كيفية الاستفادة من وسائل العلم الحديثة لتحقيق واجب النظر في الخلق كيف بدأه الله .

 

4- أدعو إلى المزيد من التعرف على مكتشفات العلم عن دور الحامض النووي للإنسان DNA فإنه أساس تركيبة الجسد وبنائه في نشأته الأولى وفى نشأته الثانية يوم البعث .

 

5- هناك دراسات فلكية عن نهاية الكون فأدعوا الباحثين في علوم الفيزياء الفلكية إلى تتبع تلك الدراسات التي تؤكد حتمية نهاية هذا الكون المنظور.

 

6- التذكير بقصص من مضى مما يتعلق بإحياء الموتى مما وافق المنصوص عندنا لغرض التذكير والتنبيه .

 

7- دراسة علامات الساعة الصغرى والكبرى ورصد ما تم تحققه منها لتحفيز الأحاسيس للانتباه .

 

8- الاهتمام بالدراسات الجزئية عن البعث في إطار السورة المعنية فإنها لا تقل  أهمية عن الدراسات الكلية له فكل سورة لها أسلوبها وعرضها الخاص .

 

9- يجب أن نكون السباقين لخوض معترك البعث مع المخالفين معلنين براهين البعث وحججه مسترشدين بأساليب القرآن وهدى النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الحوار و الجدال .

 

10- الإيمان بالبعث مادة اليقين للتقوى التي عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة فعلى الدعاة والمربين الاهتمام بشأن البعث ترغيباً وترهيباً ؛ حتى تأتى ثمار تربيتهم نافعة طيبة بإذن الله عز وجل .

 

 

 

مراجعة:محمد المعافا

       علي عمر بلعجم.

-----------------------

(1) - الفراهيدي : هو الإمام صاحب العربية ومنشأ علم العروض ، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحد الفراهيدي البصري احد الأعلام ، أخذ عن سيبويه النحو والأصمعي وآخرون كان رأساً في لسان العرب ديناً ورعا قانعاً متواضعا، كبير الشأن وثقه ابن حبان ، ولد سنة 100 ومات سنة بضع وستون ومائة وقيل بقي إلى سنة 170 انظر تهذيب سير أعلام النبلاء للذهبي 1/274/مؤسسة الرسالة ط1 / 1412 - 1991 بتصرف .

(2) - كتاب العين - للخليل ابن احمد الفراهيدي : 2/112 مادة (بعث) مكتبة الهلال .

(3) - معجم مقاييس اللغة - لأحمد بن فارس 1/ 266 مادة (بعث) ط 1/ 1366 .

(4) - هو : إسماعيل بن حماد الجوهري صاحب الصحاح أبو نصر الفارابي ، كان إماماً في اللغة والأدب أصله من بلاد الترك صنف كتاباً في العروض ومقدمة في النحو وغيرها مات سنة 393 ، وقيل : 400 ، انظر بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة - للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطى 1/746 ، دار الفكر - ط2 /1399-1979 بتصرف .

(5) - الصحاح - لإسماعيل بن حماد الجوهري 1/ 273، ط / دار العلم للملايين ، بيروت ط/3 ، 1404هـ ، 1984م .

(6) - الراغب : هو الحسين بن محمد بن علي الأصفهاني قال أبو نعيم كثير الحديث صاحب معرفة وإتقان صنف المسند والتفسير وغيرها مات سنة 369 . انظر طبقات المفسرين للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن احمد الداوودي تحقيق على محمد عمر : 1/157مكتبة وهبه - القاهرة /ط2 /1415 - 1994 . بتصرف.

(7) - المفردات في غريب القرآن - الراغب الأصفهاني ص/52 .

(8) - ابن منظور : هو محمد بن مكرم بن على بن احمد الأنصاري الأفريقي المصري ، ينتسب إلى ورويفع ابن ثابت الأنصاري  له (لسان العرب) ، جمع فيه بين التهذيب ، والمحكم ، والصحاح ، والجمهرة . ولد سنة 630 ومات سنة 730 انظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني تحقيق محمد سيد جاد الحق 5/31/دار الكتب الحديثة - القاهرة و بغية الوعاة للسيوطى 1/248 بتصرف .

(9) - لسان العرب - لعبد الله بن محمد ابن المكرم المشهور بابن منظور 2/116،117 /مادة (بعث) ط1/ دار الفكر- بيروت  /1410 - 1990.

(10) - العقيدة الإسلامية - لعبد الرحمن بن حسن الميداني - ص 559 ط 2 / 1418- 1997 دار القلم.

(11) - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية - لمحمد بن أحمد السفاريني 2/ 157ط / بدون .

(12) - العقائد الإسلامية - للسيد سابق ص 269 ط 1413-1983 دار الفكر .

(13) - موارد الظمآن لدروس الزمان - لعبد العزيز السلمان 1 /19 ط/ بدون .

(14) - تفسير القرآن العظيم - لا بن كثير- 3/206 ط 1 / 1408 - 1988 دار الجيل .

(15) - القيامة الكبرى / عمر سليمان الأشقر – ص :51 ، مكتبة الفلاح – الكويت ، ط/ 1/ 1407هـ - 1986م .

(16) - أخرجه البخاري في صحيحه 1/27, برقم: 5, ومسلم في صحيحه 1/39, برقم: 9.

(17) - احمد في المسند -1/97 دار الفكر- والترمذي في سننه / كتاب القدر / باب ما جاء في القدر : 4 / 452 .

ق /2145 دار الحديث واللفظ لأحمد.

(18) - فتح القدير - للشوكاني 3/82 .

(19) - فتح القدير للشوكاني 2/369 مصدر سابق.

(20) - رواه احمد في المسند 1/272, برقم: 2455 , والحاكم في المستدرك 1/80, برقم: 75, والنسائي في السنن الكبرى 6/347, برقم: 11191, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/158, برقم: 1623.

(21) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/262 ط/4105-1985 دار الحديث.

(22) - تفسير القرطبي 20/4 .

(23) - فتح القدير - الشوكاني 3/676 .

(24) - تفسير القرآن العظيم 4/350 .

(25) - لسان العرب - لابن منظور: 11 / 338، 339, والقاموس المحيط ص 1312 مادة (السل) لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادى / مؤسسة الرسالة, وتاج العروس: 7/ 377، 378 - لمحمد بن مرتضى الزبيدي / دار الفكر.

(26) - علم الأجنة في ضوء الكتاب والسنة ص40 مبحث مرحلة النطفة/ أ. مارشال جونسون، الشيخ عبد المجيد الزنداني.

(27) - علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة - مرجع سابق ن ص 44-45 بتصرف.

(28) - علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة – للزنداني وآخرين - ص 45-49.

(29) - المصدر السابق ص 49.

(30) - جامع البيان للطبري 9/203 .

(31) - فتح القدير للشوكانى 3/675 .

(32) - رواه مسلم في صحيحه - في كتاب القدر - 4/2036 /2643  ، و البخاري - انظر فتح الباري في كتاب بدأ الخلق  - باب ذكر الملائكة 6/303 /3208 ، وفي كتاب الأنبياء - رقم 3332 ، وأبو داوود في سننه -كتاب السنة ج11 - ب16 - ص82 - ق 4708 ، و الترمذي في سننه - كتاب القدر ج14 - ب4 - ص 446 - ق 2137 .

(33) - تفسير ابن كثير - 3/59 .

(34) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - 2/129 .

(35) - فتح القدير- للشوكانى 3/524 دار الحديث.

(36) - العوفي هو إبراهيم ابن أبي بكر ابن إسماعيل الدنابي العوفي من سلالة عبد الرحمن ابن عوف ، حاسب وعالم بالفرائض وغيرها ، له رسائل كثيرة في الفرائض والحساب ومجلدان في مناسك الحج وغير ذلك ، أصله من دمشق ومولده سنة 1030 بالقاهرة ، ووفاته فيها أيضا سنة 1094 هـ . انظر الأعلام -  لخير الدين الزركلي - 1/34 دار العلم للملايين - لبنان ط10/1992 بتصرف .

(37) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - 4/199  .

(38) - هو أوس بن أوس ، صحابي سكن دمشق . انظر تهذيب التهذيب 1/33 ، والإصابة 1/291 ، وأسد الغابة 1/193.

(39) - رواه ابن ماجة في سننه - كتاب إقامة الصلاة - باب فضل يوم الجمعة: 1/415/1085 والنسائي في سننه كتاب الجمعة - باب إكثار الصلاة على النبي يوم الجمعة: 3/91 - دار إحياء التراث العربي و احمد في المسند 4/8 والدارمي في سننه في كتاب الصلاة - باب فضل الجمعة: 1/369 - دار الكتب العلمية اللفظ لأحمد.

(40) - عجب الذنب: (العجب بالسكون العظم الذي في أسفل الصلب عند العجُز، وهو العسيب من الدواب ) ، انظر النهاية في غريب الحديث - للإمام مجد الدين أبى السعادات المبارك بن محمد الجزري المشهور بابن الأثير - تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناجي : 3/184/ المكتبة العلمية - بيروت .

(41) - رواه مسلم - في كتاب الفتن - باب ما بين النفختين 4/2271 - ق 2955، وأبو داوود - في كتاب السنة - باب ذكر البعث والنشور- 4/225 /4743- تحقيق مجموعة من الباعثين دار الحديث /1420 /1999.

(42) - رواه مسلم بنفس التخريج السابق.

(43) - انظر كتاب الخلية - للدكتور : محمود حجاوي ، فصل سيطرة المادة الوراثية على خواص وفعالية الخلية - ص113.

(44) - رواه البخاري - أنظر فتح الباري - كتاب التفسير -باب يوم ينفخ في الصور سورة الزمر: 8/551 /ق4814 ، وفي سورة عم يتساءلون :8/689/ق 4935. ومسلم - في كتاب الفتن - باب مابين النفختين -4/2270 /ق 2955.

(45) - مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب حكم العزل : 2/1064/133-1438.

(46) - انظر كتاب الخلية لمحمود حجاوي فصل تركيب الخلية – ص:45 .

(47) - الاستحالة : انقلاب الشيء عن حاله- انظر مختار الصحاح للرازي - ص 181 مادة (حول ) .

(48) - رواه البيهقي في شعب الإيمان 1/309, برقم: 353, وابن راهويه في مسنده 1/84, برقم: 10.

(49) - انظر الجامع لأحكام القران - للقرطبى 17/28.

(50) - انظر حاشية رقم: 32 من هذا البحث.

(51) - سبق تخريجه وهو حديث جبريل المشهور .

(52) - يعني : غير مختونين ، والأغرل : هو الذي لم يختن وبقيت معه غرلته ، وهي الجلدة التي تقطع عند الختان.

(53) - أخرجه البخاري 5/2391, برقم: 6162, ومسلم 4/2194, برقم: 2859.

(54) - البخاري 4/1881, برقم: 4651, ومسلم 4/2270, برقم: 2955.

(55) - رواه الترمذي في سننه - ك البر والصلة -ب ما جاء في حسن الخلق 4/362, برقم: 2002, وقال : حسن صحيح ، والبخاري في الأدب المفرد 1/164, برقم: 464, والقضاعي في مسند الشهاب 1/274 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/5, برقم: 2641, وفي الجامع الصغير 1/1057, برقم: 10569.

(56) - السعدان نبت من أفضل مراعي الإبل له شوك . القاموس المحيط مادة (سعد) .

(57) - البخاري - ك الرقاق - ب الصراط جسر جهنم 1/277, برقم: 773, ومسلم - ك الإيمان - ب إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة 1/163, برقم: 182 .

(58) - القنطرة : الجسر . القاموس المحيط مادة (قنط) .

(59) - البخاري -ك المظالم والغصب -ب قصاص المظالم 2/861, برقم: 2308.

(60) - رواه البخاري 1/357,1004, ومسلم 2/626, برقم: 907 .

(61) - أخرجه البخاري - ك الأذان - ب حدثنا ابن أبي مريم 2/833, برقم: 2235، ومسلم - ك الصلاة - ب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار 2/622, برقم: 904, وقد جاء في بعض الروايات أن المرأة المذكورة في الحديث من حِمْيَر .

(62) - وقد يختل ميزان العدل عند الإنسان إذا كان طرفاً في نزاع أو غلبه هوى.

(63) - سبق تخريجه.

(64) - راجع كتاب : أشراط الساعة ، ليوسف بن عبد الله الوابل ، رسالة علمية متخصصة .

(65) - سبق تخريجه .

(66) فتح القدير للشوكانى -2/198 - دار الحديث .

(67) تفسير ابن كثير  3/42  - المكتبة العصرية - بيروت - ط1 / 1418 – 1998.

(68) التحرير والتنوير - لابن عاشور - 15/116- الدار التونسية للكتب .

(69) انظر الحديث في فتح الباري - كتاب المظالم - باب النهى عن الزنا - 5/119 / ق 2474 - من حديث أبى هريرة ، ومسلم - كتاب الإيمان - باب لا يزنى الزانى وهو مؤمن - 5/15 / ب 11 / ق 2625 .

(70) ابن كثير - 3/514 .

(71) معجم مقاييس اللغة - لابن فارس - 1/618 - دار الكتب العلمية - بيروت -ط1-1420-1999 .

(72) اقتضاء العلم العمل - لأبى بكر احمد بن على البغدادي - جزء من كتاب الإيمان - للحافظ أبى بكر عبد الله بن أبى بكر بن عبد الله بن محمد بن أبى شيبة العبسى - تحقيق محمد ناصر الدين الالبانى - ص 214 - دار الأرقم - الكويت /1405 -1985 .

(73) فتح القدير - الشوكانى - 2/170.

(74) قال في الحلية: (ومنهم المتعبد الشكير ، مطرف بن عبد الله ابن الشخير كان لنفسه مذلا ، ولذكر الله عز وجل مجلا ) - أحبة في الله - كان من كبار التابعين ، روى عن عدد من الصحابة الكرام ، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومات 95 . انظر : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - للاصفهانى - 2/198ا ، و تقريب التقريب - لابن حجر - 10/57) .

(75) اقتضاء العلم العمل - لأبي بكر احمد ابن على البغدادي - ص214 .

(76) تفسير ابن كثير 3/234 .

(77) الترمذي - في كتاب التفسير - باب من سورة المؤمنين - 5/327 /3175 ، و احمد 6/159 ، و الحاكم في المستدرك - في كتاب التفسير 2/393 .

(78) الأصمعي : هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي أبو سعيد راوية العرب ، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ، ولد بالبصرة سنة 122 - توفي فيها سنة 216 ، له تصانيف منها (الإبل ) ، و (خلق الإنسان) ، و (المترادف) ، انظر الأعلام - الزركلي - 4/162 - ، ووفيات الأعيان - 3/170.

(79) ديوان دعبل ابن علي الخز اعي - ص 450- صنعة عبد الكريم الأشتر -ط2- مطبوعات مجمع اللغة العربية -دمشق - 1403-1983.

(80) تفسير ابن كثير - 3/300  - مصدر سابق .

(81) البيت لأبى ذوؤيب الهذلى في ديوانه 143 .

(82) معجم مقاييس اللغة - لابن فارس - 2/494  -مصدر سابق .

(83) انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حيان - 2/120 ، واحمد 2/31 ، و ابن خزيمة - 2/67 - المكتب الإسلامي - 1400-1980 - وأصله في الصحيح .

(84) حلية الأولياء - الاصفهاني - 2/199 - دار الكتاب العربي .

(85) الفوائد لابن القيم - ص 142 - دار النفائس - بيروت – ط 3- 1402-1982 .

(86) مختصر تفسير ابن كثير - 2/384 .

(87) أضواء البيان - محمد الأمينبن محمد المختار الجكنى الشنقيطي - 4/200 - عالم الكتب - بيروت .

(88) الفوائد - ابن القيم - ص 91 - دار النفائس .

(89) مختصر تفسير ابن كثيرللصابونى- 1/513 - دار الصابوني – القاهرة .

(90) تفسير ابن كثير -4/37 .

(91) سبق ذكره  .

(92) انظر الحديث ص80 .

(93) أنظر الحديث ص85 .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
وإنه لفي زبر الأولين
الخميس 7 فبراير 2013

 

 

 

 

 

وإنه لفي زبر الأولين

 

مقدمـة :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ﴿  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [سورة آل عمران: 102] ، ﴿  يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1] ، ﴿  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [سورة الأحزاب: 70-71] ، وإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

ثم أما بعد :

 

فقد شاء الله سبحانه أن ينقذ البشرية في الحقبة الأخيرة من تاريخها – على حين فترة من الرسل - برسالةٍ خاتمةٍ لجميع الرسالات السابقة صالحةٍ لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة ، فاختار سبحانه لهذه المهمة عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم النبي العربي الأمي، وأهّله لحمل هذه الرسالة ، وجعل له قبل مجيئه وظهوره إلى الدنيا مقدماتٍ وبشارات تنبئ وتبشر بظهوره ، وأخذ الله سبحانه الميثاق على جميع الأنبياء بالتصديق بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم ، قال سبحانه : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ ﴾ [سورة آل عمران: 81 ] ، قال قتادة : "هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضا ، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته ، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم ، وأخذ عليهم – فيما بلغهم رسلهم – أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه"(1).

 

وأشار سبحانه إلى القرآن العظيم في كتب الأنبياء السابقين كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ  [سورة الشعراء: 196 ] ، أي : أن ذكر هذا القرآن موجود ومنوه به في كتب الأنبياء السابقين ، وهذا الكتاب هو الرسالة التي حملها النبي الخاتم إلى البشرية .

 

ومن ثم تناقلت أمم الأرض عن طريق الأحبار والرهبان والكهان خبر النبي الخاتم الذي بشرت به النبوات السابقة، ولما انقطعت الرسالة بعد عيسى عليه السلام فترة من الزمن(2)، زاد تلهف أمم الأرض إلى النبي الخاتم، وكان عيسى عليه السلام هو آخر من بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء كما قال تعالى عنه في خطابه لبني إسرائيل : ﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... ﴾ [الصف:6] ، وبدأ أهل الكتب وغيرهم كالهندوس والمجوس يتوقعون قرب ظهوره بناءً على ما يجدونه في كتبهم وأخبار أنبيائهم من الوعد بمقدمه والإخبار بزمان ظهوره ومكانه .

 

وقد سجل التاريخ في هذه الفترة مقدمات وحوادث تدل على قرب مقدمه وظهوره صلى الله عليه وسلم، منها ما كان قبل مولده ، ومنها ما كان عند مولده ، ومنها ما كان قبل بعثته .

 

فأما ما كان قبل مولده فمنه تناقل الأحبار والرهبان لذكر النبي الخاتم ، بل كان اليهود في بلاد العرب عندما يقاتلون قبيلة من العرب يخوفونهم بقرب مبعث نبي يقاتلونهم معه فكانوا يقولون سيبعث نبي آخر الزمان نقتلكم به قتل عاد وإرم وكانوا يدعون بين يدي قتالهم مع العرب بقولهم : "اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان" فلما ظهر النبي من غير بني إسرائيل كفروا به كما قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ  عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [سورة البقرة:89] .

 

ومن الإرهاصات على قرب مقدم النبي أن الراهب "عيصا " الذي ترك بلاد الشام وقدم إلى قرب مكة أخبر أهل مكة أنه قد حان زمن النبي الذي تدين له العرب والعجم ، والذي سيكون من أهل مكة (3).

 

وإنما كان أهل الكتاب يعرفون ذلك من كتبهم وأخبار أنبيائهم كما قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ... ﴾ [الأعراف:157] .

 

ومن الإرهاصات على مقدمة في عام ولادته أن الله سبحانه أهلك نصارى الحبشة القادمين من اليمن لهدم الكعبة المشرفة التي ستكون قبلة للرسول القادم وأمته ، قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [سورة الفيل 1- 5 ] .

 

ومن ذلك خاتم النبوة الذي كان علامة مميزة على ظهره الشريف تدل على نبوته كما ذكر ذلك في الكتب السابقة(4).

 

ومن الإرهاصات في أول طفولته البركة التي حلت في بيت مرضعته حليمة السعدية حيث كانت أنعامهم تروح شباعاً ممتلئة باللبن الكثير ، بينما كانت تلك البلاد مجدبة والناس يشكون جوع الأنعام (5). 

 

ومن الإرهاصات حادثة شق الصدر ، وهو صغير فقد أخبر أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب ثم شق القلب ، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه فأعاده مكانه وجعل الغلمان يسعون إلى أمه -أي مرضعته- فقالوا : إن محمداً قد قتل !! فجاءوه وهو منتقع اللون ، قال أنس : فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره(6).

 

تسميته بالأمين :

 

فقد اختصمت قريش في من يرفع الحجر الأسود عندما أعادوا بناء الكعبة ، فحكموا بينهم أول داخل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد جاء الأمين(7).

 

ومن حفظ الله له أنه هم أن يستمع للغناء في سمر مع أهل مكة في ليلتين فعصمه الله منهما ، بأن ألقى عليه النوم حتى أصبح(8) .

 

ومن مقدمات بعثته أن حجراً كان يسلم عليه : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن»(9).

 

الذين أسلموا بسبب البشارات :

 

وأما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقد شاهدنا سرعة إقبال أهل المدينة على الإسلام يحثهم على ذلك ما كانوا يسمعونه من اليهود عن مقدمه وما كانوا يستفتحون به على أعدائهم كما بينا، بينما كان أهل مكة يصدون عنه ويحاربونه .

 

وكان عبدالله بن سلام ممن أسلم أيضاً على هذه البشارات وهو أعلم أحبار اليهود القاطنين في المدينة المنورة باعتراف اليهود أنفسهم ، وهو ممن قال الله تعالى فيه : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  [سورة الأحقاف: 10] .

 

وكان زيد ابن سعنة ممن أسلم على هذه البشارات أيضاً وهو من علماء اليهود حيث تعرف على صفات النبي صلى الله عليه وسلم والتي منها أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما (10).

 

وممن أسلم على ذلك أيضاً من اليهود كعب الأحبار بعد معرفته بتلك البشارات ، وقد سأله عبدالله بن عباس كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال كعب : "نجده محمد بن عبدالله ، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة ويكون ملكه بالشام ، وليس بفحاش ولا صخاب بالأسواق ، ولا يكافئ بالسيئة السيئة ولكن يعفوا ويغفر، أمته الحمادون يحمدون الله في كل سراء وضراء ويكبرون الله على كل نجد ، يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم ، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم ، دويهم في مساجدهم كدوي النحل ، يستمع مناديهم في جو السماء "(11).

 

وكان ممن أسلم على البشارات في الكتب السابقة سلمان الفارسي رضي الله عنه وورقة بن نوفل القرشي الذي كان على الديانة النصرانية، فعندما قص له النبي صلى الله عليه وسلم ما جاءه من الوحي بواسطة الملك جبريل قال: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى …"، ثم تمنى أن يطول به العمر لنصر النبي صلى الله عليه وسلم حين يعاديه الناس(12).

 

وكان ممن صدق النبي صلى الله عليه وسلم من النصارى ملك الحبشة ، حيث سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة دين الإسلام المطابق لما جاء به عيسى عليه السلام(13) ، ولذلك دخل في الإسلام ، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين وفاته .

 

وممن أسلم من النصارى أيضاً عدي ابن حاتم الطائي ، عندما سمع نقد بعض الأمور في ديانته من النبي صلى الله عليه وسلم(14).

 

وممن أقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في الإسلام هرقل ملك النصارى الروم الذي قال لأبي سفيان بن حرب ، بعد أن سأله عن أحوال وصفات محمد صلى الله عليه وسلم : "قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم ، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه"(15) ، ومثله المقوقس عظيم القبط في مصر الذي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جاريتين وأهدى له أيضاً بغلة يركبها .

 

وكذلك دخل في الإسلام على أساس هذه البشارات عدد كبير من الأحبار والرهبان وغيرهم من أهل الديانات عبر التاريخ وإلى يومنا هذا .

 

ومما يؤسف له أن تلك البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم قد تعرضت للتحريف والإخفاء من قبل بعض علماء اليهودية والنصرانية عبر التاريخ ، ومازالت تلك التغيرات تطرأ على الكتب إلى يومنا هذا .

 

ويوجد كثير من البشارات التي تعرضت للإخفاء والتحريف في النسخ التي كان يحتج بها علماء المسلمين عبر التاريخ على اليهود والنصارى ، كما كان يحتج بها من أسلم منهم على قومه ، كما سيأتي بيانه .

 

وبالرغم من هذا التحريف فقد أبقى الله في هذه الكتب من نور البشارات بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ما يقيم الحجة في عصرنا على أهل هذه الكتب ، ويثبت إيمان المؤمنين ، فهيا لنرى بعضاً مما بقي من نور هذه البشارات التي اشتملت عليها الكتب السابقة الموجودة الآن بين يدي أتباعها ، وما قالته هذه البشارات عن النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

النبي الأمي :

لقد أشار القرآن الكريم إلى أمية الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها مذكورة عند أهل التوراة والإنجيل ، قال تعالى :     ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ... ﴾ [الأعراف:157].

 

إن أمية النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية بدء الوحي إليه لأول مرة موجود عند أهل الكتاب إلى يومنا هذا .

 

فقد جاء في سفر أشعيا: " ويدفع الكتاب للأمي ويقال له: اقرأ هذا أرجوك فيقول : أنا أمي"(16) أي لست بقارئ .[أ]

 

وهذا ترجمة للنص الذي ورد في نسخة الملك جيمس للكتاب المقدس المعتمدة عند النصارى وهي أوثق النسخ للتوراة والإنجيل عندهم(17).

 

اسم النبي :

1- لا تزال نسخ التوراة باللغة العبرية تحمل اسم محمد جلياً واضحاً إلى يومنا هذا. ففي نشيد الأنشاد من التوراة في الإصحاح الخامس الفقرة السادسة عشر وردت هذه الكلمات : حِكو مَمْتَكيم فِكلّو محمديم زيه دُودي فَزيه ريعي.[ث]

 

ومعنى هذا : " كلامه أحلى الكلام إنه محمد العظيم هذا حبيبي وهذا خليلي ".

 

فالفظ العبري يذكر اسم محمد جلياً واضحاً ويلحقه بـ(يم) التي تستعمل في العبرية للتعظيم. واسم محمد مذكور أيضاً في المعجم المفهرس للتوراة(18) [ث] عند بيانه هذا اللفظ المتعلق بالنص السابق " محمد يم "(19).

 

2- هذا وقد كان اسم النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً بجلاء في كتب اليهود والنصارى عبر التاريخ، وكان علماء المسلمين يحاجون الأحبار والرهبان بما هو موجود من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ومن ذلك :

 

جاء في سفر أشعيا :

 

" إني جعلت اسمك محمداً ، يا محمد يا قدوس الرب ، اسمك موجود من الأبد " ذكر هذه الفقرة علي بن ربّن الطبري (الذي كان نصرانياً فهداه الله للإسلام) في كتابه : الدين والدولة ، وقد توفي عام 247 (20).

 

 وجاء في سفر أشعيا أيضاً : " سمعنا من أطراف الأرض صوت محمد "(21)

 

وجاء في سفر حبقوق : " إن الله جاء من التيمان ، والقدوس من جبل فاران ، لقد أضاءت السماء من بهاء محمد ، وامتلأت الأرض من حمده " ذكره علي بن ربن الطبري في كتابه الدين والدولة(22) ، وذكره إبراهيم خليل احمد ، الذي كان قساً نصرانياً فاسلم في عصرنا ونشر العبارة السابقة في كتاب له عام 1409هـ .

 

وجاء في سفر أشعيا أيضاً : "وما أعطيه لا أعطيه لغيره ، أحمد يحمد الله حمداً حديثاً ، يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البَرّية وسكانها ، ويوحدون الله على كل شرف ، ويعظمونه على كل رابية "(23).

 

وذكره عبد الله الترجمان الذي كان اسمه : انسلم تورميدا ، وكان قساً من أسبانيا فأسلم وتوفي عام 832هـ .

 

ولقد روى جبير بن مطعم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إِنَّ لِي أَسْمَاءً ، أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي ، وَأَنَا الْعَاقِبُ »(24).

 

قال الله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [سورة الصف:6 ] .

 

ويقول مطران الموصل السابق الذي هداه الله للإسلام ، وهو البروفيسور عبد الأحد داود الآشوري في كتابه : محمد في الكتاب المقدس(25) : إن العبارة الشائعة عند النصارى : " المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة " لم تكن هكذا ، بل كانت :  " المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض إسلام ، وللناس أحمد "

  

3- و لقد جاء ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب المقدسة عند الهندوس فقد جاء في كتاب "السامافيدا"(26) ما نصه " أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة وقد قبست من النور كما يقبس من الشمس ".. [د]

 

نسبه صلى الله عليه وسلم :

 

لقد دعا سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام الله وهما بمكة أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له ، وأن يبعث فيهم رسولاً منهم ، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى دعاءهما في قوله تعالى : ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [سورة البقرة: 128, 129] .

 

1- وقد جاء في التوراة ذكر للوعد الإلهي لإبراهيم أن يجعل من ذرية إسماعيل أمة هداية عظيمة ، فقد ورد في سفر التكوين(27)ما يأتي:

 

" وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، هاأنا أباركه وأثمره وأكثّره كثيراً جداً. اثنى عشر رئيساً يلد ، واجعله أمة كبيرة ." [ز]

  

 

2- وورد فيه أيضاً : "وابن الجارية أيضاً سأجعله أمة لأنه نسلك "(28).[س]

 

ولم تكن هناك أمة هداية من نسل إسماعيل إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي قال الله عنها : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... ﴾ [آل عمران:110].

 

مكان بعثته - صلى الله عليه وسلم- :

 

 

3- كما جاء في التوراة في سفر أشعي(29) : " وحي من جهة بلاد العرب " [ع]

 

وهذا إعلان عن المكان والأمة التي سيخرج منها الرسول حاملاً الوحي من الله إلى الناس .

 

 4- وجاء في التوراة في سفر التثنية(30): "جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلالأ من جبل فاران". [ف]

 

قال تعالى : ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ  [سورة التين: 1- 3] .

 

ويرى بعض شراح التوراة ممن أسلم أن هذه العبارة الموجودة في التوراة تشير إلى أماكن نزول الهدى الإلهي إلى الأرض .

 

فمجيئه من سيناء : إعطاؤه التوراة لموسى عليه السلام .

 

وإشراقه من ساعير : إعطاؤه الإنجيل للمسيح عيسى عليه السلام. وساعير : سلسلة جبال ممتدة في الجهة الشرقية من وادي عربة في فلسطين وهي الأرض التي عاش فيها عيسى عليه السلام .

 

وتلألؤه من جبل فاران : إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. وفاران هو الاسم القديم لأرض مكة التي سكنها إسماعيل عليه السلام .

 

صفاته - صلى الله عليه وسلم - :

 

من صفاته صلى الله عليه وسلم أنه أمي ، وقد سبق بيانه .

 

1- كما وصف في سفر أشعي(31) بأنه (راكب الجمل) وفي هذا إشارة إلى أنه من الصحراء وهكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم .

 

2- ووصف في المزامير(32)بـأن : " ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية "[هـ]، وقد انتهى ملوك اليمن ولم يظهر نبي دان له ملوك اليمن إلا محمد صلى الله عليه وسلم .

 

3- ووصف فيها أيض(33) بأنه " يصلى عليه ويبارك عليه كل وقت" وهكذا شأن محمد صلى الله عليه وسلم فالمسلمون يباركون عليه كل يوم عدة مرات في صلاتهم .

 

4- ووصف فيها أيض(34) بأنه "متقلد سيفاً" ، وفيها أيض(35) مايلي: " وأنه يرمي بالنبل "

 

5- وجاء في إنجيل متى(36) وصفه بأنه الحجر الذي أتم بناء النبوة ، ففيه : " قال لهم يسوع(37) أما قرأتم قط في الكتب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية. من قِبَل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره "[ط]

 

وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة أمية ، لم يكن لها شأن بين الأمم ، وكان من العجيب أن يكون الرسول الذي يخرج منها هو رأس الزاوية في بناء النبوة. وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ »(38) .

 

وتذكر هذه البشارة على لسان عيسى عليه السلام أن صاحب هذا الوصف ليس من بني إسرائيل ، وأن النبوة ستنزع من بني إسرائيل وتعطى لأمة أخرى (تعمل أثماره) أي تحقق ثماره ، فكانت هذه الأمة التي كانت مزدراة في أعين الناس هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي الأمة الجديدة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس .

 

6- وجاء في صفة الدين الذي يأتي به ما يأتي :

 

أولاً : الأذان للصلاة كما سبق بيانه .

 

ثانياً : الصلاة كتفاً إلى كتف : فقد جاء في التوراة في سفر صفني(39) ما يأتي :

 

" لأني حينئذ أحول الشعوب إلى شَفة نقية ليدعوا كلهم باسم الرب ليعبدوه بكتف واحدة "[أً]

 

وبالإسلام توحدت لغة العبادة لله ، فيقرأ القرآن في الصلاة بلغة واحدة هي العربية، ويصفون كتفاً إلى كتف .

 

  

ثالثاً : تحويل القبلة : فقد جاء في إنجيل يوحن(40) ما يأتي :

 

إن امرأة سامرية تقول لعيسى عليه السلام : " آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم(41) الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه ، قال لها يسوع(42) يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون " [بً]

 

وهذا إعلان بأن القبلة ستتحول من بيت المقدس ، ولا يكون ذلك إلا على يد رسول، كما حدث على يد النبي صلى الله عليه وسلم وفقاً لأمر الله القائل : ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة البقرة: 144] .

 

خامساً : ذكر بعض شعائر دينه صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة :

 

فقد جاء في كتاب: بفوشيا برانم(43) وصف لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم : "هم الذين يختتنون ، ولا يربون القزع، ويربون اللحى ، وهم مجاهدون وينادون الناس للدعاء(44) بصوت عال، ويأكلون أكثر الحيوانات إلا الخنزير، ولا يستعملون الدرباء(45) للتطهير بل الشهداء هم المتطهرون ، ويسمون "بمسلي "(46) بسبب أنهم يقاتلون من يلبس الحق بالباطل ، ودينهم هذا يخرج منا وأنا الخالق". [ثً]

 

وجاء في كتاب "محمد في الأسفار العالمية" ما ترجمه الأستاذ عبد الحق من كتب الزرادشتية بشأن محمد وأصحابه" إن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون، وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعه فارس، ويخضع الفرس المتكبرين، وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون وجوههم نحو كعبة إبراهيم التي تطهرت من الأصنام،ويومئذ يصبحون هم أتباع النبي رحمة للعالمين، وسادة لفارس ومديان وطوس وبلخ(47) وإن نبيهم ليكونن فصيحاً يتحدث بالمعجزات "(48).[ن]

 

أفـلا يؤمنون :

 

وبعد هذه الأمثلة من البشارات التي أشرنا إليها ، يتضح لنا أن الكتب المقدسة عند الأمم والشعوب قد أشارت إلى النبي الخاتم الذي يبعث وذلك قبل بعثته بقرون كثيرة قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ ﴾ [سورة الشعراء:196] .

 

وقد تواترت هذه البشارات والأخبار المبشرة ببعثته صلى الله عليه وسلم بين شعوب الأرض جميعا، ذلك أن رسل الله عليهم السلام قد بشروا أقوامهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه البشارات في الكتب السابقة سبباً في إسلام كثير من الناس .

 

كما إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا ينتظرون مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث آمن به من آمن من علمائهم وأحبارهم ، كعبد الله بن سلام. قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  [سورة الأحقاف:10] .

 

ومن أهل الكتاب من أعرض عن دين الله وعن إتباع محمد صلى الله عليه وسلم بغياً وحسداً من عند أنفسهم، وأصروا على عداوته وبغضه ، فعمدوا إلى النصوص التي تبين صفاته ، فحرفوها وبدلوها ، وعملوا على إخفاء كثير من النصوص الصحيحة عن عامة الناس ، قال تعالى : ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا .. ﴾ [الأنعام:91] ، وقال تعالى : ﴿ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... ﴾ [النساء:46] ، وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... ﴾ [المائدة:13] .

 

واستمر تحريفهم وتبديلهم طوال العصور وإلى يومنا هذا ، ولكن بقيت إشارات واضحة إلى يومنا هذا في كتبهم آية بينة تصف محمداً صلى الله عليه وسلم ، وتشهد بصدقه صلى الله عليه وسلم ، وأنه رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين .  وقد وجدنا هذه الكتب تصفه صلى الله عليه وسلم بأنه أمي ، وتذكر أسمه ، ونسبه ومكان بعثته وزمانها ، وتصف كلامه وأخلاقه ، والشريعة التي يأتي بها كما تصف هجرته وهزيمة أعدائه أمامه. ولم تنطبق هذه الصفات على أحدٍ إلا على محمد صلى الله عليه وسلم .

 

فهل آن الأوان لمن ضلوا عن الحق أن يتبعوا الهدى ، ويؤمنوا بدين الله ، وبرسول الله, والحق الذي نزل عليه ؟‍!

 

قال تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ  [سورة آل عمران: 110] .

 

 مراجعة: محمد معافا

علي عمر بلعجم

 

 

-----------------------

(1) أخرجه الطبري - بسند حسن كما في التفسير الصحيح 1/430 .

(2) الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام تقدر بستمائة عام ، قال تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) [المائدة: من الآية19] .

(3) الخصائص الكبرى - للسيوطي - 1/50 ، وقد أورد كثيراً من الأخبار عن إرهاصات مقدم محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أحب الازدياد من ذلك فليرجع إليه.

(4) أخبر أحد رهبان النصارى سلمان الفارسي رضي الله عنه أن من علامات النبي الخاتم أن على ظهره خاتم النبوة، وتعرف عليه بعد ذلك في المدينة النبوية بهذه العلامة كما أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

(5) رواه ابن حبان والطبراني وقال الذهبي : هذا حديث جيد الإسناد. انظر صحيح السيرة النبوية ص52 .

(6) أخرجه مسلم في صحيحه 1/145, برقم: 162, وأحمد في المسند 3/288, برقم: 14101.

(7) رواه الحاكم - وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، انظر : صحيح السيرة النبوية - ص64 .

(8) رواه ابن إسحاق ، وإسحاق بن راهوية والبزار وابن حبان ، قال الحافظ : وإسناده حسن متصل ، انظر : سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - لمحمد بن يوسف الصالحي - 2/148، وصححه الحاكم  ، ووافقه الذهبي . 

(9) أخرجه مسلم 4/1782, برقم: 2277, وأحمد في المسند 5/89, برقم: 20860 .

(10) أخرج الطبراني عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال : إن الله عز وجل لما أراد هدى زيد بن سعنة قال زيد بن سعنة : ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيد شدة الجهل عليه إلا حلماً. قال زيد ابن سعنة : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الحجرات – ومعه علي بن أبي طالب – فأتاه رجل على راحلته كالبدوي ، فقال : يا رسول الله ، لي نفر في قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام ، وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغداً. وقد أصابهم سنة وشدة وقحط من الغيث ، فأنا أخشى – يا رسول الله – أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً؛ فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء يغيثهم به فعلت. فنظر إلى رجل إلى جنبه – أراه علياً- فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء. قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت : يا محمد، هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً في حاط بني فلان إلى أجل معلوم ، إلى أجل كذا وكذا. قال : "لا تسم حائط بني فلان" قلت: نعم ، فبايعني ، فأطلقت همياني فاعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا ، فأعطاه الرجل وقال : "اعدل عليهم وأغثهم" .

قال زيد بن سعنة : فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في نفر من أصحابه ، فلما صلى على الجنازة ودنا إلى الجدار ليجلس إليه أتيته ، فأخذته بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت له : يا محمد ، ألا تقضيني حقي ؟ فوالله ، ما علمتم بني عبد المطلب إلا مطلا، ولقد كان بمخالطتكم علم. ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله ، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع ؟ وتصنع به ما أرى؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي في سكون وتؤده فقال :" يا عمر ، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن اتباعه اذهب به يا عمر ، فأعطه حقه وزده عشرين صاعاً من تمر مكان ما رعته" .

قال زيد : فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر. فقلت : ما هذه الزيادة يا عمر؟! قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رعتك. قال : قلت : وتعرفني يا عمر؟! قال : لا قلت : أنا زيد ابن سعنة. قال : الحبر ؟ قلت : الحبر. قال : فما دعاك إلى أن فعلت برسول الله ما فعلت، وقلت له ما قلت ؟! قلت : يا عمر لم يكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينه نظرت إليه إلا اثنتين، لم أخبرهما منه : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً. وقد اختبرتهما ، فأشهدك– يا عمر – أني قد رضيت الله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ، وأشهدك أن شطر مالي – فإني أكثرها مالا- صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال عمر : أو على بعضهم فإنك لا تسعهم ، قلت : أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال زيد : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله. وآمن به وصدقه وبايعه ، وشهد معه مشاهد كثيرة؛ ثم توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر. رحم الله زيداً. قال الهيثمي 8/240 : رواه الطبراني ورجاله ثقات ؛ وروى ابن ماجه منه طرفاً .   

(11) سنن الدارمي - ج1/17 .

(12) البخاري - ك بدء الوحي - ب حدثنا يحيى بن بكير .

(13) انظر : السيرة النبوية - لابن هشام - 1/374 - دار إحياء التراث العربي .

(14) فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إيه يا عدي بن حاتم ! ألم تلك ركوسياً ؟ قال : قلت بلى. قال : أولم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟ قال: قلت : بلى ، قال : فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك قال : قلت : أجل والله ، وقال : وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل. انظر السيرة النبوية لابن كثير 4/123 دار إحياء التراث العربي .

(15) أخرجه البخاري في صحيحه - ك بدء الوحي  -ب حدثنا أبو اليمان .

(16) الإصحاح - 29 - الفقرة 12 .

(17) تجد في نهاية المبحث النصوص التوارتية والإنجيلية وغيرها المقتبسة مصورة من مراجعها المشار إليها ، ومتسلسلة حسب ورودها في المبحث ومعلمة بالحروف العربية .

 (18)The New Strong Exhaustive Concordance of the Bible, James Strong, LL.D. 5.T.D,            Thomas Nelson Publishers, Nashville , USA ,1984, p.64 (Hebrew Dictionary) 

(19) عند كتابة هذا اللفظ باللغة الإنجليزية يكتبونه كما يلي : machmad . ولإفتقار اللغة الإنجليزية للحرف "ح"فإنهم يعبرون عنه بالحرفين "ch" ويجعلونه أقرب إلى حرف الخاء كما ورد ذلك في المعجم المفهرس المذكور بأن هذا الحرف المكون من "ch" أقرب ما يكون للخاء الألمانية ، أي أن استعمال "ch" جاء بدلاً عن حرف الحاء ، فيكون الاسم هو محمد ، اسم النبي صلى الله عليه وسلم .

(20) وذكرها صالح بن حسين الهاشمي المتوفى عام 668هـ في كتابه : تخجيل من حرف التوراة والإنجيل، وذكرها القرافي المتوفى عام 682هـ في كتابه : الأجوبة الفاخرة ، وذكرها ابن تيمية المتوفى عام 728هـ في كتابه : الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح؛ وذكرها ابن قيم الجوزية المتوفي عام 751هـ في كتابه : هداية الحيارى من اليهود والنصارى .

(21) ذكره الأئمة : صالح الهاشمي والقرافي وابن تيمية وابن القيم في كتبهم السابق ذكرها.

(22) وذكره علي بن محمد الماوردي المتوفى عام 450هـ في كتابه : أعلام النبوة ، وأبو عبيده الخزرجي المتوفى عام 582هـ في كتابه : مقامع هامات الصلبان ومراتع روضات الإيمان؛ وذكره القرطبي المتوفى عام 671هـ في كتابه الإعلام؛ وكذلك ذكره الهاشمي والقرافي وابن تيمية وابن القيم في كتبهم التي سبق ذكرها .

(23) ذكره الأئمة : الخزرجي والهاشمي والقرطبي والقرافي وابن تيمية وابن القيم في كتبهم التي سبق ذكرها.

(24) أخرجه البخاري - ك المناقب - ب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم 3/1299, برقم: 3339، ومسلم - ك الفضائل - ب في أسمائه صلى الله عليه وسلم 4/1828, برقم: 2354، والترمذي - ك الأدب - ب ما جاء في أسماء النبي 5/135, برقم: 2840، والنسائي في السنن الكبرى   6/489 ، وأحمد في المسند - 4/80 وغيرهم .

(25)  فصل : الإسلام والأحمديات التي أعلنتها الملائكة - ص 145- 154 .

(26)  في الفقرتين 6 و 8 من الجزء الثاني .

(27) الإصحاح - 17 - العبارات من 19-21 .

(28) الإصحاح- 21 فقرة 12وَ 13.

(29) الإصحاح - 21الفقرة 12.

(30) الإصحاح - 33 الفقرة 2.

(31) الإصحاح - 21 الفقرة : 6.

(32) في مزمور - 72 الفقرة :10 .

(33) مزمور -72 الفقرة :15.

(34) مزمور -45 الفقرة :3 .

(35) الفقرة  5 ، من المزمور السابق .

(36) الإصحاح - 21 ، الفقرات : 41-44 .

(37) هو : عيسى عليه السلام .

(38) أخرجه البخاري - ك المناقب - ب خاتم النبيين 3/1300, برقم:3342 ، ومسلم - ك الفضائل - ب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين 4/1790, برقم: 2286، وابن حبان في صحيحه - 14/315, برقم: 6405.

(39) الإصحاح - 3 الفقرة 9-10 .

(40) الإصحاح - 4 الفقرة 20-21 .

(41) هي : القدس .

(42) هو : عيسى عليه السلام .

(43) الجزء 3 - فصل 3 ، وهو من كتب الهندوس كما سبق ذلك .

(44) ينادون للدعاء : أي ينادون للصلاة لأن الصلاة دعاء.

(45) الدرباء نبات يخرج به الهنود الدم من جسم الإنسان ويعدون هذا العمل تطهيراً من الخطايا.

(46) " مسلي" أي يسمون بالمسلمين ، دخل عليها شئ من التحريف .

(47) وهي : الأماكن المقدسة للزرادشتيين ومن جاورهم .

(48) " محمد في الأسفار العالمية " - ص 47 .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
وسائل الإعلام المعاصرة (القنوات)
سمير الشميري
الخميس 7 فبراير 2013

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحور السابع : الدعوة إلى الإيمان وإلى تقويته وزيادته

وسائل الإعلام المعاصرة  (القنوات)

 

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإننا نعيش هذه الأيام زمنا تكاثرت فيه الشرور وعظمت فيه الفتن ، وصارت بسبب كثرتها يرقق بعضها بعضا ولعل في هذا مصدقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن هذه الأمة جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب أخرها بلاء وأمور تنكرونها، تجيئ الفتن يرقق بعضها بعضا، وتجيئ الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيئ الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر» .

لقد تزايد في هذا الزمان كيد الكفار أعداء الله وأعداء دينه وأعداء عباده المؤمنين ، مستهدفين ديار المسلمين ، يبتغون خلخلة دينهم وزعزعة إيمانهم وتدمير أخلاقهم وإفساد سلوكهم ونشر الفاحشة والرذيلة بينهم وإخراجهم من حظيرة الإسلام ، لا بلغهم الله ما يريدون .

ولقد كانوا سابقا يعجزون عن الوصول إلى أفكار الشباب وعقول الناشئة لبث ما لديهم من سموم وعرض ما عندهم من كفر و إلحاد و مجون، أما الآن فقد أصبحت تحمل أفكارهم الرياح، إنها رياح مهلكة، بل أعاصير مدمرة تقصف بالمبادئ والقيم، وتدمر الأديان والأخلاق، وتقتلع جذور الفضيلة والصلاح، وتجتث أصول الحق واليقين .

لقد تمكن أعداء دين الله من خلال القنوات الفضائية والبث المباشر من الوصول إلى العقول والأفكار، ومن الدخول إلى المساكن والبيوت ، يحملون نتنهم وسمومهم ، ويبثون كفرهم وإلحادهم ومجونهم ، وينشرون رذائلهم وحقاراتهم وفجورهم في مشاهد زور، ومدارس خنا، وفجور، تطبع في نفوس النساء والشباب محبة العشق والفساد والخمور، بل إنها بمثابة شرك الكيد وحبائل الصيد تقتنص القلوب الضعيفة وتصطاد النفوس الغافلة، فتفسد عقائدها، وتحرف أخلاقها وتوقعها في الافتتان ، ولا أشد من الفتنة التي تغزو الناس في عقر دورهم ووسط بيوتهم محمومة مسمومة محملة بالشر والفساد .

ويتحقق للكفار ما يريدون : ﴿ فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) ﴾ [سورة القلم] ، ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ [النساء:89] ، ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ﴾ [البقرة:109] ، ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ [آل عمران:69] .

إن المسئولية تجاه النشأ عظيمة ، والواجب نحوهم كبير، فهم أمانة في الأعناق ، وكل مسئول عمن يعول يوم القيامة  :   ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) ﴾ [سورة التحريم] ، روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول في أهله، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» .

وروى الترمذي بإسناد صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ أم ضيّع » .

وروى مسلم في صحيحه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة »(1) .

 

 

سيطرة أعداء الإسلام على القنوات الفضائية :

التأثير على الرأي العام العربي أصبح واحداً من أهم المخططات الصهيونية التي تسعى إلى محاربة الإسلام والمسلمين حيث اتخذ الفكر الصهيوني القنوات الفضائية التلفزيونية نقطة انطلاق جديدة لدخول كل بيت عربي بهدف السيطرة على فكره وعاداته والتأثير السلبي على عقيدته .. حاملة راية الحرية .. مستغلة التقدم التكنولوجي الذي بدأ يسري في جسد العالم العربي من المحيط إلى الخليج .

وقد أشارت الأبحاث والدراسات الاجتماعية أن العالم العربي يستمد ثقافته من التليفزيون بنسبة 90% مما أدّى إلى انتشار سريع للقنوات التليفزيونية الفضائية المستقلة والحكومية ونجاحها في التأثير على الرأي العام العربي مما دعا الفكر الصهيوني إلى بث قنوات تليفزيونية ناطقة باللغة العربية واللهجات المتباينة لجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين العرب ضمن مخطط صهيوني يهدف إلى تطويق العالم العربي بالأفكار الصهيونية والدفاع عن آرائه العنصرية .

وأعلنت الحكومة الأمريكية عن استعداداتها لتدشين خدمة بث تليفزيونية ناطقة باللغة العربية تستهدف المجتمعات العربية وتبث إرسالها لمدة 24 ساعة يوميا على أن تتضمن برامج تعليمية للغة الإنجليزية وبرامج إخبارية وبرامج عن الصحافة الأمريكية وعادات وتقاليد المجتمع الأمريكي وبرامج حوارية تستهدف تغيير كامل لعادات العالم العربي .وقد رصدت الحكومة الأمريكية ميزانية تقديرية 135 مليون دولار يخصص منها 110 ملايين دولار لبث برامج باللغة العربية للدول الإسلامية بلسان عربي وفكر أمريكي على أن توضع كافة المؤسسات الإعلامية الأمريكية المستقلة والحكومية لخدمة القناة الجديدة .بالإضافة إلى الاهتمام بإذاعة صوت أمريكا التي تبث إرسالها في منطقة الشرق الأوسط والعمل على تطويرها وإزالة كافة المعوقات التي واجهتها خلال الأعوام الماضية لتتصدر الإذاعات العربية وتجذب أكبر عدد من المستمعين العرب .

بينما إسرائيل سرطان الجسد العربي فقد قامت ببث قناتها الفضائية التلفزيونية الناطقة باللغة العربية والتي تحمل اسم " قناة البث للشرق " الأوسط و تستهدف المجتمع العربي على مراحل تمهيدية تتزايد وفق مخطط إعلامي لجذب أكبر عدد من المشاهدين العرب بداية بالمنوعات وتقديم الخدمات الترفيهية والأخبار المعتدلة كمرحلة أولى يليها مرحلة تصاعدية لصالح العنصرية الصهيونية تبعا لنجاحها على المستوى العربي .كما استخدمت إسرائيل أسلوب البث التلفزيوني الحديث من خلال شبكات الكابل والأقمار الصناعية والبث الأرضي لضمان وصول البث الإسرائيلي إلى كل بيت عربي وعدم التشويش عليه في بعض البلدان العربية(2) .

 

وضع الفضائيات العربية ووكالات الأنباء :

تركز وسائل الإعلام العربية بصورة استثنائية على قضايا بعينها، مستقاة بحذافيرها من وكالات أنباء خاصة ، لا تتغير ولا تتبدل، أصبح مع الأيام أداة هدم منظمة بعيدة الغايات في حياة شعوبنا ، خاصة وأن هذه الأهداف ، أو معظمها كان قد تحقق على نطاق شامل، وآتى أكله في صلب التركيبة الفكرية والنفسية لجيل كامل عاش النكسة، وجيل آخر كان قد بلغ الحلم مع النكسة، وجيل جديد وُلد بعد النكسة، وهو يحاول الآن متخبطًا، البحث عن مخرج من هذه المتاهة، التي حصره وحاصره فيها الإعلام الناطق بالعربية ، والمصاغة أصول نصوصه -التي توزعها وكالات الإعلام الأمريكية، وبعض الأوروبية-، بدقة متناهية حسب ما تمليه تلك العقول المتيقظة القائمة على مؤسسات ضخمة بالغة التنظيم، تدير هذه الوكالات ، التي اقتصرنا عليها في استقاء الأخبار.. والتي توزع ثلاثة أنواع من الأخبار في بلادنا .

النوع الأول : خاص بالأخبار العالمية العامة: التي تزرع الضمير العربي إحباطًا، وفشلاً، وشعورًا بالنقص والعجز عن مجاراة ما يحدث في عالم اليوم من كشوف علمية وطبية، وتقدم تقني، وإنجازات متميزة في عوالم الفنون، وحقول الإنسانيات.. فضلاً عن إصابة إنساننا بتصدع في قناعاته، وتشكك في عقيدته، بسبب الشرخ الذي تكشف عنه هذه الأخبار بين وجوده الخامل المتَّكل وبين السرعة المذهلة التي تتقدم فيها العلوم في البلدان التي لا يعرف الناس فيها لا الخمول ولا التكاسل ولا التواكل!.

وأما النوع الثاني من تلك الأخبار: فذلك الذي يُشعر المواطن العربي بالمهانة والمذلة في أعماق نفسه، وينبت فيها إحساسًا عميقًا باليأس المطبق، والشلل البالغ الذي يظن أنه أصاب إرادته، وعطل قدراته وقدرته على تغيير شيء من هذه الحال التي تلف اليوم عالمنا العربي من أقصاه إلى أقصاه.. خاصة وأن هذه المجموعة من الأخبار كانت قد قصفت -هكذا قصفت وقَنْبَلَت- عقولنا وقلوبنا ونفوسنا، ودون هوادة ولا كلل ولا ملل، منذ نصف قرن من الزمان.. وتركت الإنسان العربي في حالة من القناعة التامة بعجزه، وبأنه لا يملك أن يفعل شيئًا، لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا.. ولأنه بدا - من خلالها- وكأن أعداء هذه الأمة داخلها وخارجها، قد أحكموا عليها الخناق، بالمؤامرات المحاكة والخطط المُدَبَّرة ، والهيمنة على مقادير البلاد والعباد، حاضرًا ومستقبلاً حكامًا ومحكومين .

وأما المجموعة الثالثة من الأخبار: التي اعتادت وكالات الإعلام التي نتعامل معها في مختلف وسائل إعلامنا، فهي تلك التي ترسخ انحراف الفهم ، وسوء الظن ، والكراهية ، والبغضاء ، وبعد الشقة الفكرية والنفسية ، بين أجنحة هذه الأمة.. فتلبس أهل الخليج لبوسًا لا يمكن لأهل الشام ازدراده، وتصور أهل المغرب بصورة لا يمكن لأهل النيل فهمها، وتوقد نيران أحقاد مقيتة بين شرق الأمة ، وغربها ، وشمالها وجنوبها ، مع تثبيت الحدود السياسية الثقافية التي تحصر مناطق النفوذ في إطار أسماء صارت على كل لسان، وفي كل ضمير : " الشرق الأوسط " ، " الخليج الفارسي" ، "شمال إفريقية"، "المجموعة البحر أوسطية"، "منطقة المغرب العربي"، "مجموعة البلدان الداعمة للإرهاب": وتستعدي من خلال ذلك كله بعضنا على بعضنا، وإخوتنا على إخوتنا، وتلهب نيران الخلافات الفكرية والثقافية والسياسية، وتثبت قناعات الهدم، والارتكاس، والسقوط، والضياع.

وبينما تتغير في عالم اليوم نظريات في السياسة والمجتمع والتربية، تجد وسائل إعلامنا -أو معظمها- ما تزال تجتر الماضي، وتثير أحقاده، مستغلة استفحال الأمية، والأمية الثقافية، وازدواجية الأمية اللغوية والفكرية، لدى أكثر من سبعين بالمائة من أبناء هذه الأمة. إلا أن ذلك لا يمكنه أن يوقف حركة الصحوة العامة التي تشهدها بلداننا ومجتمعاتنا، بدرجات مختلفة، وبسرعات متفاوتة، ولكنه يساهم في تحجيم هذه الصحوة، وكبح جماحها، لأن دور وسائل الإعلام في هذه الفترة، دور استثنائي، فريد، وخاص، في التوعية والتوجيه والترشيد، والصدق.. والصدق والصدق، والذي من دواعيه بذل الجهد وغاية الجهد للنمو، ومحاكاة العصر باللغة التي يفهمها الإنسان العربي في هذا العصر، وبما يستحقه هذا الإنسان من جهد وجهاد ليكون على مستوى مهمته وعصره، والذي من دواعيه كذلك احترام هذا الإنسان وخصوصيته، وثقافته، وذاتيته، وهويته.. وإنسانيته(3) .

 

أخطار القنوات الفضائية:

يقف الفرد العادى ضعيفا أمام جبروت وسطوة تلك الوسائل لا يستطيع – إلا من رحم ربى – أن يصمد أو يقاوم ما تحمله هذه الوسائل من أفكار وسموم تبغي أن تجعله لقمة سائغة في عالم لم يعد يعترف إلا بالقوي المقاوم صاحب القوة المعنوية التي تحميه من هذا الهجوم الشرس على عقله ودينه ومبادئه وحضارته ودينه وقوة مادية تحمى أرضه وعرضه ومصالحه من هجوم محتمل .

وتمثل القنوات التليفزيونية الفضائية رأس الحربة في هذا الهجوم إذ أنها لا تتطلب جهدا أو عناءاً يذكر في التعرض لها فهي إلى حد ما رخيصة الثمن علاوة على انتشارها في المؤسسات الحكومية والأماكن العامة في معظم الدول ويستطيع الإنسان مشاهدة المئات من القنوات الفضائية على مختلف الأقمار الصناعية التي لا يوجد من بينها سوى قمرين عربيين للاتصالات "عرب سات ، ونايل سات " ، بجانب العديد من الأقمار الأجنبية والتي يتراوح مضمونها بين الدينى الذى يبغى إصلاح الإنسان وبث الخير والتقوى – أو تحويله إلى دين آخر-  في نفسه وقنوات الفحش التي تبغى هدمه وتحويله إلى سائمة لا هم لها إلا قضاء حاجتها بأية صورة وكيفما كان الأمر .

وتزداد خطورة الأمر إذا علمنا أنّ الإنسان العربي والمسلم هو الضحية الكبرى لهذه القنوات حيث أن معظمها بيد غير المسلمين وحتى تلك الموجودة بايدى مسلمين فهى قلما تلتزم بتعاليم الإسلام ومبادئه الخالدة ففي مجال مصادر الأخبار والتي تعتمد هذه القنوات عليها في إذاعة أخبارها تحتكر أربع وكالات أنباء أجنبية حوالى 90 % من فيض الأنباء التي تذاع يوميا ولو أردنا الدقة فانه من بين 35 مليون كلمة تبث يوميا عبر وكالات الأنباء يتم بث 32 مليون كلمة عبر هذه الوكالات الأربع وهى اسوشيتدبرس 17.5 مليون كلمة ويونايتدبرس 11 مليون كلمة وفرانس برس 3.5 مليون كلمة ورويتر 1.5 مليون كلمة علما بأن ثلاثة أرباع الأنباء التي تذاع في العالم الثالث تأتى عبر هذه الوكالات الأربع .

وفي مجال البث التليفزيوني فانه طبقا للإحصائيات التي أوردتها اليونسكو فإن مصر وسوريا تستورد ثلث إجمالي بثها التليفزيونى في حين تستورد الجزائر ولبنان 70% من إجمالى ما يستورد من الغرب الامريكى .

وهكذا يتم إحكام الحصار حول المواطن العربى والمسلم فيتم وضعه بين خيارين كلاهما مر(4) .

تجدر الإشارة إلى أن اليهود وقفوا على أهمية الإعلام وتأثيره في حياة الشعوب فقد هبوا للاستئثار به وتصريفه وفق ما يريدون ، ولنلمح إلى شيء مما يدل على هذا في مجالات الإعلام المتنوعة :

ففي مجال وكالات الأنباء : فوكالة "رويترز" مؤسسها هو: "جوليوس رويتر" اليهودي . ووكالة "أسوشيتد برس " هي شركة تأسست عام 1955 من قبل صحف ومجلات أمريكية تقع معظمها تحت سيطرة اليهود .

وفي مجال الصحافة : اشترى مليونير يهودي يدعى "روبرت ميردوخ " عددا من الصحف والمجلات البريطانية وهي صحيفة "التايمز" و"الصنداي تايمز" ومجلة "الصن" " و"نيوز أف ذا وورلد" و"سيتي مجازين ". وفي أمريكا اشترى اليهودي "أودلف أوش " أشهر صحيفة أمريكية وهي "نيويورك تايمز" وذلك عام 1896، ولليهود سيطرة على صحف أخرى مثل "الواشنطن بوست " و" الديلي نيوز" وغيرهما.

ومن المجلات الأمريكية يسيطر اليهود على عدد منها : كمجلة "التايم " و"نيوزويك "، وفي الصحافة الفرنسية يسيطر اليهود ويؤثرون بوضوح على أشهر صحفها مثل "لوفيقارو".

وهكذا شبكات التلفزة العالمية الشهيرة، حيث تقع تحت سيطرة اليهود، ومن أشهرها الشبكات الثلاث المسماة : (N.B.S و C.B.S. و A.B.C.) فالأولى رئيسها يهودي يدعى "ليونارد جونسون "، والثانية رئيسها ومالكها اليهودي "ويليام بيلي " والثالثة يرأسها اليهودي "الفرد سلفرمان "(5).

وقد أظهرت إحصائية ضمن رسالة علمية جامعية بعضا من السلبيات المنعكسة على الأسرة بسبب متابعتها للقنوات الفضائية وجاء ضمن ذلك :

85% يحرصن على مشاهدة القنوات التي تعرض المناظر الإباحية .

53% قلت لديهن تأدية الفرائض الدينية .

32% فتر تحصيلهن الدراسي .

42%يتطلعن للزواج المبكر ولو كان عرفيا .

22% تعرضن للإصابة بأمراض نسائية نتيجة ممارسة عادات خاطئة .

وكشفت دراسة أخرى ضمن إستبانة وزغت على عدد من طالبات الجامعات أن بعضهن دأبن على تسجيل برامج وأفلام إباحية ثم يتبادلنها بينهن ، ثم يكون حديثهن فيما شاهدنه .

وقد أظهر استطلاع طبي "حول استقبال القنوات الفضائية الأجنبية والعربية وعلاقته بصحة طالبات الجامعة" وجود مرض أطلق عليه "مرض الدش " وذلك لازدياد أعداد المترددات على العيادات النفسية والنسائية من الفتيات بين16-27 عاماً(6) .

ومن الأضرار: ما ينعكس مباشرة على المشاهد والمجتمع الذي يعيش فيه بحيث تظهر آثاره عليه ومن الأضرار: ما يكون في المستقبل، أي أنه بعيد المدى بحيث لا تظهر المخاطر والأضرار إلا بعد مضي جيل أو جيلين، وكلا النوعين له خطورته، وكل منهما متعلق بالآخر.

وعند التأمل في أنواع الأضرار والمخاطر الناجمة عن التأثر بما يعرض عبر شاشات القنوات الفضائية فسنجد أنها:

-أضرار ومخاطر على العقيدة والتصورات والأفهام.

- أضرار ومخاطر على الأخلاق والآداب .

- أضرار ومخاطر على الأمن والاستقرار(7) .

 

 

المشاركة في القنوات الفضائية في تجديد الإيمان :

أولا : وقفات حول المشاركة في القنوات الفضائية :

1. هذه القنوات منطلقة منذ سنين عدداً، لم تأخذ شرعيتها من مشاركة العلماء، وإنما فرضت نفسها مستغلة سآمة الإملال التي كانت وسائل الإعلام المحلية تغشيها لمستمعيها ومشاهديها .

2. إن مقاطعة هذه القنوات لن تقلل فضلاً عن أن توقف ما تبثه هذه القنوات من تماجن وتفحش ولهو غير بريء، وعلى العكس من ذلك فإن المشاركة سوف تزاحم هذا الإلهاء، وتوقظ بعض الغافلين .

3. ماذا كنا سنقول لو خرج في هذه الفضائيات صاحب بدعة يروج لبدعته، أو محرف للدين يزين انحرافه، أو ضال يدعو إلى ضلالته، ألسنا سنصيح صياح من تشتعل النار في ثيابه؛ لأن هناك من فتن الناس وأضلّهم، فما بالنا نرى الناس يقبلون الضلال ولا يقبلون الحق .

4. هل ستظل مشاريعنا ومشاركاتنا مؤجلة بانتظار الكمال الذي سيأتي لاحقاً، فنتوقف بانتظار قناة فضائية فيها كل ميزات القنوات الموجودة وتخلو في الوقت ذاته من سلبياتها. إنه انتظار-ولا شك- طويل .

5. من لهؤلاء اللاهين الذين استلبتهم هذه القنوات فخدرت مشاعرهم واستثارت شهواتهم، من لهم إذا لم نقتحم نحن عالمهم، ونحرك مشاعرهم ونُسمعهم الكلام الذي يجب أن يسمعوه ؟

6. عندما كانت بعض هذه القنوات تقدم نماذج منفرة على أنهم يمثلون الإسلام كنا نشعر بمضاضة الألم لهذا الطرح المشوَّه، ونرى أن هذه القنوات قد كسبت من وجهين :

- تقديم صورة مشوهة عن الإسلام من خلال فكر هؤلاء وطرحهم المتوتر .

- الاستفادة من الإثارة الإعلامية التي يقدمها هؤلاء بالمجان لهذه القنوات .

وقد آن الأوان لتقديم البديل الصحيح من خلال الطرح العلمي المؤصل، والدعوة الخيَّرة المؤثرة على علم وبصيرة .

7. رأينا أثر قلة من النصارى والطائفيين احتلوا مساحات شاسعة من هذه القنوات، واستطاعوا تسريب أنماط من السلوك ما كانت مألوفة ولا معروفة. فمنذ متى كنا نسمع داخل بيوتنا ومدارسنا عن عيد الـحُبّ ؟!

8. لماذا نشعر –دائماً- بالضعف والقابلية للتأثر وعدم القدرة على التأثير؟ فلو خرج في قنواتنا صاحب طرح منحرف لأعلنا النفير بالتحذير بأنه سيُضِلّ ويُضِللّ، وإن خرج عالم على تلك القنوات قلنا ضل وفتن وخنقنا فرص تأثيره ونفعه، ألسنا على الحق والحق أغلب؟ فلماذا نفكر وكأن ديننا من زجاج ؟

9. يقولون: إن هذه القنوات تستغل العلماء والدعاة وتحقق من خلالهم انتشارها، ونحن نقول: وهم –أيضاً- يستغلونها ويصلون من خلالها إلى قطاعات وشرائح اجتماعية لم يتم التواصل معها بعد .

10. رأينا الأثر الخيَر لمشاركة بعض الأفاضل، وتحقق -من خلال ذلك- وصول الكلمة الطيبة الهادية إلى من لم يتعود سماعها ولم يناد بها يوماً من الدهر، وكان للشيخ القرضاوي، والشيخ عائض القرني، والأستاذ طارق السويدان، وآخرين من ذلك البلاء الحسن .

11. الرفض يكون -في أحيان ليست قليلة- شعوراً نفسياً وليس استدلالا شرعياً مؤصّلاً بنصوص الوحي ومقاصد الشرع، والنفوس تحتاج إلى أن تُرَاض للانقياد لمدلولات النصوص ولو خالف ذلك رأيها المسبق، واجتهادها حيناً من الدهر .

13. وبعد، فليس المكروبون من المشاركة في الفضائيات هم الأخيار البررة الذين يتوقون إلى منابر إعلامية نقية لا لوثَ فيها، ولكن –أيضاً- هناك من كُرِب لذلك وهم الممتعضون من بلوغ دعوة العلماء والدعاة إلى فضاء الفضائيات، ومثالاً على ذلك ما يكتب في زاوية فضائيات في جريدة الشرق الأوسط، حيث شنّع الكاتب على المشايخ الذين يسميهم بالشباب، وينقم عليهم ما يتمتعون به من كاريزما مؤثره ، ولا ندري كيف نناقش من لم يجد ما يتهم به إلا هذه الكاريزما(8) ؟!.

يقول القرضاوي : إن " التليفزيون " كالراديو وكالصحيفة وكالمجلة ، كل هذه الأشياء أدوات ووسائل لغايات ومقاصد ، لا تستطيع أن تقول : هي خير، ولا تستطيع أن تقول : هي شر ، كما لا تسطيع أن تقول : إنها حلال أو إنها حرام ولكنها بحسب ما توجه إليه … وبحسب ما تتضمنه من برامج ومن أشياء  كالسيف ، فهو في يد المجاهد أداة من أدوات الجهاد ، وهو في يد قاطع الطريق أداة من أدوات الإجرام… فالشيء بحسب استعماله. والوسائل دائمًا بحسب مقاصدها .

ممكن أن يكون "التليفزيون" من أعظم أدوات البناء والتعمير الفكري والروحي، والنفسي والأخلاقي والاجتماعي ، و"الراديو" و"الصحيفة" كذلك .

وممكن أيضًا أن يكون من أعظم أدوات التخريب والإفساد ، فهذا راجع إلى نوعية ما يتضمنه من مناهج وبرامج ومؤثرات .

هذا هو الذي جعل بعض المتدينين الحريصين على دينهم، المشفقين على أخلاق أبنائهم وبناتهم، يقاومون دخول هذه الأدوات إلى بيوتهم، لأن شرها أكثر من خيرها، وإثمها أكبر من نفعها، وما كان كذلك فهو حرام ، ولا سيما أن هذه الوسائل شديدة التأثير على الأنفس والعقول ، سريعة التسلل إلى الأفكار والعواطف ، فضلا عما فيها من سرقة الأوقات والإلهاء عن الواجبات .

ولا شك أن هذا هو ما يقتضيه الاحتياط، عند غلبة الشر والفساد ، ولكن البلوى عمت بهذه الأشياء ، ولم يعد في مقدور أكثر الناس الاستغناء عنها ، وخصوصًا أنها تتضمن جوانب إيجابية نافعة ، ولهذا كان الأيسر على الناس ، والأليق بالواقع ، هو ما قلته من وجوب الحرص على الانتفاع بالخير ، وترك الشر الخالص أو الغالب من "الأفلام الرديئة والتمثيليات وما في معناها" .

وتبقى في هذه الناحية المسئولية الكبرى على الدولة بصفة عامة، وعلى المسئولين عن هذه الأجهزة الإعلامية بصفة خاصة ، فإن الله سائلهم عن كل ما تحمله هذه الأدوات للناس ، فليحضروا للسؤال من الآن جوابًا …(9)

 

ثانيا : استخدام القنوات الفضائية في تجديد الإيمان :

 

واستخدام القنوات الإعلامية في الدعوة إلى الله وتجديد الإيمان ونشر الخير والفضيلة وإيصال دين الله الحق إلى كل أنحاء المعمورة، بالإضافة إلى محاربة الفساد والرذيلة لا يخفى على أحد، فلقد أصبحت القنوات الإعلامية اليوم هي الوسيلة الأولى والأقوى في إيصال المعلومات كانت هذه المعلومة حقا أم باطلا إلى الملايين من البشر وفي وقت واحد وجهد واحد، إن الاستفادة من هذه القنوات أمر لا ينبغي الخلاف فيه ولا التوقف عنده كثيرا .

إن أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم قد استخدموا هذه الوسائل أيما استخدام كما سبق ذكر شيء من ذلك ،  استخدموها في نشر عقائدهم الباطلة ، وترويج مبادئهم الفاسدة، وإشاعة الفاحشة والفساد بين الناس ، فأصحاب الحق ودعاة التوحيد أولى باستخدام هذه الوسائل .

 

ويمكن استخدام هذه الوسائل على وجهين :

الوجه الأول :

المشاركة في القنوات الموجودة  بعلاتها عن طريق الكتابة فيها أو إعداد البرامج أو تقديمها أو غير ذلك مع الالتزام بقواعد الإسلام وأحكامه، وهذا أمر مشروع والأدلة على ذلك كثيرة منها:

أ-  قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [الأنعام:68]، وقوله : ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [النساء:140] ، فنَهَت الآيتان عن الجلوس معهم حال إعلانهم بالكفر والاستهزاء ، ولم تمنع من ذلك مطلقاً    ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ .. ﴾ [النساء:140] ، وكذلك المشارك في هذه القنوات هو بمشاركته يرفع الخوض واللهو واللغو ليُحِلَّ محله الدعوة للخير والحق . قال الشيخ ابن سعدي في تفسير آية الأنعام " أمر الله بالإعراض عنهم حال خوضهم بالباطل حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره فإذا كان في كلام غيره زال النهي المذكور، وهذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله؛ لأنه كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم ، فإن استعمل تقوى الله بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم " انتهى مختصراً ، وما أروع قوله – رحمه الله – زوال الشر أو تخفيفه، فإن تخفيف الشر أو مكاثرته بقدر من الخير مكسب لا يستهان بالظفر به .

ب- وقال تعالى عن نوح عليه السلام : ﴿ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) ﴾ [سورة نوح] .

 إن هذا الجهد الدؤوب الذي لا ينقطع، ولا يكل ولا يمل، ولا يفتر ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً لا يكون إلا بإصرار على المواجهة لهم، ومتابعتهم حيث ذهبوا، والجلوس إليهم حيث اجتمعوا، ولو كان ذلك عند آلهتهم ودّاً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونَسْراً .

جـ- أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح (16020-16027) عن ربيعة بن عباد الديلي قال : « رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بصرعيني بسوق ذي المجاز يقول :  " يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا " ويدخل فجاجها ، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً ، وهو لا يسكت، يقول: " أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا »... الحديث .

فها هو النبي –صلى الله عليه وسلم- يغشى أسواق الجاهلية التي كانت فيها الأصنام، وزقاق الخمور، وكان فيها الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب والاستقسام بالأزلام. ولم يجعل له –صلى الله عليه وسلم- سوقاً خاصاً ليأتيه الناس فيه، ولكن أتاهم حيث هم ودعاهم –صلى الله عليه وسلم- .

د- وأخرج أحمد (6/25)، وابن حبان (7162) بسند صحيح عن عوف ابن مالك الأشجعي قال : انطلق النبي –صلى الله عليه وسلم- وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيدهم، وكرهوا دخولنا عليهم فقال – صلى الله عليه وسلم - « يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم»...الحديث.

فها هو – صلى الله عليه وسلم- يدخل على اليهود في كنيستهم ليدعوهم بدعوة الإسلام ، وكما دخل – صلى الله عليه وسلم- كنيستهم التي يتعبدون فيها دخل عليهم بيت مدراسهم الذي يتعلمون فيه .

هـ- فقد أخرج البخاري في صحيحه (6944) عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال : انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي – صلى الله عليه وسلم- فناداهم « يا معشر يهود أسلموا تسلموا ، فقالوا : بلغت يا أبا القاسم ، فقال : ذلك أريد، ثم قالها الثانية ثم الثالثة..» الحديث . ( بيت المدراس: هو البيت الذي تقرأ فيه التوراة على الأحبار) .

وما الذي يمكن أن يقال في كنيسة اليهود وفي بيت مدراسهم أليس قولهم : يد الله مغلولة ، وعزير ابن الله ، والله فقير ونحن أغنياء ، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً . وإن هذه القنوات ليست شراً من كنيسة اليهود ولا بيت مدراسهم .

و-أخرج البخاري في صحيحه (4566) عن أسامة بن زيد – رضي الله عنه- « أن النبي – صلى الله عليه وسلم- مر بمجلس فيه عبدالله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال : لا تغبروا علينا ، فسلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- عليهم ، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله ، وقرأ عليهم القرآن ، قال عبدالله بن أبي بن سلول : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً، فلا تؤذنا به في مجلسنا ، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه..» الحديث .

لقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم- يغشى هذه المجالس التي يشوبها الأخلاط من المشركين واليهود ليبلغهم رسالة الله، مع أن هذه المجالس لن تخلو من لغوهم وخوضهم بالباطل، وكان هذا يكرب زعماء الشرك ورؤوس يهود ويبلغ بهم العنت.

ولذا فليس أشق ولا أعنت على أهل الضلال من أن تبلغهم كلمة الحق وتدخل في أسماعهم، ولذا قالوا : ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ...﴾ [فصلت:26] .

ز- أخرج البخاري في قصة صلح الحديبية ( 2731-2732) أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال عن قريش وهم على الشرك : « والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها » ، فهؤلاء المشركون على حالهم من الشرك ، والصد عن البيت ، وحرب المسلمين ، ومع ذلك يقول النبي – صلى الله عليه وسلم- عن دعوتهم ما يقول ، فحيث التقت مصالح المشركين والمسلمين على أمر فيه تعظيم لحرمات الله أجيبوا إليه، وأعينوا عليه، وليس ما هم عليه من الشرك بحائل عن هذه الإجابة وإعطائهم هذه الخطة .

قال ابن القيم – رحمه الله - في زاد المعاذ (3/303) تعليقاً على هذا الحديث : " كل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه ، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس "(10) .

الوجه الثاني :

 من أوجه المشاركة : إنشاء القنوات الإسلامية ، وهذا الأمر بحاجة إلى جهود جبارة سواء من النواحي المادية أو النواحي الفنية أو من ناحية توافر الكوادر الكفؤة  والمتخصصة . وهناك جهود متفرقة هنا وهناك لغرض إقامة الوكالات والقنوات والإذاعات الإسلامية ، لكنها ما تزال تحتاج إلى جهود ضخمة ، وتعاون على نطاق أكبر وإن أمة الإسلام مع كثرة أعدادها وغزارة مواردها وكفاءة كوادرها ليست عاجزة عن إنشاء وكالات لا وكالة واحدة وقنوات لا قناة واحدة وإذاعات لا إذاعة واحدة، لاسيما وهي تحمل مع هذه الإمكانيات مؤهلات تجعلها في المقدمة؛ فهي تحمل الدين الحق والتوحيد الخالص والعقيدة الصافية والأخلاق الرفيعة السامية والحضارة الناصعة والتاريخ الفريد.   

ومن المهم هنا أن نشير إلى الجهود المباركة والمبادرة في إنشاء بعض القنوات الإسلامية التي غطت فراغا كبيرا من الفراغ الفكري التي تعيشه أمة الإسلام إذ تستهلك أوقاتها وأعمالها فيما لا ينفع بل يضر ، ومن هذه القنوات :

قناة المجد الفضائية :

قناة المجد قناة إسلامية يملكها مجموعة من رجال الأعمال السعوديين هم: فهد بن عبدالرحمن الشميمري وعبدالواحد بن عبدالمحسن العبيد وحمد بن محمد الغماس وفهد بن حمد المبارك وعلي بن عبدالله الضحيان، وهم أعضاء مجلس الادارة لشركة المجد للبث الفضائي المحدودة .

وهناك هيئة شرعية للقناة يرأسها معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين (رئيس شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي)، والشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء نائبا للرئيس، والشيخ عبدالعزيز المسند، والشيخ د.عبدالله المطلق عضو هيئة كبار العلماء، والشيخ د.ابراهيم أبوعباة رئيس جهاز التوجيه والارشاد بالحرس الوطني، وتستقبل القناة عبر القمر عربسات 3أ، والقمر نايل سات 102 في البث الرقمي، وللجهاز الخاص عبر القمر عرب سات 2ب.

وتبث القناة من مدينة دبي للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما تبث بعض البرامج على الهواء من استديوهات القناة في المدينة الإعلامية الحرة في المملكة الأردنية الهاشمية، ومدينة الانتاج الإعلامي في مدنية 6 اكتوبر في جمهورية مصر العربية .

وقد بدأ البث التجريبي لقناة المجد في الأول من شهر رمضان المبارك عام 1422هـ -2001م ،  وكان متزامنا مع بداية البث التجريبي لقناة المجد الانكليزية وراديو دال للأطفال .

ومن أهداف القناة بناء منهج إعلامي جديد يتصف بالمحافظة والالتزام بالضوابط الإعلامية الشرعية التي وضعتها الهيئة الشرعية للقناة، وهناك برامج للأسرة وللمجتمع وبرامج أخرى تلبي جميع الاهتمامات، وفترة الأطفال ستكون أكبر فترات البرامج، حيث ستبلغ أربع ساعات يوميا .

و قال بيان صدر عن شركة " المجد للبث الفضائي المحدودة"، إنها فضائيتها "المجد 2" ستكون أول قناة تلفزيونية إسلامية تبث برامجها باللغة الإنجليزية. ونقلت وكالة قدس برس عن وجدي القزاوي ، المدير التنفيذي لقناة المجد 2 في بيان صحفي قوله " إن هناك حوالي 100 مليون منزل في العالم الإسلامي يستقبل الخدمات التلفزيونية الفضائية "ونحن على دراية تامة بحاجة العالم الإسلامي إلى قناة عالمية تستطيع توفير المعلومات حول كافة المواضيع التي تهم المسلمين، بدلاً من مجرد لعب دور ترفيهي بالمعنى التقليدي" وفق تعبيره. مشيرا إلى أن غالبية المسلمين في العالم من غير العرب "مما دفعنا للشعور بضرورة أن تبث القناة الجديدة برامجها باللغة الإنجليزية"، مما يشير إلى أن المشروع الإعلامي المذكور ليس موجها للتعريف بالإسلام لغير المسلمين (11) .

والمشروع  الجديد الذي تقدمه قناة المجد في هذا العام هو قناة المجد للأطفال، وهي قناة متخصصة تخاطب الطفل العربي ، وبدأ البث التجريبي للقناة في اليوم الأول من شهر ذي الحجة لعام 1424هـ الموافق ليوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر يناير الجاري .

يبدأ من الساعة الثامنة والنصف صباحاً وحتى الساعة الثامنة والنصف مساءاً بتوقيت مكة المكرمة ، أي بمعدل يفوق 10 ساعات يومياً ، تتوزع بنسبة 65% للرسوم المتحركة ، و35% لبرامج الأطفال والأناشيد المصورة .

ومن الجدير بالذكر أن برامج القناة تتميز بالتنوع الكبير في مصادرها الإنتاجية ، حيث تشمل المملكة العربية السعودية والأردن ومصر وسورية ، وقريباً الإمارات والكويت والسودان والمغرب .

كما أن مصادر الرسوم المتحركة أيضاً متنوعة ، فمنها ما هو من الإنتاج الخاص لقناة المجد ،ومنها ما هو من الإنتاج الخليجي والعربي والإسلامي ، والإنتاج العالمي. ولقناة المجد للأطفال ميزانيتها الخاصة ، التي تتجاوز 25.000.000 ريال لثلاث سنوات ، بالإضافة إلى أنها تستفيد بشكل كبير من البنية التحتية لشركة المجد للبث الفضائي المحدودة ، التي تعمل استديوهاتها في دبي والرياض والقاهرة وعمان .

وبإطلاق قناة المجد للأطفال ، وراديو دال ، تكون شركة المجد قد وضعت اللبنات الأهم في مشروعها الإعلامي الطموح للطفل العربي ، لتأتي بعد ذلك الخطوات الأخرى ، وهي إصدار مجلة الطفل ، ومشروع الوسائط المتعددة ، وبوابة الإنترنت(12) .

ويجري الآن في أروقة القناة الإعداد والتحضير لانطلاقة برنامج (منتدى المرأة) بجانب الملف الاقتصادي والذي يستهدف تلمس حاجات القطاع النسوي وإشراك المرأة المسلمة في تطوير إمكاناتها وقدراتها والتغلب على المشكلات المعاصرة, والتصدي لمحاولات التغريب والاستلاب التي أصبحت سلاحًا يتهددها بشكل سافر... هذه بعض ملامح خطة التطوير المستمر الذي تشهده القناة رغم حداثتها .

 

قناة اقرأ :

نموذج آخر لقناة إسلامية أخرى وهي قناة اقرأ الفضائية أسست عام 1419 هجريه أو 1998 م  وهي تابعة لشبكة ART للقنوات المتخصصة ، أسستها الشركة الإعلامية العربية AMC كأول قناة ثقافية عربية إسلامية شاملة حاملة للمشاهد برامج مميزة ومتنوعة تلبي حاجات المشاهدين ويقدمها نخبة من العلماء والمفكرين بطريقة مشوقة.

يقول مدير قناة اقرأ الأستاذ راضي سعيد مدير: "وقناة اقرأ الفضائية هي أول قناة فضائية دينية متخصصة. ومن أهداف القناة الدعوة الإسلامية ونشر الدين الإسلامي الحنيف وترسيخ مفهوم العقيدة الإسلامية وتصحيح مفهوم الدين الإسلامي".

وتمتاز القناة بالعالمية في التوجه، والوسطية في المنهج، والشمولية في الأهداف، والتنوع في المضمون، والموضوعية في الخطاب والمصداقية في المعالجة والتشويق في العرض، ، وقناة اقرأ لها سبق التفرد بالعديد من البرامج الهادفة والمتنوعة في نفس الوقت حيث أنها تخاطب كل أفراد الأسرة فهي بحق ملاذ الأسرة الآمن لما تقدمه من برامج هادفة بعيدة عن الإسفاف والغث الذي يبث على القنوات الفضائية الأخرى، وأهم البرامج الدينية وغيرها التي تميزت بها قناة اقرأ الفضائية ، والتي نجحت في جذب انتباه الجماهير إليها هي :

برنامج مشكلات من الحياة و برنامج ونلقى الأحبة لعمرو خالد، برنامج كيف نحفظ القرآن الكريم وبرنامج الشيخ وجدي غنيم، برنامج الشيخ عائض القرني ، برنامج الميزان للشيخ اليمني علي الجفري ، برنامج الشيخ محمد الراوي وبرنامج الحياة حلوة لجاسم المطوع. أما بالنسبة لبرامج الأطفال فهناك برنامج يوميات عبد الله وبرنامج قرآن ربي ودنيا بسملة وغيرها من البرامج الكثيرة . وبعد النجاح الهائل الذي حققته قناة اقرأ جماهيريا فإنها في الخطة الجديدة بصدد التجهيز لتطوير برامجها وإنتاج مسلسلات وأعمال درامية اجتماعية إسلامية. وقد قامت قبلها بإنتاج أغاني دينية سياسية مثل أغنية " يا الأقصى يا الجنة "(13)

كما يقول :

"لابد أن نحدد أولوياتنا ، فنحن في اقرأ بدأنا بشريحة الملتزمين والمحافظين الذين لا يجدون بدائل وسط زخم الفضائيات. والآن دخلنا مرحلة التوسع في الشرائح لنخاطب الجميع بهذه الدعوة للإسلام والإرشاد للمفاهيم الحقه فنخاطب المرأة والطفل والشاب والعامة والنخبة. وبدأنا بخطاب الناطقين باللغات الإنجليزية والفرنسية وكذلك الأردية، وبدأنا كذلك بإعداد برامج لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام" .

وفي الواقع إن أهل الخير قادرون على إرسال القمر الفضائي الإسلامي، ولكن بالإمكان الاستفادة من الأقمار الحالية لأنها عملية تجارية من إستئجار مساحة فضائية كما هي تجربة شبكة راديو وتلفزيون العرب بالبث للقارات كلها .

ولابد أن تقوم الجهات الإعلامية الإسلامية بالوصول لشتى العقليات، أما بخصوص القضايا المصيرية فتجربتنا تقول (العقل والعاطفة) هما العنصران الأساسيان ، ولذا فإن (اقرأ) تقدم رسالة واضحة في موضوع فلسطين، ونرى مردودها عند الجميع ، وحتى اليهود انزعجوا من ذلك فبدؤوا بإرسال رسائل تهديد شخصي لي وللقناة .

والشكل التلفزيوني ولغته وفنياته تتطلب مرونة وكياسة (دون الخروج على الثوابت الإسلامية) ، وهذا هو الطريق للمنافسة والإبهار .

ولابد من بيان أمر هام وهو أن عالمنا الإسلامي والعربي يحفل بخطوط حمراء عديدة. وعلى القنوات المختلفة أن تختار بين الوصول للجميع مما يفي إرضاء الجميع مع التنازل عن بعض  الأهداف، أو عبور بعض الخطوط الحمراء لتحجب رسالتها عن بعض الفئات. والحل الوسط هو الذكاء في المعالجة والمداراة بعيداً عن المماراة والتورية بعيداً عن التعرية.(14)

وهذه القناة تقوم على آراء فقهية قد تكون مرجوحة عند البعض لكنها تبقى في إطار الشرع ودائرته في الوقت الذي تقوم فيه بدور عظيم ، كما أن لها نظرتها الخاصة في جواز مشاركة المرأة في مجالات إعلامية حيث يقول مديرها: علينا تقديم (النجوم) كقدوات صالحة .

وهناك قنوات إسلامية أخرى وكذا وكالات أنباء وإذاعات تتبنى المشروع الإسلامي إما بشكل كلي أو شكل جزئي  تقترب أحيانا وتختلف أحيانا في وجهات النظر لبعض القضايا ، لكنها تشترك غالبا في أهدافها العامة، من بيان حقيقة الإسلام والدعوة إليه .

ومن وجهة نظرنا وبشكل عام أن القنوات الإسلامية تقوم بدور عظيم في نشر الإيمان  وتجديده وأنه ينبغي التركيز لخدمة الإيمان عن طريق الموضوعات العامة التالية :

أولا : القرآن الكريم تلاوة وتفسيرا ، وكذا السنة المطهرة وإظهار إعجاز القرآن والسنة المتجدد لاسيما معجزة هذا العصر وهي الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .

ثانيا : نشر علوم وتراث  الأمة الإسلامية العميقة وحضارتها الممتدة الناصعة عبر القرون والأزمان المتتابعة .

ثالثا : دراسات متأنية ومتعمقة للسيرة النبوية المطهرة ولتاريخ الإسلام المجيد .

رابعا : إعلان المبادئ والمفاهيم والأخلاق الإسلامية  الرفيعة الراقية في مثل هذا الزمان الذي غاب عنه كثير من أبجدياتها .

خامسا : ربط الحياة بالمصير الأبدي وما فيه من النعيم المقيم أو العذاب الأليم ووصف الحياة الأخروية .

سادسا : الدعوة إلى دين الإسلام وبيان حقائقه وما يحمله من مشعل هداية ونور وخير وصلاح .

وهذه القضايا وغيرها مما لم تذكر تدرج ضمن خطة إعلامية متكاملة ليتحقق من ورائها ما نقصده من دعوة غير المؤمنين إلى الإيمان ، وتجديد الإيمان وتقويته في قلوب المؤمنين .

 والحمد لله رب العالمين

إعداد/ سمير عبد الرحمن فرحان الشميري

-------------------

(1) القنوات الفضائية شرور وسموم  - عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر- الثلاثاء 20 ذو القعدة 1424 هـ .

(2) -  موقع عربيات القنوات التلفزيونية الفضائية ساحة الحرب الجديدة بين العرب وإسرائيل عربيات - القاهرة - إيهاب سلطان أغسطس 22, 2002 http://www.arabiyat.com/magazine/publish/article_266.shtml

 (3) -  فضائيات، وضع الفضائيات العربية 2000م ، إعلامنا ووكالات الأنباء-  موقع اسلام أون لاين - تأليف د. أحمد عبد الملك نوال السباعي - بالما http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/fan-21/alqawel1.asp .

(4) فضائيات أمل مؤجل كأحلام العرب - الدكتور أحمد عبد الملك ، حسام الحوراني  - كتاب بعنوان الفضائيات ، صدر عن دار مجدلان بالعاصمة الأردنية عمَّان - د.أحمد عبد الملك .

(5) التربية الإعلامية ومواجهة أخطار القنوات الفضائية - بقلم : ناصر عبد العزيز ، القنوات الفضائية ،وآثارها العقيدة والثقافية ، والاجتماعية والأمنية - بقلم خالد عبد الرحمن الشايع.

(6) التربية الإعلامية ومواجهة أخطار القنوات الفضائية  بقلم : ناصر عبد العزيز ، القنوات الفضائية ، وآثارها العقيدة والثقافية ، والاجتماعية والأمنية، بقلم خالد عبد الرحمن الشايع .

(7) فضائيات أمل مؤجل كأحلام العرب - الدكتور أحمد عبد الملك ، حسام الحوراني - كتاب بعنوان الفضائيات ، صدر عن دار مجدلان بالعاصمة الأردنية عمَّان - د.أحمد عبد الملك

(8) فن إضاعة الفرص - عبدالوهاب بن ناصر الطريري - صيد الفوائد - المصدر : شبكة الإسلام اليوم .

(9)  حكم النظر إلىالمرأة السافرة في التليفزيون - عنوان الفتوى ، 8 / December / 1999  ، تاريخ الفتوى ، 8 / December / 1999    تاريخ الإجابة ، أخلاق موضوع الفتوى ، ماحكم النظر إلىالمرأة السافرة في التليفزيون؟ - د/ يوسف عبد الله القرضاوي .

 (10) فن إضاعة الفرص - عبدالوهاب بن ناصر الطريري - صيد الفوائد - المصدر : شبكة الإسلام اليوم .

(11)جريدة البيان - دولة الإمارات العربية -دبي -الأربعاء 1 رمضان 1423 هـ -الموافق 6 نوفمبر 2002 ، وجريدة الوطن العدد (770) السنة الثالثة ـ الجمعة  3 رمضان 1423هـ الموافق 8 نوفمبر 2002م .

(12) قناة المجد الفضائية - دولة الإمارات العربية المتحدة - دبي مدينة دبي للإعلام - مبنى رقم 2 – الدورالرابع – رقم 402 ص . ب : 53777 – دبي – الإمارات العربية المتحدة هاتف : 3914760 –3914761 (9714+) فاكس : 3914762 - (9714) .

 (13) موقع " اشراقة ملتقى الفكر المستنير - لقاء مع مدير قناة اقرأ الأستاذ : راضي سعيد  مدير قناة اقرأ الفضائية بالقاهرة ، يناير، اعداد/ رانيا سعيد.

(14) مدير قناة «اقرأ» لـ«الشقائق».. علينا تقديم (النجوم) كقدوات صالحة .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
كيد الكافرين لمحاربة الإسلام في مجال المرأة
سمير الشميري
الخميس 7 فبراير 2013

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المحور التاسع معوقات الدعوة إلى الإيمان والحلول المقترحة

 

(المعوقات الخارجية)

 

كيد الكافرين لمحاربة الإسلام ( في مجال المرأة )

 

المقدمة:

 

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ [البقرة:217]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه إلى يوم الدين وبعد:

 

فإن الكفار لا يزالون يكيدون لهذه الأمة جيلا بعد جيل ، وبكل وسيلة يتمكنون منها في فتنة الأمة وإبعادها عن دينها، ومن أهم وسائلهم في إفساد الأمة إفساد المرأة التي بفسادها تفسد الأجيال، وفي الحديث الصحيح: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»(1)، ولذا كان من القضايا التي أولاها الإسلام عناية كبرى، ومنحها مزيةً عظمى قضية المرأة، نعم قضية المرأة التي لم يستطع أي دين أن ينصفها أو يسعدها غير دين الإسلام، بل إنني أقول إن الإسلام جعل المرأة – بشريعته الخالدة – سرَّ نجاحٍ، وعامل بناء، وعنوان أمة رائدة، وصمام أمان، فالإسلام لم يقتصر على سعادتها بل جعلها سببَ إسعادِ المجتمعِ كلِّه، فقد قص الله لنا في كتابه المقدس- المبُرَّأ من كل عيبٍ ونقص؛ كيف لا يكون كذلك وكلامه أحسن كلام في الوجود وهو صفته التي اتصف بها سبحانه- قص لنا قصص نساء رائدات في عصرهن للعفة والطهر وداعيات للخير والبر، فمريم عليها السلام قال سبحانه عنها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ  [آل عمران:42]، وكما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد»(2)، قال الحافظ: خير نسائها مريم أي نساء أهل الدنيا في زمانها أ.هـ(3)، وخذ مثالاً آخر وهي آسية امرأة فرعون المؤمنة الصابرة العاقلة الفطنة التي قدمت الباقي على الفاني فرحمها الله ورضي عنها التي ابتليت بالطاغية فرعون، وضربت أروع الأمثلة في الجهاد ،والصبر على الأذى، والثبات على المبدأ قال سبحانه عنها: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  [سورة التحريم:11]، وجاء في الصحيحين -واللفظ للبخاري- قال صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران،وإن فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»(4)، ويسطر لنا الكتاب العزيز عفةَ امرأةٍ ثالثة ما عرف التاريخ أعفَّ ولا أطهرَ منها إنها الصديقة بنت الصديق زوجُ أحبِّ الخلق إلى الله أمُّ المؤمنين الحصان الرزان زوجته صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها يقول سبحانه ذاكراً أخصَّ صفاتها وهي الطهر والعفاف فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  [سورة النور:23-26 ] ، قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية: هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات –خرج مخرج الغالب – المؤمنات ، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ، ولا سيما التي كانت سبب النزول ، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما ، وقد أجمع العلماء-رحمهم الله- قاطبة على أن من سبّها بعد هذا ورماها به الذين ذكروا في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن  أ.هـ.

 

وأما السنة المطهرة فطافحة بالأمثلة والنماذج من النساء اللاتي قدمن للمجتمع والأمة مشروعات ناجحة،وأعمال جليلة ويكفي أن نشير إلى مثالين لم يهملا في سنة المصطفى ولا في تاريخنا الإسلامي فهاهي خديجة بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة ضربت أروع الأمثلة في المرأة التي كانت عوناً لزوجها على أداء رسالته، ونجاحه في مهمته، وسبباً في ثباته على مبادئه وقالت له قولتها المشهورة لما جاءها خائفاً ترعد فرائصه لما بدأ نزول الوحي عليه فقال لها كما في البخاري: " لقد خشيت على نفسي  فقالت: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصلُ الرحم، وتحملُ الكل ، وتكسبُ المعدوم ، وتَقْري الضيفَ، وتعينُ على نوائب الحق..."(5) .

 

 والمثال الثاني:

 

أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين –رضي الله عنها وعن أبيها - التي ضربت المثال في البذل والجهد في نصرة الدين ونصرة رسوله الكريم، جاء في البخاري عن عائشة رضي الله عنها في حديث الهجرة الطويل: «فجهزناهما – تعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه – أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق وفي رواية ذات النطاقين»(6)، وتاريخ المسلمين حافل بذكر النماذج النسائية الناجحة اللاتي كن قدوات لغيرهن في شتى المجالات الحياتية والتي نفخر بها على مر التاريخ .

 

وكذلك اعتنى الإسلام بالمرأة في كل تشريعاته ،وجعل النساء شقائق الرجال في غالب أحكامه ، فانتظم عقد المجتمع المسلم في سامق بنيانه، وتوطد البيت المسلم في ثابت أركانه، وافتخر المسلمون بين الأمم بجميل حلله وهباته .

 

لا ينقضي عجب المسلم لما يعيش في مجتمع مسلم يؤمن بالقرآن وأنه كلام الله المنزل على رسوله الكريم ، وبالنبي الكريم وأن سنته تشريع للأمة ومصدر من مصادر التلقي لدى أبنائها رجالاً ونساءً، وهو يسمع بين الحين والآخر من يتهم المرأة المسلمة بأنها لم تأخذ حقها، أو أنها مظلومة، أو أن القيود التي فرضت عليها سبب تخلفها، ويعنون بذلك ما من الله به عليها من الضوابط الشرعية ، والأحكام السماوية، وهنا لا بد أن نقول إن قضية المرأة هي من القضايا الأصيلة والمعتبرة، والتي يجب علينا كمسلمين أن نهتم بها كما اهتم بها سلفنا الصالح، ونعطيها حقها الذي أعطاها الله كاملاً ولا نبخسها شيئاً من ذلك ، ونراعي تغير الزمان والمكان الذي كفلته لها الشريعة بما يحفظها من الضرر ويحفظ المجتمع من الزلل ولا يعلم ذلك إلا أهل العلم الراسخون في العلم وليس لكل أحد ،فهم-أي العلماء- ممن ولاهم الله شؤون المسلمين، ومرجعهم فيما يشكل عليهم من نوازلهم وشؤونهم، وسوف نتكلم في خطبة مستقلة – إن شاء الله - عن قضية مهمة لطالما سمعناها أو شاهدناها أو قرأناها في وسائل الإعلام المتنوعة من المطالبات التي يمكن أن نسميها مغالطات مكشوفة، ومزايدات زائفة، وشبهات للغِرِّ مفضوحة، وقبل أن نتحدث عن هذه المغالطات وتلكم المزايدات نذكر بقواعد مهمة هي من الثوابت التي جاء بها القرآن صريحاً وتواترت في سنة نبينا الكريم ، والتي كفلت للمرأة السعادة في نفسها والإسعاد للمجتمع فلا يحق لعالم ولا غيره ممن ينتسب إلى العلم والدعوة فضلاً عن أن يكون صُحُفياً مشهوراً أو إعلامياً بارزاً أن يشكك فيها بلْ  أن يطعن في نصوصها فهؤلاء – أعني بعض الإعلاميين- لا ناقة لهم ولا جمل في العلم وأصوله وقواعده ومقاصده، فهم أبعد ما يكونون عن العلم فكما أن أهل الشريعة لا يتكلمون في الفنون الصحفية وطرقها وأساليبها فعليهم أن يحترموا تخصصاتهم ولا يخوضوا بحر الشريعة وهم لا يجيدون السباحة فيه فيغرَقون ويُغرقون غيرهم .

 

 

التآمر العالمي في إفساد المرأة

 

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم إرساؤه عام1948م، يمثل البذرة الأولى لهذه المرجعية الجديدة التي طرحت موضوع الأسرة والمرأة كقضية عالمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لكن ضجيج القضايا السياسية والاقتصادية على دول العالم الثالث في هذا الوقت غطى على الجانب الاجتماعي والثقافي المتصل بالأسرة والمرأة والأحوال الشخصية؛ فمنذ عام 1950م حاولت الأمم المتحدة عقد الدورة الأولى لمؤتمراتها الدولية حول المرأة والأسرة بعنوان: "تنظيم الأسرة" لكن الـحكومة المصرية في العهد الملكي قاومته بقوة، وأخفق المؤتمر الذي كان يترأسه ماركسيٌّ صهيوني، ثم عاودت الأمم المتحدة مرة ثانية تطلعها في بناء المرجعية النسوية الجديدة، فعقدت مؤتمراً في المكسيك عام 1957م ودعت فيه إلى حرية الإجهاض للمرأة والحرية الجنسية للمراهقيـن والأطفال وتنظيم الأسرة لضبط عدد السكان في العالم الثالث ، وأخفق هذا المؤتمر أيضاً، ثم عقد مؤتمر في " نيروبي" عام 1985م بعنوان: " استراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقدم المرأة " ثم كان مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية الذي عقد في سبتمبر 1994م ، وأخيراً كان مؤتمر المرأة في بكين الذي عُقد عام 1995م تحت عنوان: " المساواة والتنمية والسلم" وهو المؤتمر الذي ختمت به الأمم المتحدة القرن الماضي، وانتهت إلى الشكل النهائي للمرجعية الجديدة والبديلة التي يراد فرضها على العالم والتي تهدف بكلمة واحدة إلى "عولمة المرأة ".

 

ولا تكتفي الأمم المتحدة بذلك، وإنما تعقد مؤتمرات مع الأطراف الحكومية والمنظمات غير الحكومية كل سنة أو سنتين للتأكد من الالتزام الحكومي بالمرجعية الكونية البديلة ، والخضوع للنظام العالمي الجديد؛ فهناك مؤتمر سنوي يطلق عليه مؤتمر السكان + 1 أو + 2 أو + 3 . وهكذا حتى يأتي موعد المؤتمر الدولي القادم للسكان عام 2004م . وأيضاً بالنسبة لمؤتمر بكين(1) قد عُقد بكين + 4 في الهند، وسوف يعقد مؤتمر للمرأة أيضاً عام 2005م أي بعد عشر سنوات من مؤتمر المرأة الذي عُقد فـي بـكـين .

 

وعلى إثر الحملة المسعورة بالمطالبة بحقوق المرأة، أنشأت كثيرٌ من المنظمات والمؤتمرات والاتفاقيات، الحكومية وغير الحكومية، الكبيرة والصغيرة ، العالمية والمحلية، ركزت جهودها حول موضوع حقوق النساء . بعضها دولي ويبحث في العديد من المواضيع مثل اتحاد النساء العالمي، وبعضها يبحث في الاهتمامات المحلية كالمنظمات النسوية العربية .

 

ومن أشهر المؤتمرات؛ مؤتمر الأمم المتحدة الرابع للمرأة في بكين الصين في عام  1995م. والذي وضع خطة عبارة عن وثائق، تم الموافقة عليها من قبل 189 دولة شاركت في هذا المؤتمر.

 

ومن المنظمات الرئيسة أيضا لجنة حــقوق الإنسان، تأسست عام 1946م من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة، وتتكون من 46 منظمة شبه حكومية لتحضير التوصيات حول أوضاع النساء في العالم، ولمراقبة تطبيق إعلان وخطة عمل بكين.

ومنها لجنة القضاء على التمييز ضد النساء، مكونة من 23 عضواً لمراقبة الاتفاقيات، تأسست بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وأما الاتفاقيات فمنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تم تبنيها عام 1979م وأصبحت نافذة عام1981م وهي أول اتفاق قانوني ملزم يمنع التمييز ضد المرأة. وتلتزم الدول بموجبه باتخاذ إجراءات إيجابية لتفعيل المساواة بين المرأة والرجل .

ومن الملتقيات ملتقى المرأة العربية بالقاهرة لتقدم المرأة، من إحدى عشر دولة عربية وهي" مصر، اليمن، دولة الإمارات العربية المتحدة ، الكويت ، الأردن ، لبنان ، سوريا ، فلسطين ، المغرب ، الجزائر ، تونس "(7) .

 

وتعتبر وثيقة بكين التي أصبحت "مقررات بكين" ووقعت عليها 189 دولة، هي أساس المرجعية الكونية البديلة . وتمثل منتهى الفكر النسوي، وتحاول هذه الوثيقة فرض مصطلح " النوع Gender " بدلاً من كلمة Sex والتي تشير إلـى الذكر والأنثى. و تلزم مقرراتها الحكومات المحلية بتنفيـذ الأهداف الاستراتيجية للنظام العالمي الجديد؛ فيما يتصل بإقرار الأيديولوجية النسوية الجديدة، وذلك بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي(8) .

 

ونتيجة للضغوط العالمية والمحلية، كان لعلماء الدين مواقف متباينة بين محرم كلية آخذا بالقاعدة الشرعية ومستنداتها "درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح " ، مجتنبا الساحة وما يدور فيها. وبين مجتهد ناظر إلى ما يجيزه الإسلام وما يحرمه مع اختلاف وجهات النظر في ذلك بين متساهل ومضيق، وانعقدت الندوات وأقيمت المؤتمرات لهذا الغرض ومن ذلك:

 

مؤتمر: " المرأة المسلمة والتحديات المعاصرة " الذي عقد في عام 1421هـ ،2000م وأقامته جمعية إحياء التراث الإسلامي. بهدف وضع الرؤية الإسلامية والضوابط الشرعية لقضية المرأة وما يتعلق بها . 

 

ومنها مؤتمر "تحرير المرأة في الإسلام" الذي افتُتح بالقاهرة، والذي تنظمه اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل التابعة للمجلس الإسلامي للدعوة والإغاثة، بالتعاون مع جامعة الأزهر، وفيه طالب العلماء المؤتمرون والمفكرون المشاركون بإلغاء كافة الفتاوى المتشددة التي يصدرها العلماء المتشددون فيما يتعلق بحقوق وواجبات المرأة المسلمة(9).

 

أظهرت هذه المؤتمرات والمنتديات أن واقع الإعلام الموجه للمرأة قد مارس تهميش فكرها، وتعامل معها على أنها جسد وحسب، فطغيان البرامج الترفيهية التافهة، وإشغال جزء من ساعات البث وصفحات الصحف بالغث من الموضوعات، التي تحصر اهتمامات المرأة بدائرة ضيقة تنطلق بالاهتمام بالشكل، وتنتهي إليه بدءاً بالموضة والأزياء والإكسسوار، وانتهاءًا بكيفية استغلال المرأة إمكاناتها الشكلية المظهرية للفت الانتباه(10).

 

وحقيقة فإن طغيان مثل هذه المواد واحتلالها مساحة كبيرة من البث الإعلامي، يعكس نظرة الإعلام للمرأة، إذ يراها وجهاً وجسداً جميلين مع إلغاء وإماتة مستهدفة للروح والعقل والفكر والفهم مما جعل المرأة تعيش فراغاً فكرياً، وخواءاً روحياً وخلطاً عجيباً بين المصالح والمفاسد، وبين الغايات والوسائل، واختلالاً ظاهراً، وعدم توازن في النظرة لكثير من الأمور.

 

فإذا كان الجمال في الإسلام وسيلة تأخذ منه المرأة قدراً معيناً تُحقق به أنوثتها؛ فإن الإعلام يكرس في حس المرأة أن (الجمال المظهري ) غاية تستحق أن تبدد المرأة جهدها ووقتها ومالها فيه، بل وربما تعيش لأجله.

 

وإذا أردنا ذكر آثار الإعلام على المرأة المسلمة فسيطول بنا المقام، إلا أن أبرز الآثار وضوحا هو فقدان المرأة المسلمة لهويتها الإسلامية، وتنازلها عن كثير من أساسيات دينها، وسحب قدر كبير من حيائها وأخلاقها وتاريخ أمتها مما جعلها فريسة سهلة لأعدائها، وهذا نتيجة حتمية، فغالبية وسائل الإعلام الموجه للمرأة المسلمة لا يعكس قيم المجتمع المسلم، بل بالعكس يكرس نموذج المرأة الغربية، ويظهره بصورة النموذج القدوة .

 

وكان الأصل أن يكون للإعلام النسائي مهمة بنائية وتربوية، ترتقي بفكر المرأة نحو آفاق واسعة إلا أن الواقع للأسف غير ذلك.

 

هذه هي صورة المرأة في الإعلام غالبا، كما قدمتها الدراسات والأبحاث، وكما أفصح عنها المتخصصون في هذا المجال.

 

والمتتبع للدراسات والإحصائيات في هذا الموضوع، يقف على وضع المرأة في الإعلام السائد في نظر المتخصصين في هذا المجال من غير الإسلاميين، فضلا عن أصحاب التوجه الإسلامي الذين لهم مواقف أكثر وضوحاً .

 

وبسبب هذا الوضع المتدني والمنفك من الدين والقيم بل والعادات والتقاليد، فإن الساحة الفنية قد شهدت مؤخرا إعلان العديد من الفنانات والممثلات اعتزالهن.

المرأة اليمنية في ظل المؤامرة:

 

في بلدنا على وجه الخصوص فقد أنشأ المجلس الأعلى لشؤون المرأة بموجب قرار رئيس الوزراء رقم ( 68 ) لسنة 2000م ترأس هذا المجلس رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة، ويضم في قوام تكوينه اللجنة الوطنية للمرأة، وهناك جهود كبيرة في مجال المرأة اليمنية منها حكومية وأخرى غير حكومية.

 

الآليات المؤسسية الحكومية:

 

1-  المجلس الأعلى للمرأة:

 

شكل عام 2000م ويضم في عضويته عدد من الوزراء وممثلي الجهات الحكومية ومنسقاتها في العاصمة والمحافظات وعدد من الشخصيات النسائية، ويعقد اجتماعاته كل ستة أشهر تتولى اللجنة الوطنية مهام الإعداد والتحضير لاجتماعاته وما يصدر عنه من قرارات، ويجري الآن متابعة قرار جمهوري لتشكيل المجلس لإعطائه وضعاً قانونياً وتنظيمياً أفضل .

 

2-   اللجنة الوطنية للمرأة:

 

أنشأت عام 1996م وأعيد تشكيلها وتوسيعها عام 2000م وهي أهم آلية مؤسسية أنشأتها الدولة للنهوض بالمرأة ، وهي الجهاز الحكومي الوحيد المعني بتنفيذ السياسات والاستراتيجيات العامة للدولة ذات العلاقة بشئون المرأة وقضاياها وإدماجها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنسيق في هذا المجال مع الجهات الحكومية وغير الحكومية .

 

3-    المجلس اليمني لرعاية الأمومة والطفولة:

 

أنشأ عام 1999م برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من ممثلي الجهات الحكومية والشخصيات ذات العلاقة بمهام المجلس واختصاصاتها وبرامجه الوطنية .

 

4-   هناك آليات وأجهزة حكومية أخرى تهتم بالمرأة وقضاياها وشئونها وهي وزارة أو جهة حكومية مثل وزارة الزراعة، وزارة الشئون الاجتماعية والعمل، وزارة الإدارة المحلية وجامعة صنعاء وغيرها.

 

 

 

الآليات والبرامج غير الحكومية:

 

ومن أهمها وأكثرها نشاطاً:

 

1-    الاتحاد العام لنساء اليمن .

 

2-    جمعية رعاية الأسرة اليمنية.

 

3-    الجمعية الاجتماعية لتنمية الأسرة .

 

4-    جمعية التحدي لرعاية المعاقات .

 

5-    الجمعية الاجتماعية للأسر المنتجة .

 

6-    الجمعية الوطنية لصحة المرأة والطفل .

 

7-    منتدى الشقائق العربي.

 

8-   مركز مساندة قضايا المرأة - مؤسسة دعم التوجه المدني الديمقراطي(11).

 

بل يوجد في بلدنا وحده من المنظمات النسائية فضلا عن غيره من البلدان العربية والإسلامية علما أنه يعتبر من الدول التي دخلت هذا الجحر مؤخراً إذ يوجد قرابة 35 منظمة باختلاف أهدافها، منها ماله أهداف نبيلة، وأكثرها منظمات تزعم تحرير المرأة وهي مبيّنة كما في الجدول التالي(12):

  

1 منتدى الشقائق العربي.
2 جمعية المرشدات.
3 جمعية تنمية ذوي الاحتياجات الخاصة
4 الجمعية اليمنية لرعاية وتأهيل المكفوفين
5 جمعية التحدي لرعاية المعاقات
6 Soul جمعية تنمية المرأة والطفل
7 جمعية الأمان لرعاية الكفيفات
8 جمعية الخنساء النسوية الاجتماعية الخيرية
9 جمعية الألفة النسوية الخيرية الاجتماعية
10
جمعية حراز الاجتماعية الخيرية النسوية   
11
جمعية بير الشائف الخيرية 
12 جمعية اليسر الخيرية 
13 الجمعية الشعبية الخيرية 
14 جمعية النضال الخيرية
15 الجمعية الاجتماعية لتنمية الأسرة
16 جمعية المعارف
17 جمعية الإصلاح الاجتماعية الخيرية
18 جمعية الصفاء النسوية الاجتماعية الخيرية
19 جمعية بير العزب الخيرية
20 جمعية الزهور الاجتماعية  الخيرية   
21 جمعية الهلال الأحمر اليمني- المركز الرئيسي 
22 جمعية:مؤسسة دعم التوجيه المدني الديمقراطي
23 جمعية مالك الخيرية النسوية
24 جمعية اليقين النسوية الخيرية  
25 جمعية رعاية الأسرة اليمنية  
26 جمعية الإحسان والتكافل الاجتماعية الخيرية عزلة المدارين بحريب (مأرب)
27 جمعية المحلال الخيرية ( تعز)
28 الجمعية الاجتماعية لتنمية الأسرة
29 الجمعية اليمنية لرعاية المكفوفين
30 جمعية الأمان لرعاية الكفيفات
31 الجمعية الاجتماعية للأسر المنتجة
32 الجمعية الوطنية لصحة المرأة والطفل
33 جمعية تنمية المرأة والطفل
34 جمعية التضامن التنموية

 

مظاهر كيد الكفار على المرأة:

 

والمتأمل لحال المرأة المعاصرة، يجد أن أعدائها كادوا لها كيداً عظيماً وأوقعوها في مخالفات واضحة لدينها وعقيدتها، نشير إلى أهمها:

 

1 – الاختلاط والخلوة والاتصال بالجنس الآخر والمصافحة والسفر مع غير محرم:

 

فالاختلاط الغير منضبط الذي يتم في حالة اختلاط غير مشروع، ومعلوم أن مجرد الاختلاط في حد ذاته منهي عنه من حيث الأصل، وإنما يباح منه بقدر الحاجة أو الضرورة.

 

لكن الحاصل أن الاختلاط ليس له أي قيود أو ضوابط، بل أصبح اتصال أحد الجنسين بالآخر أمرا عادياً ، مع أن الشارع الحكيم قد حرص في كل معاملاته على الفصل بين الرجل والمرأة حتى في أثناء العبادة، ففي الصلاة مثلا؛ جعلت صفوف النساء منعزلة عن صفوف الرجال، في مؤخرتها، وجعل آخر صفوفها أفضلها لأنها أبعد عن الرجال ، بل لما جاءته امرأة تسأله عن صلاتها في مسجده فعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال: « قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي  قالت: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت في بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل»(13) .

 

فإذا كان هذا في مواطن العبادة التي تكون فيها النفوس أبعد ما تكون من تزيين الشيطان واتباع خطواته، ومن التفكير في المعصية، فإن المتوقع أن ما سوى هذه المواطن يكون وقوع الزلل من الإنسان منه أقرب، والمنع منه آكد.

 

 أما ما يحدث من الاختلاط فإن نسبته غالبةٌ، بل لا نبالغ إن قلنا أن الاختلاط هو الأصل والمستثنى هو الفرع.

 

وإذا كان هذا بشأن الاختلاط فإن هناك أمر هو أكثر منه خطورة، وأشد حرمة، وهي الخلوة، ففي هذه الوسائل يتم الخلوة بشكل كبير منها ما يحتاجه العمل بوضعه الحالي، ومنها ما أصبح سلوكا يعتبره أكثر العاملين أسلوباً حضارياً، ويرى أن هذا الفعل في نظره إما أمرا عادياً، لا تدعو إلى الحساسية أو التشدد بقدر ما تجعل من الرجل والمرأة في نظره إنسانا مثقفا متحضراً، ولو فكر قليلاً لوجد أن معظم الفواحش التي وصلت إلى حد الفشو والشيوع إنما كان من أهم أسبابها الخلوة والاختلاط، وما الأمراض الناشئة عن الجنس إلا نتيجة من نتائج الخلوة والاختلاط ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: « أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يا معشر الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرَ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ. حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقَصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، إِلاَّ أخِذَوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّة الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ . وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمَطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُوِلِهِ، إِلاَّ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِن غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا بأَيْدِيِهمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ،  يَتَخَّيُروا ممَّا أَنْزَلَ اللهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»(14).

 

 ولا يكاد يوجد في المجتمع الإسلامي رجل يراود امرأة عن نفسها بين الناس، وهذه فطرة إنسانية، فإن الله تعالى قد قال في شأن امرأة العزيز مع أن لها الملك والسيطرة: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَاب وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَاي إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ  [سورة يوسف:23] .

 

فهذا السلوك ينفر منه حتى الحيوان، فضلا عن الإنسان ولذلك كان التشديد بتحريمه من قبل الشارع الحكيم لعلمه بآثاره وتأثيراته على النفس البشرية.

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوما يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم»(15)، بل حتى القريب إن لم يكن محرما فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت»(16)، فإذا كان التحريم للمرة الواحدة فكيف بكونه سلوكا وعادة، ولو قال أنصار الاختلاط إن الاختلاط أمر طبيعي فنقول إن الله عليم بما يدور في خبايا النفوس، وهو خبير بكنه الأشياء وحقائقها ولا يحرم شيئاً إلا لحكمة عظيمة، والواقع دليل على حكمة هذا التشريع .

 

وإذا كان الحديث عن مجرد اختلاط وخلوة بريئين، فكيف بذلك الاختلاط والخلوة الذي يجري في الأمة ، فهل مثل هذا العمل عمل مقبول عند العقلاء فضلا عنه في ميزان الشرع ؟

 

وأما المصافحة فهي الأخرى أصبحت عادة ممارسة ولا يخفى حرمة المصافحة في دين الإسلام وشريعة الرحمن ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع عن مصافحة المرأة وما مست يده يد امرأة قط، فكيف بمن هو دونه عليه الصلاة والسلام ؛ إذ الفتنة في حقه أقرب .

 

وإذا كان امتناعه عليه الصلاة والسلام عن مصافحة النساء في أخطر مسألة في حياة أمته وهي البيعة على الإمارة، فكيف إذا كانت المصافحة في الأمور العادية، فالتحريم في ذلك أولى والخطر أدهى، فعن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  [ الممتحنة:12] ، قال عروة «قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد بايعتك) كلاما، ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله (قد بايعتك على ذلك)»(17) ، وعنها رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام وهذه الآية: ﴿ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط إلا امرأة ملكها"(18).

 

بل ورد التحذير الشديد والوعيد الأليم منه صلى الله عليه وسلم في مس الرجل المرأة: فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «لأن يطعن في راس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»(19).

 

وأما السفر مع غير ذي محرم فهو مخالفة أخرى للمرأة في هذه المؤسسات، وإنما كان التحريم في السفر من غير ذي محرم لأن دواعي الفاحشة أكبر وقد قال عليه الصلاة والسلام «لا يحل لامرأة أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»(20) والقيد هنا بثلاثة أيام لا مفهوم له وإنما المعنى أن الغالب في السفر ثلاثة فما فوق، فذكْر الغالب لا ينفي ما دونه.

 

وفي العمل في وسائل الإعلام تجد الكثير من السفريات التي يمكن أن تسافرها المرأة مع غير ذي محرم، وربما يكون معها زميل في العمل في سفرها يركبان وينزلان ويأكلان ويشربان ويسكنان سوياً، ليقوما بعملها وكأنه ليس في الأمر شيء، فتجد هذه مراسلة في بلد آخر، وتجد هذه تقوم بإنشاء برامج في بلد ثان ، وتجد هذه عندها دورات إعلامية أو دراسات إعلامية في قطر ثالث، وهكذا.

 

2 – في الكلام والتخاطب: لا نقصد ابتدءا بالحديث عن كلام المرأة بأن كلام المرأة عورة، فإن الله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُم فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِن ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَان لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَه مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  [سورة الأحزاب:53-54].

 

وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يسألون عائشة وفقيهات الصحابيات عما يتعلق بهم من أمور دينهم أو دنياهم، قال الحافظ: وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج ، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضى به(21) .

 

وإنما نقصد هنا ما يجري من حديث جانبي ومن حوار في المجتمعات المسلمة فضلا عما يجري من تبادل حوار الحب أو مواطن المناسبات والأفراح فإن معظم ما يقدم اليوم من المسرحيات والتمثيليات أو الحوارات والمقابلات، لا يخلوا من عنصر الحب الذي لا بد له من الطرفين الرجل والمرأة يمر الفيلم من التعرف المبدئي إلى الصحبة والصداقة والانسجام ليصل في النهاية إلى الزواج فهو يربي أبناء المجتمع على طريق الزواج بهذه المراحل وما فيها من المخالفات الشرعية، فالخطاب في هذه المواطن ليس خطاب سؤال أو استفتاء أو تعليم وتعلم، إنما هو خطاب عشق وغرام فهل هذا أمر مقبول؟.

 

وإذا كان مما سبق هو حديث حول موضوع الكلام، فإن كلام المرأة من حيث ذاته، له ضوابط جاءت في شرعنا الحنيف، صيانة للمرأة وحفاظا عليها .

 

من هذه الضوابط ترك اللحن في القول والذي يعني التمطيط والإمالة والتحسين قال تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا  [سورة الأحزاب:32] .

 

ومن الضوابط خفض الصوت بقدر الحاجة، فإذا كان من المخالف للأدب رفع صوت الرجل زيادة على حاجة السامع، فإن المرأة أولى بخفض صوتها مراعاة للأدب والحياء، فكيف بما يحدث من رفع الأصوات وما يُتداول من كلام فاحش وبذئ على خشبة المسرح، أو على شاشات السينما والتلفاز والإذاعة.

 

إن الإسلام أمر المرأة بخفض صوتها حتى في مواطن العبادة التي أمر الرجل فيها برفع صوته كرفع الصوت بالتلبية والأذان والإقامة وسن لها في الصلاة التصفيق دون التسبيح  لتضييق مواطن الكلام، كل ذلك مخافة الفتنة حتى في مواطن العبادة، فكيف بما كان وراء ذلك مما نشاهد في الواقع وفي وسائل الإعلام.

 

3 – في اللباس والزينة والمشي والحركات:

 

جعل الشرع الحنيف للمرأة ضوابط وخصائص تميّز المسلمة عن الكافرة والرجل عن المرأة، حتى لا تختلط تلك الخصائص وليتميز كل عن الآخر، فحرم التشبه في اللباس مما كان من شأن الكفار وانفردوا به وأصبح علامة دالة عليهم، لا سيما الملبس الديني الذي يظهر معتقدهم الكفري، وكذا الأمر بتشبه الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله لعن المترجلات وعلن المخنثين بل، ودعا عليهم باللعن والطرد من رحمة الله تعالى كما في الصحيح ،وفي الحديث عن ابن عباس قال: « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المتشبهات بالرجال من النساء والمتشبهين من الرجال بالنساء »(22) ‏ وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم »(23) .

 

والمتأمل في المجتمعات الإسلامية فضلا عن المجتمعات الغربية، يجد ويشاهد مدى الاضطراب والخلل اللامحدود في هذا الجانب، وكأن الأمر قد انعكس رأسا على عقب، فالرجل أرخى ثيابه حتى غطت الأعقاب وانجرت في الأرض، والمرأة شمرت عن ساقيها وساعديها وربما وصل إلى الإبط والفخذ وأكثر من ذلك .

 

وأصبحت هذه المناظر مألوفة عند كثير من الناس، يعيشها في المجتمع ويعيشها ليلاً ونهاراً على شاشات التلفاز والقنوات الفضائية .

 

يقول الدكتور أحمد بن محمد بن عبدالله أبابطين: لقد أخذت عينة على فئة من النساء العاملات في تلفزيون جمهورية مصر العربية بقنواته الثلاث في الفترة الواقعة بين يومي السبت والخميس 24-29/2/1408هـ الموافق 17-22/10/1987م، فقمت بعمل استبانه فجاءت نتيجة الاستبانة تتحدث عن الواقع الموجود وفق النسب التالية:

 

1- الاختلاط بنسبة 100% .

2- أداء التحية بنسبة 100% .

3- المصافحة بنسبة 47.7% .

4- الاشتراك في إعداد برنامج 50% .

5- الأحاديث المتبادلة المألوفة 69%.

6- وجود الألفة ورفع الحرج 43% .

7- وجود المخاوف من الاختلاط 44% .

8- الخلوة مع الرجل 34% .

9- المقابلة مع الرجال لغرض العمل 48% .

 

ويتبادر إلى الذهن أن أفراد هذه العيِّنة لا يستطعن القيام بأعمالهن إلا وهن حاسرات عن وجوههن(24)، وكانت النتيجة إفساد المرأة المسلمة في شتى جوانب حياتها:

- أبرزها وأشدها خطراً هو فقدان المرأة المسلمة لهويتها الإسلامية، فالحملة الإعلامية الموجهة نحو المرأة المسلمة تكرس نموذج المرأة الغربية على أنه النموذج القدوة، وبالنتيجة فإن المرأة المسلمة تنقاد نحو التقليد الأعمى لهذا النموذج.

- وكذا الفراغ الفكري، وتهميش المرأة المسلمة المعاصرة، والتعامل معها من قبل الإعلام الموجه على أنها جسد وحسب، وحصر اهتماماتها بدائرة ضيقة، ابتداءًا من الاهتمام بالشكل والموضة وعمليات التجميل، وانتهاءً بكيفية استغلال المرأة لإمكاناتها الشكلية للفت انتباه الآخر! مما يخلق فراغاً روحياً وخلطاً عجيباً بين الغايات والوسائل.

 

موقف الإسلام من تحرير المرأة:

 

إن الإسلام قرر للمرأة كل الحقوق الإنسانية سواء في ذلك الحقوق الفكرية والدينية، أو الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أو الحقوق السياسية، فكفل  لها حق التفكير والاعتقاد، بل اعتبر التفكير والنظر أمراً واجباً على الإنسان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ .. ﴾ [الممتحنة:10] وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ... ﴾ الآية[الممتحنة:12].

 

وكما اعترف الإسلام للمرأة بشخصيتها الفكرية والدينية، اعتبرها كذلك عنصراً فاعلاً في المجتمع وعاملاً مؤثراً في حركته من خلال ما قرر لها من حقوق.

 

فكفل لها حقها في التعليم ، فشاركت الرجال طلب العلم في المسجد وفي بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل كان من طموحها وشدة حرصها على العلم أن طلب النساء من الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يجعل لهن يوما خاصا بهن بالإضافة إلى الدروس العامة المشتركة بينهن مع الرجال. « فجعل لهن يوما يذكرهن فيه ويعلمهن»(25)، وبهذا الاهتمام برز كثير من النساء العالمات الفقيهات والأديبات والشاعرات في عصر الصحابة والتابعين، وعبر كل عصور الإسلام الزاهرة.

 

وقرر الإسلام الأهلية الكاملة للمرأة في التملك، وفي كافة التصرفات المترتبة عليه دون أي تدخل من أحد، وذلك في نصوص كثيرة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ [النساء:32] ، وقال: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [سورة النساء:7] .

 

ومن المجمع عليه بين علماء الإسلام أن كل تصرفات المرأة؛ من بيع أو شراء وإجارة وهبة ورهن وغيرها نافذة، وأن شخصيتها الحقوقية مستقلة استقلالا تاما.

 

وللمرأة في الإسلام أن تمارس كل الأعمال التي ترغب في ممارستها - داخل إطار الأعمال المشروعة لها ولا حجر عليها في ذلك ـ، وقد كانت المرأة في صدر الإسلام تمارس أعمال كثيرة من تجارة وزراعة وصناعة وغيرها. فهذه امرأة تشكو إليه أن أحد الرجال منعها من العمل في مزرعتها، فقال عليه السلام: « جذي نخلك فعسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا»(26).

 

ولأول مرة في التاريخ تتمتع المرأة بحق الإرث ، حينما قرره لها الإسلام ، قال تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ﴾ [ النساء:7 ]. و قرر الإسلام حق المرأة في أمر زواجها ، وأنها صاحبة القرار في اختيار شريك حياتها ، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة:232] ، وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة:234] ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البكر تُستأذن", قلت: إن البكر تستحيي؟ قال: "إذنها صُماتها»(27)، وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاح نساء جرى زواجهن دون اختيار منهن.

 

وقرر القرآن الكريم دور المؤمنات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ .. ﴾ [التوبة:71].

 

وأجاز لها المشاركة في الجهاد، وكانت المرأة المسلمة تقوم بخدمة المجاهدين وسقيهم وحمل الجرحى ومداواتهم، بل قاتلت المرأة في بعض المواقع فقد دافعت أم سليم الأنصارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأصابها بضع عشرة جرحا(28) .

 

ومن هنا نقول:

 

إن الإسلام قد ضمن للمرأة كافة الحقوق الخاصة بها، لكنها حقوق بحسب نظرته هو، النظرة المتسمة بالتوسط والاعتدال فلا إفراط ولا تفريط، بعيدا عن المناهج البشرية القاصرة مهما كانت، وممن كانت.

 

قال الشيخ القرضاوي: "الشرع لم يفرق أبدًا بين الرجل والمرأة ، والتكليف دائما موجه للاثنين، وروح النص تدعو إلى تكاملهما، وليس كما يحاول الغرب تصوير العلاقة، إلى تنافسهما وصراعهما؛ فكل له دوره المكمل للآخر، ويكفي أن أول صوت ارتفع ينادي للرسول كان صوت امرأة وهي السيدة خديجة بنت خويلد ، فضلاً عن أن أول دم سُفك دفاعًا عن الإسلام كان أيضًا دم السيدة "سمية" أم عمار. وأن تعدد الفتاوى وغلو بعض العلماء قد أعطى ثغرة واسعة للمتصيدين في الماء العكر لكي يتهموا الإسلام بالعداء والتنكر لحقوق المرأة، على عكس ما تتضمنه النصوص والتجارب السابقة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين"(29).

 

والحمد لله رب العالمين

 

إعداد: سمير الشميري

مراجعة:خالد حسن البعداني

علي عمر بلعجم.

------------------

(1) - رواه البخاري في كتاب النكاح باب ما يتقى من شؤم المرأة  5/1959, برقم  4808، ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء 4/2098, برقم 2741.

(2) - رواه البخاري في فضائل الصحابة باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها 3/1388, برقم 3604، ومسلم في كتاب فضائل الصحابه باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها4/1886, برقم 2430.

(3) -  فتح الباري -6/543.

(4) -  أخرجه البخاري  كتاب الانبياء باب قول الله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ﴾ [ التحريم: 11] 3/1252، برقم:3230،  ومسلم في كتاب فضائل الصحابه باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها  4/188, برقم: 2431.

(5) -  رواه البخاري في كتاب الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/4, برقم: 3.

(6)- رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابه باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة 3/1417, برقم: 3692.

(7) - ملخص لتقرير ورشة ملتقي المرأة العربية - المركز المصري لحقوق المرأة ، لعام 2003م .

(8)-   عولمة المرأة  قراءة في الأيدلوجية النسوية الجديدة - كمال حبيب - موقع مفكرة الإسلام - يناير السبت 3/  2004م  

(9) -  المرأة المسلمة محاصرة بين جاهليتين – القرضاوي -  القاهرة/ 26 ذو الحجة 1423هـ/27 فبراير 2003م - وكالة الأنباء الإسلامية موقع إسلام أون لاين .

(10)- المرأة في الإعلام العربي إما راقصة أو مجرمة أو عشيقة: دمية لإشباع غرائز المراهقين وترويج المنتجات وتجاهل تام لقضاياها ومشاكلها الحقيقية ، موقع الإيمان ، عواطف عبد الحميد .

(11)- التقرير الوطني عن وضع المرأة في اليمن - اللجنة الوطنية لعام 2002م تم استحداث اللجنة بقرار مجلس الوزراء رقم ( 97) لسنة 96م باعتبارها لجنة فنية تابعة لمجلس الوزراء.

(12) اللجنة الوطنية - نفس المصدر السابق.

(13)- مسند الإمام أحمد: 6/371, برقم: 27135 قال لحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري ووثقه ابن حبان، وقال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن، ورواه ابن خزيمة في صحيحه3/95, برقم: 1689، وقال الألباني حسن.

(14)- أخرجه ابن ماجه -كتاب الفتن 2/1332, برقم 4019، وحسنه الألباني، ورواه الحاكم في المستدرك 4/582, برقم: 8623, وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي صحيح.

(15)- رواه مسلم 2/ 978, برقم 1341 .

(16)-رواه البخاري 9/ 330, برقم 5232.

(17) - رواه البخاري 8/636, برقم:4891.

(18) - نفس المصدر السابق - (13/203, برقم :7214) .

(19) - المعجم الكبير - 20/212, برقم: 487 للإمام سليمان الطبراني ، وقال الألباني صحيح في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/959, برقم 2874.

(20)- رواه البخاري 1/368, برقم: 1036 ، ورواه مسلم 2/975, برقم: 1338.

(21)- ذكره الأبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داود  باب في لباس النساء. في الحديث رقم:4096 .

(22) - رواه البخاري باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال 5/2207, برقم: 5546. الترمذي 5/105, برقم: 2935  وقال: حديث حسن صحيح . وأبو داود 2/458, برقم: 4094 ، وقال: عنهما الألباني صحيح.

(23)- أخرجه أبو داود - كتاب اللباس - باب في لبس الشهرة 2/441, برقم: (4012) وقال ابن حجر في الفتح إسناده حسن عن ابن عمر، وحسنه الألباني، ورواه احمد في المسند 2/50, برقم: 5115 وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف.

(24) - المرأة المسلمة المعاصرة - إعداد ومسئوليتها في الدعوة - د/أحمد بن محمد بن عبدالله بابطين - أستاذ مساعد في قسم الدعوة والاحتساب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ص430-431 .

(25)- انظر صحيح البخاري 1/327, برقم: 918 ، ومسلم 1/332, برقم: 935.

(26)- أخرجه مسلم في كتاب الطلاق باب جواز خروج المعتدة البائن والمتوفي عنها زوجها في النهار لحاجتها 2/1121, برقم: 1483.

(27)- رواه البخاري في كتاب الحيل باب في النكاح 6/2556, برقم: 6570 ، وعند مسلم نحوه في كتاب النكاح باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت2/1035, برقم: 1421.

(29)- مجلة المختار الإسلامي ـ العدد 10 ـ ابريل 1980، وحقـوق المـرأة في الإسـلام، موقع الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

(29) -  القرضاوي: المرأة المسلمة محاصرة بين جاهليتين  القاهرة/ 26 ذو الحجة 1423هـ/27 فبراير 2003م-وكالة الأنباء الإسلامية عن موقع إسلام أون لاين .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
كيد الكافرين لمحاربة الإسلام في مجال الإعلام
سمير الشميري
الخميس 7 فبراير 2013

 

 

 

 

 

كيد الكافرين لمحاربة الإسلام في مجال الإعلام

 

تمهيد :

الحمد لله رب العالمين وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل : ﴿ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ﴾ [سورة البقرة:217] ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وإخوانه إلى يوم الدين .

وبعد :

فإن الكفار لا يزالون يكيدون لهذه الأمة جيلا بعد جيل ، وبكل وسيلة يتمكنون منها في فتنة الأمة وإبعادها عن دينها ومن أهم وسائلهم في ذلك وسائل الإعلام الذي نتحدث عنه في هذه الأسطر القليلة .

لقد نشأ الإعلام الاستعماري قبل أكثر من خمسة قرون , حين نشأ الاستعماري البغيض نفسه على وجه الأرض , وارتوى بمائه الآسن , واستمد منه مبادئه ومقوماته وأخلاقياته .. وظل يستمد منه عناصر بقائه وارتقائه طوال هذه الأزمنة الطويلة حتى اكتمل نموه وبلغ أقصى مداه في القرن العشرين .

ومعنى ذلك بداهة أن الفرق بين الاستعمار وبين إعلامه , من حيث النشأة والغاية والأهداف , معدوم أو يكاد . إذ أن غاية ما ينشدانه ويهدفان إليه في نهاية المطاف هو استعباد الأمم والشعوب وإذلالهم واستغلال مواردهم بأبشع الوسائل والأساليب لحساب المستعمرين وأعوانهم دون إلتفات لمصالح بني الإنسان .

وهما لذلك متلازمان مقترنان اقتران النتائج بحيثياتها الطبيعية / التمهيدية , وقلما ينفصلان أو يفترقان عن بعضهما البعض .. فحيثما وجد أحدهما وتقدم على الآخر جاء هذا الأخير كنتيجة لازمة له على المدى القريب أو البعيد , حسب مقتضيات الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة(1).

ومهما يكن فإن الإعلام الاستعماري ماض في أداء مهمته الفتاكة ورسالته البالية , رام للوصول إلى تحقيق أهدافه ومراميه , مستعينا في ذلك بكل ما توصل إليه العصر في مجال الاتصال الإعلامي من تقنية متطورة هائلة لم تتسع لها الأرض فهامت في الفضاء . وسواء كان هذا الإعلام ينتمي إلى الشرق أو إلى الغرب أو إلى كليهما , فإن آثاره السيئة شاخصة للعيان حتى ليكاد يبصرها العميان , وهي لهذا لا تحتاج إلى أدلة وبراهين .

ولكن الذي يحتاج إلى شيء من ذلك حقا هو ما خلف الستار أو ما يكمن وراء هذه الآثار من مبادئ سقيمة ومذاهب هدامة وعقائد عنصرية ترمي إلى السيادة والفساد , بل ودعاوى رجل أبيض من هنا ورجل أحمر من هناك في أمانة ترقية الأمم وتطوير الشعوب , بل وأساليب مستخدمة منافية للأخلاق والآداب , وإدارة موظفة لمختلف الوسائل الإعلام وقنوات الاتصال , ضاربة عرض الحائط بما اصطلح عليه بني الإنسان من شرائع ربانية وقوانين وضعية على وجه الإجمال .

ويجدر بنا إعادة النظر في وضعنا الراهن ’ وإطالة التفكير والدراسة بصدد التحديات التي تواجهنا في هذا المجال الحيوي الهام , كما في سائر المجالات الأخرى , ولاسيما أننا قوم مدعوون إلى التفكير ومحاسبون على التقصير(2) .

وغاية ما يمكننا تقريره في وضعنا الراهن أننا أخذنا ننهض نهوضا لا يزال فيه بطء وتثاقل شديد , وأننا مازلنا في بداية النهضة الحقة , وإن لم ننهض بعد , على كل حال . ليس ذلك في مجال الإعلام وحده ,  رغم أن البطء فيه أشد والقصور أغلب , وإنما في جميع المجالات على السواء .

لذلك كان لابد لنا من الإسراع – في مقابل هذا الإبطاء – على طريق النهضة الحقة الصحيحة . وهو طريق لا شك أنه محفوف بالمكاره والمخاطر , مليء بالعقبات والعثرات , مما يفرض علينا أن نتخطاه بوعي وإدراك , وأن نتجاوزه على علم وبصيرة , في الوقت الذي نتلافى فيه القصور والأخطاء قدر الامكان بشكل علمي مدروس(3).

سيطرة الكفار على مصادر المعلومات ووسائل الإعلام : إن المعلومات التي يحصل عليها الإنسان حالياً خلال عقد واحد، تعادل المعلومات التي حصل عليها خلال مئات السنين من القرون الماضية، فإلي ما قبل خمسين عاماً كانت تمضي أربعين سنة حتى تتضاعف معلومات الإنسان العلمية، أما في الوقت الحاضر فانّ هذه الفترة قد تقلّصت إلى أربع سنوات. قد يكون هذا هو السبب في تسمية عالم اليوم بعالم المعلومات .

يتم نقل حوالي 35 مليون كلمة يوميا،ً ويتم نقل عشرات الألوف من ساعات بث البرامج التلفزيونية من المحطات المختلفة في العالم، كما تنشر آلاف العناوين من المجلات والصحف والكتب .

وكانت الطريقة السائدة لكسب القوة إلى ما قبل القرن السابع عشر الميلادي هي "العنف"، ومع تنامي الرأسمالية وتسلطها على أسس المجتمع، فان نوع القوة تغيرت وأصبح المال هو مصدر القوة،  ثم أصبح مصدرها الأساس هي المعلومات .

ومن هنا يمكننا إدراك سبب اهتمام العالم بالمعلومات إلى هذا الحد، فالقوي اليوم هو الذي يمتلك شبكة معلوماتية أكبر .

إن صراع الإسلام والكفر، هو صراع الحق والباطل ، وقد تحول اليوم من صراع المواجهة الميدانية في معظمه إلى صراع الكلمة والمعلومات، عن طريق هذه الوسائل التي تمكن من مخاطبة عدة مليارات من الناس في أقل وقت ممكن، وبشتى وسائل الإقناع .

إن هناك عدد هائل من محطات البث الإذاعي والتلفازي ، تزيد على 3000محطة ، تدعو إلى الدين المسيحي ، من أهمها: (TransWorld) وتبث برامجها بسبعين لغة ومحطة (Vatican Radio) تبث برامجها بخمسين لغة .

إن حماة الكفر وأصحاب الشهوات  قد استفادوا من هذا السلاح أيما استفادة، واستعملوا أحدث الطرق الدعائية لمجابهة الحق .

فمن 35 مليون كلمة التي يتم نقلها يوميا، منها 32 مليون كلمة تنقل عن طريق الوكالات العالمية الأربعة الكبرى للأنباء، أسوشيتدبرس 17 مليون كلمة، يونايتد برس 11 مليون كلمة، رانس برس 5ر3 ملايين كلمة، ورويتر 5ر1 مليون كلمة .

والمجلات المتوفرة هناك حسب الإحصائيات حوالي000ر38 مجلة في العالم. المجلات الأمريكية وحدها التي توزع في جميع أنحاء العالم، فالمجلتين الأميريكيتين المعروفتين "التايمز" و"النيوزويك"، توزع أسبوعيا عشرة ملايين نسخة لتعرف قرّائها على السياسة والثقافة الأمريكية، وتنشر الثقافة الليبرالية، أما مجلة "ريدرز دايجست" فهي توزع ثلاثين مليون نسخة شهرياً وبسبعة عشر لغة ، وتعتبر أوسع المجلات انتشاراً في العالم ، إضافة لهذا فهناك عشرات المجلات الأخرى تحت عناوين مختلفة التي تصدر في الدول الغربية وتبث الدعاية بشكل مباشر أو غير مباشر لدول العالم ومنها الدول الإسلامية(4) .

إن الدول الإسلامية  تأخذ من البرامج والأفلام المنتجة من قبل تلك الدول ، وفي بعض الدول الإسلامية لا تصل نسبة البرامج الداخلية إلى 20% من مجموع البث ، فإذعة صوت أمريكا تدعي وجود 102 مليون مستمع لها في الأسبوع ، والجميع من البالغين، والـB. B. C 75 مليون مستمع ، وعدد ساعات بث البرامج التلفزيونية التي تنتجها تلك الدول يساعدنا على إثبات دعوانا ، فلأمريكا المركز الأول ، حيث تنتج 150 ألف ساعة بث وتنتج كل من بريطانيا وفرنسا 20 ألف ساعة بث لكل منهما، أما ألمانيا فتنتج 8 ألاف ساعة بث. وهكذا تحتل هذه الدول المركز المتقدم في هذا المجال .

وأما أفلام السينما والفيديو فلقد تغلغلت الأفلام المنتجة من قبل الدول الغربية وخصوصاً أمريكا، وبواسطة السينما والفيديو والأقمار الصناعية حتى وصلت إلى أقصى نقاط العالم حيث تترك هذه الأفلام آثاراً تخريبية خطيرة على ثقافة المجتمعات وخصوصا المجتمعات الإسلامية. هذا من جانب ومن جانب آخر فهي تبدد ثروات هائلة من الدول الإسلامية بسبب استيراد هذه البرامج .

والنتيجة المخيفة لامتلاك الدول النصرانية لوسائل الإعلام، بالإضافة إلى البعثات التنصيرية - والتي بلغت في  بلدان العالم الثالث وحدها  في عام  1972 م ،2400بعثة، ووصلت إلى 18000 بعثة عام 1993 م ، حيث أن للبروتستانت وحدهم في أكثر من مائة دولة من دول العالم 000ر50 مبشر، وتنفق الولايات المتحدة وحدها سنوياً 700 مليون دولار لنفس الغرض-  تظهر النتيجة من خلال الإحصائية التالية :

- في أسيا : عدد المسيحيين في جنوب آسيا ازداد من 106 مليون شخص في عام 1980 إلى 134 مليون في عام 1993، وفي شرق آسيا ازداد عدد المسيحيين من 16 مليون شخص في عام 1890 إلى 75 مليون شخص في عام 1992، وعلى أثر هذه الدعايات صار الدين المسيحي والذي كان حتى بدايات القرن الحالي دين أمريكا وأوروبا، صار يعتبر الآن ديناً عالمياً ، حيث ينتشر 60% م أتباعه خارج أمريكا الشمالية وأوروبا .

- وفي أفريقيا :  كان عدد المسيحيين لا يزيد حتى بداية القرن الحالي عن عشرة ملايين شخص، أما اليوم فقد وصل عددهم إلى 224 مليون نسمة، وتخطط المنظمات المسيحية العالمية حالياً لإيصال صوتها إلى 240 مليون من اُولئك الذين لم تصلهم الدعاية المسيحية حتى الآن. وفي هذا السباق أعلن البابا جان بول الثاني أن عام 2000 تسود فيه المسيحية جميع سكان أفريقيا(5) .

ووقفت على إحصائية إجمالية جمعت في عام 1996م من المفيد إيرادها هنا لمعرفة الجهود المبذولة من النصارى للتبشير بدينهم، وليعرف المسلم مدى التقصير والتفريط من المسلمين بدينهم، وضرورة تدارك هذا الأمر، وتفادي هذا السيل الجارف ، والمتزايد يوما بعد يوم على بلاد الإسلام، حيث تفصح هذه الإحصائية لعام واحد عن الآتي :

*ما جمعته المنظمات التنصيرية بلغ مبلغاً قدره : (193) مليار دولار أمريكي .

*عدد المنظمات التنصيرية : (23300) منظمة عاملة .

*عدد المنظمات التنصرية التي ترسل منصرين إلى الخارج : (4500) منظمة .

*عدد المنصرين الذين يعملون داخل أوطانهم : (4,635,500) منصراً . أما الذين يعملون خارج أوطانهم فعددهم : (398,000)  منصراً .

*عدد نسخ الإنجيل التي تم توزيعها خلال عام واحد فقط : (178,317,000) كتاباً .

*عدد المجلات والدوريات التنصيرية : (30100) مجلة دورية .

*عدد الإذاعات والمحطات التليفزيونية التنصيرية : (3200)  إذاعة ومحطة تلفزة مختصة بالتنصير .

*عدد أجهزة الكمبيوتر في المؤسسات التنصيرية :  (20,696,100)(6) .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن اليهود لما وقفوا على أهمية الإعلام وتأثيره في حياة الشعوب هبوا للاستئثار به وتصريفه وفق ما يريدون، ولنلمح إلى شيء مما يدل على هذا في مجالات الإعلام المتنوعة :

ففي مجال وكالات الأنباء : وكالة "رويترز" مؤسسها هو: "جوليوس رويتر" اليهودي. ووكالة "أسوشيتد برس " هي شركة تأسست عام 1955 من قبل صحف ومجلات أمريكية تقع معظمها تحت سيطرة اليهود.

وفي مجال الصحافة : اشترى مليونير يهودي يدعى "روبرت ميردوخ " عددا من الصحف والمجلات البريطانية وهي : صحيفة "التايمز" و"الصنداي تايمز" ومجلة "الصن" " و"نيوز أف ذا وورلد" و"سيتي مجازين " ، وفي أمريكا اشترى اليهودي "أودلف أوش " أشهر صحيفة أمريكية وهي "نيويورك تايمز" ، وذلك عام 1896 ، ولليهود سيطرة على صحف أخرى مثل "الواشنطن بوست " و" الديلي نيوز" وغيرهما .

ومن المجلات الأمريكية يسيطر اليهود على عدد منها : كمجلة "التايم " و"نيوزويك "، وفي الصحافة الفرنسية يسيطر اليهود ويؤثرون بوضوح على أشهر صحفها مثل "لوفيقارو".

وهكذا شبكات التلفزة العالمية الشهيرة ، حيث تقع تحت سيطرة اليهود، ومن أشهرها الشبكات الثلاث المسماة : (N.B.S و C.B.S. و A.B.C.) ، فالأولى رئيسها يهودي يدعى : " ليونارد جونسون " ، والثانية رئيسها ومالكها اليهودي : "ويليام بيلي " ، والثالثة يرأسها اليهودي : " الفرد سلفرمان "(7) .

إن وسائل الإعلام تمتلك من خلال ما تبثه القدرة على تغيير نظرة الناس إلى الحياة وإلى العالم من حولهم، من خلال تغيير مواقفهم تجاه الأشخاص والقضايا، فيتغير بالتالي، حكمهم عليها، وموقفهم منها .

وهذا التغيير لا يقتصر على الموقف من الأفراد والقضايا، بل يشمل القيم والسلوك، ، فكثيرا ما قبل الناس، وتعاملوا بلا مبالاة، مع سلوك كانوا يأنفونه ويشمئزون منه، وكثيراً أيضاً ما تخلى الناس عن قيم كانت راسخة، واستبدلوا بها قيماً دخيلة، كانت موضع استهجان فيما سبق .

إن المسألة ليست (هشاشة) ثقافتنا، وقابليتها للاختراق ، ولا ضعف (مناعة) نظامنا القيمي ضد الثقافات والأفكار الأخرى، إننا أمام واقع استهدفت فيه مجتمعاتنا في أَضعف حلقاتها .. أطفالها وشبابها وفتياتها ، إن سياسة (تجفيف المنابع) في بعض البلاد العربية والإسلامية ، وحملات الإثارة الغرائزية والشهوانية التي تقودها (الفضائيات) إضافة إلى انحسار الدور التربوي للبيت ، ومؤسسات المجتمع التربوية الأخرى ، وعجزها عن تحصين الأطفال والشباب أدى إلى هذا السقوط الأخلاقي الذي نشهده والخلخلة التي تهدد نظامنا القيمي والاجتماعي(8) .

إن توحيد الجهود الإعلامية لأمة الإسلام كأمة واحدة في مواجهة هذا الطوفان الهائل أصبح من الضرورات التي لا تقبل التأخير ولا التسويف، وللإنصاف نشير إلى أن هناك جهوداً هنا وهناك، منها ما يحمل أهدافاً سامية، ومنها ماهو تخليط فيه الحق وفيه الباطل، ومن أكبر هذه التجمعات الإسلامية مع علاتها هي منظمة المؤتمر الإسلامي وقد تم من خلالها في مجال الإعلام عقد ست دورات آخرها في 7 و 8 محرّم 1424هـ ( 10 و 11 مارس 2003م) في  القاهرة - جمهورية مصر العربية بما سمي بالدورة السادسة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الإعلام ، وقد حضر هذه الدورة ما يمثل 37 دولة من الدول الإسلامية، كما شارك في المؤتمر من المؤسسات المتفرعة عن منظمة المؤتمر الإسلامي : كالمجمع الفقه الإسلامي ،  ومركز البحوث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) في اسطنبول .

وشارك فيه من المؤسسات المتخصصة التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، كل من : منظمة إذاعات الدول الإسلامية "إسبو" ، ووكالة الأنباء الإسلامية الدولية "إينا" ، والبنك الإسلامي للتنمية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" .كما شاركت بصفة مدعو، منظمة اليونسكو .

وخرج هذا المؤتمر بقرارات في عدة جوانب منها : ماهو بشأن تحديث آليات الاستراتيجية الإعلامية الإسلامية لدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ، ومنها بشأن الإعلام الإسلامي والتقنيات الجديدة للإعلام والاتصال  والفضاء الإعلامي الدولي ، ومنها بشأن البرنامج الإسلامي لتنمية الإعلام والاتصال ، ومنها بشأن مجتمع الإعلام ، ومنها بشأن  الإعلام الإسلامي وقضية القدس الشريف وفلسطين ، ومنها بشأن منظمة إذاعات الدول الإسلامية (إسبو)  بشأن وكالة الأنباء الإسلامية الدولية "إينا" ، ومنها بشأن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة " إيسـيـسـكو "، ومنها بشأن مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) استانبول ، ومنها بشأن تشكيل اللجنة الوزارية للمتابعة(9) .

ومن هذه القرارات أشياء نافعة في جمع الأمة ، وفي الحفاظ على دينها وأخلاقها ، وفي الوقوف ضد مؤامرات أعدائها وتبني قضاياها ، وفي تطوير أدائها وإمكانيتها وتعاون الدول الإسلامية فيما بينها ، وغير ذلك لو أنها أخذت بجد ، ومنها أشياء لا نرضاها ولا يقرها ديننا لكن فكرة الإجتماع والتعاون على الحق من حيث هو أمر مطلوب لهذه الأمة الواحدة ، كما قال ربنا في كتابه الكريم : ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي (92) ﴾ [سورة الأنبياء] ، وقال تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ﴾ [سورة آل عمران] ، وقال تعالى :  ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) ﴾ [سورة الأنفال]

الإعلام الإسلامي والدور المطلوب :

بداية ، فإن ثمة حقيقة يفترض أن نعترف بها، وهي افتقار الصحوة الإسلامية ذات الرصيد الجماهيري، إلى الإعلام الشامل والفاعل والقادر على إيجاد بدائل مسموعة -مرئية- مقروءة، وإن كانت هذه الخطو ة متأخرة وضئيلة مقارنة بمسيرة الإعلام الآخر، إلا أنها ستزرع الأمل بنقلة نوعية فيها ردة الفعل نفسه. وهذه الحقيقة المرة ستظل معضلة حقيقية نعاني معها حتى إيجاد الإعلام الإسلامي المنافس .

وتنحصر رؤية الإعلام الإسلامي تجاه الإعلام الآخر على أنه عدو ويجب بغضه ومقاطعته ، وهو الموقف الأسهل دائماً! إلا أن المقاطعة ستبقى حلاً مؤقتاً، لو ناسب مرحلة زمنية معينة افتراضاً، فإنه لن يناسب المراحل التي ستليها يقيناً، وكان يفترض أن يثمر هذا الموقف - على الأقل - عن دراسات ومشاريع إعلامية مستقبلية تساهم في إزالة الرهبة من خوض التجربة الإعلامية لدى الإسلاميين، وتشعرهم بأن هذا الاهتمام الكبير بالمرأة المعاصرة من قبل الإعلام الآخر، إنما هو تحكم في مستقبل هذه المرأة وصياغة جديدة لاهتماماتها على غير ما نريد! فليس من المنطقي أمام ثورة تقنية ضخمة لوسائل الاتصال أن نربي الجماهير على الانعزال ونحرمها من التكيف الإيجابي عبر إيجاد البديل الهادف الذي يحفظ خصوصيتنا العقائدية والثقافية .

وثمة ملامح أولية لهذا التكيف أوجزها فيما يلي :

1- ضرورة توعية الأمة بأهمية الإعلام والتذكير بأننا أمة قام تاريخها المجيد من خلال وسائل إعلام ومنابر ارتفع منها صوت الخير والنصر والإرشاد .

2- تحريض النخب من الإسلاميين، من ذوي الخبرات المهنية والميدانية، لتقديم رؤاهم ومعالجاتهم، للاتكاء عليها في بداية التجربة .

3- صناعة البدائل الإسلامية في مجال الإعلام بمختلف فنونه، على أن تكون هذه البدائل ملتزمة بالرؤية الإسلامية، ومؤطرة بالمرجعية الشرعية .

4- الرؤية الشاملة للإعلام الإسلامي المنتظر وعدم حصره بالإعلام الديني  البحت.

5- الإلمام بالواقع الذي ينبثق منه الخطاب الإعلامي الإسلامي ويوجه إليه، بمعنى أن يكون إعلامنا تجاه المرأة المسلمة ذا هدف رئيسي ينشد تحقيقه، بحيث يبني شخصية المرأة المتلقية المرنة والمستقلة، القادرة فيما بعد على تفنيد ما تسمعه أو تراه أو تقرأه!(10) .

ولا ريب أن الإسراع في مواجهة الإعلام الاستعماري بجميع انتماءاته , وبما ينطوي عليه من أهوال و أهوال , وفق نظام إعلامي قويم مضاد , هو أول ما ينبغي الشروع فيه , وذلك على عدة محاور أهمها :

- تخطيط إعلامي فعال :

لابد من تخطيط يفي بتحقيق الأغراض المأمولة ويكفل لإعلامنا مواجهة الإعلام الاستعماري على الجهتين الداخلية والخارجية بكفاءة عالية . وبعبارة أخرى لابد أن يستهدف التخطيط صد الهجمات التي يشنها الإعلام الاستعماري ضد عالمنا الإسلامي , وتبيان زيف الدعاوى وبطلان الشبهات التي يروجها عن الإسلام , وكشف الممارسات غير الأخلاقية التي يزاولها ويخطط لها في الخفاء بطريقة ذكية بارعة ، ولا بد أن يستهدف التخطيط أيضا إعادة الثقة وتقوية الإيمان بمصداقية الإعلام الإسلامي التي كاد يفقدها - إن لم تكن قد فقدت بعد - لدى كثير من أبناء أمتنا الخالدة .

وقد أكدنا من قبل في هذا الصدد على ضرورة الإسراع في اعتماد وتنفيذ الخطة الإعلامية الإسلامية التي نوقشت على مستوى القمة الإسلامية الخامسة بالكويت , والتي ما جاءت إلا تأكيداً لأهمية دور التخطيط الفعال في مواجهة الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي وعلى رأسها الإعلام الاستعماري .

فقد تطلبت المواجهة , كما يقول الأمين العام لمنظمة الإذاعات الإسلامية : دراسة وضع استراتيجية (خطة) عمل إعلامي إسلامي تعتمد في منطلقاتها الأساسية على بلاغ مكة , وتأخذ في الاعتبار الثوابت والمتغيرات في مجال العلاقات الدولية الإسلامية , والتحديات الأساسية التي تواجه الأمة الإسلامية ومشكلات العالم الإسلامي , وبخاصة في علاقاته الكبرى وبأعدائه في كل موقع .

إن وضع هذه الاستراتيجية والاتفاق على أهدافها ومضامنيها في إطار مؤتمر وزراء الإعلام سيجعل من المتعين اقتراح مشروعات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى , يتم التنسيق بين الدول الإسلامية في أساليب تمويلها وتبنى بعضها لبرامج محددة في إطار الخطة . كما أن ذلك سوف يختزل التكرار والجهود ويضاعف من مردود بعض الأنشطة , ويمكن أن يتم ذلك ضمن الإمكانيات المتاحة مع الظروف العالمية السائدة وانعكاساتها السلبية القائمة ...

ونعتقد مع الأمين العام للمنظمة أن الترجمة العملية والتجسيد الواقعي للإستراتيجية المقترحة , ولخطط تنبثق عنها , تكمن في نشاط اللجنة الدائمة للإعلام والشؤون الثقافية بدكار , وتكون الآلية التنفيذية في جزء كبير منها هي منظمة إذاعات الدول الإسلامية ووكالات الأنباء الإسلامية وفي إطار وزراء الإعلام "(11) .

والسؤال هنا : أين الخطة الإعلامية الإسلامية المذكورة من الناحية التطبيقية ؟ وهل قامت المنظمة والوكالات بتنفيذ جزء صغير منها , ناهيك عن الجزء الكبير الذي توقعه الأمين العام لها ؟ .

إن محور التخطيط الإعلامي لا يقف عند حدود الدراسة والاعتماد , وإنما يجب أن يتجاوزها إلى مجال العمل والتنفيذ , وإلا فقد معناه قبل أن يفقد جدواه .

- توحيد القوى الإعلامية :

ومن المعلوم أن القيام بخطوات جريئة وأعمال إيجابية يتطلب , إلى جانب التخطيط المنظم واتخاذ القرارات الحاسمة , قوة إعلامية موحدة .. فنحن في عصر القوة الذي ينادي ويقرر أن البقاء فيه للأقوى , وهذه وإن كانت حقيقة مدمرة إلا أنه يجب علينا أن ندرك أبعادها وأن نخوض غمارها , وإلا أصبحنا هملا مهملين .

صحيح أننا نمتلك القوة المعنوية المستمدة من ديننا الحق , ولكن الحق لا يكفي ليدفع عدوان الباطل عنه , وإنما يحتاج إلى قوة مادية تحفظه وتدافع عنه .

ونعتقد أن جزءا كبيرا من قوتنا هذه تكمن في وحدتنا .. نحن المسلمين .. وعلى قدر ما تكون كلمتنا واحدة يكون نصرنا وانتصارنا على أعدائنا , وعلى العكس من ذلك نجني ثمرات تفرقنا وخيبتنا وهي خسارة كبرى مدمرة لكياننا .

على أن تحقيق هذه الوحدة ليس مطلبا عسيرا بعيد المنال , متى صحت الإرادة وحسنت النوايا , وأحس كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية بالأهوال الناجمة عن التفرق والاختلاف , وبالقوة التي يضمنها لنا التماسك والائتلاف .

فلندع , أو نحاول أن ندع من الآن , الأهواء والأغراض والمطامع الشخصية التي لا تخدم قضايا أمتنا الإسلامية جانبا , وأن نفيء إلى أمر الله ونحتكم إلى كتابه . عند ذلك , وإن غدا لناظره قريب , نجد أنفسنا قوة واحدة تجاهد من أجل كلمة واحدة هي : لا اله إلا الله (12)

- دعم الجهاد إعلاميا :

وعلى ذكر الجهاد نقول: إنه لا يليق بنا أن نقف متفرجين مكتوفي الأيدي ومكممي الأفواه في خضم ما تشهده الساحة الدولية من صراع ونزاع ومن اعتداءات بين الفينة والفينة , بل إن إقامة شرع الله لا يمكن أن تتم إلا بولوج هذا السبيل , أعني سبيل الجهاد بجميع أنواعه , والجهاد بالنفس أولها بطبيعة الحال .

ولاشك في أن لوسائل الإعلام بخاصة وقنوات الاتصال بوجه عام قوة هائلة تكمن فيها , يتحتم علينا استغلالها في تشجيع هذا الجهاد إلى أقصى حد ممكن , رغم أن الجهاد نفسه من أعظم مظاهر الإعلام الإسلامي , بل إنه أعظمها على الإطلاق , لكونه يعبر تعبيراً موضوعيا مباشرا عن قوة هذا الدين وصلابة أتباعه.

ولذلك فإن من المهام الجليلة التي يمكن أن يضطلع بها رجال الإعلام في العالم الإسلامي : ما يتمثل في بث الروح الفدائية في كيان المسلمين , وفي دعم الجهاد والمجاهدين ماديا ومعنويا , والدعوة إلى التبرع لهم بكل غال ورخيص .

 وينبغي معرفة لوازم المواجهة ومن ذلك معرفة سلوك الخصم وأسلحته ووسائله وأساليبه , وتعرية مبادئه ونظمه وأفكاره التي يرتكز عليها وينطلق منها , وكشف مدى وهنها وخفتها في ميزان العقل والشرع القويم .

وأخيرا , فإن المواجهة على تلك المحاور , بالإضافة إلى مراعاة الحاجة الملحة إلى إحداث التطوير السريع والتغيير الواعي في مجال الإعلام , بصورة تتماشى مع التنمية الشاملة .. كل ذلك بلا ريب يكفل لنا ولإعلامنا في هذه المرحلة العصيبة , مواجهة الإعلام الاستعماري بجميع أشكاله وانتماءاته مواجهة تستند على أرضية صلبة , وتقوم على أساس متين محكم البناء(13) .

   والحمد لله رب العالمين

 

إعداد / سمير عبدالرحمن الشميري

-------------------

(1) راجع : قاموس المورد - لمنير البعلبكي .

(2) الاستعمار ’’حركة إجماعية ترمي إلى غرض مشترك , تحقيقا لدعوى واحدة تدعيها أمم متعددة في فترة محدودة , لها عواملها وأسبابها التي لم تجتمع قط لحركة إجماعية من قبلها , فلا استعمار بهذا المعنى قبل الاستعمار المعروف في القرون الأخيرة‘‘ . يراجع كتاب : لا شيوعية ولا استعمار - للأستاذ : عباس العقاد - المجلد 13 من مؤلفاته الكاملة - طبعة دار الكتاب العربي ,- بيروت - ص :461 .

(3)  الإعلام إبداع وابتكار : ( مقابلة صحفية ) - صحيفة المدينة  - 25/ 1 / 1418هـ، نور الحق إبراهيم .

(4)- النشاطات الإعلامية لأعداء الإسلام في العالم  - علي مرتضى الزبيدي - مجلة دار إسلام العددان 11 - 12 السنة الرابعة ـ شباط 1996م /شعبان 1416.

(5)- نفس المصدر السابق .

 (6)- ماذا قدمت لدين الله - إعداد دار الوطن - موقع صيد الفوائد - من كتاب : ليس عليك وحشة .

(7)-  القنوات الفضائية- شرور وسموم - المؤلف:  عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر - الثلاثاء 20 ذو القعدة 1424 هـ. انظر : موقع صيد الفوائد ، وشبكة فيفاء الإسلامية ، وموقع كلمات .

(8)-  وسائل الإعلام هل تهدد نظامنا القيمي والإجتماعي - د. محمد الحضيف - موقع الدكتور محمد الحضيف © 1424 هـ .

(9)- الدورة السادسة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الإعلام،القاهرة - جمهورية مصر العربية ، 7 و 8 محرّم 1424هـ ( 10 و 11 مارس 2003م).

(10) -  لها أون لاين  جميع الحقوق محفوظة © 1423هـ   الموافق2003م14/08/1424 هجري الموافق 10/10/2003 ميلادي

(11) - استراتيجية الخطة الاعلامية الاسلامية أمام القمة , تحقيق في صحيفة الشرق الأوسط , العدد 2969 , بتاريخ 27/ 5/ 1407هـ .

(12) - نحن في عالم الصراع بين الشرق والغرب - مقال للباحث في صحيفة الشرق الأوسط , العدد 2982 , بتاريخ 28/ 3/ 1406هـ .

(13) - الإعلام إبداع وابتكار - ( مقابلة صحفية )  - صحيفة المدينة :25/ 1 / 1418هـ ، نور الحق إبراهيم .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
صور من كيد الكافرين لمحاربة الإسلام في مجال التعليم
د. حيدر بن أحمد الصافح
الخميس 7 فبراير 2013

 

 

صور من كيد الكافرين لمحاربة الإسلام في مجال التعليم

 

بحث مقدم إلى ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

 

وبعد: فإن الحملة الصليبية التي تقودها أمريكا اليوم على العالم الإسلامي ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد سبقتها حملات جندت فيها أوروبا الصليبية كل جيوشها وحشدت كل قواها وإمكانياتها من أجل استئصال المسلمين، ومحو عقيدتهم ودينهم، ولكنها كانت تجني في نهاية المطاف الفشل الذريع، والخسران المبين، ويصدق فيهم ما قاله الله في إخوانهم السابقين: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً  [الأحزاب: 25] ، ولكن طبيعتهم العدوانية تغريهم بمحاولات إثر محاولات لتحقيق أهدافهم وتنفيذ أحقادهم، فهم لن يكفوا عن القتال والصراع كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة:217].

 

وهؤلاء الأعداء يستخدمون في معركتهم كل الأسلحة لأن المعركة شاملة، مادية ومعنوية، ومن أخطر الأسلحة التي يستخدمونها لهدم الأمة وإفسادها وطمس هويتها، وتغيير قناعاتها، إفساد التعليم، وهذا الأسلوب ليس بجديد بل هو قديم جديد، فلقد عمل الصليبيون بكل خبث ودهاء عن طريق الاستعمار والتبشير والاستشراق في وضع إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى مسخ التعليم الديني، وفصل الدين عن الحياة، ولقد تمكنوا من وضع برامج التعليم في المدارس والجامعات من المغرب العربي حتى جاوه في الشرق، وصبغوا التعليم بالصبغة الغربية الباهتة، وأصبح تاريخ بريطانيا وفرنسا وأمريكا ينال من الحصص الدراسية أكثر بكثير من تاريخ العروبة والإسلام، وفاقت حصص اللغة الأجنبية اللغة العربية، وحورب التعليم الديني، وضيق الخناق على مدرسيه ومؤسساته ودارسيه، وانتشرت المدارس الاستعمارية في معظم ديار المسلمين، وشجع الاستعمار وخطط ومول ودعا لاختلاط الجنسين من الذكور والإناث في كافة مراحل التعليم.

 

فلا غرابة إذن أن تطالب أمريكا اليوم وهي تقود الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، بإلغاء التعليم وتغيير المناهج في العالم الإسلامي، لأنهم يرون أن الأمة لم تمت ولم تتخل عن دينها إذ لا تزال صامدة مقاومة مجاهدة تستعصي على الذوبان، وتستعلي بإيمانها على كل الجراحات والانكسارات، لن تتخلى عن دينها وقيمها وأخلاقها، فلا تزيدها الأزمات والتحديات إلا إيماناً وثباتاً.

 

وهذا بحث عن مؤامرات الأعداء على التعليم، حاولت أن أربط فيه بين الماضي بالحاضر، وأجمع ما تفرق من تصريحات لهم وكشف بعض أساليبهم، لتكون الأمة على وعي بما يسعى إليه الأعداء وما يريدونه منها، علها تحس بالخطر فتستيقظ من غفلتها وتقوم بواجبها في نصرة دينها وحماية حصونها الفكرية والعقائدية، وإنما يكسب المعركة في نهاية المطاف الأطول نفساً والأكثر صبراً والأعمق فكراً والأصدق إيماناً وعملاً، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 21] .

 

1 ـ منزلة العلم والعلماء في الإسلام:

 

العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم، وهو عبادة من أجل العبادات التي يتقرب بها العباد لربهم وخالهم، ومما يدل على مكانة العلم ومنزلته في الإسلام، أن أول ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله الله عز وجل: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق:1-5] ، وفي هذا دلالة واضحة على عظمة ومكانة العلم في حياة البشر، والعلم في مصطلح القرآن والسنة إنما يعني الوحي، إذ العلم بهذا الوحي تحصل به الحياة ويعيش الناس في نور وعلى هدى، ولهذا سمى الله كتابه ورسوله روحاً ونوراً كما قال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة:15-16]، وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 52-53] إن الإسلام قد عنى بالعلم أبلغ العناية وأتمها، دعوة إليها وترغيباً فيه، وتعظيماً لقدره، وتنويهاً بأهله، وحثاً على طلبه وتعلمه وتعليمه، وتوضيحاً لآثاره وترهيباً من العقود عنه، والإعراض عنه وعن أهله وذويه.

 

فالعلم في الإسلام مقدم على العمل كما قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد: 19] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، فأهل العلم أحياء مبصرون ومن عداهم في حكم الموتى عمي لا يبصرون كما قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الرعد:19] هذا العلم به بعث الله أنبياءه ورسله فقال: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد:25] فالعلم والإيمان صنوان لا يزدهر الإيمان إلا في ظل العلم، ولا يزول الإيمان ويختفي إلا في بيئات الجهل والظلام والضلال، وقد جاءت الآيات.

 

والأحاديث النبوية الكثيرة التي تبين فضل العلم وأهميته ومنزلة العلماء، وقد نبهت الأحاديث الكثيرة بأن الحياة بغير هذا العلم لا يستحق البقاء، وأن ضياعه نذير بخراب الدنيا، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل – وفي رواية – يقل العلم ويكثر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنى»(1) وإنما يذهب العلم بذهاب أهله من العلماء الربانيين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، كما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»(2) ، بالعلم يفقه الناس سر وجودهم وبه يعرفون ربهم ويعرفون رسولهم ويعرفون أحكام دينهم، ويهتدون إلى حقيقة أعدائهم ويقفون على عناصر القوة والعزة والاستخلاف والتمكين، وبه يقفون على عناصر الضعف والهوان والهزائم. ولقد أدرك أعداء الإسلام منذ القدم أن سر القوة تكمن في هذا الدين العظيم وأن المسلمين أقوياء ما علموا دينهم وعملوا به، فأخذوا يفكرون ويدرسون الكيفية والطريقة التي يتمكنون من خلالها من تجهيل المسلمين وإبعادهم عن مصادر قوتهم، فاختاروا التجهيل باسم العلم طريقاً لهم.

 

2 ـ أهمية التعليم في صياغة العقول وتغيير النفوس:

 

لقد أدرك أعداء الإسلام ما للتعليم من أهمية بالغة في صياغة العقول والنفسيات، ولهذا فقد كان نظام التعليم الغربي الذي فرضوه على الممالك الإسلامية إبان احتلالها في بداية القرن الماضي ولا يزال يؤدي وظيفته في معظم البلدان الإسلامية، كان هذا التعليم يهدف إلى القضاء على الأمة الإسلامية وإبادتها، فمن خلال صراعهم الطويل مع المسلمين في الحملات الصليبية لم ينالوا بغيتهم ولم يحققوا هدفهم بقوة السلاح والقتال بل كانوا يهزمون ويكسرون على أيدي المسلمين في نهاية المطاف، فلجئوا بعد دراسة ونظر إلى تغيير إستراتيجيتهم القديمة الممقوتة التي كانوا يتبعونها في إبادة الشعوب عن طريق القوة العسكرية إلى أسلوب آخر عرف فيما بعد بالغزو الفكري والذي يؤدي إلى مسخ الهوية وترويض الأسود في البلاد الإسلامية، فأسسوا لهذا الغرض مراكز كثيرة باسم الكليات والجامعات ومراكز البحث العلمي. وبهذه الطريقة وحدها استطاعوا أن يسيطروا على العالم الإسلامي. ولقد استطاع أحد العلماء الهنود أن يصور هذه الحقيقة بقوله: يالبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريق لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ!!

 

ثم بيَّن الفرق بين ساسة الشرق والغرب حيث قال: إن أهل الشرق يقضون على العدو بشدخ رأسه، ولكن الغرب يغير طبيعته وقلبه؛ أي عن طريق العلم والتعليم وصياغة البرامج والمناهج التي تدرسها الأجيال. وهذا خطر داهم لا ينتبه له إلا القلة المؤمنة الواعية المدركة.

 

لقد صرح محمد إقبال ـ رحمه الله ـ وقد اكتوى بنار نظام التعليم الغربي فقال محذراً: إياك أن تكون آمناً من العلم الذي تدرسه، فإنه يستطيع أن يقتل روح أمه بأسرها.

 

ويقول أيضاً وهو يروي مدى ما أحدثه نظام التعليم الغربي من انقلاب هائل في المفاهيم والقيم والأخلاق يقول رحمه الله: إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكونها كما يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيميائية، هو الذي يستطيع أن يحول جبلاً شامخاً إلى كوم تراب. ويقول أيضاً: إن نظام التعليم الغربي، إنما هو مؤامرة على الدين والخلق والمروءة(3).

 

3 ـ كيد الكافرين ومخططاتهم في تدمير التعليم:

 

إن أمريكا والغرب معها يدركون جيداً أن التعليم هو المدخل للسيطرة على الفرد وعلى الأمة وكان الأساس في بناء الدولة العثمانية في أوروبا، ففكرة العلاقة بين الهيمنة والتعليم في الغرب أساسية، لذا فهم يحاولون الهيمنة والسيطرة والإخضاع عبر التعليم، عبر تغيير مناهج التعليم الديني في مصر والسعودية وباكستان واليمن وعبر القضاء على المدارس الدينية والجمعيات الخيرية التي تدعمها. ويغري أمريكا صداقتها الحميمة للأنظمة القائمة في هذه البلدان، لأنها تحاول توظيف هذه الصداقة في تغيير هوية الأمة وتدجينها ثم السيطرة على ثرواتها واحتلال أراضيها بعد أن تحتل قلوبها وعقولها(4).

 

ولمَا للتعليم من أهمية فقد كان أول شيء يقوم به الأعداء المحتلون في البلاد الإسلامية هي استيلاءهم على مراكز التعليم ووضع الخطط والبرامج التي تخدم أهدافهم وتحقيق غاياتهم، ولم يكن الأمر سراً بل إنهم يعلنون عن أهدافهم الخبيثة بألسنتهم وما تخفي صدورهم أكبر ويحسن أن ننقل عدداً من تصريحاتهم قديماً وحديثاً من خلال مؤتمراتهم التي يتآمرون فيها ويكيدون والله أعلم بما يوعون، ففي مؤتمر تبشيري عقد في القاهرة سنة 1906م اشتكى المبشرون من فشل عملهم في أوساط المسلمين وعجزهم عن التأثير في قلوبهم، فقام القسيس الدكتور صمويل زويمر ـ وهو متعصب حاقد أثيم ـ فقال : (إنه ليس غرض التبشير التنصير فقط، ولكن أقصى ما يجب على المبشر عمله، هو تفريغ القلب المسلم من الإيمان بالله) ثم قرر لهم أن أقصر طريق لذلك هو اجتذاب الفتاة المسلمة إلى مدارسهم بكل الوسائل المكنة، لأنها هي التي تتولى عنهم مهمة تحويل المجتمع الإسلامي وسلخه من مقومات دينه. وقال مخاطباً المبشرين في مؤتمر القدس الذي عقد سنة 1935م إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين: (لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر – من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا ـ على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير، والكنائس، والجمعيات، والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوربية والأمريكية، والفضل إليكم وحدكم أيها الزملاء، إنكم أعددتم له بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد. إنكم أعددت شباباً في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار، لا يتهم للعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز فللشهوات، ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء(5).

 

ويقول المبشر تكلي: (يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني لأن كثيراً من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن، حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية)(6).

 

وهكذا تتوالى الجهود الإجرامية، وتظهر تصريحاتهم العدوانية، وهاهم اليوم يعيدونها جذعة، ويقومون بغارة مكثفة لطمس نور الله، ﴿ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [التوبة:32] .

 

4 ـ قلق وخوف الصليبيين من الإسلام وقوته وانتشاره:

 

إن أعداء الإسلام يرون أن الإسلام هو القوة الوحيدة التي تقف أمهامهم، يقول لورنس براون: (إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي).

 

ويقول جلادستون رئيس وزراء بريطانيا في حينه ورئيس حزب الأحرار البريطاني: (مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق).

 

ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مئة سنة على احتلال الجزائر: (إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرأون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن تزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم).

 

ويقول بن غريون رئيس اليهود في حينه : (إن أخشى من نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد)(7).

 

 ويقول مورو بيرجر في كتابه (العلم العربي المعاصر): (إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام، يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب، التي تؤدي إلى قوة العرب، لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره. إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر في القارة الأفريقية)(8).

 

ويقول غلادستون: (ما دام هذا القرآن موجوداً، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أماكن كما رأينا)(9).

 

ويقول المستشرق جب محذراً من المدارس الإسلامية في كتابه (وجهة نظر الإسلام): (... ومع أن الوحدة الإسلامية قد انتهت من الناحية القانونية الرسمية، ومع أن الثقافات القومية قد أخذت مكانها في المدارس، ومع أن الفوارق الاجتماعية قد أصبحت أكثر وضوحاً، ومع أن الثقافة الدينية التقليدية قد أصبحت محصورة في عدد قليل محدود، ومع ذلك كله فالمعاهد الدينية نفسها لا تزال قائمة، ولا يزال حفاظ القرآن ودارسوه كما كانوا، لم ينقص عددهم، ولم يضعف سحر آيات القرآن وتأثيرها على تفكير المسلمين، وربما كان تقديس شخصية محمد وما يثير ذكره من حماس في سائر المسلمين على اختلاف طبقاتهم من أهم ملامح النهضة الإسلامية الحديثة)(10).

 

ويقول المبشر وليم جيفورد بالكراف: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيداً عن محمد وكتابه)(11).

 

من صور كيدهم:

 

هذه التصريحات الحاقدة تدل على ما تطفح به نفوسهم من الحقد والعداء والكراهة للإسلام والمسلمين ولقد وضعوا برامج عملية لضرب الأمة الإسلامية في صميمها وتحطيم مقوماتها العقائدية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ولقد كان التركيز شديداً على هدم التعليم الإسلامي، إذ كان يتصدر أعمالهم، وقد سلكوا في ذلك طرائق وخطوات يمكن بيانها في النقاط الآتية:

 

أ ـ استيلاءهم على مؤسسات التربية والتعليم في البلدان الإسلامية:

 

إن ما فرضته القوى الصليبية الاستعمارية من مناهج على الشعوب الإسلامية لم يعد خافياً لكل من عاصر تاريخ الاستعمار البغيض في مختلف الأقطار الإسلامية، فقد وضعوا المناهج الدراسية وأشرفوا على كل المؤسسات التعليمية وألزموها بتدريس مناهجهم وتبني فلسفاتهم في التربية والتعليم والتي تؤدي بدورها إلى تربية أجيال من أبناء المسلمين تدين بالولاء والطاعة للمستعمرين، وتنسلخ عن ولائها للإسلام وولائها لأمتها الإسلامية، وتقتبس القيم والعادات والمفاهيم وكل أنواع السلوك الذي يأتي به المستعمرون، ومن أمثلة ذلك ما قام به الفرنسيون إبان احتلالهم للجزائر، فقد قاموا بمحاولات للقضاء على التعليم الإسلامي، وفرض التعليم الفرنسي الاستعماري، لجعل الجزائر جزءاً من فرنسا، وإبعاد المجتمع الجزائري عن كل ما هو إسلامي وعربي.

 

وكذلك فعلوا في المغرب حيث فرضوا تعليماً علمانياً يهدف إلى غرس وتربية الولاء الكامل لفرنسا في أبناء الشعب المغربي العربي المسلم، ويتحلل من ولائه لدينه وقومه.

 

وأسسوا مدارس أبناء الأعيان في الحضر، ومدارس فلاحية في البوادي يتعلم فيها الأطفال الفرنسية بالدرجة الأولى، وهمشوا وضيقوا على تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، وتولى التعليم في تلك المدارس فرنسيون وأقلية ضئيلة ممن يرضون عنهم من المغاربة.

 

وفي شبه القارة الهندية كان التعليم مرتبطاً بالعلماء المسلمين، وللعلماء تأثير كبير على جمهور الأمة وبخاصة المتعلمين، غير أن الاستعمار الإنجليزي لم يرق له ذلك، وقام بإقفال المدارس الإسلامية الموجودة في الهند، وعمل على فتح مدارس جديدة بديلة عنها، وأدخلت في هذه المدارس المبادئ الغربية والمناهج العلمانية، وأصدروا قراراً بإيقاف تعليم العلوم الإسلامية وحلت اللغة الإنجليزية محل اللغة الفارسية، وكان اللورد (ماكولي) هو العقل المدبر لذلك، ولقد عبر عن هدفه من ذلك التغيير في المناهج سنة 1832م بقوله: (إن ما كان يقصد إليه لم يتعد خلق طبقة من الناس هنود من لونهم إنجليز في أفكارهم واتجاهاتهم).

 

ب ـ محاربة التعليم الإسلامي:

 

اتخذ الاستعمار البريطاني لمصر سنة 1882م من مديونية عصر الخديوي إسماعيل سبباً لإغلاق المدارس، ومناهضة التعليم ومحاصرته في أضيق نطاق ثم صبغه بالصبغة الإنجليزية، فأصبحت اللغة هي لغة التدريس.. ثم ركزوا عداؤهم على الأزهر والمعاهد الدينية التي كانت تغذي الأزهر بالطلاب، وقرروا القضاء على التعليم الإسلامي والأوقاف الإسلامية، لقناعتهم أن أعظم وسيلة لإبعاد المسلمين عن دينهم هو أن يكونوا جهالاً به، واتعظوا بمصير (كليبر) الحاكم الفرنسي لمصر أيام احتلال نابليون الذي قتل على يد طالب الأزهر سليمان الحلبي، ثم بما لاقاه الاستعمار الإنجليزي من مقاومة جهادية في الهند وأفغانستان والمغرب وغيرها وكان زعماء الحركات الجهادية هم علماء الشريعة فوضعوا المخططات الماكرة لتقليص التعليم الديني تدريجياً وإحلال التعليم اللاديني محله، وأشهر هذه المخططات الإجرامية مخطط كرومر الحاكم الفعلي لمصر أيام الاحتلال، فقد عين كرومر المستشار الإنجليزي القسيس دنلوب لوزارة المعارف المصرية، فوضع سياسة تعليمية بعيدة المدى دقيقة الخطى في القضاء على الأزهر ومعاهده وكتاتيب القرآن، ووضع نموذجاً خبيثاً للدس على الإسلام وتشويه تاريخه من خلال المناهج التعليمية، بحيث يضمن إبعاد التلاميذ عن دينهم واحتلال عقولهم بالأفكار الاستعمارية وإفساد أخلاقهم وتغيير طباعهم والتنكر لدينهم وأمتهم والولاء المطلق للاستعمار، ولا أدل على نجاح هذه الخطة من بقاء آثارها إلى اليوم في مصر والدول العربية عامة.

 

وفي السودان كان المستعمرون يمارسون أقسى أنواع الظلم والاضطهاد ضد أنشطة المعاهد الدينية والقائمين عليها إلى درجة أنهم شنقوا اثنين من القادة الدينيين على مشهد من الجمهور، أحدهما من شمال السودان والآخر من أواسط السودان، وكانت التهمة الموجهة لهما في الأعمال الهدامة أو المناوئة للحكم(12) ولقد تلاقت أفكار الصليبيين سواء أكانوا إنجليز أم فرنسيين أم أمريكان وغيرهم على تبني هذه السياسة تجاه التعليم في كافة البلدان العربية والإسلامية التي احتلوها أو كاهن لهم نفوذ بها.

 

وتتضح ملامح المخطط الإجرامي في تقرير كرومر لسنة 1906م والذي جاء فيه:

 

(إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزاً في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدراً عظيماً من غرور التعصب الديني!! ولا يصيبون إلا قدراً ضئيلاً من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطوة جليلة الخطر. ولكن إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسر تحقيقه فحينئذ يصبح الأمل محصوراً في إصلاح التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام أحد أمرين: فإما أن يتطور، وإما أن يموت ويختفي)(13), ولقد نفذوا ما صرحوا به وعلموا على تضييق الخناق على التعليم الإسلامي والمدارس الإسلامية ولا سيما الأزهر، فقد ركزوا على شيئين:

 

أحدهما: التطويق من الخارج وذلك بالسخرية من الأزهريين المعممين والتندر بهم، وتسفيههم واتهامهم بالتحجر والجمود، وعدم فتح الفرص الوظيفية أمامهم وغير ذلك.

 

وثانيهما: هو التطوير من الداخل وذلك بتغيير مناهجه، ومصادرة أوقافه والتدخل في تعيين شيوخه وقبول طلابه على أسس علمانية.. ولقد نجح الأعداء إلى حد كبير وكان هذا أحد المحاور التي وضعها كرومر ودنلوب.

 

وأما المحور الآخر فهو فتح المدارس والكليات والجامعات الاستعمارية فقد فتح دنلوب مدارس حكومية ابتدائية تدرس العلوم المدنية، وتعلم اللغة الإنجليزية ـ لغة الاستعمار ـ وتخرج موفين كتبة في الدواوين والوزارات التي يحتلها ويديرها الإنجليز، يقبضون رواتب مغرية تعد بالجنيهات لا بالقروش، ولم يكن الأمر بحاجة إلى مزيد من الإغراء، فمن ذا الذي سيبعث بابنه بعد اليوم إلى الأزهر إلا الفقراء العاجزون عن دفع المصروفات، وهو يريد له المستقبل المضمون في وظيفة الحكومة حيث يرطن بلغة السادة المستعمرين؟

 

وانصرف الناس القادرون ـ من ذوات أنفسهم ـ عن الأزهر، واتجهوا إلى مدارس الحكومة بعد الثورة الأولى التي أثارها الحس الباطن المسلم على هذه المدارس الكافرة التي لا تعلم القرآن ولا تعلم الدين، وأصبح هؤلاء المتعلمون طبقة جديدة تستمد طبقيتها من أنها من أبناء الأسر أولاً، ومن مركزها الاجتماعي في وظيفة الحكومة ثانياً، ومن التشجيع الظاهر والخفي الذي تلقاه من سلطان الاستعمار بعد هذا وذاك.

 

وبالإضافة إلى هذا الأسلوب السيئ المتعمد لم يشأ دنلوب أن تخلو المدارس تماماً من الدين ـ ولو فعل ذلك لكان أفضل ـ بل قرر مادة (دين) لكنه جعلها مادة ثانوية في قيمتها الدراسية، ثم إن حصصها كانت توضع في نهاية اليوم الدراسي وقد كل الطلاب وملوا وحنوا إلى الانفلات والخروج من سجن المدرسة البغيض إلى فسحة الشارع أو رحب البيت، وكانت هذه الحصص توكل إلى أسن مدرس في المدرسة، يسعل وينفل، ويمثل أمام التلاميذ ضعف الحياة الفانية المنهارة.. فيرتبط في وجدانهم بالعجز والفناء والشيخوخة، كما يرتبط بالملل والضجر والنفور.

 

وقرر كذلك ـ لغاية خبثه ـ مادة (لغة عربية) وفي الوقت الذي كان فيه مدرس اللغة الإنجليزية يتقاضى مرتباً شهرياً اثني عشر جنيهاً كاملة، كان زميله مدرس اللغة العربية لا يقبض سوى أربعة جنيهات، مما جعل الفرق بينهما في المكانة الاجتماعية شاسعاً، وجعل اللغة العربية في ذاتها موضع الاحتقار والازدراء، وليس أنكى من ذلك إلا المناهج التي كانت تدرس في مدارس الحكومة والتي كانت مملوءة بالطعن والسموم فيما يتعلق بالإسلام وتاريخه وحضارته، ومفعمة بالتقدير والإكبار الذي يصل درجة التقديس فيما يتعلق بأوروبا وتاريخها وحضارتها(14).

 

لقد تدخل الأعداء في التعليم الوطني ووضعوا المناهج الرامية إلى سلب القرآن والدين واللغة العربية والتاريخ والحضارة الإسلامية ليبقى التعليم علمانياً لا دينياً، يخرج جيوشاً من العلمانيين الذين ليسوا مسلمين ولا نصارى ولا يهوداً ولكن مسخاً من البشر مشوهين في أفكارهم وعقائدهم(15).

 

ج ـ فتح المدارس والكليات والجامعات الخاصة بهم:

 

وثالثة الأفاعي التي سلكها المستعمرون المحتلون للبلاد الإسلامية هي فتح المدارس والكليات والجامعات الخاصة بهم في سائر البلدان والعواصم الإسلامية التي احتلوها وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر مؤلفا كتاب التبشير والاستعمار في البلاد العربية الذين عرضا مشكورين جهود الدول الاستعمارية الصليبية في إخضاع البلدان الإسلامية بطرق متعددة ومن أهم طرقهم التعليم، فقد عقدا فصلين في كتابهما بعنوان (التعليم ميدان فسيح للتبشير) خصصوا أحدهما عن التعليم العام في المدارس القائمة في البلدان الإسلامية، وقد سبق الإشارة على استيلائهم على المدارس العامة ووضع سياستها وبرامجها.

 

والفصل الآخر عن المؤسسات والكليات والجامعات الخاصة، وقد ذكرا عدداً من المدارس والكليات والجامعات الخاصة وقد ذكرا عدداً من المدارس والكليات والمعاهد الصليبية التي أنشأها الاستعمار في الشام ولبنان وتركيا ومصر والهند ولا زالت حتى اليوم تؤدي دورها التخريبي، ويكفي أن نذكر بعض الأسماء فقط: منها مدرسة عيية لبنان، وكلية روبرت في استانبول، والجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة وغيرها من البلدان وسائر المدارس الأمريكية، وكلية غوردن في الخرطوم، والمؤسسات الإفرنسية التي تقوم بالدور ذاته في البلدان التي كانت تحت احتلالها(16). ولقد عقد المبشرون الصليبيون مؤتمرات عديدة للتأكيد على هذه السياسة، سياسة فتح المدارس الصليبية أو ما يطلقون عليه التبشيرية وانتشارها في البلاد الإسلامية(17) وقد كانت في البداية سبيلاً لتنصير المسلمين.. وعلى هذا نصت بعض مؤتمرات التبشير، ولكنهم بعد فشلهم في تنصير المسلمين أخذوا بنصائح زويمر.. إذ لم يعد مطلوباً إدخال المسلمين إلى المسيحية إنه يكفي إخراجهم من الإسلام. وعلى هذا تعمل المدارس والمعاهد والكليات والجامعات والمراكز الأجنبية في البلاد الإسلامية وحتى هذه اللحظة، ولعملائهم وتلامذتهم من المنافقين والمنافقين أكبر الأثر في إضفاء الشرعية على أنشطتهم الاستعمارية تحت شعارات ومسميات خادعة ومضللة كمراكز تطوير التعليم، والمشاريع التربوية والدراسات النفسية والاجتماعية.

 

د ـ الابتعاث إلى الخارج:

 

يحرص المستعمرون على العناية بالخريجين الذين تخرجوا من مدارسهم وكلياتهم وتربوا على أفكارهم، ومن أوضح ماهر حرصهم ابتعاث هؤلاء إلى الدول الغربية خارج الحدود الإسلامية، بحيث يحققون من خلال ذلك عدداً من الأهداف منها: إبعاد المبتعثين عن دينهم وأمتهم وتجهيليهم بتاريخهم وعزلهم عن واقعهم. ومنها: غرس قيم الغرب المادية في نفوسهم وصبغهم بها وتطبيعهم عليها، ثم يصير التطبع طبعاً مع الزمن وينسلخ الطالب تدريجياً عن قيمه ومبادئه، ويكون هؤلاء المبتعثون تحت عناية ورعاية الدوائر الصليبية، فيصنعون منهم عباقرة وزعماء بحيثي يعيدونهم بعد ذلك إلى بلدانهم لتنفيذ المخططات والبرامج التي تضعها دوائر الصليبية والصهيونية، ولقد بدأ هذا الاهتمام مبكراً حين تم ابتعاث رفاعة الطهطاوي وطه حسين وأضرابهم ممن صنعوا على عين قوى الاستعمار، وعادوا إلى بلدانهم ينعقون كالغربان بشعارات الأعداء وينفثون سمومهم في أوساط المسلمين، ويدعون إلى السير والاقتداء بأوروبا في كل شيء والانسلاخ عن الإسلام والعروبة، والملاحظ أنه يمكن لهؤلاء في بلدانهم وتتدخل الدول الصليبية عن طريق سفاراتها في عواصم العروبة والإسلام لتعينهم على أعلى المناصب ليقوموا بالواجبات المطلوبة منهم في تدمير المجتمعات وتغيير هويتها بشتى الوسائل والأساليب، وهذه السياسة قائمة ومستمرة حتى اللحظة(18). وما الدعوة التي أطلقتها أمريكا اليوم في حملتها الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي والمطالبة بتغيير المناهج من قبل عملائها وركائزها في المنطقة إلا دليلاً واضحاً على ضخامة الجريمة الموكلة لعلمائهم وتلامذتهم، ويتحرك المنافقون في حماس منقطع النظير في تنفيذ الطلب مع محاولتهم إظهار الغيرة على مصالح الأمة وتطويرها ويختلقون المبررات والأعذار لإقناع المسلمين بوجوب التغيير والتطوير. والحقيقة التي أصبحت واضحة لكل مؤمن ومسلم أن هؤلاء منافقون مردوا على النفاق لم تعد أساليبهم تخفى إلا على العميان، فقد أهلك الله أستارهم وكشف سوءاتهم فأصبحوا في العراء ظاهرين على حقيقتهم مهما تدسسوا وغالطوا وحلفوا الأيمان المغلظة بأنهم مسلمون يعملون لصالح الإسلامية وأهله فهم كما قال الله عنهم: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ [التوبة: 56-57] .

 

هـ- شن الحرب الإعلامية على المدارس والجامعات والمعاهد الإسلامية التي استعصت على المستعمرين:

 

فبعد أن أحكم المستعمرون فبضتهم على سياسة التعليم فأفسدوه، وفرضوا من خططهم ومناهجهم وموادهم التعليمية ما يؤيد في نفوس المتعلمين احترام فكر الغرب ويمجد حضارة المحتلين وثقافتهم من جانب، وما يزري بالفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية والثقافة والعلوم الإسلامية من جانب آخر، ثم شنوا حملات التضليل والافتراء على المدارس والمعاهد وأماكن التعليم في العالم الإسلامي كله، وما استعصى عليهم وعلى خططهم إلا قليل من المعاهد والمدارس وبعض المساجد كالأزهر في مصر، وبعض المساجد والدور في قليل من البلدان الإسلامية التي اهتمت بدراسة العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية، فكانت هذه شجى في حلوق المستعمرين، وكانت سبباً في أن يوجه لها المستعمرون أعتا ضرباتهم بأخبث أساليبهم، فأخذ الأعداء يقللون من شأنها، ويضيقون في الإنفاق عليها ويصادرون أوقافها، مع السخرية والازدراء بالمتخرجين منها، ويحاولون عزلها عن الحياة العامة، وتشويهها وتشويه ما تقوم على تدريسه وتعليمه في أذهان الناس، عن طريق الصحف المأجورة والأقلام الرخيصة المشتراة، وأدعياء العلم المسيطرين ممن يسارعون إلى كسب ولاء اليهود والنصارى. ولقد كان للأزهريين من ذلك النصيب الأكبر، فلقد لقي الأزهر حرباً من قبل المستعمرين وأذنابهم وأبواقهم والساخرين منه، بنكاتهم ورسوماتهم ومقالاتهم وبحوثهم وكتبهم ودراساتهم، حرباً إلا هوادة فيها، فضيق المستعمرون وأتباعهم من الحكام عليه وعلى المتخرجين فيه تضييقاً لا يزال بعضه حتى اللحظة(19).

 

لقد اشتد الطلب الأمريكي اليوم وصدرت التعليمات إلى عملائهم بتجميد الأموال التي تصرف على التعليم الإسلامي والمؤسسات الخيرية ومدارس التحفيظ التي تمثل قلب الأمة النابض بعد أن ألغوا المعاهد الرسمية الدينية وألغوا مناهجها، وهذا من أخطر التحديات التي تواجهها الأمة. إنها معركة وجود وبقاء أو فناء واندثار، وإيماننا بوعد الله راسخ لا يتغير رغم كل الظروف، وهو نصرة دينه وإظهاره رغم أنوف الكافرين كما قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33 ، الصف:9]، وقال سبحانه: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [الصف:8]. فهم يريدون ويمكرون ويكيدون ولكن الله يأبى أن يطفئ نوره في هذه الأرض المتمثل في الإسلام قرآناً وسنة، ولكن سنة الله عز وجل اقتضت أن يبتلي المؤمنين بالكفار، ويبتلي الكفار بالمؤمنين ليتم الامتحان ويظهر على مسرح الحياة المؤمنون الصادقون من الأدعياء الكاذبين، ولهذا كان لابد من البذل والجهد والصبر والمصابرة وكان لابد من الجهاد والمراغمة كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد:4] وأمام هذا الامتحان الصعب والتحدي الخطير ماذا يجب على المسلمين أن يقوموا به عملياً، هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الفقرة الآتية:

 

ز ـ واجب المسلمين اليوم:

 

يمكن أن نضع برنامجاً عملياً لتواجه به الأمة هذه الهجمة الشرسة إذ لا يكفي إبداء التألم والتأسف مع القعود والكسل، بل لابد من أمل يصاحبه جد وعمل ولقد أحسن من قال:

 

وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

 

ولعل أبرز ملامح ونقاط البرنامج الذي ندعو الأمة إلى الأخذ به في مجال الحفاظ على التعليم بشكل عام والعلم الشرعي على وجه الخصوص، ما نبينه فيما يلي:

 

1 ـ الثبات على الحق والاستمساك بالدين الذي أكرمنا الله به وعدم التنازل عن أي جزئية من جزئياته فضلاً عن كلياته خوفاً أو طمعاً من الكافرين الجاهلين كما قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية:18] فهذا هو دليل صدق الإيمان وعلامته ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15] .

 

2 ـ توعية الأمة بطبيعة المؤامرة التي تحمل عنوان (تغيير المناهج وتجفيف المنابع) وتحصينها من الاختراق الفكري والثقافي.

 

3 ـ حراسة العلم ومؤسساته الإسلامية بالمحافظة على الموجود والتوسع بفتح المزيد من دور العلم ومعاهده وكلياته وجامعاته.

 

4 ـ إحياء رسالة المسجد العلمية والتربوية، وإعادته إلى وضعه الطبيعي ليكون مكاناً للعبادة وللعلم والتعليم والتربية والتوجيه، والفتوى وغير ذلك من الأنشطة، كما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه، ثم سارت الأمة طوال تاريخها على ذلك، كل أمور حياتها مرتبط بالمسجد، ولم تعطل رسالة المسجد وتحصر وظيفته إلا إبان الاحتلال الصليبي بواسطة عملائه ورموزه الذين سعوا جاهدين لخراب بيوت الله بمنع وظائفه وتعطيل رسالته وفيهم ينطبق قول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة:114] .

 

5 ـ إن واجب الوقت المحتم على كل عالم عنده علم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقوم بواجبه في نشر العلم وبثه بين الأمة، فقد أخذ الله الميثاق على العلماء أن يبينوا، وحذرهم غاية التحذير من الكتمان كما قال سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آل عمران: 187] وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159-160] .

 

6 ـ أرى أن من أهم الواجبات الشرعية على الجماعات الإسلامية أن تعني عناية فائقة بالعلم الشرعي وتلزم أفرادها به، وأن تفرز طائفة من النبهاء ليتخصصوا في العلم الشرعي، ويسدوا النقص الموجود في الساحة الإسلامية والدولية، فذهاب العلم بذهب أهله، وإذا ذهب أهله لم يخلفهم أحد، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا كما جاء في الحديث الصحيح عن البشير النذير سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم(20).

 

7 ـ على الحكام الصالحين والتجار المؤمنين وأصحاب الثراء والقدرة أن يرصدوا المبالغ الكبيرة ويخصصوا جزءً من ثرواتهم للعلم والعلماء، وأن يفرغوا العلماء للقيام بواجباتهم ووظائفهم في العلم والدعوة والتوجيه، حتى يستطيعوا النهوض بهذه الوظيفة العظيمة، وأن لا ينشغلوا بغيرها، إنني أرى بأن القيام بهذه المهام من الواجبات العينية على العلماء وعلى الأثرياء.

 

8 ـ لابد من إنشاء مؤسسات دعوية وإعلامية عملاقة يقوم عليها خبراء وعلماء ومفكرون يتخصصون في توجيه الدعوة المركزة إلى المجتمعات الغربية بلغاتهم، يدعونهم فيها إلى الإسلام ويبينون عظمته، وما فيه من خير وسعادة، مع بيان ما هم عليه من الكفر والظلم والفساد والطغيان، وما جنته وتجنيه حضارتهم على البشرية من كوارث وويلات وشرور.

 

9 ـ إنشاء قنوات تعليمية متخصصة في علوم الشريعة واللغة العربية يقوم عليها علماء متخصصون وخبراء، وتوجيهها إلى المسلمين لمخاطبة الشعوب الإسلامية لتوعيتها بدينها ولغتها العربية، وتحصينها من الغزو الثقافي المعادي.

 

إن الأمة بعلمائها وعقلائها وقادة الرأي والفكر فيها، يستطيعون مجتمعين أن يحققوا منجزات عظيمة ويصنعون تاريخاً مجيداً لهم ولأمتهم وللمجتمع الإنساني إذا قاموا بهذا البرنامج واتخذوا لذلك الأسباب ونهضوا بمسئولياتهم وصدقوا الله في ذلك ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40] ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت:69].

 

 

الخاتمة:

 

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث بالرحمات وعلى آله وصحبه وبعد: فقد تبين لنا من خلال الاستعراض السريع لكيد الكافرين ومكرهم في مجال التربية والتعليم عدداً من الحقائق الهامة التي توصل البحث إليها يمكن إجمالها في الآتي:

 

  • التعليم في الإسلام فريضة، ولا يستقيم الدين ولا يتحقق الإيمان مع الجهل، فالعلم والإيمان صنوان والعلم مقدم على العمل.
  • أهمية العلم في صياغة العقول وتغيير النفوس، ولقد أدرك أعداء الإسلام هذه الحقيقة، فكان تركيزهم الشديد وحرصهم على الاستيلاء على مؤسسات التعليم في العالم الإسلامي والسيطرة عليه منذ قرنين من الزمن.
  • خوف الأعداء وهلعهم من الإسلام وقوته وسرعة انتشاره وتصريحاتهم التي تدل على خوف كبير وحقد دفين يملأ نفوسهم ويسيطر عليها.
  • اتخاذ الأعداء لعدد من الخطوات في مجال مكافحة التعليم وتشويهه واغتياله من خلال وضع برامج التعليم العام، ومحاربة التعليم الإسلامي الشرعي، وفتح مدارس وجامعات ومؤسسات أجنبية في البلدان الإسلامية، الابتعاث إلى الخارج، شن الحرب الإعلامية على المدارس والجامعات والمعاهد الإسلامية.
  • الغارة الحالية على التعليم الإسلامي ومخاطرها.
  • واجب الأمة وما ينبغي لها أن تفعله حيال هذا التحدي الخطير الذي يستهدفها.

 

إعداد/ د. حيدر بن أحمد الصافح

مراجعة: علي عمر بلعجم.

 

 

المصادر والمراجع

-------------------

(القرآن الكريم) .

1-  الجامع الصحيح المختصر للإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، مراجعة د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير – بيروت 1407هـ-1987م.

2- صحيح مسلم للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

3- الصراع بين الفكرة الإسلامية الفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، أبو الحسن علي الحسني الندوي ، ط/ الرابعة، دار القلم ، الكويت 1403هـ-1983م .

4- غزو في الصميم، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ط/الثانية، دار القلم ، دمشق 1405هـ-1985م .

5- التبشير والاستعمار في البلاد العربية، د. مصطفى خالدي ود. عمر فروخ، منشورات المكتبة العصرية، بيروت 1982م .

6- قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله، جلال العالم، دار اقرأ.

7- الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، لمجموعة من الباحثين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1401هـ-1981م.

8- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد بن محمد حسين، ط/الرابعة، مؤسسة الرسالة 1400هـ- 1980م

9- جذور البلاء، عبدالله التل، ط/ الثانية، المكتب الإسلامي، 1398هـ-1978م.

10- العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة.د.سفير بن

عبد الرحمن الحوالي ،ط/ الأولى، 1402هـ-1982م، مؤسسة قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع.

11- أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، د. علي محمد جريشة ومحمد شريف الزيبق، دار النصر للطباعة الإسلامية، القاهرة.

12- الأزهر في ألف عام، تأليف الدكتور/ بيارد دودج، ترجمة/ حسين فوزي النجار، الهيئة العصرية العامة للكتاب، 1994م.

13- نحو نظرية للتربية الإسلامية ليس بالتكفير والتجهيل تربي الأجيال، د. علي جريشة، ط/ الأولى، دار التضامن للطباعة 1406هـ-1986م.

14- الطريق إلى مكة، محمد أسد، ط/ السابعة، دار العلم للملايين، 1981م.

15- أفيقوا أيها المسلمون قبل أن تدفعوا الجزية، د. عبد الودود شلبي، دار المجتمع للنشر والتوزيع ، جدة.

16- الإسلام والحضارة الغربية، د. محمد بن محمد حسين، ط/ الخامسة ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1402هـ-1982م.

17- التعليم ومستقبل المجتمعات الإسلامية في التخطيط الإسرائيلي، ماجد عرسان الكيلاني، ط/ الثانية، الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، 1405هـ-1985م.

18- الرسول والعلم، د. يوسف القرضاوي، طباعة دار العدالة، توزيع دار الصحوة.

19- المؤامرة على التعليم والمتعلم، لمجموعة من المؤلفين.

20- الغزو الفكري في المناهج الدراسية، أ. علي لبن، ط/ الثالثة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 1413هـ1992م.

21- محاضرات إسلامية في الفكر والدعوة، لسماحة الشيخ العلامة/ أبي الحسن علي الحسني الندوي، جمعها وحققها وعلق عليها/ السيد عبد الماجد الغوري، ط/ الأولى، دار ابن كثير للطباعة والنشر ، دمشق/ بيروت، 1422هـ-2001م.

22- واقع العالم الإسلامي، أبو الحسن علي الحسني الندوي، ط/ الأولى، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، 1418هـ-1998م.

 

(1) - رواه البخاري في صحيحه 1/43, برقم:80, ومسلم في صحيحه 4/2056, برقم:2671 .

(2) - أخرجه البخاري في صحيحه 1/50, برقم: 100, ومسلم في صحيحه 4/2058, برقم: 2673,

(3) - انظر هذه الأقوال وغيرها في كتاب: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، للندوي ص178 ، وما بعدها.

(4) - انظر مجلة البيان العدد (173) عن تغيير مناهج التعليم واختراق الحصن الأخير، لمجموعة من الكتاب.

(5) - انظر في ذلك غزو في الصميم، للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني ص26 وما بعدها.

(6) - انظر التبشير والاستعمار، للخالدي ود. فروخ ص88.

(7) - انظر هذه التصريحات وغيرها في كتاب: قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام لجلا العالم ص31 ، وما بعدها، والغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام ص196 لعدد من الباحثين.

(8) - قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام ص49.

(9) - الإسلام على مفترق الطرق، محمد أسد، ص29.

(10) - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، للدكتور/ محمد بن محمد حسين، 2/220، وانظر: الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، لمجموعة من الباحثين.

(11) - جذور البلاء ، لعبد الله التل ، ص201.

(12) - انظر تفاصيل ذلك في غزو في الصميم، ص30، وما بعدها، والعلمانية، للدكتور/ سفر الحوالي، ص539.

(13) - انظر: أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، للدكتور/ علي جريشة ومحمد شريف الزيبق، ص62 . والأزهر في ألف عام، للدكتور/ بيار دودج، ترجمة/ حسين فوزي النجار، ص133 وما بعدها.

(14) - انظر: في ذلك هل نحن مسلمون؟ للأستاذ/ محمد قطب، ص136 وما بعدها، والعلمانية، للحوالي ص594 وما بعدها، وأساليب الغزو الفكري، ص64.

(15) - نحو نظرية للتربية الإسلامية، للدكتور علي جريشة، ص36.

(16) - انظر: التبشير والاستعمار، للدكتور/ مصطفى الخالدي والدكتور/ عمر فروخ من ص65-122 وقد طبع الأول مرة سنة 1372هـ، 1953م.

(17) - انظر: قرارات مؤتمر القاهرة 1906م، ومؤتمر لكنو بالهند 1911م في كتاب: الغارة على العالم الإسلامي وأساليب الغزو الفكري الحديثة، ص66.

(18) - انظر: أساليب الغزو الفكري، لجريشة ، والتبشير والاستعمار، ص88.

(19) - انظر: الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، لعدد من الباحثين، ص110 وما بعدها.

(20) - يشير إلى الحديث "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا", وقد سبق تخريجه ص4.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أهم الحقوق والواجبات التي لا يسع للمسلم جهلها
عبده سعيد قاسم الخديري
السبت 9 فبراير 2013

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أهم الحقوق والواجبات التي لا يسع للمسلم جهلها

 

 

 

المقدمـة:

 

الحمد لله رب العالمين وآله الأولين والآخرين وصلاة الله وسلامه ورحماته وبركاته على صفوة خلقه وخاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد وآله الطاهرين ورحمة الله ومغفرته للتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

وبعد:

 

 فإن هذا البحث القصير المعنون بأهم الحقوق والواجبات التي لا يسع للمسلم جهلها، أي أن هناك أموراً وضرورات هامة ينبغي للمسلم القيام بها ولا يمكن له نسيانها وتجاهلها، بل هو مكلف بالقيام بذلك، باعتبار أن ممارسة هذه الحقوق والواجبات تمثل طاعة لله ولرسوله، وتجعل الإنسان المسلم يزداد إيمانا بخالقه سبحانه وتعالى لأن الإيمان عمل قلبي يزداد بالطاعة والعمل الصالح الذي يمارسه المسلم .

 

والإنسان المسلم مكلف بالقيام بهذه الحقوق والواجبات في شأن من شؤون حياته الدنيوية سواء في المجال السياسي المتعلق بالرعاة والقادة أو في المجال الاجتماعي المتعلق بالأسرة أو في المجال الاقتصادي المتعلق بالمعاملات التجارية أو في المجال الإداري المتعلق بالوظيفة والعمل ونحو ذلك .

 

وكل مبحث من هذا البحث القصير المتواضع يحتاج إلى بحوث مطولة، لكننا ركزنا على أهم الحقوق والواجبات التي هي بنظرنا من الأمور التي لا يسع المسلم تجاهلها وهو يمارس عمله وموقعه إن كان زوجاً أو أباً أو رئيساً أو مواطناً أو ابناً أو تاجراً ونحو ذلك.

 

وأحببنا أن نشارك إخواننا في جامعة الإيمان ندوتهم في زيادة الإيمان وتقويته بكتابتنا لهذا البحث ونزولاً عند رغبة الكثيرين كتبنا هذا البحث المعتمد على المنهج الوصفي ليكون إضافة جديدة وإسهاماً حقيقياً في تعريف المسلم بحقوقه وواجباته .

 

ونستغفر الله من كل خطأ أو زلة أو تقصير ، ونسأله تعالى أن يجعل العمل في ميزان حسناتنا يوم نلقاه ومن تعاون معنا .

 

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

 

 

 

المبحث الأول: ما لا يسع الرعية والقادة جهله:

 

أولاً: ما لا يسع الرعية جهله:

 

أ. الطاعة للقادة:

 

الطاعة لولي الأمر من الضروريات التي لا يسع الرعية جهلها فالطاعة معقودة للحاكم طالما يقيم حكم الله تعالى قائما بالقسط، حيث أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على وجوب طاعة ولي الأمر حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «من يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني»(1)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة »(2)، وهذا الحديث دلالة أكيدة وعلامة هامة للإيمان، فالرعاة ترضى بمن يحكمها، وإن كان شكله ومظهره لا يليق إتباعاً وإيماناً ويقيناً بالمشرع سبحانه وتعالى الذي أمر بالطاعة له طالما طاعته مقرونة بطاعة الله، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»(3)، ويقول أيضاً: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»(4)، وتدل هذه الأحاديث على أن طاعة ولي الأمر ( القادة ) فرض من فروض الدين وهي ليست نابعة من خوف سطوة الحاكم، أو رغبة في دفع شر، بل هي نابعة من اعتقاد وإيمان بالله سبحانه وتعالى ودين ومبدأ، فطاعته واجبه بشرط قيام الحاكم بالشرع وإلا فلا طاعة يقول تعالى: ﴿ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ﴾ [سورة الشعراء: 151, 152] ، حيث أن الأصل في الإسلام الطاعة مصداقا لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ... ﴾ [النساء:59] .

 

ويتضح لنا مما سبق:

 

أن طاعة القادة موصل بالطاعة لله، وكذلك عصيانهم والخروج عليهم عصيان لله وعلامة لنقص الإيمان وخلل فيه طالما والقادة يقيمون حكم الله تعالى، وطاعة الرعاة لقادتهم تزيد من إيمانهم لربهم وخالقهم، بل تقوى الإيمان بالله فهم بطاعتهم لقادتهم إنما ذلك نابع من إيمانهم بالله تعالى .

 

ب- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 

وهو من الضروريات التي لا يسع للرعية جهلها وتركها لأنه مبدأ متعلق بهم وبحياتهم في الدنيا والآخرة، "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة للمؤمنين وسبباً لخيرية الأمة"(5)، حيث يقول تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ... ﴾ [التوبة:71] ، ويقول تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ... ﴾ [آل عمران:110] ، وقيام الرعية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على إيمانهم بالله ، بل يقيمهم بذلك ويزيد من إيمانهم به ، وأنهم يتمتعون بالإيمان ، حيث ينوّه الرسول صلى الله عليه وسلم على مراتب الإنكار باعتبار أن أخر مراحل الإنكار هو الإنكار بالقلب ، وهذا يعتبر أضعف الإيمان ، قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكر فليغره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(6)، ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن عدم قيام الرعية بذلك دليل على انتقاء الإيمان من قلوبهم لأنهم بذلك لا تحترق قلوبهم من أجل الله تعالى حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يأمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل »(7).

 

ومن الأمور التي لا ينبغي للرعية جهلها هو أن الأمر بالمعروف له قواعد هامة حتى يؤتي ثماره ومنها:

 

أ‌.  العلم بالمعروف الذي يراد عرضه للناس، وبالمنكر الذي تنهى عنه: قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي... ﴾ [يوسف:108] .

 

ب‌.  الرفق واللين وهذه قاعدة عامة ينبغي عدم تجاهلها حيث يقول تعالى آمرا موسى وآخيه هارون عليهما السلام:  ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [سورة طه: 43, 44] ، والتعامل بالرفق واللين له وقع في قلوب الآخرين وله الأثر في تقبل ذلك .

 

ويتضح لنا مما سبق:

 

أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة لازمة للمؤمنين لأن ممارسة هذا الأمر يزيد من الإيمان بالله تعالى ويقويه حيث لا يقف شخص في وجه ظالم أو طاغية إلا مؤمن بالله الخالق والضار والنافع فلا يخاف فيه لومة لائم.

 

ثانياً: ما لا يسع القادة جهله:

 

هناك أمور كثيرة لا يسع القادة وولاة الأمر تجاهلها وأهمها:

 

1- إقامة الشورى والعدل والمساواة والحرية بين الرعية وترك الظلم:

 

وإقامة الشورى والعدل والمساواة والحرية من الأمور التي لا يسع القادة جهلها، فهذه من أهم مبادئ الحكم في الإسلام والتي لا يستقيم الحكم إلا بها، والشورى مشروعة في القران والسنة وإجماع الصحابة فهي " ليست من الأمور التنفلية التي تترك لرغبة الحاكم، فان شاء استشار وإن شاء ترك، بل الشورى واجبة على كل حاكم أو مسؤول أو أمير"(8)، حيث يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [سورة الشورى:38] ، ويقول تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ... ﴾ [آل عمران:159] .

 

والشورى من الأمور والضروريات التي لا ينبغي للقادة تجاهلها في حكمهم وإدارة شؤون حياة الرعية لأنها من أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام، بل إن البعض يعتبر الشورى هو النظام السياسي في الإسلام ذاته، وليس مجرد مبدأ من المبادئ(9).

 

والحكم بالشورى بين الرعية ومشاورتهم تكتسب أهمية عظيمة باعتبارها الطريق السليم الذي يتوصل بها إلى أجود الآراء والحلول لتحقيق مصلحة الرعاة باعتبارهم هم أصحاب الحق والقرار فيمن يقودهم، كل ذلك يزيد من إيمان القادة بالله تعالى لأنه الآمر بهذا الشأن .

 

وكذلك ينبغي عليهم إقامة العدل في إدارة شؤون الرعية وعدم الحيدة عنه مطلقا ، ولهذا كان من صفة عقد البيعة للقائد أو للإمام إن يقال فيها: " بايعناك بيعة رضى على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة "(10)، حيث يقول تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...﴾ [النحل:90]، ويقول تعالى: ﴿.. وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  [سورة الحجرات:9]، ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: « سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ...»(11)، وينشئ هذا الحديث في نفس القادة أو الإمام الاهتمام بإقامة العدل لتجنب حر ذلك اليوم الرهيب ، والرغبة في الاستظلال بعرش الرحمن، كل ذلك يولد في نفس القادة الإيمان  بالله، وما اعد من جزاء ونعيم لمن يقوم بالعدل بين الرعاة .

 

وكذلك من الواجبات الملقاة على القادة تحقيق المساواة بين الرعية في مختلف الأمور فلا يفضل إنسان على آخر سواء لقرابة أو جنس أو لون فكل سواسية كأسنان المشط .

 

وكذلك ينبغي عليهم تحقيق مبدأ  الحرية للرعية ، وعلى القادة ترك الظلم باعتبارهم أمانة في أيديهم  يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... »(12).

 

وعلى القادة ترك الظلم والاستبداد الذي لا يولد إلا الهلاك والدمار للدولة والرعية ، فهذه المبادئ الأربعة السابقة تحتاج إلى مباحث خاصة لا يستغني عنها القادة.

 

2- تحقيق الأمن والاستقرار:

 

ومن الواجبات التي لا يمكن تجاهلها من قبل تحقيق الأمن والاستقرار حتى يأمن الناس على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وممتلكاتهم فبدون الأمن لا يحصل استقرار، والأمن يحصل من قبل القادة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية من العقوبات والمثوبات، حيث يبين تعالى في كتابه العزيز أن الأمن لا يتحقق إلا بوجود الإيمان بالله تعالى، وهذه الآية التالية ربطت بين الإيمان والأمن في المجتمع يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ  [سورة الأنعام:82]، فمتى وجد الإيمان وجد الأمن والاستقرار .

 

وعلى القادة أيضا العمل على وجود الاستقرار المادي والمعيشي للرعية، وفي كل مجالات الحياة  المختلفة، وذلك باستثمار خيرات البلاد وتسخيرها لخدمة الرعاة ويمكن استعمال وسائل مختلفة لتحقيق  الاستقرار في المجتمع .

 

ونخلص مما سبق أن تحقيق الشورى والعدل والمساواة والحرية وترك الظلم وتحقيق الأمن والاستقرار بين الرعاة لا يمكن للقادة جهلها، وهذه الأمور تزيد من إيمانهم بالله ويقينهم بوعده وأنهم  محاسبون على ذلك يوم القيامة ..

 

 

المبحث الثاني: مالا يسع التاجر جهله:

ومن الأمور التي لا يسع التاجر تجاهلها وهي كالتالي:

 

تمتعه بصفات خلقية هامة وهي الصدق والأمانة والوفاء:

 

 وهذه الأخلاق هي محور تعامل التاجر المسلم مع الآخرين وهي مطلوبة في كل الأمور، ومطلوبة  أيضا في مجال البيع والشراء، ومأجور على ذلك يقول تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [سورة التوبة:119] ، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: « البيعان الخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما»(13) ، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»(14) .

 

والتزام التاجر المسلم بالصدق في مجال بيعه وشرائه مع الناس فيه البركة وزيادة الخير، والتعامل  بالصدق تتضمن عدم الغش والخداع والتزوير في البيع والشراء، فالتاجر الملتزم بالصدق يزداد إيمانه ويقينه بالله، حيث إن الآية السابقة ربطت بين الإيمان والصدق، لذلك أمرت المؤمنين بالالتزام بالصدق، وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفى أن  يكون المؤمن كذابا.

 

كذلك ينبغي عليه الالتزام بالأمانة والوفاء ، وذلك بأن يكون أمينا في بضائعه وما يجلبه للناس، وأن يكون وفيا مع الآخرين بمساعدتهم والتيسير عليهم حيث ثبت أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه فقال رسول الله: « دعوه فان لصاحب الحق مقالا »، ثم قال: «أعطوا سنا مثل سنة»، قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا امثل من سنه قال: « أعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء »(15).

 

ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:«من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه»(16).

 

2-ترك الحرام في البيع والشراء: وهناك محظورات عديدة في مجال البيع والشراء لا يمكن للتاجر التغافل عنها وجهلها وهي كالتالي:

 

أ‌- أنواع البيوع الممنوعة، وهذه الأنواع ينبغي للتاجر معرفتها حتى يتجنبها، فالإسلام منعها وحرمها لما فيها من الضرر المؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل ومن هذه البيوع(17):

- بيع السلعة قبل قبضها: حيث لا يجوز للتاجر المسلم أن يشتري سلعة ثم يبيعها قبل قبضها ممن اشتراها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إذا اشتريت فلا تبيعه حتى تقبضه »(18).

 

- بيع النجش: حيث لا يجوز للتاجر المسلم أن يعطي في سلعة شيئا وهو لا يريد شراءها وإنما من اجل أن يقتدي به المشترون فيغرر بالمشتري، وذلك لقول عمر: « نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن  النجش»(19).

 

- بيع المسلم على المسلم: وذلك إن يشتري المسلم البضاعة فيقول له ردها وأنا أبيعها لك بأكثر من السابق لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يبع بعضكم على بيع بعض»(20).

 

- البيع عند النداء الثاني لصلاة الجمعة: لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ .. ﴾ [الجمعة:9] .

 

 ب -  ترك الربا:ـ

 

والربا: معناه هو عقد مخصوص على عوض مخصوص غير معلوم التماثل  في معيار الشرع حال العقد أو تأخير في البديلين أو احدهما(21).

 

وحرم الإسلام الربا وشدد على فاعله حيث يقول تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  [سورة البقرة:278]وهذه الآية نبهت المسلم أن يبتعد عن الربا إن أراد الحصول على الإيمان، ويقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [سورة آل عمران:130] .

 

وحرمه الإسلام لحكم وغايات هامة أهمها " امتحان إيمان العبد بالطاعة فعلا وتركاً"(22)، وكذلك المحافظة على مال المسلم لئلا يؤكل بالباطل، وتوجه المسلم إلى استثمار ماله في أوجه من المكاسب الشريفة الخالية من الخديعة والاحتيال والنصب حتى يكون مالا حلالا، وفتح أبواب البر في وجه المسلم ليتزود لأخرته، فيقرض أخاه بلا فائدة ويداينه وينتظر ميسرته ويسر عليه ويرحمه ابتغاء مرضاة الله، وفي هذا زيادة وتقوية للإيمان في قلب التاجر المسلم.

 

ج – ترك الاحتكار في البيع والشراء:

 

نهى الإسلام عن الاحتكار لان فيه تعسير على حياة الناس، والله سبحانه يكره من يعسر على الناس، ولا ييسر لهم معاشهم يقول صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يحتكر إلا خاطئ »(23) أي آثم.

 

والاحتكار فيه دلالة على نقص الإيمان في نفس التاجر المحتكر، وإلا فالمؤمن يعلم أن الأرزاق بيد الله ،وكل شئ مقدر من قبل الله سبحانه وتعالى، فهو لا يمارس مثل هذه الأعمال الممنوعة في الإسلام.

 

د- ترك التطفيف في الميزان والمكيال:

 

وحرم الإسلام التطفيف في الميزان والمكيال ، حيث يقول تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ [سورة المطففين:1-3] ، ويقول تعالى: ﴿ وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ  [سورة هود:85] ،والتطفيف من الفساد في الأرض لأن فيه تغيير للحقائق والأشياء وتزييف وكذب على الناس حيث أن له أشكال وألوان ، والإيمان بالله يتنافى مع هذه الأمور المشينة التي لا يرضاها الله تعالى ، بل كلها تعمل على نقصان وضعف الإيمان في نفس التاجر الممارس لهذه الأمور .

 

2-    تأدية التاجر للزكاة:

 

والزكاة من الأمور المهمة التي لا يسع للتاجر جهلها، حيث أنها ركن من أركان الإسلام فمن تركها ناكراَ لها كان مرتداً عن الإسلام، وقد قرنت بالصلاة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  [سورة البقرة:43] ، ويقول تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ [سورة المؤمنون:1-4]، ويقول أيضا: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [سورة الأنفال:3-4]، حيث أن هاتين الآيتين وصفتا أن تأدية الزكاة صفة من صفات المؤمنين، ودليل أكيد على الإيمان القوي في نفس التاجر المؤدي لهذه الفريضة فهو بتأديتها لذلك يطيع أوامر الله ورسوله في هذه الفريضة، والزكاة فيها نماء لهذا المال وزيادة البركة فيه.

 

ويكون تأديتها في الذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة والسوائم والمعدن والركائز(24)، ويكون نصاب الزكاة في كل سبق ذكره، وتؤدي لمصارفها الثمانية المعروفة في القرآن قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [سورة التوبة:60].

 

ونخلص مما سبق:

 

إن التزام التاجر بالصدق والأمانة والوفاء، ومعرفته للبيوع المحظورة في الإسلام وتجنبها، وتأديته لفريضة الزكاة كل هذه الأمور لا يسع له جهلها، بل تزيد إيمانه بالله تعالى، وتصبح تجارته موصلة لمرضاته فينتفع بها في الدنيا والآخرة .

 

 

 

المبحث الثالث: ما لا يسع الزوجين جهله:

 

ومن الأمور التي لا يسع الزوجان جهلها وهما يعيشان حياة مشتركة، لا غنى لكل منهما عن الآخر باعتبارها سنة بشرية لبقاء النوع الإنساني ومن ذلك:

 

1-  الأمانة: إذ يجب على الزوجين أن يكون كل منهما أمينا مع صاحبه فلا يخونه في قليل أو كثير ، فهما أشبه بشريكين لابد من توافر الأمانة والنصح والصدق والإخلاص بينهما في كل شأن من شؤون حياتهما الخاصة والعامة .

 

2- أن يبنيا حياتهما على الإيمان ومنهج الإسلام: إذ ينبغي لهما أن يبنيا عش الزوجية على منهج الإسلام، وأن يتعبد الله كل منهما في الآخر، فالزوج عندما ينفق على زوجته فهو يتعبد الله في ذلك والزوجة عندما تطيع زوجها فهي تتعبد الله ومؤجرة على ذلك .

 

3- المودة والرحمة: حيث يحمل كل منهما لصاحبه أكبر قدر من المودة الخالصة والرحمة الشاملة يتبادلانها بينهما طيلة الحياة تأكيد لقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم:21].

 

4- الثقة المتبادلة بينهما: بحيث يكون كل منهما واثقا في الآخر ولا يخامره أدنى شك في نصحه وإخلاصه وصدقه له.

 

5- معرفة كل من الزوجين حقوق بعضهم على البعض:

 

أولا: حقوق الزوجة على زوجها، وحقوقها كثيرة ومنها:

 

1- المعاشرة بالمعروف: لقوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ .. ﴾ [النساء:19] ، حيث أمر الله تعالى معاشرة الزوجات بالمعروف، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله(25)، حيث ينبغي له أن يطعمها مما يطعم ويكسوها إذا اكتسى ويوفر لها السكن والبيت حسب قدرته واستطاعته لقوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ.. ﴾ [الطلاق:6]، وينبغي له النفقة عليها لأنها متفرغة لشؤون البيت وتربية الأطفال، فكان من العدل والشرع أن يقوم الزوج بالنفقة عليها، يقول صلى الله عليه وسلم: « ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن »(26) .

 

2- المهر: وهو حق خالص لها دون ذويها حيث يقول تعالى: ر وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: 4], ويقول تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ... ﴾ [النساء: 24] ، " ولا تكلف أن تشتري به جهازا لها إلا إذا رغبت هي، لأن تجهيز بيت الزوجية مما يلزمه من أثاث وفراش ونحوها من واجبات الزوج لا الزوجة "(27).

 

3- أن يصبر عليها وان يتجاوز عن بعض هفواتها:  يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: « استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع وإنَّ اعوج ما في الضلع أعلاه وإذا ذهبت تقيمه كسرته ، وان تركته لم يزل اعوج واستوصوا بالنساء خيرا »(28)، وهذا الحديث يذكر بضرورة أن يصبر الزوج على أخطاء زوجته ، أعلى ما في المرأة رأسها وعقلها، فإذا خاطبها بالعقل، فربما لا تستمع غالبا، ولا ينبغي أن يدفع أخلاق المرأة الرجل إلى كراهيتها، يقول صلى الله عليه وسلم: « لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا ...»(29).

 

وقد كانت أزواج النبي - صلى الله عله وسلم - يطالبنه بزيادة النفقة أن يوسع عليهن خاصة بعد أن جاءت الغنائم ، فخيرهن بين البقاء على الحالة التي هو فيها ، أو إن يسرحهن سراحا جميلاً: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ [سورة الأحزاب:28] .

 

4- أن يعلمها الضروري من أمور الدين الإسلامي إن كانت لا تعلم ذلك ، أو يأذن لها أن تحضر مجالس العلم لتتعلم ذلك, إذ أن حاجتها لتعلم دينها وتزكية روحها ليست اقل من حاجتها إلى الطعام والشراب الواجب بذلهما: وذلك لقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ... ﴾ [التحريم: 6 ]، والزوجة من الأهل ووقايتها من النار يكون بالإيمان والعمل الصالح ، والذين لابد لهم من العلم والمعرفة حتى يمكن اداؤه به على الوجه المطلوب ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان – أسيرات - عندكم »(30) .

 

5- عدم إيقاع الأذى والإهانة بهن كالضرب المبرح والشتم والطرد لهن: وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: عندما سأله رجل يدعى معاوية بن حيدة رضي الله عنه: ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ ، فقال: « أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح -أي: لا يقول الزوج قبحك الله- ولا تهجر إلا في البيت »(31) .

 

وهذا دليل على أنه لا يجوز للزوج إهانة زوجته وضربها ضربا مبرحاً، وعدم استخدام الألفاظ القبيحة معها، بل لا يجوز له هجرها إلا في البيت حتى لا تتأثر الزوجة نفسيا بذلك خارج البيت، كل ذلك اتباعا لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم التي تزيد من إيمان الزوجين بالله بل تقوية، لان طاعة الرسول من طاعة الله وإيمان به.

 

 

 

6- العدل بين زوجاته إن كان له أكثر من زوجة:

 

أباح الإسلام للرجل التعدد بين الزوجات فان عليه أن يعدل بينهن في المبيت والعطاء، فإذا تزوج امرأة جديدة فان عليه أن يمكث عند البكر سبعاً، وعند الثيب ثلاثاً ثم يعدل بعد ذلك ، فالعدل يكون بالمبيت والعطاء، أما ما يتعلق بالحب القلبي فانه لا يقدر على التحكم فيه فإذا خاف الرجل على نفسه الجور تعين الاقتصار على زوجة واحدة عملا بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾ [النساء:3] .

 

7- أن يكون وفيا معها ولا ينسى عشرتها حتى وان ماتت أو طلقت منه:

 

يقول تعالى: ﴿ وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ... ﴾ [البقرة: 237] ، ولا يفشي سرها ، وألا يذكر عيبا فيها إذ هو الأمين عليها والمطالب برعايتها والذود عنها لقوله صلي الله عليه وسلم: « إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها »(32) .

 

8- التلطف معهن:

 

حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم-  يتلطف مع زوجاته وكان جميل العشرة دائم البشر يداعب أهله ويضاحك نساؤه حتى انه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يتودد إليها بذلك ، قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن احمل اللحم, ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني فقال:« هذه بتلك »، وكان يجمع نساؤه كل ليلة في البيت الذي يبيت مع المرأة من نساءه فيضع عن كتفه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله ليسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام يؤنسهم بذلك، ويعتبر أن قمة أخلاق الرجل مع أهله حيث يقول:«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»(33)، والأخلاق طريق موصل إلى الإيمان بالله تعالى بل ترجمة حقيقية للإيمان به سبحانه لأنه هو الآمر بها .

 

 ثانيا: حقوق الزوج على زوجته:

وكما أن للزوجة حقوقاً على زوجها فإن له حقوقاً عليها ، فهي حقوق متقابلة بين الطرفين ومنها:

 

1- طاعته في غير معصية الله: قال تعالى: ﴿ ... فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاَ ﴾ [النساء:34] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح»(34)، وقوله صلى الله عليه وسلم: « لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المراة أن تسجد لزوجها»(35). حيث تكون طاعته بالمعروف لان القوامة له قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... ﴾ [النساء:34]، وطاعة المرأة لزوجها ليس من باب الظلم لها أو التعسف أو الاستعلاء إنما هو من باب قوامة الرجل على زوجته وهذا شئ طبيعي ومعقول ولا بد منه؛ لأن الحياة الزوجية شركة خطيرة، وكل شركة لابد فيها من أمير أو رئيس يطاع، فكيف بالعلاقة الزوجية التي تخص أخطر علاقة إنسان بغيره حتى تبق هذه الشركة قائمة بلا انفصال . وطاعة المرأة لزوجها بالمعروف تزيد من إيمانها بخالقها لأنه هو الذي جمعها بقدرته وحكمته مع هذا الزوج، فالزواج جمع إلهي وتوفيق منه تعالى .

 

2- صيانة عرض الزوج والمحافظة على شرفها:

 

فلا تخونه في شيء بل تكون زوجة آثمة إن هي أقدمت على ما يخونه لأننا كما قلنا آنفا أن الحياة الزوجية قائمة على الصدق والأمانة حتى تستمر وتنمو يقول تعالى: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ... ﴾ [النساء:34] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون»(36)، وتنم هذه الخيانة على عن ضعف الإيمان بالله تعالى في نفس هذه الزوجة، وإلا فالزوجة الصالحة لايمكن أن تقدم على هذه الخيانة لأنها تعلم أن الله مطلع عليها، وأنها ستحاسب على ذلك من قبل الله سبحانه وتعالى.

 

3 - رعاية ماله وأولاده وسائر شؤون منزله:

 

لقوله صلى الله عليه وسلم: « المرأة راعية على بيت زوجها وولده »(37)، فالزوجة مسئولة عن رعاية مال الزوج وتربية أولاده لان الزوجة اقدر على هذه المهمة الخطيرة من غيرها بل لا يسد مسدها أحد في التربية ، فليس أحد يملك مثل حنانها وعاطفتها ومودتها على أولادها(38)، فان قامت بهذه المهمة على أكمل وجه ساهمت في خلق جيل إيماني سليم مؤهلا لحمل راية الإيمان مستقبلا، حيث كان لكثير من الصحابيات الدور الكبير في خلق ذلك الجيل الإيماني الفريد كالخنساء مثلا عندما أوصت أولادها الأربعة بالجهاد والصبر في القتال ، فقتلوا جميعا فخرجت مسرورة سعيدة وقالت: الحمد لله الذي اقر عيني بهم واسل الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته وغيرها كثير من ذلك الجيل رضي الله عنهن جميعا .

 

4- عدم الخروج من بيته إلا بإذنه ورضاه، وخفض صوتها، وصون لسانها عن النطق بالفحش والبذاءة، ومعاملة أقربائه بالإحسان الذي يعاملهم به: وهذه من الحقوق والواجبات تجاه زوجها حتى تسود المحبة والمودة بينهما .

 

ونخلص مما سبق:

 

أن هذه الحقوق السابقة مهمة لا ينبغي لكلا الزوجين تجاهلها حتى تسود بينهما المودة والمحبة ويتمكنا من صنع ذرية صالحة متسلحة بالعلم والإيمان، وتمسك الزوجين بهذه الحقوق لا شك أنها تزيد من إيمانهم بربهم وخالقهم, لأنهم بحياتهم الزوجية يتعبدون الله بها ومأجورون أيضا ولا يوجد مثل الإيمان في جعل حياة الأسرة حياة مستقرة هادئة يسودها الخير والوئام .

 

 

المبحث الرابع: مالا يسع الموظف جهله:

 

من الأمور الضرورية التي لا يسع الموظف جهلها هو عليه أن يعلم بان له حقوق وعليه واجبات وحقوقه تتمثل بالاتي:

 

1- حقه في الأجر العادل الكافي: حيث جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الرجل الذي لا يوفي الأجير حقه ضمن الثلاثة الذين يخاصمهم الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: «... ورجلا استأجر أجيرا فاستوفى منه ، ولم يعطه أجره»(39) .

 

2- عدم تكليف الموظف فوق طاقته وقدرته .

 

3- حقه في الرفق والرحمة وكفالة ما يلزم من النوم والراحة والاستجمام وتوفير الرعاية الصحية له " وحقه في تحديد ساعات العمل والعمر المناسب ، وتحديد العطلة الإجبارية"(40) .

 

إلا أن عليه واجبات ملقاة على عاتقه لا يسع له جهلها وهي:

 

1- أداء العمل الوظيفي بأمانة وبدقة والشعور بالمسؤولية: حيث عليه أن يشعر أن هذه الوظيفة أمانة على عاتقه ينبغي عليه أن يحافظ عليها، وأن يستشعر المسؤولية تجاه وظيفته، وأنه سوف يسأل عنها يوم القيامة .

 

2- أداء الموظف للعمل أو مهام وظيفته بنفسه: حيث أن عليه تأدية مهام وظيفته بنفسه دون توكيل شخص بديل عنه إلا إذا اضطر لذلك، فعليه أن يحلل لقمة عيشه التي يأكلها من وراء هذه الوظيفة سواء أكانت عامة أم خاصة حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أكل احد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، أن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده»(41)، وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب ؟ قال: « عمل الرجل بيده ، وكل بيع مبرور»(42), وعمل الرجل بيده إتباعا لهدي محمد صلى الله عليه وسلم  يزيد من إيمانه بالله  إن نوى ذلك .

 

3- طاعة الرؤساء والإخلاص والإتقان في العمل:

 

حيث ينبغي للموظف طاعة مديره أو رئيسه في العمل حتى تثمر هذه الأعمال ، وعليه أن يعلم بأن الحياة تكاملية بين الجميع. وعليه الإتقان والإخلاص في أداء هذه الوظيفة، حيث أن الإسلام طلب منا الإخلاص والإتقان في أعمالنا سواء أكانت صغيرة أو كبيرة ويثاب أيضا على ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: « إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»(43) ، والإخلاص في العمل والوظيفة دليل على نجاح الموظف في عمله وحبه له .

 

4- المحافظة على أسرار الوظيفة:

 

لكل مهنة أو عمل أسرار هامة ينبغي المحافظة عليها ، باعتبار أسرار الوظيفة من الأمانات الملقاة على عاتق الموظف، واعتبار أن المجالس بالأمانة ، والمحافظة على أسرار الوظيفة دليل على الشعور بالمسؤولية والخوف من الله تعالى قبل أن يكون الخوف من مسؤول الوظيفة أو العمل.

 

5- المحافظة على ممتلكات الوظيفة وصيانتها:

 

وينبغي المحافظة على أدوات الوظيفة وصيانتها سواء أكانت  مالية أو مادية أو غيرها حيث ينبغي صيانتها وعدم العبث بها .

 

ومما يلاحظ هذه الأيام أن ممتلكات الوظيفة خصوصاً العامة، المملوكة للشعوب والمجتمعات يستهان ويفرط بها ، بل تصل إلى حد أخذها وسرقتها من قبل المختصين، وهذه الأخلاق برأيي تنم عن عدم الإيمان والخوف من الله سبحانه وتعالى ، يقول صلى الله عليه وسلم: « لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن »(44).

 

6- ترك المخالفات الشرعية في أداء الوظيفة:

 

حيث ينبغي على الموظف الابتعاد عن المخالفات الشرعية أثناء تأديته وظيفته على سبيل المثال:

 

أ- الرشوة: حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « لعنة الله على الراشي والمرتشي»(45)، والرشوة هي أخذ مال أو غيره للوصول بها إلى حق الآخرين ، وهي سلوك مشين تدل على عدم الإيمان والخوف من الله سبحانه وتعالى ، والرسول صلى الله عليه وسلم لعن في الرشوة أصنافا متعددة تحذيرا وتنبيها لخطورة هذا الأمر، لأنها تمثل استيلاء وأكل حقوق وأموال الآخرين بغير حق.

 

ب – التزوير والكذب في الوظيفة: والتزوير والكذب مخالفة شرعية في قيان الموظف بوظيفته كأن يقوم مثلا بتزوير ملفات أو مستندات أو عقارات أو ممتلكات أو شهادات أو ما شابه ذلك من المخالفات سواء أكانت صغيرة أو كبيرة ، فهذه كلها محظورة في الإسلام لأنها تمثل اعتداء على حقوق المسلمين بغير حق وتزوير للحقائق.وهذه المخالفات برأيي تندرج تحت شهادة الزور التي شدد الرسول صلى الله عليه وسلم عن النهي عنها بقوله: « ألا وقول الزور», فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت(46) . وهذه المخالفات تنم عن نقص الإيمان في قلب هذا الرجل  الذي يمارس هذه المحظورات والابتعاد عنها يولد ويكسب رقابة الله سبحانه والخوف منه .

 

ج – المجاملة والمحاباة في الوظيفة: والمقصود بذلك: هو أن الموظف يجامل ويحابي أقربائه وذويه ومن يحبه على حساب الآخرين، كأن يولي شخصا على وظيفة ما، وهو يعلم أن في مرفقه من هو خير منه ، حيث يقول الرسول: « من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك واعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين»(47)، وهذه المجاملة والمحاباة تضر بالمجتمع ومصالحه وتعد خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، والخيانة ليست من شيم المؤمنين الصالحين .

 

7- تكريس أوقات العمل لأداء واجبات الوظيفة:

 

حيث ينبغي للموظف أن يعلم أن الواجبات أكثر من الأوقات، ولكل وقت عمل وهو أثناء تأديته لعمله ينبغي أن يكرس جل وقته للعمل دون التلاعب بالوقت على حساب العمل، فهذه الأمور ينبغي له تركها كان يأتي متأخرا عن العمل أو يشغل نفسه بأشياء وأحاديث خارج نطاق عمله حتى ينتهي وقت الدوام، أو يخرج قبل انتهاء الدوام الرسمي لعمله. كل هذه أمور ينبغي للموظف أخذها بعين الاعتبار حتى يؤدي وظيفته على أكمل وجه ويكون بذلك قد خدم نفسه وأرضى خالقه.

 

ونخلص مما سبق:

 

إلى أن أداء الموظف لوظيفته بدقة وإخلاص والمحافظة على أسرار الوظيفة وممتلكاتها وتكريس أوقات الوظيفة للعمل وترك المخالفات في أداء هذه الوظيفة يكسب الموظف المسلم ويولد في نفسه الإيمان بالله وبمنهجه وشرعه لأنه أمره به ونهاه عن ذلك إذ عليه مراقبته فيما سبق.                                                                                                                                                                                

 

 

المبحث الخامس: ما لا يسع الآباء والأبناء جهله:

 

أولاً: ما لا يسع الآباء جهله تجاه أبنائهم:

 

الأبناء أمانة في عنق الآباء فهم مسئولون عنهم أمام الله وأمام المجتمع ، وإليك أهم الأمور التي لا ينبغي للآباء تجاهلها تجاه أبنائهم وهي:

 

1- حسن تسميتهم والإنفاق عليهم والرفق بهم: إذ ينبغي للوالد أن يحسن تسميته ابنه ، وهذا من حقوقه عليه حيث صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «أن اخنع الأسماء عند الله رجل تسمى شاهان شاه ملك الأملاك، لا ملك إلا لله تعالى»(48) ، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم: « كان يغير الاسم القبيح »(49)، بل يستحب تسميته بأسماء الله أو أسماء الأنبياء حتى يكون لاسم الولد مدلول ديني وإيماني ، وكذلك ينبغي الإنفاق عليه بمجرد أن يكون حمل وجنين في بطن أمه، وذلك بالإنفاق على الأم الحامل حتى يتم لها الاعتناء به يقول تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى  [الطلاق:6] ، ومن الإنفاق عليه إرضاعه لمدة سنتين كاملتين ترضعه أمه ، وللضرورة ترضعه بعد أمه امرأة أخرى ممن يقبل الطفل الرضاعة منها بأجرة حيث يقول تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ..﴾ [البقرة:232] ، وكذلك حق الولد في الحضانة وهي عبارة عن حفظ الطفل مما قد يؤذيه أو يهلكه أو يضره ، بل ينبغي للأب الإنفاق على الولد حتى يصير رجلاً بل يجب عليه الرفق والرحمة به ولا يعامله معاملة قسوة وشدة ، ولذلك روي أن رجلاً كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين فقال الرجل: لي عشرة من الأبناء ما قبلت منهم أحد فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم »(50) .

 

والمعاملة باللين والرفق تكسب قلوبهم محبة للأب، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه »(51). بل لا يجوز قتل الأبناء لأي سبب حتى وهو جنين ، فالتعرض له بالإجهاض والإسقاط بعد نفخ الروح يكون قتلا للنفس بغير حق(52)، يقول تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا  [سورة الإسراء:31] .

 

2- حسن تربيتهم وتأديبهم:

 

ومن الأمور التي لا ينبغي للآباء جهلها حسن تربية الأبناء, وذلك بتربيتهم على مبادئ القرآن والسنة وغرس بذور الخير والإيمان منذ نعومة أظفارهم حتى ينشأون نشأة إيمانية، فالمرحلة الأولى للولد مهمة ومن خلاله تتشكل شخصيته مستقبلا حيث يقول صلى الله عليه وسلم: « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه »(53).

 

بل يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتعاهد هذه التربية بطريقة عملية حتى تتحقق معنى التربية حيث يقول صلى الله عليه وسلم: « مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم بالمضاجع »(54)، وقال صلى الله عليه وسلم: « أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم ، فإن أولادكم هدية إليكم »(55)، وجاء في الأثر من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه وحسن اسمه، وقال عمر رضي الله عنه: ( من حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والرماية وأن لا يرزقه إلا حلالا طيباً )(56) .

 

وتربية الأبناء وتأديبهم ترتكز على المتابعة المستمرة من قبل الأب وعدم الانشغال عنهم مهما كان، بل توجد وسائل مهمة لتربيتهم وذلك بإلحاقهم بالمحاضن التربوية كمدارس تحفيظ القرآن الكريم وإحضارهم مجالس العلم وتزويدهم بالكتب النافعة لهم، وإبعادهم عن رفقاء السوء حتى يضمن لهم بيئة صالحة يتربون فيها ويغرس الإيمان بالله في قلوبهم .

 

ومن تربية الأب لأبنائه ينبغي عليه العدل بينهم، بل هذا واجب عليه حتى يكون مثالاً حياً أمامهم في العدل وحتى تسود المودة والمحبة بينهم جميعاً، قال صلى الله عليه وسلم: « ساووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحد لفضلت النساء»(57).

 

والأب حين يربي ابنه يستشعر أن ذلك أمانة في عنقه فهو بتربيته لهم على الإيمان بالله وعلى مبادئ الخير يزداد إيماناً ويقيناً بالله .

 

ثانياً: ما لا يسع الأبناء جهله تجاه آبائهم:

 

ومن الأمور التي لا يسع الأبناء جهلها تجاه آبائهم من الحقوق والواجبات المفروضة عليهم، وذلك لأن الآباء هم سبب وجود الإنسان في الأرض، ولأنهما واجها المشقة والتعب في سبيل تربية الولد منذ بدايته طفلاً وحتى يصير رجلاً وهذه الحقوق كثيرة جداً ومنها:

 

1- طاعتهم والبر بهما ومعاملتهم بالحسنى:

 

أ- لزم الإسلام الأبناء بطاعة الآباء لأنها مقرونة بطاعة الله يقول تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا  [سورة الإسراء:23] ، حيث ينبغي للأبناء طاعتهم ما يأمران به وينهين عنه من غير معصية الله حيث لا طاعة في معصية الخالق ، وحقوقهم على الأبناء حتى بعد وفاتهم فطاعتهم من طاعة الله بل تزيد وتقوي الإيمان بالله تعالى.

 

وكذلك ينبغي للأبناء التواضع والرحمة بهما وعدم التكبر عليهما ، ومن ذلك أن لا يدعوا باسمهما ، وأن يمشي خلفهما وذلك من التأدب والتواضع مع الوالدين.

 

وعلى الأبناء عدم إغلاظ القول لهما خصوصاً إذا صارا طاعنين في السن ، بل نوه القرآن الكريم أنه لا يجوز رفع الصوت عليهما ، بل حتى مناداتهما بكلمة (أف) هذه الكلمة التي تعتبر أقل كلمة في الزجر تعظيماً لحقوق الآباء.

 

وينبغي للأبناء حسن صحبتهم في الدنيا بل هم أفضل الناس بحسن الصحبة، قال صلى الله عليه وسلم: عندما سأله رجل من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: «أمك، قال ثم من ؟ قال: أمك، قال ثم من ؟ قال: أمك، قال ثم من ؟ قال: أبوك»(58).

 

وكذلك ينبغي للأبناء الدعاء لهما سواءً في أثناء حياتهما أو بعد مماتهما قال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا  [سورة الإسراء:24] ، ويقول صلى الله عليه وسلم: « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له »(59).

 

وكذلك ينبغي للأبناء إكرام أصدقاء الوالدين حيث يقول صلى الله عليه وسلم: « إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه »(60).

 

2- الإنفاق عليهما وتفقد أحوالهما:

 

ومن الأمور التي لا ينبغي تجاهلها تجاه الوالدين الإنفاق عليهما وذلك بإطعامهما وكسوتهما وخدمتهم وتفقد أحوالهما خصوصاً إذا كبرا في السن، فإن على الأبناء تفقد أحوالهما والقيام على رعايتهما، حيث أعتبر الإسلام مال الولد للوالد حيث ثبت أن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر، فقال إن أبي يريد أن يأخذ مالي يحتاجه فقال لأبيه إن لك من ماله ما يكفيك فقال: يا خليفة رسول الله أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر تجاههما فلن يوقهما حقوقهما الكاملة ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: « لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه »(61). 

 

وطاعة الوالدين من أحب الأعمال إلى الله تعالى ، والذي يعمل ما يحبه تعالى لاشك أن في قلبه إيمان به سبحانه وتعالى، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال: « الصلاة على وقتها »، قلت: ثم أي ؟ قال: « بر الوالدين » ، قلت: ثم أي ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله »(62).

 

وعقوق الوالدين تمثل معصية عظيمة، بل تعتبر من أكبر الكبائر ومن يقترف هذه الكبيرة دليل على نقص الإيمان من قلبه وإلا لما أقدم على ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ » ثلاثا – قلنا بلى يا رسول الله قال:  «الإشراك وعقوق الوالدين ..»(63).

 

ونخلص مما سبق:

 

أن حسن تربية الأبناء وتأديبهم وتهذيبهم على منهج الإسلام من الأمور التي لا ينبغي للآباء تجاهلها، وكذلك على الأبناء طاعة آبائهم والبر بهما ومعاملتهم بالحسنى إذ أن طاعتهم من طاعة الله تعالى، وقيام الطرفين بهذه الأمور فيه تقوية وزيادة للإيمان بالله تعالى لأنها تعتبر طاعة لله ورسوله، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص ويضمحل بالمعصية.

 

 

 

الخلاصــة:

 

وبعد أن أتيت إلى نهاية الموضوع أرى أن من الواجب علىَّ كتابة أهم النتائج التي توصل إليها هذا البحث القصير وهي كالتالي:

 

1- إن طاعة الرعية لقادتهم وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور التي لا يمكن للرعية جهلها، بل إن هذه الأمور تزيد من إيمانهم بربهم وخالقهم لأنه أمرهم بذلك .

 

2- إن تحقيق الشورى والعدل والمساواة والحرية وترك الظلم وتحقيق الأمن والاستقرار، وتحكيم شرع الله من الأمور التي لا يمكن للقادة جهلها، وتحقيقها تزيد وتقوي إيمان القادة بالله لأنهم محاسبون على رعيتهم أمامه تعالى .

 

3- إن التزام التاجر بالصدق والأمانة والوفاء، ومعرفته للبيوع الممنوعة في الإسلام، وترك الحرام في البيع والشراء كالربا والاحتكار والتطفيف في المكيال والميزان، وتأديته لفريضة الزكاة كل هذه الأمور لا يسع له تجاهلها بل تزيد من إيمانه بالله تعالى، وتصبح تجارته موصلة لمرضاته فينتفع بها في الدنيا والآخرة .

 

4- ومن الأمور التي لا يسع الزوجين تجاهلها ، أن توسد بينهما الأمانة، وأن يبنيا حياتهما على الإيمان ومنهج الإسلام، وأن تسود الرحمة والثقة المتبادلة بينهما، ومعرفة كل من الزوجين حقوق بعضهما على بعض فعلى الزوج معاشرة الزوجة بالمعروف وأن يصبر عليها وعدم إيقاع الأذى بها أو إهانتها، والعدل إن كان له أكثر من زوجة، وأن يكون وفياً ومتلطفاً معها.

 

وعلى الزوجة طاعة الزوج في غير معصية الله وصيانة عرضها وشرفها ورعاية أولاده وماله وشؤون منزله ، فهذه الحقوق والآداب لا شك أنها تزيد من إيمانهما بالله تعالى لأنهم بحياتهم الزوجية يتعبدون الله بها ومأجورون أيضاً ، وما يضع الرجل في فم امرأته من لقمة العيش فهو له صدقة وأجر.

 

5- إن أداء الموظف لوظيفته بدقة وإخلاص والمحافظة على أسرار هذه الوظيفة ، وممتلكاتها وتكريس أوقات الوظيفة للعمل وأداءها بنفسه، وترك المخالفات الشرعية في أداء هذه الوظيفة كالرشوة والتزوير والمحاباة، وهذه من الأمور التي لا يمكن للموظف تجاهلها بل تكسبه وتولد في نفسه الإيمان بالله تعالى ، إذ عليه مراقبة الله في عمله قبل أن يراقبه الآخرون .

 

6- حسن تربية الأبناء وتأديبهم وتهذيبهم على منهج الإسلام من الأمور التي لا ينبغي للآباء تجاهلها، وكذلك على الأبناء طاعة آبائهم والبر بهما ومعاملتهم بالحسنى إذ أن طاعتهم من طاعة الله تعالى وقيام الطرفين بهذه الأمور فيه تقوية وزيادة للإيمان بالله تعالى لأنها تعتبر طاعة لله ورسوله .

 

وفي الأخير يمكننا القول بأن هذه الآداب والواجبات السابقة كلها تمثل طاعة لله ولرسوله يؤجر عليها الإنسان إن أخلص النية وإن تطبيق هذه الحقوق والواجبات تزيد وتقوي الإيمان بالله تعالى، وتجعل هذا الإنسان موصولاً بالله في كل شأن من شؤون حياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية.

 

وختاماً نسأل الله تعالى أن يجعل هذه العمل في ميزان حسناتنا يوم نلقاه ونسأله السداد والتوفيق إنه على ما يشاء قدير .

 

الباحث عبده سعيد قاسم الخديري

محرم 1425هـ- محافظة: لحج

مراجعة: عادل مكرم

علي عمر بلعجم.

 

-------------------

(1) - مسلم3/1466, برقم:1835.

(2) - رواه البخاري 1/246, برقم:661.

(3) - رواه مسلم 3/1478, برقم:1851.

(4) - مسلم 3/1469, برقم:1839.

(5) - زيدان: ص174, 1975م .

(6) - رواه مسلم 1/69, برقم:49 .

(7) - رواه مسلم 1/69, برقم:50 .

(8) - أبو فارس: ص89, 1986م  .

(9) - عجيلة: ص220, 1999م .

(10) - زيدان: ص233, 1975 .

(11) - رواه مسلم 2/715, برقم:1031 .

(12) - رواه مسلم 3/1459, برقم:1829.

(13) - رواه مسلم 3/1164, برقم:1532 .

(14) - رواه البخاري 2/730, برقم:1970 .

(15) - رواه البخاري 2/809, برقم:2182.

(16)  - رواه مسلم 3/1196, برقم:1563.

(17) - انظر الجزائري: ص255-258, 1964م .

(18)- مسند احمد 3/402, برقم:15351, تعليق شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح لغيره وهذا إسناد حسن من أجل عبد الله بن عصمة وهو الجشمي الحجازي فقد روى عنه جمع وذكره ابن حبان في " الثقات.

(19)-  البخاري 2/753, برقم:2035.

(20) - البخاري 2/755, برقم:2043.

(21) - أبو داوود: ص279, 1996م .

(22) - الجزائري: ص259, 1964م .

(23) - أخرجه أحمد 3/453, برقم:15796, وسلم:3/1227, برقم:1605.

(24) - فقه السنة، سابق: 379 ،1990م.

(25) - تفسير ابن كثير 1/412, 1996م.

(26) - رواه الترمذي 3/467, برقم:1163و5/273، برقم:3087، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه أبو الأحوص عن شبيب بن غرقدة ، وقال الشيخ الألباني: حسن.

(27) - زيدان: ص144, 1975م .

(28) - أخرجه مسلم 2/1090, برقم:1468 .

(29) - أخرجه مسلم 2/1091, برقم:1469.

(30) - أخرجه مسلم  5/1987, برقم:4890.

(31) - أخرجه أبو داوود  1/651, برقم:2142 .

(32)- رواه مسلم  2/1060, برقم:1437.

(33) - ابن كثير  1/412, 1996م .

(34) - مسلم 2/1059, برقم:1436 .

(35) - أخرجه الترمذي 3/465, برقم:1159 قال الشيخ الألباني: حسن صحيح.

(36)- أخرجه الترمذي 5/273, برقم:3087, قال الشيخ الألباني:  حسن.

(37) - مسلم 3/1459, برقم:1829 .

(38) - زيدان: ص116, 1975م  .

(39) - رواه البخاري 2/776, برقم:2114 .

(40) - إسماعيل: - ص290, 1999م.

(41)  - رواه البخاري 2/730, برقم:1966 .

(42)- مسند أحمد 3/466, برقم:15874, تعليق شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف شريك - وهو ابن عبدالله النخعي.

(43) - رواه مسلم  3/1548, برقم:1955 .

(44) - رواه البخاري 2/875, برقم:2343.

(45) - رواه أبو داوود:2/324, برقم:3580, وصححه الألباني.

(46) - البخاري 2/939, برقم:2511.

(47) - المعجم الكبير 11/114, برقم:11216.

(48)- المستدرك 4/306, برقم:7726

(49) - الصنعاني: 4/193, 1986م .

(50) - رواه البخاري 5/2235, برقم:5651 .

(51) - رواه مسلم 4/2004, برقم:2594 .

(52) - إسماعيل: ص313, 1999م .

(53) - مسلم 4/2047, برقم:2658

(54) - رواه أبو داوود 1/187, برقم:495, بإسناد حسن, قال الشيخ الألباني حسن صحيح .

(55) - ضعيف الترغيب والترهيب 2/10, برقم:1231, والسلسلة الضعيفة برقم 1649.

(56) - الجزائري: ص68, 1964م .

(57) - الجامع الصغير وزيادته 1/696, برقم:6960, قال الشيخ الألباني: ( ضعيف ) انظر حديث رقم: 3215 في ضعيف الجامع.

(58) - رواه مسلم 4/1974, برقم:2548 .

(59) - رواه مسلم 3/1255, برقم:1631 .

(60) - رواه مسلم 4/1979, برقم:2552 .

(61) - رواه مسلم 2/1148, برقم:1510 .

(62) - رواه مسلم 1/89, برقم:85 .

(63) - رواه مسلم 1/91, برقم:87 .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أهمية الإيمان وضرورة تقويته وزيادته
عبدالله بن علي الجوده
السبت 9 فبراير 2013

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

المحور الأول : أهمية الإيمان وضرورة تقويته وزيادته

 

 

عبدالله بن علي الجوده

 

 

الموضوع الأول : تعريف الإيمان

العناصـر :

- مقدمة .

- المبحث الأول : الإيمان في لغة العرب .

- المبحث الثاني : تعريف الإيمان في ضوء نصوص الشريعة

- المبحث الثالث : تعريف الإيمان عند الفرق المخالفة .

- المبحث الرابع : أدلة الفرق المخالفة والرد عليها .

- خاتمة وتوصيات .

 

مقدمة :

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .

أما بعد : فهذا هو البحث الأول من بحوث ندوة تقوية الإيمان وزيادته وهو المتعلق بتعريف الإيمان ، وسنتناول فيه تعريف الإيمان الحق حسب ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لأن ذلك مما يعيننا على معرفة ماهية الإيمان الذي نسعى لتقويته وزيادته ، والذي عليه الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ، ووضوح الصورة يعيننا بإذن الله على الوصول إلى الهدف المرجو .

كما سنتعرض إلى تعريف الإيمان عند الفرق التي أخطأت في بيان حقيقة الإيمان ، ونجيب عما ذكروه من استدلالات على ما ذهبوا إليه .

نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً .

 

المبحث الأول : الإيمان في لغة العرب :

 

الإيمان في اللغة : هو التصديق المقترن بالاطمئنان ؛ لأنه مشتق من الأمن ، وهو مصدر آمن يؤمن إيمانا، قال ابن فارس: " أمن" : الهمز والميم والنون أصلان متقاربان ، أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق(1)، والمعنيان متدانيان .

 

وفي لسان العرب : قالوا للخليل : ما الإيمان ؟ قال : "الطمأنينة" ، وقال الزجاج : "الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه بالقلب"، قال الراغب في المفردات : "الإيمان هو التصديق الذي معه أمن" .

 

المبحث الثاني : الإيمان في ضوء نصوص الشريعة :

 

أ - عرفنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق المقترن بالاطمئنان أما في الشريعة الإسلامية فقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان -أي الإيمان المطلوب للنجاة عند الله سبحانه- فأجاب بأنه التصديق المقترن بالاطمئنان بستة أمور ذكرها صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال حين سأله جبريل : ما الإيمان ؟ فقال : « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره »(2) .

ب - وكما وقع مسمى الإيمان دالاً على الاعتقاد القلبي ، فقد وقع أيضاً دالاً على قول اللسان وعلى عمل الجوارح ، ومن هاهنا ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن مسمى الإيمان يقع على هذه الثلاثة : الاعتقاد والقول والعمل فقالوا : إن الإيمان اعتقاد وقول عمل .

ومن أدلتهم على ذلك ما يلي :

 

* أما الاعتقاد : فلقول الله سبحانه : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ... ﴾ [الحجرات:15] .

- وقوله : ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... ﴾ [البقرة:285] .

- وقوله : ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) ﴾ [سورة النساء] .

وغيرها من الآيات التي تدل على التصديق والاعتقاد .

 

- وأما السنة : ففي حديث جبريل المتقدم عرف الرسول صلى الله عليه وسلم - الإيمان بقوله : « أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره » ، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث وفد عبد القيس الذي تقدم أيضاً : « شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له » . وهذا القدر من تعريف الإيمان بأنه اعتقاد بالقلب محل اتفاق بين علماء المسلمين ، ويشتمل اعتقاد القلب على عمل القلب وانفعاله وتأثره بما استقر فيه من يقين كما قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) ﴾ [سورة الأنفال] ، ومن أعمال القلب : الإخلاص ، والخشوع ، والوجل والخوف ، والرجاء ، والتوكل ، والإنابة .

* وأما القول : فإن الله سبحانه يقول : ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ... ﴾ [النساء:94] ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : « الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول : لا إله إلا الله » .

 

* وأما العمل : فإن الله يقول : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ... ﴾ [البقرة:143] ، أي صلاتكم فإن اليهود كانوا قد أشاعوا بين المسلمين بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بأن صلاة المسلمين إلى القبلة الأولى باطلة فأنزل الله هذه الآية ، وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه أن رجالاً من المسلمين قتلوا قبل تحويله القبلة ، قال : فلما حولت القبلة لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ... ﴾ [البقرة:143]  ، قال القرطبي : اتفق العلماء على أنها نزلت ( يعني الآية ) فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس ( تفسير القرطبي 2/157) ، وقال الحليمي : ( أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس ، فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقاً فرق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات )(3).

وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15) ﴾ [الحجرات:15] .

وفي آيات سورة الأنفال ذكر في تعريف المؤمنين حقا أنهم : ر الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) [سورةالأنفال] فذكر الصلاة والإنفاق وهي أعمال .

وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن وفد عبدالقيس عرف الرسول - صلى الله عليه وسلم الإيمان بأنه : « شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا الخمس من المغنم » والصلاة ، والزكاة ، وأداء الخمس كلها أعمال تدخل في مسمى الإيمان ، وكذلك في حديث « الإيمان بضع وسبعون شعبة » الذي أخرجه البخاري ومسلم ذكر فيه أن أدنى شعب الإيمان : « إماطة الأذى عن الطريق» وهذا عمل .

ومما سبق يتبين أن الإيمان شرعاً هو اعتقاد -يقين- وقول وعمل ، وحكى اتفاق السلف على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ، غيرُ واحد من أهل العلم كالشافعي(4) ، وأحمد(5) ، والبخاري(6) ، وابن عبد البر(7) ، والبغوي(8) . قال عبدالرزاق الصنعاني : " سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا – ثم سرد أسماءهم- يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص "(9) ، وقال الوليد بن مسلم : "سمعت الأوزاعي ، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبدالعزيز(10) ، ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل ، ويقولون : لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان"(11) ، وقال الإمام أحمد : " أجمع سبعون رجلاً من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر منها : والإيمان قول وعمل ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"(12) .

وقال البخاري : " لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أنَّ الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص "(13) ، وقال ابن أبي حاتم : " سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة ، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك ، فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً ؛ فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص "(14) ، وقال البغوي : " اتفقت الصحابة والتابعون ، ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان "(15) ، وقال البخاري : " لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص "(16) ، وقال ابن أبي حاتم : "سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك ، فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً ؛ فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص "(17) ، وقال البغوي : " اتفقت الصحابة والتابعون ، ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان "(18) ، وقال الآجري : " باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح ، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث : ثم قال : اعلموا – رحمنا الله تعالى وإياكم – أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق ، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح. ثم أعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق ، إلاَّ أن يكون معهما الإيمان باللسان نطقاً ، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمناً دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين "(19) .

والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن سلف هذه الأمة في أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل كثيرة جداً ، وأحب أن أختم هذا الفصل برد سفيان بن عيينة على من يقول الإيمان قول بلا عمل ، فقد سأله رجل فقال : "كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل ؟! .

قال سفيان : كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده . إن الله بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة أن يقولوا : لا إله إلا الله ، وأنه رسول الله ، فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عزوجل ، فلما علم الله عزوجل صدق ذلك من قلوبهم ، أمره أن يأمرهم بالصلاة ، فأمرهم ففعلوا ، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ، فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا ، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم . فلما علم الله تبارك وتعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ، ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم ، فأمرهم ففعلوا ، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم . فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً ، وأن يحلقوا رؤوسهم تذللاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ، ولا صلاتهم ، ولا هجرتهم ، ولا قتلهم آباءهم . فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها ، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها ، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ، ولا هجرتهم ، ولا قتلهم آباءهم ولا طوافهم. فلما علم الله تبارك وتعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال عز وجل: قل لهم : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ... ﴾ [المائدة:3](20)"(21) .

 

الإيمان يزيد وينقص : قال تعالى : ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا... ﴾ (المدثر :31) ، وقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا ... ﴾ [الفتح:4] ، وقال : ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا..﴾ [التوبة:124]  ، ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا ... ﴾ [الأنفال:2] .

وقال عليه الصلاة والسلام : « من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»(22) ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان »(23).

فالآيات السابقة تدل على زيادة الإيمان ، كما يدل الحديث الذي رواه أحمد وابو داود والترمذي يدل على استكمال الإيمان ، وهو يشتمل على الحب لله والبغض لله وهذا من عمل القلب كما يشتمل على الإعطاء لله والمنع لله وهذا من عمل الجوارح، وقد اشتمل الحديث الذي أخرجه مسلم على عمل القلب واللسان واليد ، ودلّ على أضعف حالات الإيمان .

 

* ومما يدل على أن الإيمان ينقص : ما رواه عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم »(24) ، ومعنى يخلق أي : يبلى ، ولاشك أن البِلى نقص ، وقد شكا حنظلة الأسيدي رضي الله عنه أنه يجد نقصاً في حالته الإيمانية عند مفارقة مجلس الذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتغاله بأمور الدنيا وخشي أن يكون هذا نفاقاً ، فبين له البني صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يتفاوت فيزيد إذا حصلت أسباب الزيادة ، وينقص إذا حصلت أسباب النقص قائلاً له : «والذي نفسي بيده إنكم لو تدورن على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة »(25) ، ومعنى ساعة وساعة : أي أن وقت المؤمن هو بين ساعتين ساعة للعبادة والإقبال على الله عز وجل ، وساعة للاشتغال بالمعاش وبما أباحه الله عز وجل .

 

المبحث الثالث : تعريف الإيمان عند الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة

 

1- اختلف غير أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان على أقوال يمكن إيجازها فيما يلي :

الأول : أنه مجرد معرفة القلب(26) ، وهو قول الجهمية .

الثاني : أنه قول اللسان ، وهو قول الكرامية(27) .

الثالث : أنه التصديق ، وهو قول بعض العلماء(28) .

الرابع : أنه التصديق والإقرار ، وهو قول أبي حنيفة ومن تبعه من الفقهاء ويطلق عليهم "مرجئة(29) الفقهاء"(30) .

الخامس : أنه العمل والنطق والاعتقاد(31)، وهو قول المعتزلة .

 

وسبق أن هذا هو قول أهل السنة والفارق بينهم وبين المعتزلة ، أن المعتزلة جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا ذهب بعضه ذهب كله أما أهل السنة فأجازوا أن يذهب بعضه ويبقى بعضه إذا لم يكن الذاهب ينافي أصل الإيمان كالشهادتين .

 

2- كما أن أهل السنة فرقوا بين الكمال الواجب والكمال المستحب على تفصيل مذكور في موضعه من كتب السلف – رحمهم الله(32) .

 

سبب الاختلاف في تعريف الإيمان : يعود الاختلاف في تعريف الإيمان إلى سببين :

 

  1- اجتهاد ونظر في فهم النصوص الشرعية المتعلقة بالإيمان وتعريفه ، كاختلاف الإمام أبي حنيفة وأصحابه مع بقية الأئمة .

 

وقد رأينا النصوص تدل بمجموعها على معاني الإيمان ، ونصوص أخرى مفرده تدل على أجزاء من الإيمان كما أن اللغة تدل على معاني ، وتدل النصوص القرآنية والنبوية على معاني أخرى زائدة .

 

2- أهواء غلبت على أصحابها وهم الذين ابتعدوا في تعريفهم للإيمان عن النصوص الشرعية، مجاراة للأهواء .

 

المبحث الرابع : الرد على المخالفين لأهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان

 

لا شك في عدم صحة الأقوال المخالفة لمذهب أهل السنة في تعريف الإيمان ؛ وذلك لأنها مخالفة للكتاب والسنة ، وبيان ذلك فيما يلي :

 

1- فأما قول الجهمية بأنه مجرد معرفة القلب فإنه باطل ، لأن من صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه ولم يعمل بجوارحه ، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يدخل في خطاب الله لعبادة المؤمنين(33) .

 

ثم إنه يلزم عليه أن يكون إبليس وفرعون ونحوهما من المصدقين المعاندين مؤمنين . وفساد هذا القول أظهر من أن يرد عليه .

 

2- وأما الكرامية الذين جعلوا الإيمان قول اللسان فسحب ، فإنه يلزم على قولهم أن يكون المنافقون مؤمنين ، ومعلوم أن الله تعالى قد نفى عنهم الإيمان في غير ما آية ، كما قال تعالى : ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) ﴾ [سورة البقرة] ، وكما قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. ﴾ [المائدة:41] .

 

والكرامية وإن قالوا بأن المنافقين يسمون مؤمنين إلا أنهم حكموا على المنافقين بأنهم في النار يوم القيامة ، فبهذا نعلم أن الكرامية خالفوا الجماعة في الإسم دون الحكم ، بخلاف جهم الذي يخالفهم في الحكم والاسم(34).

 

وأما الأشاعرة قد أخرجوا قول اللسان وعمل الجوارح من مسمى الإيمان . فأما إخراجهم لقول اللسان فيرد عليه بما سبق من الأدلة على دخوله في الإيمان كقوله تعالى : ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ... ﴾ [البقرة:136] ، وكحديث شعب الإيمان وفيه : أعلاها قول : لا إله إلا الله . وقوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله …» الحديث . وأما إخراجهم الأعمال فيأتي الرد عليه مع الرد على مرجئة الفقهاء إن شاء الله تعالى .

 

رأي الأحناف وأدلتهم : يقرر الأحناف أن الإيمان هو اعتقاد القلب وإقرار اللسان(35) ، وبعضهم يقول إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي ويروى عن أبي حنيفة رحمه الله(36) ولكنهم يوجبون العمل .

 

ويرى الجمهور كذلك أن العمل مع كونه من مسمى الإيمان ، لكن إذا امتنع شخص عن العمل ، وصدق بقلبه وأقر بلسانه ، فهو عاص لله لا يخرج من دائرة الإيمان ، ويستحق وعيد الله وبهذا اتفق الجميع من أهل السنة أن الله أراد من العباد القول والعمل ، ويقصدون بقولهم : الإيمان قول وعمل قول القلب وهو تصديقه ، وقول اللسان وهو الإقرار .

 

فلابد من التصديق ولابد من القول ولابد من العمل عند الجميع وإلا تعرض المخالف لعقاب ربه ، وإنما الخلاف علمي في تحديد معنى الإيمان وحده .

 

أدلة القائلين بعدم دخول العمل في مسمى الإيمان :

 

1- التفريق في القرآن بين الإيمان والعمل : ﴿ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. ﴾ [البقرة:25] ، وهو كثير في كتاب الله ، والعطف بالواو بين الإيمان والعمل الصالح يقتضي المغايرة بينهما .

 

2-   الإيمان في اللغة : هو التصديق وقد استعمل القرآن هذا اللفظ لهذا المعنى فقال تعالى : ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) ﴾ [سورة يوسف] .

3- المصدق بقلبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله مؤمن فيما بينه وبين الله ، وأما الإقرار باللسان فهو شرط لاجراء الأحكام الشرعية في الدنيا .

 

4- قال تعالى : ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.. ﴾ [النحل:106] ، فالآية تشهد بإيمان من أكره على قول أو عمل يخالف الإسلام مع بقاء قلبه مطمئنا بالإيمان .

 

5- لو كان الإيمان مركبا من الإعتقاد والقول والعمل لزال كل الإيمان بزوال جزء من أجزائه ، فإذا تأخر العمل في سعي إنسان ، فإن ذلك سيذهب الإيمان ، وهذا لم يقل به أحد من أهل السنة .

 

رد جمهور العلماء على من قال بعدم دخول العمل في مسمى الإيمان : ورد الجمهور على الأدلة المذكورة آنفاً بردود كثيرة من أهمها :

 

1- قد يوجد التصديق في القلب ، ولكن صاحبه كافر كما حكى الله عن فرعون وقومه : ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا .. ﴾ [النمل:14] .

 

2- ولقد أخبر القرآن عن كفار اليهود أنهم يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولكنهم كفروا به بل إبليس كان من المصدقين بالله وبيوم الدين ولكنه كافر فقد قال سبحانه : ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(36) ﴾ [سورةالحجر] ، وقال : ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (34) ﴾ [سورة البقرة] مع أنه مصدق بالله وبيوم الدين وليس التكذيب هو المقابل للفظ الإيمان بل المقابل له هو الكفر .

 

فلو أن شخصاً قال أنا مؤمن بصدق النبي ولكني أعاديه وابغضه وأخالفه وأعصيه فإنه يكون كافراً وإن كان مصدقاً له في نفسه .

 

2- وكما جعل الشرع للصلاة معاني خاصة زائدة عن المعنى اللغوى وهو الدعاء ، فقد جعل الشرع للإيمان معاني خاصة زائدة عن معناه اللغوي ، فقد طلب الله من عباده إيماناً مخصوصاً يشمل الاعتقاد واليقين كما يشتمل على القول والعمل كما دلت على ذلك النصوص السابقة التي بينت أن كلاً من الاعتقاد -اليقين- ، والقول ، والعمل إيمان .

 

3- أما ما دل عليه عطف العمل الصالح على الإيمان بما يقتضي المغايرة بينهما، فإن العطف لا يدل دائماً على المغايرة بل قد يعطف الشئ على ماهو جزء منه مثل قوله تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى .. ﴾ [البقرة:238]، فعطف الصلاة الوسطى على الصلوات،والصلاة الوسطى لاتغاير بينها وبين الصلوات لأن الجميع صلاة . فكان العطف لبعض الشئ عليه ومثل قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ... ﴾ [البقرة:98] .

 

فجبريل وميكال عطفا على الملائكة وهما من الملائكة ومثل قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ..﴾ [الأحزاب:7] وفي هذه الآية عطف اللفظ الدال على النبي - صلى الله عليه وسلم ﴿منك﴾ على النبيين ، ولا تغاير في النبوة بين النبي وسائر الأنبياء عليهم السلام وعلى هذا فلا يكون العطف هنا دالاً على التغاير ولا يكون الإيمان غير العمل الصالح بل يكون العمل الصالح جزءً من الإيمان كما قد يكون العطف بين شيئين دالا على التلازم بينهما كما في قوله سبحانه: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) ﴾ [سورة البقرة] . فكتمان الحق مع العلم يتلازم مع إلباس الحق بالباطل وعندئذ لايكون العطف دالاً على التغاير بل يدل هنا على التلازم فيكون عطف العمل الصالح على الإيمان دالاً على التلازم بينهما .

 

4- أما قولهم بأن الإيمان المركب من الاعتقاد والقول والعمل يزول بزوال جزء من أجزائه، فإذا تأخر العمل في سعي إنسان زال إيمانه وهذا مخالف لأقوال أهل السنة - فيرد عليه ، بأن زوال الجزء من أي شئ لايعني زوال الكل بل يكون نقصاً في ذلك الشيئ فقط . وقد ثبت أن الإيمان يزيد وينقص فإذا نقص العمل من الإيمان كان نقصاً في الإيمان لا زوالاً له بأكمله فيزول عنه الكمال وكذلك قوة الإيمان قد تزداد وقد تضعف ، فإذا ضعفت لايكون ذلك زوالاً للإيمان إنما يزول عنه الكمال لكن إذا انعدم التصديق انعدم الإيمان ، لأن التصديق واليقين أساس الإيمان وهذا محل اتفاق بين جميع المسلمين ، فالمكذب بالله أو الرسول كافر ، لأن القول أو العمل لا معنى لهما إذا لم يوجد التصديق بالله ورسوله ، وصاحبهما لم يفعلهما عبادة لله لأنه غير مؤمن به أو هو مكذب لرسوله .

 

خاتمة وتوصيات :

 

بعد أن استعرضنا أقوال العلماء في مسمى الإيمان يظهر لنا جليا رجحان ما ذهب إليه سلف الأمة وجمهور الأئمة من كون الإيمان المذكور في نصوص الكتاب والسنة اعتقاداً وقولاً وعملاً وذلك لما يلي :

 

1- الأدلة الواضحة على ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية وكلام السلف الصالح .

2- ضعف أدلة المخالفين .

 

وبناءً على ذلك فإنا نوصي بما يلي :

 

1- نشر المفهوم الصحيح للإيمان بين الأمة وبيان أنه قول وعمل واعتقاد وأن دعوى أن الإيمان إنما هو مجرد اعتقاد فقط أو اعتقاد وقول بدون عمل ، له آثار سلبية في حياة الأمة الإسلامية من حيث تركها لكثير مما أمر الله به من الطاعات ، وارتكاب عدد كبير من المسلمين للمعاصي زاعمين أن الإيمان في القلب فقط متساهلين بذلك في حدود الله عز وجل .

 

2- بيان المفاهيم المغلوطة للإيمان للأمة حتى تحذرها ولا تقع فيها .

3- التفصيل للأمة في كل ما يشمله اسم الإيمان من الطاعات ومن شعب الإيمان حتى يتضح لها الأمر وحتى تقوم بذلك فتستحق ما يستحقه المؤمن كامل الإيمان من توفيق الله عزوجل ومعيته ونصره ورزقه وإعزازه وتمكينه ودفاعه وهدايته .

 

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم والحمد لله رب العالمين ،،

 

إعــداد : لجنة الإيمان

جمــع: عبدالله بن علي الجوده

--------------------

- المصادر والمراجع :

* القرآن الكريم .

* كتب السنة النبوية .

* المنهاج في شعب الإيمان .

* شرح العقيدة الطحاوية .

* شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة .

* فتح الباري .

* شرح صحيح مسلم .

* عقيدة ابن جرير .

* أصل السنة لابن أبي حاتم .

* التمهيد لابن عبدالبر .

* شرح السنة .

* كتاب الشريعة للآجري .

* أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة .

* مقالات الإسلاميين .

* إلى غير ذلك من المراجع المبينة في حواشي البحث .

 --------

 (1) وقد نقل في لسان العرب الاتفاق بين أهل اللغة وغيرهم على أن الإيمان في اللغة : التصديق ، وانظر الخلاف فيما يدل عليه لفظ الإيمان في اللغة في شرح العقيدة الطحاوية - ص379-382 .

(2) أخرجه البخاري ومسلم .

(3) كتاب المنهاج في شعب الإيمان (3791) .

(4) انظر : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/886،887 .

(5) مناقب الإمام أحمد - ابن الجوزي - ص228 .

(6) فتح الباري - 1/47 .

(7) كتاب التمهيد - 9/238 .

(8) شرح السنة - 1/38،39 .

(9) شرح صحيح مسلم - 1/146 .

(10) هو سعيد بن عبدالعزيز التنوخي ، بفتح التاء وضم النون الدمشقي قال عنه ابن حجر : ( ثقة ، إمام ، ساواه أحمد بالأوزاعي ، وقدمه أبو مسهر ولكنه اختلط في آخر عمره ، من السابعة مات سنة سبع وستين ومائة وقيل بعدها ) ، تقريب التهذيب - 1/301 ، وانظر : ترجمته في تهذيب التهذيب - 4/59 .

(11) عقيدة ابن جرير 10 ضمن المجموعة العلمية .

(12) مناقب الإمام أحمد - ص228 .

(13) شرح أصول الاعتقاد لللالكائي - 1/173،174 .

(14) أصل السنة لابن أبي حاتم - ص225-226، طبع ضمن كتاب (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة ) لسعدي الهاشمي - ط الجامعة الإسلامية .

(15) مناقب الإمام أحمد - ص228 .

(16) شرح أصول الاعتقاد - لللالكائي - 1/173،174 .

(17) أصل السنة - لابن أبي حاتم - ص225-226 - طبع ضمن كتاب ( أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة )- لسعدي الهاشمي – ط الجامعة الإسلامية .

(18) شرح السنة - 1/38،39 .

(19) كتاب الشريعة - ص119.

(20) الشريعة - للآجرّي - ص104 ، بواسطة الولاء والبراء في الإسلام - لمحمد سعيد القحطاني .

(21) أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة - رسالة دكتوراه - تأليف د. محمد بن عبدالرحمن الخميس - ص385-388 بتصرف يسير .

(22) رواه أحمد ، وأبو داود ، من حديث أبي أمامة وصححه الألباني ، والترمذي من حديث معاذ بن أنس الجهني .

(23) رواه مسلم - من حديث ابي سعيد .

(24) أخرجه الحاكم- 1/4 - والطبراني في الكبير - كما في مجمع الزوائد - 1/52 - وصححه الألباني في صحيح الجامع .

(25) أخرجه مسلم في صحيحه .

(26) انظر مقالات الإسلاميين -1/213-214- تهذيب الآثار - للطبري - (2/182) ، الإيمان الأوسط ضمن مجموعة الفتاوى - (7/508) .

(27) الكرامية : أتباع عبدالله بن كرام ، وقد افترقوا عدة فرق لكنهم لا يكفر بعضهم بعضاً ، ومن أبرز عقائدهم قولهم : أن الإيمان هو مجرد الإقرار باللسان ، كما أنهم قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين كالمعتزلة، انظر: مقالات الإسلاميين -1/223، الفرق بين الفرق - ص215-226، التبصير في الدين - ص111-117، الملل والنحل 1/108-113، اعتقاد فرق المسلمين والمشركين -ص67 ، انظر: الإرشاد - للجويني - ص396 ، والملل للشهرستاني 1/113 ، المقالات -1/223 ، الإيمان الأوسط - 7/509 .

(28) انظر : الإنصاف للباقلاني - ص55 ، المحصل - للرازي - ص147 ، الإرشاد - ص397 ، المواقف - ص384 ، شرح الجوهرة - ص42-45 . ويرى شيخ الإسلام : أن القول بأن الإيمان هو التصديق موافق لقول جهم بأنه هو المعرفة ، انظر : الإيمان ضمن مجموع الفتاوى- 7/119-120 .

(29) الارجاء : هو التأخير وسمواً بذلك لأنهم يؤخرون العمل عن النية والعقد ، وهم أصناف وفرق كثيرة منهم الغالي كالجهمية ومنهم دون ذلك ، ويجمعهم القول بأن الأعمال ليست من الإيمان . انظر: مقالات الإسلاميين -1/213 ، وما بعدها ، الفرق بين الفرق - ص202 ، التبصير في الدين -ص97 ، الملل والنحل - 1/139 ، اعتقاد فرق المسلمين والمشركين - ص70 .

(30) المقالات -1/219-221 ، والفقه الأكبر مع شرحه للقاري - ص68-69 ، التمهيد - 9/238 ، انظر : هذه التسمية في " الإيمان الأوسط " لشيخ الإسلام ضمن مجموع الفتاوى 7/507 .

(31) انظر : فتح الباري- 1/546 ، ولوامع الأنوار- 1/405 ، شرح العقيدة الطحاوية -ص373 ، وانظر : هذه الأقوال في الإيمان لابن مندة- 1/331 .

(32) انظر : كتاب الإيمان لشيخ الإسلام - ص11- 13 و 186،210 .

(33) انظر : الإيمان لشيخ الإسلام - ص135 .

(34) انظر : الإيمان الأوسط ضمن مجموع الفتاوى 7/550 ، الإيمان ص134-136 ، التوحيد - لأبي منصور الماتريدي -ص373-375 .

(35) أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة - ص354 .

(36) تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية - ص157 .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أدلة الإيمان بالبعث
عبد اللطيف الهجرة
السبت 9 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أدلة الإيمان بالبعث

 

1- الإخبار عنه في القرآن والسنة : إن الذي خلق اليوم الآخر وخلق الجنة والنار قد أخبرنا عما أعد لعباده المؤمنين، وتوعد به الكافرين ، فقال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) ﴾ [سورةالحج] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) ﴾ [سورة الذاريات] ، وقال تعالى : ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) ﴾ [سورةالقيامة] ، وقال تعالى : ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(7) ﴾ [سورة التغابن] .

 

وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا عن اليوم الآخر وهو الذي زار الجنة ورأى النار في ليلة الإسراء والمعراج فهو شاهد العيان الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم : عندما سأله جبريل عن الإيمان : «... أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ...»(1) .

 

كما ذكرت السنة النبوية كثيراً من تفاصيل أحداث اليوم الآخر كالبعث والحشر والموقف والحساب والصراط والميزان والجنة والنار ، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً (2) قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ فَقَالَ : الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ »(3) ، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذكر النفخات التي تسبق قيام الناس من القبور ، وفيه : « ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ » ، قال : « لَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(4) ، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن الميزان بقوله : « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ »(5) ، وقوله صلى الله عليه وسلم في وصف الصراط : « وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَبِهِ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ(6)،قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ...»(7) .

 

وقال صلى الله عليه وسلم عن القنطرة : « إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ(8) بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا »(9) .

 

وقال صلى الله عليه وسلم : « إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ.. »(10) ، وقال صلى الله عليه وسلم : « قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ ، حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا ، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ : أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ – حسبت أنه قال : تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ. قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا ، لاَ هي أَطْعَمَتْهَا وَلاَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ – قال نافع : حسبت أنه قال : مِنْ خشيش أو خَشَاشِ الأَرْضِ »(11) .

 

2- استحالة العبث، ولن نترك سدى :

 

إن الحياة الدنيا بدون الحياة الأخرى تكون عبثاً، وتعالى الله عن العبث ، فالحكمة ظاهرة في تضاعيف هذا الكون وبنائه وفي جميع خلايا الإنسان وأجهزته . وكل جزء في كيان الإنسان قد خلق لحكمة ، فكيف تكون الحياة بأكملها عبثاً لا حكمة من ورائها ؟ فلابد أن هناك حكمة ، وإذا كانت لا تظهر في الدنيا فلابد من يوم آخر تظهر فيه ، قال تعالى : ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) ﴾ [سورة القيامة] .

 

3- العدل الإلهـي :

 

إذا رأيت جباراً يعتدي على طفل صغير فإن مشاعرك ستتحرك مستنكرةً لذلك العدوان ، ولكل ظلمٍ تراه. ولو أن حماراً يرى نفس المنظر للظالم ما تحركت مشاعر كراهية الظلم لديه، ذلك لأن الذي خلقك قد فطراك على حب العدل(12) ولم يفطر الحمار على ذلك .

وكل مخلوق من البشر قد فطر على نفس ما فطرت عليه أنت ، ولو جمعنا حب العدل الذي قسم بين الأولين والآخرين وفي نفوس الأنبياء والفضلاء والصالحين لما كان إلا قبساً من عدل الله العظيم لأن حب العدل صفة كمالٍ ، والخالق أكمل من مخلوقاته فهو صاحب العدل الكامل سبحانه ، ومن العدل أن يثاب المحسن ويعاقب المسيئ ، فإذا عرفنا أن عدل الإنسان يأبى التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي، وعلمنا أن الله هو صاحب العدل المطلق والكمال الأعلى ورأينا موازين العدل لا تتحقق كاملة في الحياة الدنيا جزمت العقول بأن الله سيقيم العدل الكامل في حياة أخرى ، كما قال سبحانه : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾ [سورة الجاثية] ، وقال تعالى : ﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾ [سورة القلم] .

 

وقال تعالى : ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) ﴾ [سورة الأنبياء] .

 

4- دليل الحق :

 

لو أنك زرت بلداً متحضراً في حياته المادية ، ورأيت جميع الشوارع في جميع المدن معبدةً منارةً بأعمدة الإضاءة فإنك ستستنتج أن قانون هذه الدولة ونظامها يقضي بتعبيد الشوارع وإنارتها .

 

فإذا دخلت شارعاً في مدينة من هذه المدن ، ورأيت الحفريات وأعمدة الإضاءة ملقاةً على الأرض ومتناثرة فيه ستجزم بأن هذا الشارع لا بد أن يعبد ، ولا بد أن يضاء بالنور وأن تقام فيه أعمدة الإضاءة كبقية الشوارع في تلك البلاد ، وجميع تلك المدن وفقاً لقانون تلك البلدة ونظامها ؛ لأن الحكومة التي من شأنها تعبيد الطرق وإضاءتها لا تترك هذا الشارع شاذاً عن نظامها .

 

إذا عرفت ذلك فتأمل في هذا الكون الذي أقام الله بناءه بالحق. لقد خلق الله السموات والأرض بالحق ، فانظر إلى خلايا جسمك وأنسجته وأعضاءه وأجهزتة ، سترى أن كلاً منها في موضعه الصحيح وشكله الصحيح ويؤدي وظيفته الصحيحة وأنها جميعاً قد خلقت بالحق شكلاً ووظيفة وموضعاً. وإذا تأملت في أجزاء سائر الحيوانات والنباتات وجدت ما تجده في نفسك من وضع كل شئ في موضعه المناسب وبحجمه وشكله الصحيح المناسب لوظائفه .

 

وإذا درست الأرض وتركيبها ستجد أن كل أجزائها من هواء وماءٍ وأرض وصخور وموقع في المجموعة الشمسية قد وضعت في أماكنها الصحيحة المناسبة لحياة ما عليها من كائنات .

 

وإذا تأملت في الشمس والقمر والنجوم والكواكب وجدتها بأحجام ومدارات وتركيب وسرعات محكمة موزونة متقنةٍ متناسبة مع كل جرم من تلك الأجرام ومتناسقة في بناء كامل قامت عليه السماء، فيدلك ذلك على أن الحق الذي هو وضع الأمور في نصابها هو القانون الإلهي الذي قام عليه بناء الأرض والسماء .

 

والاستثناء هو ما تراه في حياة الناس ، فنجد الظالم مكرماً والمظلوم مهاناً في أحيان كثيرة. وقد نجد النبي المرسل مطارداً يؤذيه السفهاء ، وتجد العبد المتأله يعبد من دون الله، فلا ترى سنة إقامة الحق الذي شمل الأرض والسماء كاملة التحقق في حياة البشر .

 

فيدلنا ذلك على أن الذي أقام الحق في أجزاء الكون لابد أن يقيمه في حياة الناس ولابد أن تخضع حياة الناس للقانون الذي خضع له الكون . وما دام هذا القانون غير متحقق في الدنيا ، فلابد من يوم آخر يقام فيه الحق ، كما قال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) ﴾ [سورة الجاثية] .

 

5- الأطماع الواسعة وحب الخلود :

 

لو نظرنا إلى خلق الأطراف (اليدين والرجلين) عند الجنين في رحم أمه ما فهمنا الحكمة من خلقها ، إذ أنه لا يمكنه استخدامها في ذلك المكان الضيق حيث لا تقوم الحاجة إليها. ولن تظهر الحكمة منها إلا عند خروجه من ذلك المكان إلى مكان أرحب حيث يحتاج لتلك الأطراف في السعي في الأرض . إذاً فخلق تلك الأطراف وإحكامها كان من أجل مرحلة تالية من الحياة .

 

والذي يقصر نظره على طور الرحم سينكر الحكمة من خلق تلك الأطراف عندما يراها لا تؤدي وظيفة . لكن الإحكام في خلق تلك الأطراف مشاهد، وإنكاره باطل، وعدم ظهور الحكمة في الطور الأول لا ينقض الإحكام ولكن يدل على ضرورة وجود طور آخر تظهر فيه الحكمة من ذلك الخلق الزائد عن سعة الرحم وحاجة الجنين في تلك المرحلة. وكذلك الأطماع الواسعة للإنسان في هذه الدنيا وحبه للخلود لا تتسع الحياة الدنيا على الأرض لتلبيتها، فكلما تحقق للإنسان مكسب من مكاسب الحياة سعى إلى مكسب آخر، وان أعطي وادياً من مال طلب آخر، كما قال صلى الله عليه وسلم: « لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ »(13).

 

ولو امتلك الإنسان نصف الأرض لطلب النصف الآخر ، ولو أعطي الأرض كلها لسلك سبيلاً إلى القمر . ولو عرض عليه أن يعمر ألف عام أو مليون عام أو أكثر من ذلك لطلب المزيد ، ولن يرضى إلا بالخلود . وما زلت قدم أبينا آدم عليه السلام من قبل إلا طمعاً بالخلود والملك الذي لا يبلى، كما قال تعالى : ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) ﴾ [سورة طه] .

 

فهذان دليلان من فطرة الإنسان على أن حاجة فطرته أكبر من هذه الأرض وعمرها. ولما كان الخالق حكيماً لا يعبث ، والأرض لا تكفي لتلبية هذه الفطرة ، فالعقل يقضي بأن هناك طوراً آخر خلقت من أجله هذه الفطرة الزائدة عن حجم الأرض وعمرها ، قال تعالى : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾ [سورة ق].

 

6- دليل البدء والإعادة :

 

إن نسمة الهواء (الأوكسجين) التي تتنفسها تتحول في جسمك إلى ثاني أكسيد الكربون الذي تأخذه الأشجار فيعود مرة أخرى نسمة جديدة من الأوكسجين انظر ص :85،87 .

وإن ماء النهر يجري إلى البحر ثم يتبخر فيكون سحاباً ثم يصب مطراً فيعود أنهاراً تصب في البحار .

وإن صخور الأرض التي نعيش عليها تدمس في باطن الأرض فتصهر في باطنها الناري لتخرج حممًا بركانية فتعود صخوراً مرة ثانية على سطح الأرض .

وإن الصباح يأتي ثم يعقبه الليل ثم يعود الصباح مرة أخرى .

والقمر يبدأ هلالاً ثم يكتمل بدراً ثم يعود هلالاً كالعرجون القديم .

وإن النجم يبدأ من سحابة من دخان ثم ينفجر فيعود دخاناً .

إن الكون كله بدأ بانفجار عظيم ثم أخذ في التوسع وسيعود كما بدأ أول مرة .

فسنة الله في الكون بدء وإعادة ، وكما بدأ الله خلق الإنسان فسوف يعيده مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) ﴾ [سورة الروم] ، وقال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ﴾ [سورة الروم] ، وقال سبحانه : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ﴾ [سورة العنكبوت] ، فالذي شأنه أن يعيد الخلق كما بدأه قادر على يعيد خلق الإنسان كما بدأه .

 

وهو سبحانه يرينا كيف يحي المواد الميتة ، قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) ﴾ [سورة فاطر] ، وقال تعالى : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39) ﴾ [سورة فصلت] ، وقال سبحانه : ﴿ وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ﴾ [مريم:66-68] .

 

7- دليل الثواب والعقاب : ما جعل الله الدنيا دار جزاء ولكن كادت الدنيا أن تكون دار جزاء ، فكم نرى من المجرمين قد أحيط بهم بعد طول أجرام؟! ، وكم من المظلومين يقتص الله لهم ممن ظلمهم ؟! وكم أخذ الله الأمم الكافرة بعد قوة وتقلب في البلاد ؟!  وكم أجاب الله دعاء المؤمنين بالنصر على أعدائهم .

 

فعندما استقام المسلمون على دينهم كان نصر الله يتنزل عليهم ، وعندما انحرفوا سلط الله عليهم أعداءهم. وعندما جاءت الدول الاستعمارية محاربة للإسلام ظالمة للمسلمين ؛ ثارت عليها الشعوب المظلومة وطردتها من بلادها. وعندما نشر الاتحاد السوفييتي الكفر والظلم والفساد حطمه الله وهو في أعز قوته. وهكذا من يتأمل في حياة الأفراد والأسر والمجتمعات يجد أن الدنيا تكاد تكون دار جزاء يعاقب فيها المسيء ويكافأُ فيها المحسن .

وإذا تأملت هذا جلياً فإنك ستصل إلى نتيجة تدلك على أن الذي عجل للكافرين والظالمين بعض ما يستحقون من العذاب لابد أن يوفيهم في الدار الآخرة ما يستحقون من العقاب، كما قال سبحانه عن قوم عاد: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [فصلت:16].

 

وقال تعالى عن المنافقين : ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ(101) ﴾ [سورة التوبة] . 

 

وكما يعجل الله بعض العقاب للكافرين فإنه يعجل للمؤمنين بعض حسناتهم في الدنيا ويوفيهم أجورهم يوم القيامة ، قال تعالى عن المؤمنين : ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) ﴾ [سورة النحل] ، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (122) ﴾ [سورة النحل] ، وقال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) ﴾ [سورة النحل] ، فيكون بعض الثواب والعقاب من الله في الدنيا دليلا على الثواب والعقاب الكاملين في الدار الآخرة .

 

8- ظهور علامات الساعة :

 

لقد أخبرنا رسول الله صلى الله وسلم بأحداثٍ ستقع في الدنيا ، تكون علامات على قرب الساعة فشاهدنا الكثير منها(14)، مثل ما جاء في حديث جبريل عندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة فقال : «...أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ...»(15) وقد وقع ذلك بشيوع التسري -اتخاذ الإماء- فتلد لسيدها بنتاً تضم إلى أسرته وتبقى هي في الإماء .

 

وبعد ظهور النفط والمعادن رأينا من كانوا حفاة عراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم .

 

وما شاهدنا من علامات الساعة يؤكد صدق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة والآخرة. وكما رأينا هذه العلامات في الدنيا حقاً فسنرى الجنة والنار حقاً، وسيجد كل فريق ما وُعد به. يقول تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) ﴾ [سورة الأعراف] .

 

------------------

(1) سبق تخريجه وهو حديث جبريل المشهور.

(2) يعني : غير مختونين ، والأغرل : هو الذي لم يختن وبقيت معه غرلته ، وهي الجلدة التي تقطع عند الختان .

(3) أخرجه البخاري -ك الرقاق -ب كيف الحشر ، ومسلم -ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها -ب فناء الدنيا وبيان الحشر، والنسائي -ك الجنائز -ب البعث ، ومن حديث ابن عباس أخرجه الترمذي -ك صفة القيامة -ب ما جاء في شأن الحشر .

(4) البخاري -ك التفسير –ب يوم ينفخ في الصور ، ومسلم -ك الفتن وأشراط الساعة -ب ما بين النفختين .

(5) سنن الترمذي -ك البر والصلة -ب ما جاء في حسن الخلق وقال : حسن صحيح ، ورواه القضاعي في مسند الشهاب 1/274 ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/194 .

(6) السعدان : نبت من أفضل مراعي الإبل له شوك . القاموس المحيط - مادة [سعد] .

(7) البخاري -ك الرقاق -ب الصراط جسر جهنم ، ومسلم -ك الإيمان -ب إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ، وابن  ماجة -ك الزهد -ب ذكر البعث ، وأحمد في مسنده -2/275 ، وابن حبان في صحيحه -16/378-379 .

(8)   القنطرة : الجسر . القاموس المحيط مادة [قنط] .

(9) البخاري –ك المظالم والغصب -ب قصاص المظالم ، وابن حبان في صحيحه 16/461 ، والحاكم في المستدرك 2/385 ، والطبراني في المعجم الأوسط 3/146 .

(10) رواه البخاري -ك الصلاة -ب رفع البصر إلى السماء ، ومسلم -ك الصلاة -ب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ، والنسائي -ك الكسوف -ب قدر القراءة في صلاة الكسوف، وأحمد في المسند 1/289 .

(11) أخرجه البخاري -ك الأذان -ب حدثنا ابن أبي مريم ، ومسلم -ك الصلاة -ب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ، والنسائي -ك الكسوف -ب/ نوع آخر (من صلاة الكسوف) ، وابن ماجة -ك إقامة الصلاة والسنة فيها -ب ما جاء في صلاة الكسوف ، وأحمد في المسند -2/159 ، وقد جاء في بعض الروايات أن المرأة المذكورة في الحديث من حِمْيَر .

(12) وقد يختل ميزان العدل عند الإنسان إذا كان طرفاً في نزاع أو غلبه هوى .

(13)  سبق تخريجه .

(14)  راجع كتاب : أشراط الساعة - ليوسف بن عبدالله الوابل - رسالة علمية متخصصة .

(15)  سبق تخريجه .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
من آيات الله في الأبصار
سامي شلايل
السبت 9 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من آيات الله في الأبصار

 

مقدمـة :

 

الحمد لله رب العالمين ، خالق السماوات والأرض ، وجاعل الظلمات والنور ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والرسل أجمعين .

 

أما بعد ..

 

فهذا دليل من الأدلة المتعددة الكثيرة التي تدل على أن لا مكان لما يسمى بالصدفة أو التلقائية في خلق الإنسان وأن هناك خالق عالم محكم خلق الإنسان وأبدعه في أحسن تقويم وهيأ له النعم التي لا حصر لها ظاهرة وباطنة في الكون وفي نفسه وهي آيات عظيمة يجب علينا تأملها وتدبرها لندرك عظمة موجدها وخالقها .

 

يقول تعالى : ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾ [سورة الذاريات] .

 

ومن تلك النعم والآيات العظيمة نعمة البصر التي يدرك من خلالها الإنسان الموجودات من حوله. والتي لولاها لعشنا نتخبط في الظلام لا نهتدي إلى شيء وفقدنا متعة إدراك جميل صنع الله في الأرض وفي السماء من صور وأشكال وألوان متعددة .

 

إن الناظر المتأمل في خلق العين عند الإنسان ليعجب من تلك القدرة الهائلة التي أودعها الله فيها من قوة إبصار ووضوح صورة وحساسية شديدة ومن مقدرة على التكيف مع مختلف ظروف الرؤيا من كبر وصغر وقرب وبعد وشدة إضاءه …

 

ويأخذنا العجب أكثر إذا علمنا أن العين مع كل ذلك تقصر عن إدراك الواقع المرئي كما هو ، بل إنها تحدث فيه تشويها من عدة وجوه ، ولم تكن نعمة الإبصار لتكمل وتحقق الغاية لولا وجود جهاز إبصار آخر كامن فينا لا ندركه يكمل عمل العينين هو مركز الإبصار في المخ .

 

إن ما يقوم به هذا الجهاز الإبصاري من عمل لكي يدرك الإنسان المرئيات من حوله شيء معجز يأخذ بالألباب ويخضع القلوب المؤمنة أمام عظيم صنع خالقها ، ويرد مفحماً على القائلين بالصدفة في خلق الإنسان أصحاب الإفهام العوجاء والقلوب المريضة وناكري الجميل والفضل العظيم لخالقهم .

 

أجهزة الإبصار عند الإنسان :

 

يقول تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) ﴾ [سورة المؤمنون] ، جاءت كلمة الإبصار بصيغة الجمع وتدل كلمة إنشاء أن الأبصار أجهزة بصر لها وجود مادي والمتأمل في أجهزة البصر عند الإنسان يلاحظ وجود ثلاثة أجهزة إبصار مختلفة هي :

 

1- العين اليمنى ، وتتكون فيها صورة من الجهة اليمنى للشيء (منظر مرئي من الزاوية اليمنى من الأمام) .

 

2- العين اليسرى ، ويتكون فيها صورة أخرى من الجهة اليسرى للشيء وهي تختلف بعض الشيء عن الصورة المتكونة في العين اليمنى .

 

3- الصورة التي ينشئها المخ ، وهي الصورة الأخيرة التي يدركها الإنسان وهي الصورة المطابقة تماماً للواقع بخلاف صورتي العينين اللتين تكونان صوراً حقيقية ولكنها مشوهة .

 

الواقع بين الحقيقة والخيال :

 

إن صور الأشياء والموجودات التي ندركها من حولنا ونراها كما هي بحجمها الطبيعي وأبعادها الطبيعية ووضعها الطبيعي هي صور وهمية أو خيالية من صنع المخ وهي ليست نفسها الصور التي تراها العينان أو بالأصح التي تنطبع على شبكية العين لأن الصور التي تنطبع على شبكة العينين صور مختلفة عن الواقع المرئي أو مشوهة له وإن أمعنا النظر في طبيعة هذه الصور المنطبعة على شبكية العينين لوجدناها مشوهه للواقع من أربعة وجوه هي:

 

أ‌- تكون صور متعددة للواقع بسبب وجود عينين إثنتين تريان صورتين بينما الواقع صورة واحدة .

 

ب‌-  تكون الصورة المرئية بالعين (المنطبعة على الشبكية) صغيرة تبلغ عده مليمترات بطول حبة قمح أو حبة فول بينما الواقع أكبر بعشرات أو مئات المرات .

 

ج- تتكون على شبكية العين صورة مقلوبة للواقع 180درجة بسبب قوانين انكسار عبر العدسات .

 

د- تكون الصورة على شبكية العين مسطحة لأنها مكونة على سطح ذي بعدين هي شبكية العين.

 

بسبب قوانين الضوء الهندسية تظهر صورة الشجرة على شبكية عين الإنسان صغيرة ومقلوبة .

 

ولو تسنى للإنسان أن يدرك مباشرة صور الموجودات من حوله التي تأتي إليه من العينين مباشرة بدون أن تمر وتعدل عبر مركز الإبصار في المخ كأن ينظر الإنسان إلى أخيه مثلاً لوجده شخصين اثنين بدلاً من واحد رأسهما إلى أسفل ورجلاهما في السماء كأنهما خفاشين إضافة إلى أنه سيراهما مسطحين كأنهما صورة مطبوعة على بطاقات ورقية .

 

هذا ما كان سيحصل لو لم يكن هناك مركز للإبصار في المخ ولكن بفضل نعم الله التي لا تحصى على الإنسان خلق له مركزاً للإبصار في المخ يقوم بتعديل أو تصحيح التشوهات الأربعة التي طرأت على الصورة المرئية لكي ندركها في نهاية الأمر مماثلة للواقع فهو أولاً يجعلها صورة واحدة بدلاً من صورتين ويقلبها مرة أخرى 180درجة لتصبح معتدلة قائمة ويكبرها لتصبح مماثلة لأبعادها الحقيقة ثم يجعلها مجسمة لها بعد ثالث -العمق- بسبب دمج الصورتين في صورة واحدة .

 

ومثلما قامت العين بتشويه الصورة المستلمة من الواقع قام مركز الأبصار بتشويه -بتغيير- الصورة المستلمة من العينين بدرجة ثانية -سنعتبره تشويه لأن الصورة التي يشكلها المخ تختلف عن تلك التي على شبكية العين- ولكن بدلاً من أن يكون هذا التشويه مضاعفا بحيث تصبح الرؤية متعذرة أو مستحيلة -تشويه على تشويه- كان هذا التشويه مطابقاً تماماً للواقع هل نقول يا للصدفة السعيدة أن جاء التشويه الثاني مطابقاً للواقع من كل الوجوه أم أنه مرتب ومحكم قصد به الرؤيا الرؤية التامة الواضحة لما حول الإنسان من موجودات .

 

لاشك أنه القصد والتدبير المحكم من الخالق والعالم بالإنسان وما حوله من موجودات. الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى.

 

والآن هذا سؤال يطرح على أدعياء المصادفة ونظريات التطور كيف تمكن المخ الذي هو مفارق للواقع وعلى غير اتصال مباشر مشوه للواقع -العينين- من أن يعلم مقدار التعديل الذي يجب إجراؤه على الصورة القادمة من العينين حتى تصبح مماثلة للواقع ؟ .

 

يمكن لهم أن يفسروا بمنطقهم الأعوج وحيلهم الواهية التي لا تنطلى على أصحاب العقول والمنطق والفهم السليم ، يمكن لهم أن يفسروا اختفاء عضو من الأعضاء أو تلاشى حاسة من الحواس أو فناء جنس أو تطوره بنشوء عضو مهمل أصبح بحاجة إليه … الخ. ولكن كيف لهم أن يفسروا استطاعه مركز الإبصار في المخ المعزول عن أي تأثير بيئي خارجي يقبع بداخل علبة مغلقة من العظام كيف استطاع عبر ملايين من سنين التطور أن يعلم أن عليه أن يقلب الصورة القادمة إليه من العين بالضبط 180درجة لا أقل من ذلك ولا أكثر لماذا لم يقلبها 90درجة فقط فنرى الشخص الواقف نائماً. كيف قاد التطور والانتخاب الطبيعي ونظريات البقاء للأصلح مركز الإبصار في المخ أن يجعل في نفس الوقت حجم الصورة التي يشكلها فما لله تماماً للواقع وصورة واحدة مجسمة ؟!!! كيف اهتدى إلى الاحتمال الصحيح من بين ملايين الاحتمالات الأخرى لشكل وعدد وأوضاع الصور الأخرى ؟!!! لاشك أنهم لن يفلحوا في تقديم أي تفسير يعلل هذا العلم للمخ عن طريق نظرياتهم الفاشلة وخير لهم أن يسلموا بأن للإنسان وللكون من حوله خالقاً عليماً خلق مركز الإبصار في المخ ووضع فيه النسب والمقادير التي يجب عليه أن يستخدمها عند تعديله وضبطه للصور القادمة إليه من العين لكي توافق ما هي عليه في الواقع تماماً . يقول تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ﴾ [سورة فصلت] .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
منهج أهل الإيمان في النقد والحكم على الآخرين
أحمد زبين عطية
السبت 9 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

منهج أهل الإيمان في النقد والحكم على الآخرين

 

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه .

أما بعد :

فإن أهل الإيمان الحق لهم منهج متميز في العقيدة والعمل ، وكذا في النظر والاستدلال ولهم منهج في المناظرة وبيان الحق ، ولهم منهج في الدعوة ، كذلك في النقد وتقويم الآخرين ، ولذا أحببت أن أسمي هذا البحث بـ ( منهج أهل الإيمان من النقد والحكم على الآخرين ) .

 

والذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع عدة أمور :

أولاً : أهمية بيان المنهج الإيماني في النقد ، لكثرة صدور الأحكام دون تحري المنهج السليم في إصدار الأحكام مما أدى إلى الوقوع في أخطاء جسيمة في حق المسلمين .

ثانياً : عظم حرمة حق المسلم على أخيه المسلم.

ثالثاً : الآثار المترتبة بسبب الانحراف عن هذا المنهج ، من بخس الناس، وتقطيع الأواصر ، وحدوث الفرقة بين المؤمنين ، ووقوع الغيبة والحسد والبغضاء وغير ذلك من الأدواء الكثيرة والتي لا تخفى على القارئ .

ـ وقد قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث .

ـ وتحت كل مبحث مجموعة من القواعد الشرعية المجمع عليها عند أهل الإيمان وذكرت بعض الأدلة على كل قاعدة ـ باختصار ـ وكذا أقوال العلماء في ذلك وهو كما يلي :

المبحث الأول : في الحكم على الآخرين :

وفيه سبع قواعد وهي :

1) الخوف من الله عز وجل عند الحكم على الآخرين .

2) تقديم حسن الظن بالمسلم .

3) الكلام في الناس ـ وإن كانوا خصوماً ـ يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف .

4) العدل في كيفية وصف الآخرين .

5) العبرة بكثرة الفضائل والحسنات .

6) العدل أثناء المفاضلة بين الناس .

7) المنهج الإيماني في الحب والبغض .

 

المبحث الثاني : لم يبلغه جرح في غيره وتحته أربع قواعد شرعية :

1) النظر في حال الجارح .

2) التثبت عند ورود الأخبار .

3) رد المغيبة على المغتاب .

4) كلام الأقران والنظر يطوى ولا يروى .

 

المبحث الثالث : للمسلم مع غيره ، وفيه خمس قواعد هي :

1) السعادة في معاملة الخلق .

2) حال الإنسان مع غيره إذا لاقاه .

3) معاملة من أخطاء في طلبه واجتهاده للحق .

4) ذكر الناس داء ، وذكر الله دواء .

5) إعطاء كل ذي حق حقه .

 

أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وإن يبصرنا بعيوبنا ويكفينا شر أنفسنا ويرزقنا العدل في الأقوال والأعمال .

 

 

المبحث الأول : سبع قواعد في الحكم على الآخرين :

 

القاعدة الأولى : الخوف من الله عز وجل عند الكلام على الآخرين : حرم الله الغيبة في كتابه وعلى لسان رسوله فقال في كتابه العزيز : ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ... ﴾ [الحجرات:12] ، وتفسير الغيبة جاء فيما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته »(1)، وقد كان السلف من أشد الناس بعداً عن الغيبة والخوف منها ، قال البخاري : سمعت أبا عاصم يقول : « منذ أن عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحداً قط »(2) ، وقال أيضاً : أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً .

 

وقال الذهبي : "صدق رحمه الله ومن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل ، علم ورعه في الكلام في الناس ، وإنصافه فيمن يضعفه.. حتى أنه قال : إذا قلت : فلان في حديثه نظر ، فهو مهتم واه ، وهذا غاية الورع "(3)، وقد عمل السلف على محاسبة أنفسهم إذا اغتابوا أحداً من الناس ، فهذا وهب بن منبه يقول : " نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني فكنت أغتاب وأصوم ، فنويت كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم ، فمن حب الدراهم تركت الغيبة "(4).

 

بل إن المغتاب يقدم حسناته إلى من اغتابه ، وأما ما يفعله بعض الناس في هذا الزمن من غيبة الآخرين بحجة التقويم ، فإنه ينبغي لهم قبل أن يتكلموا في غيرهم أن يتدبروا عدة أمور :

أولاً : يسأل نفسه ما هو الدافع الحقيقي لكلامه في غيره ؟ هل هو الإخلاص والنصيحة؟ أم هو الحسد والكراهية ؟!!

وهذا مزلق خطير قد لا ينتبه له النقاد ثم يؤدي إلى زعزعة أخوة الإيمان .

 

ثانياً : هل الدافع هو من الحالات الجائز فيها الغيبة ؟!! .

 

ثالثاً : يتأمل قبل الكلام على الغير ، ما هو جوابي عند الله يوم القيامة إذا سألني : يا عبدي فلان لم قلت في فلان كذا وكذا ؟ ، وقد قال ابن دقيق العيد : " أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام "(5) ، وليتذكر أن الله تعالى يقول : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) ﴾ [سورة البقرة] .

 

القاعدة الثانية : تقديم حسن الظن بالمسلم : والأصل في هذه القاعدة قول الله عز وجل : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا ... ﴾ [الحجرات:12] ، والتجسس لا يقع في الغالب إلا بسبب سوء الظن ،  وأمر المسلم ـ في الأصل ـ قائم على الستر وحسن الظن به وترك الإساءة ـ ففي حادثة الإفك ، عندما قيل ما قيل ، بين سبحانه الموقف الصحيح الذي ينبغي لكل مسلم أن يقفه فقال تعالى : ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) ﴾ [سورة النور] ، ثم بين أن التلفظ بهذا الكلام ونقله أمر عظيم فقال : ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) ﴾ [سورة النور] ، ثم وعظنا أن نعود في الوقوع في مثل هذا الذنب العظيم فقال : ﴿ يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) ﴾ [النور:17] ، وبيّن سبحانه أن مجرد نقل الجرح في الآخرين بلا ضرورة شرعية وبلا تثبت وروية (أنه إثم) فقال : ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ ... ﴾ [النور:11] ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع »(6)، وقال عبدالرحمن بن مهدي : " لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع " ونحو هذا الكلام قاله الإمام مالك بن أنس ، وقد أمر الله المؤمنين التثبت في الأخبار فقال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) ﴾ [الحجرات:6] .

 

القاعدة الثالثة : الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف : والأصل في هذه القاعدة الذهبية هو قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) ﴾ [سورة المائدة] ، وقوله تعالى : ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ... ﴾ [هود:85] ، يقول ابن جرير الطبري : " يعني بذلك سبحانه : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ليكن من أخلاقكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم ، وانتهوا في جميع أموركم إلى حدي واعلوا فيه بأمري" (7)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل ، لا يجهل وظلم ، كحال أهل البدع "(8) ، وقال الذهبي : " ومثل الفضيل تكلم فيه فمن الذي يسلم من السنة الناس لكن إذا ثبت إمامه الرجل وفضله ، لم يضوه ما قيل فيه ، وإنما الكلام في العلماء يحتاج إلى وزن بالعدل والورع "(9) ، ولشيخ الإسلام ـ كلام نفيس يبين هذا المنهج الإيماني الصحيح في الحكم والكلام على الآخرين قال ـ رحمه الله ـ : " ثم إنه ما من عالم إلا له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة ، وله ردود على البدع والإلحاد ، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم ، وتكلم فيهم بعدل وإنصاف ، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل ، وحدث من بعضهم هفوات وأخطاء ، صار الناس بسبب ذلك :

*منهم من يعظمهم ، لما لهم من المحاسن والفضائل والسوابق .

*ومنهم من يذمهم ، لما وقع في كلامهم من الباطل، وخيار الأمور أوساطها والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات ولا ريب أن من اجتهد من طلب الحق والدين من جهة الرسول وأخطاء في بعض ذلك ، فالله غفر له خطأه ، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا : ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... ﴾ [البقرة:286] فقال الله : قد فعلت "(10)، ومن هنا : فمن تكلم في غيره بغير علم ولا عدل فهو مخالف للكتاب والسنة ومنهج أهل الإيمان : ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) ﴾ [سورة الإسراء] ، والكلام في الآخرين ، بدون علم أو بظلم وهوى سبب لتفرق القلوب وحدوث التباغض ، بل سبب للفشل وذهاب وحدة الصف وقوته، والله المستعان.

 

القاعدة الرابعة : العدل في وصف الآخرين : وهي جزء من القاعدة السابقة ولكن لأهميتها أفردتها لوحدها ، والمقصود منها : هو العدل في ذكر المساوئ والمحاسن ، والموازنة بينهما وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  « كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون »(11)، فلا أحد يسلم من الخطأ فلا ينبغي أن تدفن محاسن المرء لخطأ وقع فيه كما أن الماء إذا بلغ قلتين لا يحمل الخبث ، ولذلك ينبغي للمسلم إذا كان لا بد من وصف غيره ألا يغفل عن المحاسن لوجود بعض المساوئ(12) ولا تطمر لوجود عداوة أو بغضاء بينه وبين من يصفه ، فالله عز وجل قد أدبنا بأحسن أدب وأكمله ، فقال : ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ... ﴾ [الأعراف:85] ، وإنك لتجد كثيراً ممن يذم غيره بذكر مساوئه ، ويغض الطرف عن المحاسن ، بسبب الحسد والبغضاء ، أو التنافس لمذموم بينهما ، وهذا غالباً ما يقع بين الأقران ، ولكن المنصفين هم الذين يذكرون المرء بما فيه من خير أو شر ولا يبخسونه حقه ولو كان الموصوف مخالفاً لهم في الدين والاعتقاد ، أو في المذهب والانتماء ، ومن العلماء الذين برز إنصافهم لغيرهم ، الحافظ الذهبي ـ فإنك لما ترى كتابه (سير أعلام النبلاء) فإنه ترجم للكثير من العلماء بمختلف توجيهاتهم العقدية، فلم يبخس أحداً بل أنصفهم وإن كانوا من أهل البدع والفسق والإلحاد ومن أمثلة لك :

1-  قال عن عبد الوارث بن سعيد : " كان عالماً من أهل الدين والورع ، إلا أنه مبتدع قدري " .

2-  الحكم بن هشام قال عنه : " كان جباراً ظالماً ، وكان فارساً شجاعاً " .

3-  وقال عن الواقدي : " لا نزاع في ضعفه في النقل ، لكنه صادق اللسان " .

4-  وقال عن الجاحظ الأديب المعتزلي : " هو علامة متبحر، أحد الأذكياء ، وكان ماجناً قليل الدين " .

5-  وقال عن ابن العميد : " كان عجباً في الإنشاد والبلاغة ، ومع فلسفته فلا يدري ما الشرع " .

6-  وقال عن السرخسي : " فيلسوف بارع من بحور العلم الذي لا ينفع " .

 

وهناك أمثلة كثيرة ، وهذا المنهج هو منهج أهل الإيمان الدقيق في الحكم على غيرهم ومن رام الإنصاف فلا يحيد عن هذا الطريق السوي، وأن يتفق الله عز وجل في وصفه لغيره ، والله الموفق .

 

القاعدة الخامسة : العبرة بكثرة الفضائل : يقول ابن رجب : " والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرد في كثير صوابه " ، ومنهج السلف هو اعتبار الغالب على المرء من الصواب أو الخطأ ، والنظر إليه بعين الإنصاف ، وقال الذهبي : " ونحب السنة وأهلها ، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ ، وإنما العبر بكثرة المحاسن "(13) ، وقال ـ رحمه الله ـ في ترجمة ابن حزم الأندلسي (الإمام) قال عنه : " ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب ، بل فجج العبارة ، وسب وجدع ، وفي الجملة فالكمال عزيز ، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ، وكان ـ يعني ابن حزم ـ ينهض بعلوم جمة ، ويجيد النقل ، ويحسن النظم والنثر، ومقاصده جميلة، ومصنّفاته حميده ، فلا تغلو فيه ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار"(14) ، ولشيخ الإسلام كلمة لطيفة تتعلق بهذه القاعدة عكس أن نعتبرها أصلاً من أصول أدب الخلاف والنقد حيث قال : " العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية "(15) ، وأصل هذه القاعدة وتفسيرها أنه لا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم من وجه ويعذب ويبغض من وجه آخر ، ولهذا قال ابن تيمية : " ومن سلك طريق الاعتدال ، عظم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، والرجل له حسنات وسيئات ، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب وهذا هو منهج أهل السنة وجماعة المسلمين "(16). ولكن ـ وللأسف ـ ومن الناس من يرى المثالب ، ويعمى عن المناقب وفي ذلك يقول الشعبي ـ رحمه الله ـ : " والله لو أصبت تسعاً وتسعين مرة، وأخطأت مرة واحدة لعدّوا علي تلك الواحدة "(17)، وقد قيل : كفى بالمرء نبلاً أن تعد معائبه .

 

القاعدة السادسة : العدل أثناء المفاضلة بين الناس : والأصل في هذه القاعدة هو قوله تعالى : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... ﴾ [الحجرات:13] ، وقول الرسول الكريم عندما سئل : أي الناس أكرم ؟ قال : « أكرمهم عند الله أتقاهم »(18).

 

ـ والتفضيل بين الناس يكون بوجهين :

1 ـ تفضيل مطلق .

2 ـ تفضيل مقيد .

 

ـ أما المطلق فيكون على أساس التقوى وقوة الإيمان ، ولنا الظاهر فقط والله يتولى الخفايا والسرائر .

 

ـ وأما المقيد ، فهو بحسب قيده، فالناس يتفاضلون في المواهب والقدرات والعلم والذكاء والفهم، وقوة الحفظ ، وحسن بالإدارة والتنظيم ، فهذه المفاضلة مقيدة لا علاقة لها بالأفضلية عند الله تعالى .

 

 وقاعدة السلف أنا لا نقدم إلا من قدمه الله ورسوله، ولا نؤخر إلا من أخره الله ورسوله . كما أن التفضيل المطلق في كل الأمور يصعب الحكم به في كثير منها، وذلك لاشتمال كل واحد منهما على فضليه لا توجد في الآخر ، فيلجأ حينئذ إلى التفصيل، لأن التفضيل بدون التفصيل لا يستقيم ، يقول ابن القيم : " فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح " .

فإذا ثبت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل ومن ذلك لما سئل ابن تيمية عن الأفضل : هل هو الغني الشاكر أم الفقير الصابر ؟ فقال : " أفضلهما أتقاهما لله ، فإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة " ، وسئل أيهما أفضل خديجة أم عائشة؟ فقال "سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من الأمهات، وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغ الأمة العلم مالم تشركها فيه خديجة ولا غيرها" فانظر إلى هذا الجواب المبني على العدل والخوف من الله ، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف ما يلي :

1-  أسباب الفضل .

2-  درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض والموازنة بينهما .

3-  نسبت الأسباب إلى من قامت به كثرة وقوة .

4-  ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها ومكانها .

 

خرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالاً لغيره ، فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه ، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه ، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا وهكذا .

 

القاعدة السابعة : المنهج الصحيح في الحب والبغض : والأصل في هذه القاعدة قوله تعالى : ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) ﴾ [سورة التوبة] ، إذن الحب والولاء بإطلاق للمؤمنين ، والبغض والبراء بإطلاق للكافرين لأنهما من أوثق عرى الإيمان ، كما ثبت في الحديث الذي رواه أحمد 4/186 ، والذي أخطا أو زل لا ينبغي أن نبغضه ونذمه بإطلاق كما فعلت الخوارج فكفرت مرتكبي المعاصي ، كما أننا لا نمدحه مدحاً مطلقاً ، ولا نوصله إلى درجة أبي بكر وعمر بل وجبريل وميكائيل ، كما فعلت المرجئة، وإنما

دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه وهذا منهج سلف هذه الأمة .

 

وينبغي هنا التنبيه إلى أمر هام : أن من الناس من يبني الحب والبغض على مدى موافقة الآخرين له ، فتجد من يحب فلاناً من الناس لأنه على مذهبه أو طريقته في الدعوة ، أو لأنه ضمن جماعته ... وغير ذلك ، ويبغض الآخرين إذا خالفوه في رأي فقهي واجتهادي ، أو نظري عملي، خالفوه في أسلوب دعوي معين في دائرة الاجتهاد المشروع المستساغ وغير ذلك ، وهذا كله دليل على ضعف الوازع وقلة الرادع وضعف الإيمان في القلب ، وصاحب الهوى يعجبه هواه ويصمه فلا يستحضر ما لله ولرسوله في ذلك فإن رضي فهو السنة والحق والدين وإن غضب فهي الضلالة والبدعة ـ وهذه الحق ـ ميزان خاسر ومعيار ماكر سرعان ما ينقطع بصاحبه فلا يبرح إلا وقد أغرقه في الذنوب والآثام وهذا كان حال المختلفين في الدين  الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً وكفر بعضهم بعضاً والله المستعان .

 

خلاصة القول : أن أي مسلم إذا أراد أن يحكم على غيره بدافع شرعي فلا بد له من مراعاة السبع القواعد الآنفة الذكر حتى يسلم المسلمون من لسانه ويده ويتقى الله في ألفاظه ويتجرد عن الهوى وحظوظ النفس الإمارة بالسوء ويتذكر أن الجامع للناس هو دين الله الذي تتضاءل أمامه جميع الانتماءات .

 

أن يختلف ماء الوصال فماؤنا *** عذب تهطل من غمام واحد

أو يختلف نسب يؤلف بيننا *** دين أقمناه مقام الوالد

 

المبحث الثاني : قواعد لمن يبلغه جرح من غيره :

 

القاعدة الأولى : الأصل في الشائعات عدم الصحة حتى تثبت : إن المتأمل في الوحيين ، وفي التاريخ بشكل عام يعلم قطعاً ما للشائعات من خطر عظيم وأثر بليغ، فهي من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للأفراد والمجتمعات. فكم أقلقت الإشاعة من أبرياء ، وحطمت من عظماء ، وهدمت من وشائج ، وفككت من علاقات وصداقات ، وهزمت من جيوش ، وأخرت من حضارات . وليس نوعاً من المبالغة حينما نقول إن ما وجده الرسول الكريم في حديث الإفك هو حدث الأحداث في تاريخه ، وهي مجرد فريه وإشاعة مختلقة بيّن الله كذبها، ولولا عناية الله لعصفت بالأخضر واليابس وقد مكث مجتمع المدينة بأكمله شهراً كاملاً وهو يصلى بنار تلك الفرية ، ويتعذب ضميره وتعصره الإشاعة الهوجاء عصراً ، وفي الحديث الصحيح : « كفى المرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع »(19)، وفي تاريخ المسلمين أخذت الشائعات باعاً طويلاً كانت آثارها وخيمة على الأمة ومنها على سبيل المثال لا الحصر :

 

مثال : 1- شائعة انتشرت أن كفار قريش أسلموا بعد الهجرة الأولى للحبشة والنتيجة عودة بعض المسلمين إلى مكة لينالوا أشد العذاب من الكفار هناك ولله الأمر من قبل ومن بعد .

 

مثال : 2- شائعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في أحد فت في عضد كثير من المسلمين حتى ألقى بعضهم السلاح وترك القتال !! .

 

مثال : 3- واجتمعت الشائعات الكاذبة ضد عثمان الخليفة المظلوم حتى اجتمعت أخلاط من المنافقين ودهماء الناس وصارت لهم شركة وقتل على إثرها خليفة المسلمين بل كانت آثار الفتنة الرعناء أن قامت حروب بين الصحابة الأفاضل كالجمل وصفّين ، وتولدت من ركامها الخوارج، وتزندقت الشيعة ، وترتب عليها ظهور المرجئة والقدرية الأولى وفتن لا طرف لها وحسبنا الله ونعم الوكيل .

 

والذي ينبغي على المسلم عند سمعه مثل هذه الشائعات والأقاويل أن :

 

1- يقدم حسن الظن بأخيه المسلم ، وهو طلب الدليل الباطني الوجداني وأن ينزل أخاه بمنزلته : ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور:12] .

 

2- أن يطلب الدليل الخارجي البرهاني : ﴿ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... ﴾ [النور:13] .

 

3- أن لا يتحدث بما سمعه ولا ينشره لأن الشائعة لولا ناقليها لماتت في مهدها : ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) ﴾ [سورة النور] .

 

4- أن يرد الأمر إلى أولي الأمر ولا يشيعه بين الناس أبداً وهذا في كل أمر هام : ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ... ﴾ [النساء:83] .

 

5- عدم سماع (السماعين) لهم من منافقين وكذابين وأصحاب القلوب المريضة : ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ..﴾ [التوبة:47] . يقول شيخ الإسلام بن تيمية : " والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء فصار الأكابر عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها ، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله "(20)، وللأسف أن هذا العصر يمثل عصراً قذراً لرواج الشائعات ضد الإسلام وأهله وتصيد أخطاء قادة الأمة المسلمة وعلمائها ودعاتها والنيل منهم لصرف الأمة عنهم ويتولى كبرها حكام صهيون وأفراخهم في كل بلاد ، جازاهم الله بسوء فعلهم .

 

القاعدة الثانية : النظر في حال الجارح لغيره : والأصل في هذه القاعدة هو قول الله : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ [الحجرات:6] , وقرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) من الثبت والتثبت ، فإن الله عز وجل بين أن التثبت في خبر الفاسق واجب ، ولذلك ينبغي إنطلاقاً من هذا المبدأ النظر في حال الجارح ، فقد يكون بينه وبين المجروح عداوة أو حسد أو بغضاء أو تنافس مذموم، أو هو من قبيل كلام الأقران بعضهم في بعض ، أو أن الجارح ـ أصلاً ـ غير مرضي في دينه وأمانته .. إلخ ، قال السخاوي : " رأي ابن عبد البر أن أهل العلم لا يقبل فيهم الجرح إلا ببيان واضح فإذا انظم لذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول"(21)، ويقول السبكي : "بل الصواب عندنا أن تثبت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه ، من تعصب مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة، ولو فتحنا هذا الباب ، أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة ، إذ ما من إمام إلا طعن فيه طاعنون ، وهلك فيه هالكون "(22)، فلا بد إذن من التأمل في حال الجارح والدوافع التي حملته على هذا الجرح ووضعه في الميزان الشرعي حفاظاً على الحرمات والأعراض .

 

القاعدة الثالثة : التثبت من الأخبار : وهذه القاعدة أصل عظيم في تلقي الأخبار والرواية والعمل بها ، وقد سار سلفنا الصالح على المنهج الأسنى والطريق الأسمى في التثبت والتأني في نقل الأخبار ومن أجل هذا اهتم علماء الرجال في نقدهم في التفريق بين الضابط وغير الضابط. والحافظ وغير الحافظ ، ومن هنا فإنه يجب التفريق بين الراوي للخبر إذا كان جيد الحفظ أو سيء الحفظ ، أو كان جيد الفهم أو رديء الفهم، أو جيد التعبير ، أو رديئه ، فضلاً عن التثبت في صدقه وأمانته . ـ وفي هذا العصر ، كثيراً ما ينقل أناس فتاوى عن علماء خلاف ما أفتى به العالم ، وما ذلك إلا بسبب سوء حفظهم وسوء فهمهم، وأحياناً يضاف إليهما سوء تعبيرهم والواقع أكبر شاهد؟!! ـ وكذلك ما تتناقل أخبار عن أشخاص أو هيئات لا أساس لها من الصحة وما ذلك إلا بسبب من الأسباب الآنفة الذكر ، هذا إذا حملنا المتكلم على الصدق والبراءة من تهمة الكذب. ـ يقول الحسن البصري "المؤمن وقاف حتى يتبين" الفتاوى 10/82م . والضابط في هذه المسألة / أن من عرف عنه الصدق والدين وجودة الحفظ وحسن التعبير والأداء ، فإننا نقبل خبره دون تثبت ومن اختلت فيه صفة من هذه الصفات ، أو ما شابهها فإنه يحتاج إلى التثبت في خبره . وقد قيل "وما آفة الأخبار إلا رواتهاط .

 

والأولى للناقل نقل الكلام كاملاً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وفي الحديث إشارة إلى هذا المعنى في قوله عليه السلام : « نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها ، وبلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(23)

 

فوائد الحديث : في قوله : ( فحفظها ووعاها ) إشارة إلى الحفظ السليم والفهم المستقيم .

وفي قوله : « وبلغها من لم يسمعها » إشارة إلى أداء الكلام بنصه .

وفي قوله : « فرب حامل فقه لا فقه له » إشارة إلى صاحب الفهم الضعيف.

 

القاعدة الرابعة : رد الغيبة على المغتاب : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من ذب عن عرض أخيه الغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار »(24) ، ومن سمع الغيبة ورضي بها فهو مشارك في الإثم للقاتل ، وكان السلف يعملون على رد الغيبة على قائلها ، قال سفيان بن الحصين : "كنت جالساً عند إياس بن معاوية ، فمر رجل فنلت منه ، فقال : أسكت ثم قال لي سفيان : هل غزوت الروم ؟ قلت : لا قال هل غزوت الترك ؟ قلت : لا ثم قال سلم منك الترك والروم ولم يسلم منك أخوك المسلم.. قال فما عدت إلى ذلك بعد"(25). ـ وذكر أن إبراهيم بن أدهم : " أنه أضاف أناساً ، فلما قعدوا على الطعام، جعلوا يتناولون رجلاً. فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز "(26).

 

ولذلك ينبغي لكل مسلم غيور على دينه أن لا يرضى أن يغتاب بحضرته أحد من الناس لأنه إذا كان راضياً ساكتاً شارك في الإثم وإلا فلا ينبغي له البقاء في المجلس لأن الغيبة تجمع خصال الشر كله وهي تكون بالكلام أو الغمز أو بالإشارة أو بالكتابة والقلم ، يقول الحسن : " والله للغيبة أسرع في دين الرجل من الأكلة من الجسد " .

 

دعاة الغيبة علمهم : إن برز صالح اتهموه، وإن ظهر كريم شتموه، يتمشوه بالكذب والتدليس، والمغالطة والتلبيس ، يتهمون الثقات ، ويبعثون الفتن ويزرعون الإحن ، ويقطعون الصلات ، ويفرقون الجماعات ، غراب بين ، ونذر شؤم ، ومشعل اللهب .

 

قيل لبعض الصالحين : لقد وقع فيك فلان حتى أشفقنا عليك ورحمناك فقال : "عليه فأشفقوا وإياه فارحموا" ، وقال رجل للحسن : بلغني أنك تغتابني ، فقال : " ولم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي " ، ويقول ابن المبارك : " فر من المغتاب فرارك من الأسد " ، فطوبى ثم طوبى لمن ملك لسانه واهتم بعيوب نفسه وترك عيوب الناس ولله در القائل :

 

لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عورات وللناس ألسن

وعينك إن أبدت إليك معائباً *** فقل : يا عين للناس أعين

 

القاعدة الخامسة : كلام الأقران لا يقبل ويطوى ولا يروى : كلام الأقران يطوى ولا يروى ، وهي قاعدة قررها جمهور السلف رضي الله عنهم ، والمراد بالأقران هم : يقول ابن عباس : " خذوا العلم حيث وجدتم ، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة "(27)، قال الإمام مالك بن دينار : " يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض ، فإنهم أشد تحاسداً من التيوس تنصب لهم الشاة الضارب فينب هذا من هنا وهذا من ههنا "(28)، يقول الذهبي : " كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، لا سيما إذا لاح اليأس لعداوة أو لمذهب أو لحسد ، وما ينجو منه إلا من عصم الله وما علمت من عصر من العصور سلم منه أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ولو شئت لسردت من ذلك كراريس "(29) ، يقول ابن عبد البر : " إن السلف قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد ، كما قال بن عباس وأبو حازم ومنه على جهة التأويل ولا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان أو حجة توجيه "(30) .

 

ومن الأمثلة على كلام الأقران :

1 - قال الذهبي في ترجمة رجاء بن حيوة : " قال مكحول : ما زلت مصطلحاً على من ناوأني حتى عاونهم علي رجاء بن حيوة ، وذلك أنه كان سيد أهل الشام في أنفسهم قلت (الذهبي) كأن ما بها فاسداً ، ومكحول ورجاء إمامان فلا يلتفت إلى قول أحد منهما في الآخر "(31) .

 

2 - قال الذهبي في ترجمة بن مندة : " لا نعبأ بقولك ـ يقصد أبا نعيم ـ في خصمك للعداوة السائرة كما لا نسمع قوله فيك ، ولا يقبل قول أحدهما في الآخر " .

 

وأخيراً ـ لأبي حازم كلمة جميلة جداً ، يقول بن عيينة : "سمعت أبا حازم يقول لا تعادين رجلاً ولا تناصبه العداء حتى تنظر إلى سريرته مع الله ، فإن يكن له سريرة حسنة، فإن الله لم يكن ليخذله بعداوتك له ، وإن كانت سريرته رديئة فقد كفاك مساوئه ، ولو أردت أن نعمل به أكثر من معاصي الله لم تقدر "(32).

 

فالله الله يا أيها المسلمون ، ويا أيها الدعاة في فهم هذا المنهج الشرعي الذي به صلحت أوائل هذه الأمة ووالله وتالله لا صلاح لآخرها ولا عزة ولا تمكين إلا نفس هذا المنهج(33)، وهذا هو الرجاء والأمل وعلينا الإخلاص والصدق والعمل .

 

المبحث الثالث : قواعد للمسلم مع غيره :

 

القاعدة الأولى : السعادة في معاملة الخلق : وهذه تكون نابعة عن النية الصحيحة في معاملتهم ، فحبه لهم ، وبغضه إياهم إذا كان كله لله وعلى يقين من أمر الله فإنه يجد السعادة في معاملتهم ، قال شيخ الإسلام : " والسعادة في معاملة الخلق ، أن تعاملهم لله ، فترجو الله فيهم ، ولا ترجوهم في الله ، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله، لا منهم " ، وفي الحديث: « إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ، أو تذمهم على ما لم يؤتك الله »(34) .

 

القاعدة الثانية : حال الإنسان مع غيره إذا لاقاه : كثيراً ما يلتقي الإنسان بغيره ، سواء في المسجد أو في الشارع ، أو العمل والمنزل إن منهج الإيمان من الملاقاة ، كما قال عبدالرحمن بن مهدي : " إذا التقى الرجل الرجل فوقه في العلم فهو يوم غنيمته ، وإذا لقي من هو مثله ، دارسه وتعلم منه ، وإذا لقي من هو دونه تواضع وعلمه "(35). ويقول ابن راهويه :  " كنت أجالس بالطرق أحمد بن حنبل ، وابن معين ، فكنا نتذاكر الحديث ويأخذ بعضنا من بعض فلا ننصرف إلا بفوائد جليلة "(36).

 

القاعدة الثالثة : معاملة من أخطأ في طلبه للحق : يقول تعالى : ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... ﴾ [البقرة:286] ، فإذا اجتهد الإنسان في طلب الحق من جهة الرسول فأخطأ فهو مغفور له بنص الآية ، وإذا أخطأ في مسائل الاعتقاد بعد الاجتهاد من جهة الرسول ، فلا يبدع ولا يهجر لخطئه ، وإن كان يقال إن قوله بدعة، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مبتدعاً ، فكما أن قول الكفر لا يلزم منه أن يكون صاحبه كافراً فكذلك المبتدع وكما أن تكفير المعين يحتاج إلى توفر شروط وانتفاء موانع ، فكذلك تبديع المعين يحتاج إلى توفر الشروط وانتفاء الموانع ، وعلى هذا فلا نبدع الحافظ ابن حجر، ولا القاضي بن العربي ، وأمثالهما ، لأننا علمنا من سيرتهم تحريهم للحق ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأموراً أو فعل محظوراً .

 

الأصل الثاني : "المجتهد المستدل ـ من إمام ، وحاكم وعالم ، وناظر ، ومناظر ، ومفت وغير ذلك ، إذا اجتهد واستدل ، فاتقى الله ما استطاع كان هذا الذي كلفه الله إياه ، وهو مطيع لله مستحق الثواب ولا يعاقبه الله البتة .. وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله" المنهاج 5/84 .

 

القاعدة الرابعة : ذكر الناس داء ، وذكر الله دواء : قال الذهبي بعد ذكر هذه القاعدة : " أي والله فالعجب منا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداء " قال تعالى ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة:152] ، وقد وردت النصوص الدالة على ذكر الله وحرمة إطلاقه في الأعراض قال تعالى : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ﴾ [سورة ق] ، وقال عليه الصلاة والسلام : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت » ، وقال أيضاً : « من صمت نجا »(37) .

 

فالعاقل من انشغل بذكر الله عن ذكر الناس وحافظ على لسانه من اللغو واللهو، وجعله منشغلاً بذكر الله والدار الآخرة .

 

القاعدة الخامسة : إعطاء كل ذي حق حقه : قد يبرع أحدهم في العلم ، والآخر في الجهاد ، وآخر في الدعوة وهكذا فيعطى كل إنسان تخصصه ولا يهضم في مجاله ، قال الذهبي : " الكتابة مسلمة لابن البواب كما أن أقرأ الأمة أبي بن كعب وأقضاهم زيد ،  وأفرضهم زيد ، وأعلمهم بالتأويل ابن عباس، وأمينهم أبو عبيدة ، وعابرهم محمد بن سيرين ، وأصدقهم لهجة أبو ذر ، وفقيه الأمة مالك ، ومحدثهم ابن حنبل ، ولغويهم أبو عبيدة ، وشاعرهم أبو تمام وعابدهم الفضيل ، وحافظهم سفيان الثوري ، وفارسهم خالد بن الوليد "(38)، وهكذا فإن المواهب والتخصصات يعطيها الله كيف يشاء فلا بد إذن من إعطاء كل ذي حق حقه.

 

وأخيراً ـ فإن ما سبق من القواعد وشرحها الموجز تعتبر منهاجاً للأمة في كيفية التعامل وأسلوب النقد من أجل بقاء أخوة الإيمان ، والتئام الصف ، وجمع الشمل، وتوحيد الكلمة والالتزام بشرع الله في كل مجالات الحياة والله المستعان .

 

بقلم / أحمـد زبين عطيـة

خريج جامعة الإيمان ـ الدفعة الأولى

كلية الشريعة - 10/ ربيع الثاني / 1425هـ

 

--------------------

مراجع البحث :

1- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - للألباني - طبعة المكتب الإسلامي .

2- الإيمان - ابن أبي شيبة - نشر دار الأرقم ـ الكويت . 

3- بدائع الفوائد - ابن القيم - دار الفكر.

4- تنبيه الغافلين - السمرقندي - الطبعة الثانية - دار الشروق .

5- جامع بيان العلم وفضله - ابن عبدالبر - دار الفكر .

6- تفسير الطبري - تحقيق أحمد شاكر - ط2 - مكتبة ابن تيمية .

7- حصائد الألسن - حسين العوايشة - دار عمار .

8- درء تعارض العقل والنقل - ابن تيمية - الطبعة الأولى - جامعة الإمام محمد بن سعود . 

9-  سلسلة الأحاديث الصحيحة - للألباني - المكتب الإسلامي .

10-  سير أعلام النبلاء - الذهبي - الطبعة الثانية - إشراف شعيب الأرناؤط - الرسالة.

11-  صحيح مسلم - دار إحياء التراث العربي . 12- صحيح البخاري مع الفتح - دار الريان للتراث .

13-  القواعد الفقهية - لابن رجب - دار المعرفة - بيروت .

14-  منهاج السنة النبوية - لابن تيمية - ط الأولى - طبعة جامعة الإمام .

15-  المسند - للإمام أحمد - ط الرابعة - المكتب الإسلامي .

16-  مجموع فتاوى ابن تيمية - جمع عبدالرحمن بن قاسم وابنه محمد .

17-  ميزان الاعتدال في نقد الرجال - للذهبي - ط الأولى - دار المعرفة ، بيروت .

18-  مناقب الإمام أحمد - لابن الجوزي - الطبعة الأولى - دار الآفاق الجديدة، بيروت .

 -------

(1) رواه مسلم - 4/2001.

(2) التاريخ الكبير -4/336 .

(3) انظر سير أعلام النبلاء-  12/439 .

(4)  السير 12/441 .

(5) انظر : طبقات الشافعية - 2/18 .

(6) أخرجه مسلم في المقدمة برقم (5) وبوب الإمام مسلم في مقدمة الصحيح : باب النهي عن الحديث بكل ما سمع .

(7) التفسير : 10/95 ، تحقيق : أحمد شاكر .

(8) منهاج السنة : 4/337 .

(9) السير : 8/448 .

(10) درء تعارض العقل والنقل 2/101-103.

(11) أخرجه أحمد ، والترمذي .

(12) الأصل عدم الكلام عن الآخرين ، ولكن إذا كان الكلام لأمر شرعي..

(13) السير - 20-46 .

(14) السير - 18/186 .

(15) منهاج السنة- 8/412 .

(16) الفتاوى - 15/294.

(17) السير - 4/308 .

(18) أخرجه البخاري – برقم : 3353 ، ومسلم : 4/1846 .

(19) أخرجه مسلم .

(20) منهج السنة  -4/343 .

(21) فتح المغيث - 3/328.

(22) انظر طبقات الشافعي الكبرى -2/9 .

(23) مسند أحمد - 4/82 ، وصحيح الترغيب والتهذيب -87 .

(24) أخرجه أحمد 6/461 ، صحيح الجامع رقم : 6240 .

(25) تنبيه الغافلين - 1/176 .

(26) تنبيه الغافلين - 1/176 .

(27) جامع بيان العلم وفضله -2/185 .

(28) طبقات الشافعية الكبرى- للسبكي 2/9 .

(29) ميزان الاعتدال -1/111 .

(30) الجامع - 2/186 .

(31) السير - 4/588 .

(32) السير- 6/98 .

(33) دين الله باق إلى يوم القيامة . بحذف العبارة .

(34) أخرجه أبو نعيم في الحلية - 5/106 .

(35) السير - 9/203.

(36) مناقب أحمد - ص859 .

(37) السلسلة الصحيحة - رقم : 536 ، رواه البخاري ومسلم .

(38) سير أعلام النبلاء - 17/319 .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
طلب العلم
أحمد المصباحي
السبت 9 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

طلب العلم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 

فهذا بحث عن موضوع طلب العلم مقدم إلى ندوة الإيمان:

 

آيات قرآنية في فضل العلم(1):

 

قوله عز وجل: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ... ﴾ [آل عمران: 18] ، فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا شرفا وفضلا وجلاء ونبلا وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ... ﴾ [المجادلة:11]، نكر الدرجات لتعظيمها ، وقال عز وجل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .. ﴾ [الزمر:9] والمعنى لا يستويان ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ... ﴾ [فاطر:28] ، حيث حصر وقصر خشيته على أهل العلم ، وقال تعالى: ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ [سورة الرعد:43] .

 

 وقال تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ .. ﴾ [النمل:40]، تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم، وقـال عز وجل: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا.. ﴾ [القصص:80] ، بين أن عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم .

 

وقال تعـالى: ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ ﴾ [سورة العنكبوت:43] ، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... ﴾ [النساء:83] ، رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في استنباط حكم الله.

 

وقال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ ... ﴾ [الأعراف:52] ، وقال تعالى: ﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ... ﴾ [الأعراف:7] ، وقال عز وجل: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ... ﴾ [العنكبوت:49] ، وقال تعالى: ﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ  [سورة الرحمن:3, 4] ، وإنما ذكر ذلك في معرض الامتنان.

 

أحاديث نبوية تحث على العلم:

 

عَنْ مُعاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليْه وسلَمَ: « مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَا يفقهه في الدين »(2). 

 

وعَنْ ابنِ مَسْعودِ رضيَ الله ُعنهُ قال: قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليْهِ وسلَمَ: « لا حَسَدَ إلاَّ في اثنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاه اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلى هَلَكتِهِ في الحَقَّ ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِها وَيُعَلِمُّها »(3).

 

وعن سَهْل بنِ سَعد رَضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَّبيَّ صَلى اللهُ عليْه وسلم قال لعليٍ رضي اللهُ عنهُ: « فو اللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَم »(4).

 

وعن أبي هُريرةَ - رَضيَ الله ُعنهُ - أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليْه وسَلـَّمَ قالَ: « مَنْ سَلَكَ طَرِيْـقـَاً يَلْتَمِسُ فيْهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ به طَرِيْقاً  إلى الجَنَّةِ »(5).

 

وعن أبي هُريرةَ رَضيَ الله ُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليْه وسَلـَّمَ قال: « مَن دَعَا إلى هُدَى كانَ لـَهُ مِنَ الأجْرِ مِثلُ أجور من تبعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجُورِهِم شَيئْاً »(6) .

 

وعن أبي هُريرةَ رَضيَ الله ُ قالَ قالَ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليْه وسَلـَّمَ: «إذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عمَلُهُ إلاَّ منْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أو ولد صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ »(7).

 

وعن أبي هُريرةَ رَضيَ الله ُ عنهُ قالَ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عليْه وسَلـَّمَ يَقُول: « مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ فهو في سَبِيْلِ اللهِ حتى يَرْجِعَ »(8).

 

وعَن أبي أُمَامَةَ رضيَ اللهُ عنهَ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ قالَ: « فَضْلُ العَالِمِ على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْنَاكًم » ، ثم قالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليْه وسَلَّمَ: « إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ وَأَهْلُ السماوات والأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في حُجْرِهَا وَ حَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ على مُعَلِمِي النَّاسِ الخَيْرَ »(9).

 

وعَن أبي الدَّرداءِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ يَقُولُ: « مَن سلَكَ طَرِيْقَاَ يَبْتَغِي فِيْهِ عِلْمَاً سَهَّلَ اللهُ لهُ طَرِيْقَاً إلى الجَنَّة ، وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَاً بِما يَصْنَعُ ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغفِرُ لهُ مَن في السماوات ، ومَن في الأرضِ حَتَّى الحِيْتَانُ في المَاءِ ، وفَضْلُ العَالِمِ عَلى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ على سَائِرِ الكَوَاكِبِ وإنَّ العُلَماءِ وَرَثَةُ الأنبِيْاءِ ، وإنَّ الأنبِيْاءَ لمْ  يُوَرَثُوا دِيْناراً ، ولا دِرْهَمَاً ، وَإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ »(10).

 

وقد جاءت عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أحاديث عدة في فضل العلماء منها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ  قال: « من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل له به طريقاً إلى الجنة»(11) .

 

قال الإمام الطيبي: "والضمير في – به - عائد إلى من، والباء للتعدية أي يوفقه أن يسلك طريق الجنة" ، وقال رسول الله  صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ: « من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع»(12).

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ: « لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه مالاً فسلّطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها »(13), والمراد بالحسد في هذا الحديث الغبطة بأن يتمنى مثل حال المغبوط، لا أن يتمنى زوال نعمة غيره فذلك هو الحسد المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [سورة الفلق:5].

 

 ومما يدل علي تكريم الإسلام للعلم أنه جعله فريضة على كل مسلم في قوله صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ: « طلب العلم فريضة على كل مسلم »(14)، قال العلامة المناوي(15): "قد تباينت الأقوال وتناقضت الآراء في هذا العلم المفروض على نحو عشرين قولاً وأجود ما قيل قول القاضي:إن العلم المفروض هو مالا مندوحة عن تعلمه كمعرفة الخالق جل وعلا ونبوة محمد صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ  وكيفية الصلاة ونحوها فإن تعلمها فرض عين والظاهر أن المراد به كل ما يحتاجه المسلم من أمور العقيدة وشرائع الإسلام من حلال وحرام مما جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ ".

 

ويقول الرسول صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ: « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له »(16)، فأفاد هذا الحديث أن ابن آدم إذا مات توقف عمله فينقطع الثواب المترتب عليه إلا من ثلاث خصال فإنه يدوم ثوابها للعامل بعد موته، وذلك لدوام أثر تلك الأعمال حيث ينتفع غيرهم من بعدهم وهذه الخصال هي الصدقة الجارية كالوقف، والعلم الذي ينتفع به من المصنفات التي تبقى بعد مؤلفها وينتفع منها الناس ولو بعد وفاته كما قال القاضي تاج الدين السبكي في شرحه لهذا الحديث .

 

وثالثة تلك الخصال هي الولد المسلم إذا كان صالحاً مستقيماً باراً بوالديه فيدعو لهما بعد وفاتهما بالمغفرة والرحمة .

 

وقد ورد في معنى هذا الحديث أحاديث أخرى تشمل خصالاً وأعمالاً كثيرة ينتفع من أجرها وثوابها ابن آدم بعد وفاته ، منها ما رواه ابن ماجه وابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول صَلَّى اللهُ عليْه وسلمَ: « إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته »(17)، إن هذا الحديث دعوة للمسلمين والمسلمات بالمساهمة في المشاريع الخيرية ببناء المساجد والحرص على نشر العلم وتعليم القرآن وطباعة المؤلفات ومساعدة الفقراء وأبناء السبيل بالمال والطعام والشراب والمسكن لينالوا أجرها وثوابها عند الله تعالى . وإذا كان الشيء يعرف بضده فإن الجهل داء عضال يفتك بالأمم ، والخير كل الخير في طلب العلم لما تقدم من فضله في الكتاب والسنة، وإن أمة ترضى بالجهل ستجني عواقب ذلك في تخلفها الحضاري في مجالات الحياة كافة في النواحي العلمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، وللجهل عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع حيث تسوء الأخلاق وتكثر الجرائم ويعم الكسل وما أحسن قول القائل "خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل"  وقد قال الشاعر:

 

العلم يرفع بيتاً لا عماد له *** والجهل يهدم بيت العز والشرف

العلم يسمو بقوم ذروة الشرف *** وصاحب العلم محفوظ من التلف

يا طالب العلم مهلاً  لا تدنسه *** بالموبقات فما للعلم من خلف

 

وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يحتاج إليه في كل وقت .

 

مكانة العلم والعلماء في الإسلام(18):

 

إن للعلم في الإسلام شأنا وأي شأن، ويكفي للدلالة على منزلته أنه صفة من صفات الله جل جلاله: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [سورة الأنعام:13] ، وأنه سبحانه قد أمر به قبل العمل: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... ﴾ [محمد: 19] ، وما ذلك إلا لأن صحة العمل مرهونة به، وقد أمر جل جلاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- بطلب الاستزادة منه فقال: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [سورة طه:114] ، وقد استفاض حديث القرآن الكريم عن العلم حيث وردت مادة علم فيه أكثر من سبعمائة مرة، كذلك لم يخل كتاب من كتب السنة من كتاب موضوعه العلم(19) ، ولهذه المنزلة العالية كان طلبه فريضة كما أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله: « طلب العلم فريضة على كل مسلم »(20)، ومن هذا الفرض ما يكون فرض عين ومنه ما يكون فرض كفاية فكل ما يحتاج إليه لصحة العبادة فهو فرض عليه فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب – كما في القاعدة الأصولية المقررة- وماعدا ذلك من سائر العلوم التي نحتاج إليها في إقامة حياة سوية فإن تعلمه على الكفاية أي أنه لابد أن يكون في المسلمين من يعلمه بالقدر الذي يسد حاجتهم إليه وإلا أثم المسلمون جميعاً(21)، وهذا الاهتمام البالغ بالعلم وبهذه الصورة إنما يمثل المكانة الحقيقية للعلم.

 

ويبرز أثره في الحياة، فالحياة التي لا تؤسس على العلم الشرعي حياة عديمة الفائدة ، والإسلام الذي ينزل العلم هذه المنزلة هو دين العلم، ودين النقل والعقل، « إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»(22). ولهذا كانت أبرز خصائص الدعوة إلى الله هو قيامها على البصيرة أي العلم: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [سورة يوسف:108] .

 

وحقيقة العلم:

هي كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: " ليس العلم عن كثرة الحديث إنما العلم خشية الله " ، ولعل من المناسب في سياق الحديث عن العلم وفضله وأهمية نشره في العالمين التأكيد على أن حسن الديباجة واشراقة الأسلوب مطلبان حتى يحقق العالم لعلمه أسباب الانتفاع به من إثارة ذهنية ومتعة وجدانية باعتبارهما مدخلين نفسيين مهمين لمخاطبة الناس وتعليمهم. وربما كان من المهم في ختام الحديث عن مكانة العلم وفضله وفضل العلماء ورفعة شأنهم إيراد قول جميل منسوب إلى جعفر بن محمد وهو: وجدنا علم الناس كله في أربع: أولها أن تعرف ربك ، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ماذا أراد منك، والرابع أن تعرف ما تخرج به من دينك؟ أو ما يخرجك من دينك..

معوقات في طريق العلم الشرعي(23):

 

1- ترك العمل بالعلم: وترك العمل بالعلم يكون على قسمين:

 

الأول: ترك الائتمار بالواجبات الشرعية ، وترك الانتهاء عن المحرمات، وهذا كبيرة من الكبائر، وعليه تُحمل الآيات والأحاديث المتوعدة مَن تركَ العمل بالعلم .

 

الثاني: ترك المستحبات والوقوع في المكروهات، وهذا يذم لما ورد في الوعيد لمن وقع فيه ، يقول ابن الجوزي – رحمه الله -: "والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ؛ ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة ، فقدم مفلسا مع قوة الحجة فيه ، فالعملُ بالعلم مدعاةٌ لحفظه وثباته ، وعدمُ العمل به مدعاةٌ لضياعه ونسيانه" .

 

2- الاعتماد على الكتب دون العلماء:

 

حين يرى بعض من أفاء الله عليه من العلم من نفسه قدرة على أخذ العلم من بطون الكتب ، دون الرجوع إلى العلماء في توضيح عباراته وحل مشكلاته ؛ وهذا داء عُضال ابتلينا به، قال الإمام الشافعي – رحمه الله -: " من تفقه من بطون الكتب ضيّع الأحكام " .

 

3- أخذ العلم عن الأصاغر:

 

وهذه ظاهرة فشت ، وهي أن كثيراًَ من طلاب العلم يأخذونه من صغار الأسنان وهو داء عُضال؛ لأن أخذ العلم عن صغار الأسنان الذين لم ترسخ لهم قدم في العلم ولم تَشِب لحاهم فيه مع وجود من هو أكبر منهم سناً وأرسخ قدما يُضعف أساس المبدأ، ويحرمه من خبرة العلماء المشهود لهم بالعلم والفضل ، واكتساب أخلاقهم التي قوّاها العلم والزمن ، يقول ابن مسعود – رضي الله عنه – " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا "، وذهب ابن قتيبة – رحمه الله – إلى أن الصغار صغار الأسنان ، فقال عن أثر ابن مسعود: " يُريد: لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ، ولم يكن علماؤهم الأحداث ؛ لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب وحدّته وعجلته واصطحب التجربة والخبرة، ولا يدخل عليه في علمه الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزلّه الشيطان استزلال الحدث؛ فمع السن الوقار والجلال والهيبة، والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ فإذا دخلت عليه وأفتى هلك و أهلك" .

 

وعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: " قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم، إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير فاهتديا " .

 

وعن أبي الأحوص عن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: " إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفّه الصغير الكبير"، وهذا الحكم ليس على إطلاقه فقد أفتى ودرس جمع من الصحابة والتابعين في صغرهم بحضرة الأكابر، فإذا وجد الصغير وظهرت رصانته في العلم، وأُمنت منه الفتنه: فليؤخذ عنه، فمن أراد العلم من منابعه الأصلية فهاهم العلماء الكبار الذين شابت لحاهم وذبلت قواهم فليلزموهم قبل أن يفقدوهم .

 

إننا في زمان اختلّ فيه معيار كثير من العامة في تقييم العلماء، فجعلوا كل من وعظ موعظة بليغة، أو ألقى محاضرة هادفة، أو خطب مرتجلا يوم الجمعة، عالماً يُرجع إليه في الإفتاء !! ويُؤخذ عنه العلم!، وهذه ظاهرة مزرية؛ فليحذر طالب العلم من أخذ العلم عن هؤلاء، وعدم رفعهم إلى منازل العلماء .

 

4- عدم التدرج في أخذه:

 

والتدرج سنة من سنن الله في الكون، مُخالفتها في باب العلم الشرعي باب شر كبير، وضلال مستطير .

 

5- الغرور والعُجب والكبر:

 

فإن معصية الله تعالى عائقة عن نيل العلم الشرعي؛ لأن العلم نور من الله يقذفه في قلوب من شاء من عباده ، ولا يجتمع في قلب نور وظلمة ، ولذا يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: " إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد علمه بالذنب يعمله " . ويرحم الله الإمام الشافعي حيث قال:

 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور *** ونور الله لا يُهدى لعاصي

 

فالتكبر والتعاظم والغرور والعُجب من أقبح الصفات التي يتلبس بها طالب العلم ؛ فيزدري هذا ، ويترفع عن هذا ، ويتبختر في مشيته ، ويتشدّق في حديثه ... إلى غير ذلك من صفات العُجب التي نهى الله تعالى عنها: ﴿ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [سورة لقمان:18] ، قال في تهذيب الإحياء: " من أعظم الآفات وأغلب الأدواء: الكبر بالعلم ، وأبعدها عن قبول العلاج ؛ ذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله ، عظيم عند الناس، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما " . فيجب على طالب العلم أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عُشرُه من العالم، فإن من عصى الله عن معرفة وعلم فجنايته أفحش؛ إذ لم يقض نعمة الله عليه في العلم .

 

6- استعجال الثمرة:

 

بعض الناس يظن أن العلم لقمة سائغة، أو جرعة عذبة، سرعان ما تظهر نتائجها ، وتتبين فوائدها ، فيأمل في قرارة نفسه أنه بعد مضي سنة - أو أكثر أو أقل - سيصبح عالما نحريرا لا يُشق غباره ولا يُدرك شأوه ! .

 

وهذه نظرة خاطئة وتصور فاسد وأمل كاسد، أضراره وخيمة، ومفاسده عظيمة؛ إذ يُفضي بما لا تحمد عقباه من القول على الله بغير علم، والثقة العمياء بالنفس، وحب العلو والتصدر، وغالبا ما ينتهي مطافه إلى هجر الانتساب للعلم وأهله ، لأن العلم بعيد المرام لا يُصاد بالسهام ولا يرى في المنام ولا يدركه إلا من اعتضد الدفاتر وحمل المحابر وقطع القفار وواصل في الطلب الليل والنهار . 

 

7- دنوُّ الهمّة:

 

من الطلاب من هو قليل البضاعة يكتفي بقليل من الأحاديث ولا يتعداها، وبضع آيات من القرآن لا يبرحها، بضاعته في العلم قليلة ، قد قعدت به همّتُه فمحقت مواهبه، وأزالت بهاء نبوغه ، يقنع بيسير من المعلومات ويأنف من القراءة والمطالعة، ويتشاغل عن الطلب والتحصيل ، قال الفراء – رحمه الله -: " لا أرحم أحدا كرحمتي لرجلين: رجل طلب العلم ولا فهم له ، ورجل يفهم ولا يطلب ! وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم "

 

فينبغي للعاقل ألا يبغي بالعلم بدلا ، ومن أنس في نفسه النبوغ والذكاء لا يتشاغل بسواه أبدا ، وإلا فما أشد خسارته ! وما أعظم مصيبته ! .

 

على طالب العلم أن يتحلى بالصبر والجد والمثابرة ، وبهذا السبيل يستطيع التحصيل ، فمن طلب شيئا وجدّ وجد ، ومن قرع الباب ولجّ ولج ، وبقدر ما تتعنّى تنال ما تتمنى .

 

بقدر الكد تكتسب المعـالي *** ومن طلب العلا سهر الليالي

تروم العـز ثـم تنام ليـلا *** يغوص البحر من طلب اللآلي

 

وقد قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله ؟ قال: " بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الجماد، وبكور كبكور الغراب "، والمثابرة على طول طريق التعلم عنوان الهمة .

 

8- التسويف والتمني:

 

قيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالا ؟ قال: " من بَعُدت همته، واتسعت أمنيته، وقصرت آلته، وقلت مقدرته ، فليدع الأماني الكاذبة، والخيالات الكاسدة وأحلام اليقظة التي تضيّع الوقت وتطيش في الميزان " انتهى .

 

صفات طالب العلم الناجح العلم الناجح(24):

 

1- همة لا تعرف النكوص، ورغبة ملحة ، وشهوة فيه عارمة، وحماس منقطع النظير .

2- وحرص على الفائدة معرفة ثمرة العلم الجليلة، وعاقبته المحمودة، ونتيجته الرائدة .

3- التدرج في الطلب جملة جملة وحديثا حديثا وبابا بابا .

4- اغتنام الحفظ وقت الصبا وأوائل الشباب .

5- التخصص ومعرفة الفن المحبذ والتركيز عليه لتظهر الموهبة .

6- تنويع أساليب الطلب من التلقي على الأساتذة وقراءة الكتب وسماع الدروس والتأمل والمذاكرة .

7- التكرار مع ضبط المعلومة وتحقيق المسألة والرسوخ العلمي .

8- الاهتمام بالإبداع والابتكار ونبذ التقليد والمحاكاة .

9- التطواف في الفنون الأخرى لأخذ فكرة مع جرد المطولات والنظر فيما جد به العصر .

10- الاهتمام بالتصنيف في فنه وتعليمه ومراجعته في كل وقت .

11- العمل بالعلم الشرعي النافع وهو بيت القصيد ورأس المال . منين

 

آداب ووسائل طلب العلم(25):

 

وبعد أن عرفنا أهمية وفضل تعلمه نذكر بعض الأسباب التي تكون وسيلة إلى تعلمه وتحصيله، وتسمى آدابا ووسائل يتوصل بها طالب العلم إلى أن يبارك الله تعالى في أيامه، ويبارك في علومه، ولو كانت علوما قليلة:

 

أولا:  الإخلاص في تعلم العلم:

 

فإن الإخلاص شرط في قبول الأعمال كلها ومن جملتها العلم، أمر الله بالإخلاص في الدين في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [سورة الزمر 2:-3]، وفي قوله سبحانه: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [سورة الزمر: 11]، وذلك بإصلاح القصد وإصلاح النية في طلب العلم، فإن هناك من ينوي بتعلمه شغل الوقت، يقول عندي وقت فراغ أشغله بهذا التعلم، وليس له قصد في المنفعة، ولا شك أن هذا قصد قاصر، قصد ناقص إذا كان لمجرد شغل الوقت، لأن هؤلاء إذا وجد أحدهم ما يشغل به وقته غير العلم انشغل به، فكأنه وجد فراغا فأخذ المصحف أو أخذ الكتاب حتى يشغل هذا الفراغ، ولو وجد كتابا ليس علميا لشغل به وقته، ولو وجد من يحدثه لشغل وقته بهذا الكلام الدنيوي أو اللهو .

 

ومن الناس من يكون قصده بتعلمه أمرا دنيويا، فيقول أتعلم حيث أنه يبذل في هذا التعلم مكافأة، أو أجرة، أو مال أو نحو ذلك ، فيكون من الذين تعلموا العلم لأجل الدنيا، ولا شك أن هذا يفسد النية، ولا يحصل له الفضل الذي ورد في فضل تعلم العلم .

 

ومن الناس من يكون قصده بالتعلم مجرد شهادة أو مؤهل يحصل به على ترقية أو وظيفة أو نحو ذلك، وهذا أيضا مقصد دنيء لا يليق بالمؤمن أن يقصد هذا المقصد؛ وذلك لأنه لا يبارك له في علمه إذا كان يدرس لمجرد أن يحصل على كفاءة أو توجيه، أو ما أشبه ذلك، فيكون قصده قصدا دنيئا، وغير ذلك من المقاصد الدنيوية ، وإذا قلت فما المقصد الصحيح ؟ وكيفا إذا تعلمت العلم يكون قصدي قصدا حسنا ؟ .

 

الجواب:

 

أولا: تنوي إزالة النقص، وذلك لأن الجهل نقص، فالله تعالى أخبر بأنه أخرجنا إلى الدنيا من بطون أمهاتنا جهلاء، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ ... ﴾ [النحل:78]، فإذا عرفت أن الإنسان ناقص في حالة جهله، ونويت أن تزيل هذا النقص لتحصل لك صفة كمال فإن هذا مقصد حسن، فتقول إني رأيت الجهلاء لا يعرفون وقدرهم ناقص عند الناس فأنا أريد أن أسد هذا الفراغ وأن أكمل ذلك النقص.

 

ثانيا: أن تنوي شرف العلم وشرف العلماء، إذا عرفت أن للعلم فضلا، وأن العلماء لهم شرف، ولهم ميزة، يرفعهم الله تعالى بهذا العلم، يقول الله تعالى: ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ .. ﴾ [المجادلة:11] .

 

ويقول الشاعر:  

 

العلم يرفع بيتا لا عماد له *** والجهل يهدم بيت العز والشرف

 

فأنت تنوي أن يكون هذا العلم فضلا وشرفا يرفعك الله به .

 

ثالثا: أن تنوي العمل على بصيرة، لأنك مكلف، فإن الإنسان منّا عليه أعمال وعليه واجبات وطاعات مأمور أن يتعبد بها، ومحرمات منهي عن فعلها .. وكيف يؤديها وتكون مجزئة ؟ لا بد من أن يتعلم، حتى يعمل على بصيرة .. فمن توضأ وهو جاهل لم يعمل بالوضوء الصحيح ، ومن لم يتعلم نواقض الوضوء انتقض وضوءه وهو لا يشعر، ومن لم يتعلم كيفية الصلاة وما يجب فيها ما قبلت منه صلاته ، ومن لم يتعلم كيفية الحج وقع في أخطاء تفسده أو تبطله .

 

فإذا نويت أن تتعلم حتى تعمل على بصيرة ويجزئك العمل ويصير مقبولا فهذه نية صالحة يثيبك الله تعالى عليها ويوفقك.

 

رابعا: إذا نويت حمل هذا العلم الذي هو علم الكتاب والسنة، لتبلغ من يجهل من أهلك وأقاربك وغيرهم ما يجهلونه، فاعلم أن حملة العلم هم أهل العدالة الذين ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فالذي ينبغي أن يكون من هؤلاء العدول نية صالحة صادقة، وهكذا تكون المقاصد .

 

فهذه أربعة أسباب تكون بها نية الإنسان صالحة، وأربعة تكون بها نيته فاسدة .

 

كيفية طلب العلم:

 

بعد ذلك كيفية التعلم والآداب التي يحصل بها على العلم .. فقد يقول قائل إن التعلم خاص بالصغار وأن الإنسان إذا أسنَّ فاته سن التعلم، وأنا قد كبرتُ، وقد طعنتُ في السن، فكيف أحصل على العلم ؟ .

 

فنقول إن الإنسان يتعلم ولو بلغ الستين أو السبعين، فإن باب العلم مفتوح ووسائله مهيأة، وليس هناك عوائق، ونعرف أن كثيرا من الصحابة أسلموا وهم كبار السن، منهم ابن الستين وابن السبعين سنة ومع ذلك تعلموا، وكذلك التابعون الذين دخلوا في الإسلام وقد أسنوا، تعلموا وأصبحوا حفظة وعلماء ورواة .. لا شك أن هذا ليس عذرا أن يكون الإنسان قد تجاوز السن الذي يتعلم فيه فيترك التعلم .

 

فللعلم آداب، ونذكر بعض تلك الآداب التي تكون وسيلة لذلك:

 

أولا: إحضار القلب عند التعلم:

 

فإن الكثير الذين يحضرون مجالس العلم والقلب غافل يجول في الشهوات، أو كذلك يحضرون خطب الجمع وأحدهم ناعس أو يوسوس في أمور بعيدة، فإنه لا يستفيد من الخطب، ولا يستفيد من التعلم ولا من الحلقات العلمية، فلا يكون بذلك مستفيدا، فلا بد أن تحضر قلبك ولبك.

 

ثانيا: الحرص:

 

فلا بد أن يكون طالب العلم حريصا على التعلم، فإن الذي يقول إن وجدت وسيلة تعلمت وإلا فلست بحاجة إلى العلم، ولست مُكَلِّفًا نفسي ..! ليس هذا وصفُ طالب العلم، لا بد أن يحرص على التعلم ، ويكون في قلبه همة واندفاع إلى التعلم .

 

ثالثا: تفريغ وقت لطلب العلم:

 

فإن الكثير الذين جعلوا أوقاتهم إما في مجالس عادية زيارات ومجالسات مع أصدقاء أو مع زملاء أو مع أهل أو نحو ذلك، يفوتهم التعلم كذلك أيضا إذا جعلوا أوقاتهم كلها في طلب الدنيا: في حرفة، في تجارة، في مصنع؛ وكذلك إذا جعلوا أوقاتهم في أسفار لنزهة أو زيارة عادية، أو أسفار لا أهمية لها، لا شك أنه يضيع عليهم الأوقات، فلا بد أن يخصص طالب العلم وقتا، كما إذا خصص كل يوم ساعة أو ساعتين، فإنه مع المواصلة يحصل على علم، بخلاف من شغل وقته بالقيل والقال، أو شغله بالزيارات، أو شغله بالخرافات، أو بالسماعات ، أو بالعكوف على الملاهي، أو ما أشبه ذلك، فإنه قل أن يستفيد . وكثير قد تعلموا علما ، ثم انشغلوا عن العلم به وانشغلوا عن ترداده، فكان ذلك سببا لنسيانه ولغفلتهم عنه .

 

ومعلوم أن الإنسان في هذه الدنيا لا بد أن يكون له رزق يقتات به، فإذا يسر الله تعالى له من القوت ما يكتفي به فعليه أن يجعل بقية الوقت في طلب العلم، وإذا ضاقت به الحالة فإنه مرخص له أن يطلب الرزق، وأن يبتغى من فضل الله، لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ... ﴾ [الجمعة:10]، ولقوله: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ .. ﴾ [المزمل:20]، يبتغون الرزق، فإذا يسر الله للإنسان رزقا هنيئا حلالا يتقوت  به، ويقوت به من تحت يده ومن يعول، فإن عليه أن يجعل وقته أو بقية وقته للاستفادة ولطلب العلم .

 

رابعا: الصبر والتحمل:

 

 فإنه قد يلقى مشقة، لكن عليه أن يتحمل، فإذا عرض له من يعوقه قطع تلك العوائق، وإذا نازعته نفسه وشعر بالملل والتعب والسآمة عصى تلك الدوافع، فإن النفس قد تميل إلى الراحة، وقد تميل إلى النوم وإلى الكسل وإلى الخمول، ولكن إذا عزم الإنسان ودفع نفسه ، فإنها تطاوعه:

 

وما النفس إلا حيث يجعلها الفـتى *** فإن أطمعت تاقت وإلا تسلتِ

والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

 

فهكذا النفس إذا أطيعت فإنها تندفع إلى الشهوة، وإلى اللذة، وإلى النوم، وإلى الراحة، نجد أن كثيرا أضاعوا أوقاتهم، فإذا دخلت إلى الحدائق وجدتها مليئة، وإذا دخلت إلى المقاهي وجدتها مليئة، وليس لهم حاجة إلا مجرد التسلي والترفيه بزعمهم يرفهون عن أنفسهم, فإذا تركت النفس على ما هي عليه اندفعت إلى ذلك اللهو، وإذا فطمت وترك ما تميل إليه انتفع الإنسان بالوقت ولم يضع عليه  وقته .

 

خامسا: الاستمرار وعدم الانقطاع:

 

فهكذا طالب العلم لا ينقطع عن التعلم ولا عن العلم في وقت من الأوقات، بل يستمر عليه إلى الممات .. يقول بعض السلف: اطلب العلم من المهد إلى اللحد، أي منذ أن تكون صغيرا إلى الموت، وكان كثير من السلف يطلبون العلم ويكتبونه، فيدخل أحدهم إلى الأسواق ومعه المحبرة - الدواة التي فيها الحبر ، وسنه كبير، فيُقال: لا تزال تحمل المحبرة ؟ فيقول: من المحبرة إلى المقبرة، أي لا نزال نواصل العلم .

 

ونسمع عن كثير من طلبة العلم أنهم يواصلون طلب العلم ليلا ونهارا ولا يملون ولا يتكاسلون، ويذكر أن أحد مشايخ مشايخنا كان طوال ليله وهو يقرأ للتحفظ أو يكتب العلم، فيجيئه بعض المحسنين بعشاء بعد صلاة العشاء ويوضع إلى جنبه ولا يتفرغ لأكله إلا بعد الأذان الأول في آخر الليل ، ويجعله سحوره، يجعل عشاءه سحورا انشغالا بطلب العلم، انشغالا بالقراءة والكتابة وما أشبه ذلك .

 

ونسمع عن الأولين أن أحدهم يسافر مسيرة شهر وشهرين في طلب حديث أو أحاديث ويغيب عن أهله سنة أو سنتين أو سنوات كل ذلك لطلب العلم ولا يملون، ولا يقولون أضعنا أهلنا، أو هجرنا بلادنا .. لأن الدافع قوي وهو تحصيل العلم النافع ، فهكذا يكون طالب العلم .

 

سادسا: التكرار:

 

أي تكرار ما علمه وذلك لأنه إذا تعلم فائدة ثم تغافل عنها ذهبت من ذاكرته ونسيها بسرعة ، وأما إذا تذكرها مرة بعد مرة، قرأ الحديث وبعد حفظه راجعه بعد شهر وبعد أشهر حتى يرسخ ويثبت في ذاكرته فإنه يكون من حملة العلم وحفظته.

 

لذلك كان السلف يوصون بمذاكرة العلم ، يقول بعضهم: مذاكرة ليلة أحب إلي من إحيائها, يعني كوني أجلس في هذه الليلة أتذكر العلم وأتذكر ما حفظته أحب إلي من أن أقومها قراءة وتهجدا وصلاة وركوعا وسجودا، وذلك لأن هذا - أي مذاكرة العلم - نفع متعد .

 

سابعا: كتابة ما استفاده:

 

فكلما استفاد فائدة أثبتها معه في دفتر أو ورقة وكررها إلى أن يحفظها ، يقول العلماء: " إن ما حفظ فر وما كتب قر"، أي أن ما كتبته ستجده فيما بعد .. ويشبهون العلم بالصيد، فيقول الشافعي:

 

العلم صيد والكتابة قيده *** قيد صيودك بالحبال الواثقة

فمن الحماقة أن تصيد غزالة *** وتتركها بين الخلائق طالقة

 

إذا صاد الإنسان غزالة ثم أطلقها فإنها تهرب، بخلاف ما إذا قيدها بحبل وثيق، فهكذا الكتابة تثبت هذه العلوم بحيث أنك تجدها فيما بعد .

 

وقد يسر الله أيضا في هذه الأزمنة التسجيلات التي تحفظ الكلام الذي أنت تريد حفظه لتراجعه فيما بعد وتستفيد منه بعد يوم أو بعد أيام أو ما أشبه ذلك .

 

ثامنا: التواضع:

 

لا سيما في مجالس العلماء، وذلك أن العالم هو الذي يتواضع لمن يعلمه، وقد قال بعض السلف: "لا يتعلم العلم مستح ولا متكبر" فالذي يتكبر ولا يتواضع لمن هو أصغر منه لا يوفق للعلم كما إذا رأى عالما أصغر منه سنا يقول كيف أتعلم من هذا الطفل ؟ أو من هذا الصغير الذي أنا أكبر منه ؟ .

 

نقول: إن الله تعالى شرفه وفضله بالعلم فعليك أن تصغر نفسك وتتواضع وتأخذ العلم ممن هو دونك، ولو كنت أشرف وأغنى وأكبر وأرقى فإن العلم يؤخذ من منابعه ومن أهله .

 

تاسعا: الجرأة وعدم الاستحياء:

 

يعني أنك إذا صرت تستحي من أن تسأل بقيت على جهلك؛ ولذلك قال بعض السلف: " لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر"، يحمله تكبره على أن يعجب بنفسه ويبقى على جهله، وكذلك أيضا يحمله استحياؤه عن أن لا يطلب أو يستفيد ممن معه علم فيبقى على جهله.

 

نقول إن الإنسان إذا تأدب بهذه الآداب الشرعية فإن الله تعالى يوفقه ويفتح عليه ويرزقه العلم النافع والعمل الصالح، ونذكر الخصال الستة التي أشرنا إليها حيث نظمها الشافعي فقال:

 

أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن مجموعها ببيان

ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة *** وصحبة أستاذ وطول زمان

 

هذه هي الوسائل التي يمكن أن ينال طالب العلمِ العلمَ بها، ولا شك أن العلم موهبة وفضل من الله تعالى، فإن الكثير من العلماء المشاهير لهم أولاد انحرفوا عن العلم وصاروا دنيويين، وكثير من الجهلة يسر الله لأولادهم فتعلموا وصاروا قادة وسادة، فهو فضل من الله تعالى، متى كان عند الإنسان نية صادقة وأحب مواصلة التعلم يسر الله تعالى له العلم .

 

المنهجية في الطلب:

مطلوبة ومرغوب فيها ومعناها: الطريقة أو الخطة السليمة في الانطلاقة في طلب العلم، وغيابها عند الراغبين في الطلب ومن يطلبون العلم من الأمراض المضرة التي لا تحمد عقباها ، ويلزم إخواننا المشتغلين في التعليم أن يفقهوا جيداً حال الطالب الذي يرغب في الدراسة على أيديهم قبل أن يبدأ وأن يوجهوه التوجيه السليم بماذا يبدأ ؟وعند من يلتحق ؟ وكيفية الأخذ وطريقة الحفظ والمراجعة فإن هذا أمر مهم .

 

أما أن يبدأ الطالب بكبار الكتب قبل صغارها وبعويص المسائل ومشكلها قبل محكمها وواضحها بطريقة ترجلية ثم ما هي إلا أيام قليلة حتى صار شيخاً فاضلاً ومفتياً مبارزاً فهذه فوضى وطيشان لا مستقبل له، بل يلزم التعقل والذهاب إلى أهل العلم وسؤالهم بالبداية الصحيحة للطلب.

 

كذلك لا ينبغي للطالب أن يعكف على الأشرطة العلمية ليبدأ الطلب بواسطتها، لكن لا بأس في حالتين:

الأولى: إذا كان الطالب يدرس الكتاب المقرر لدى شيخ معين فيرجع إلى البيت مثلاً فيعيد استماع الدرس بواسطة المسجل أو يسمع نفس الكتاب بشرح شيخ آخر قد سجل أيضاً درسه في نفس الكتاب الذي يحضر حلقاته .

 

الثانية: إذا كان الطالب قد درس هذا الفن لكنه لم يتمكن أو أراد مراجعته بسبب فترة طويلة مرت وخشي أن يضيع عليه فلا بأس أن يسمع ما تلقى في كتاب دَرَسَه أو في نفس الفن من الكتب الأخرى .

 

فالمنهجية في طلب العلم تعتبر من لوازمه لأنها تُلْزِم طالب العلم بالتدرج ، وقد أحسن الشيخ محمد بن سعيد البيروتي عند أن قال:

 

وَلْيَكُ فيهِ الأَخْذُ بِالتَّدَرُّجِ *** فإنَّهُ أَدْعَى إلى التَّخَرُّجِ

واحْذَرْ مِنَ الإفْرَاطِ والتَّّفْرِيْطِ *** لأنَّهُ يَدْعُو إلى التَّثْبِيطِ

فالسيْرُ في طِريقِ الإعْتِدالِ *** مِنْ أَنْفَعِ العَادَاتِ والخِصَالِ

إِذِ النَّجَاحُ مَعَهُ مَكْفولُ *** وللفَلاحِ إنَّهُ يَؤُولُ

 

وكان علماؤنا رحمهم الله يتدرجون في الطلب ، ولهذا فينبغي للطالب أن يبدأ بدراسة الخط والإملاء ثم حفظ كتاب الله كله إن أمكن مع دراسة أحكام التجويد فإذا انتهى فالنحو مع مقرر يسير في التوحيد ثم التفسير والصرف وعلوم البلاغة الثلاثة – البيان والمعاني والبديع-ثم يحفظ ما استطاع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يدرس في العقيدة والتوحيد ثم يدرس الفقه والمواريث شيئاً فشيئاً وينبغي له أن يقدم حفظ المتون ثم شروحها فإذا انتهى من ذلك درس بقية علوم الآلة كالأصول والمصطلح والشروح المطولة الأخرى، ولا يدخل في فن حتى يخرج بحصيلة كبيرة من سابقه وهكذا .

 

ولا يدرس إلا عند من لديه أهلية التدريس ممن يعرف بالتقوى والورع والعلم الراسخ، وعليه أن يقدم علماء بلده فإذا انتهى الأخذ منهم انتقل إلى بلدة أخرى وأن يهتم بالمسموعات والمحاصيل العلمية أكثر من اهتمامه بكثرة الشيوخ ، وأن يراجع العلم وخصوصا المحفوظ منه حتى يرسخ في الذهن ، وقد قال عبد الله بن المبارك: " من أحبَّ أن يستفيدَ فلينظر في كتبه "، فمراجعة المحفوظات تُكْسِب الطالب ملكةً تؤهله لأداء علمه متى طُلب منه .

 

قال الشافعي:

عِلْمِي مَعي أيْنَمَا يَمَّمَتُ يَتْبَعُني *** بَطْنِي وِعَاءٌ لَهُ لا بَطْنُ صُندوقِ

إنْ كنتُ في البيتِ كان العِلمُ فيهِ مَعِي *** أو كنتُ في السوقِ كان العلمُ في السُّوقِ

 

ولا يقدم الطالب أثناء طلبه فنيين أو كتابين مثلاً وحاله لا يؤهله فإنه يخشى عليه من الإنتكاسة أو السآمة من العلم لكونه ما زال مبتدئاً في الطلب .

 

ومما هو مشاهد أن بعض الطلاب يكون مندفعاً لطلب العلم ومتعطشاً له فيرى حلقات العلم فيحضرها بنية أن يستفيد بكثرة فلما يرى أنه قد لزمه مراجعة درس كل حلقة وكل فن يدرسه يتضجر ويمل ويسأم ويتراجع اندفاعه للعلم إلى الوراء وربما يترك العلم بالكلية .

 

وهذا أمر محسوس إلا أن الواجب على الطالب المبتدأ أن يجالس عالماً ورعاً يثق في دينه وأمانته ويستشيره في رغبته في الطلب ، وعندها يلزم الطالب الأخذ بنصيحة وإرشاد العالم النصوح .

 

كما ينبغي لأهل العلم أن يرتبوا حلقات طلابهم ويوجهوا أبناءهم إلى الحلقات العلمية المفيدة مع اختبارهم والنظر في سير طلبهم العلم بعين الاعتبار .

 

وألا يتعجل الطالب في إصدار الفتوى ومخالفة غيره كما قلنا آنفاً طالما ولا زال طالباً لم يبلغ منزلة العالم فإن التعجل يُوْرِث الغرور وسوء الأدب حتى يصل حال بعض الناشئة إلى أن يُفرض رأيه وقوله – وهو طويلب علم أو أقل - على شيخه أو من هو أعلم منه .

كما قال الأول:              

يقولون هذا عندنا غيرُ جائزِ *** ومَنْ أنتمُ حتى يكونَ لكم عندُ

 

فحصول ذلك من سوء الأدب ويعود في الأصل إلى غياب المنهجية الصحيحة في الطلب والله المستعان . 

 

مقدمات في سبيل الطلب(26):

 

إن طلب العلم من أشرف ما اشتغل به المسلم، فمناقبه كثيرة ، وفوائدة غزيرة ، ولا يخوض غمار الطلب إلا رجل آتاه الله الحكمة، واختصه بالفطنة، ولا يكاد يُحْجِمُ عنه إلا من بوأه الله مقام الخذلان، وأصابه بقارعة من الهوان . وللعلم مقدمات أهمها:

 

المقدمة الأولى: للعلم أصوله و قواعده:

 

إن العلم - كما هو مقرَّر لدى كثير من العلماء التربويين - له أصوله و قواعده فلا يقوم أساسه إلا بتلك القواعد، ولا يعتبر تفريعه إلا عن تلك الأصول ، قال الماوَرْدِي: " اعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تُفْضي إلى حقائقها ، فليبدأ طالب بأوائلها لينتهي إلى أواخرها،  بمداخلها ليُفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الأخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المقصد ، فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة، لأن البناء على غير أُسٍ لا يُبْنى، والثمر من غير غرس لا يجتنى "(27) .

 

فأصول العلم و قواعده التي تعارف عليها العلماء هي تلك الكتب الصغار المسماة بالمتون ، فمن حازها حاز الفنون ومن أدركها أدرك علماً غزيراً .

 

و التدرج في الطلب ثلاثة أنواع:

 

الأول: تدرج في الفنون، فيبدأ الطالب بالفن الأهم قبل المهم كـ ( العقيدة ) قبل ( الفقه ) .

 

الثاني: تدرج في المتون، فيبدأ بالمتون الصغار قبل الكبار ، وليحذر الدخول من الظهور .

 

الثالث: تدرج في دراسة المتن، فلا يبدأ بدراسة المتن دراسة توسعٍ وبحث وهو ما زال في أوائل طريق الطلب لا يعرف أصول الفن ومقاصده .

 

المقدمة الثانية: طرق تحصيل العلم: سلك العلماء في قديم الزمان و حديثه في طلب العلم مسالك عِدَّة منها:

 

أولاً: الحفظ: وهذا مسلك سار عليه كثير من أهل العلم وأبدعوا فيه: تأصيلاً له، و عملاً به، ودعوة إليه .

 

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي:

 

ليس علماً ما حوى القِمَطْرُ *** ما العلم إلا ما حواه الصدر

 

وليس ثمة تعارض بين الحفظ والفهم، فهما رضيعا لبان، وفرسا رهان  في حال الطلب وشأن الطالب، وهذا تحرير متواضع لهما: فمسألة الحفظ والفهم من المسائل المهمة في سلك الطلب .. ولا بد للطالب من مراعاتهما رعاية تحفظ مقامهما ، وشأنهما و ذلك من خلال أمور:

 

الأول: الوقت المناسب لهما: فالحفظ أغلب ما يكون الاشتغال به في زمن الصبا ( وأعني: الإكثار من المحفوظ ) .

 

والفهم أغلب وقته هو حال الكبر لتفتح الذهن .

 

ولا يعني ذلك أن الفهم يُغفل في حال الصغر، ولا أن الحفظ يهمل في سن الكبر.

 

لا، وإنما المراد هو إعمال كل سن بما يكون الإقبال عليه أكثر.

 

الثاني: ما يُعمل في كل منهما:

 

أغلب ما يكون الاشتغال بالمحفوظ في أمور:

 

أحدها: النصوص الشرعية التعبدية .

 

ثانيها: ما يكثر الاستدلال به والاحتجاج من العلم .

 

ثالثها: التعاريف والضوابط: والجامع لهذين هو أغلب علم الغاية .

 

و أغلب ما يكون الفهم في أمورٍ تحتاج إلى تبصر و تعقل فهذه لا تحتاج إلى حفظ أكثر من احتياجها إلى الفهم و التدبر .

 

الثالث: الفهم: هو تفتيق للذهن وإعمال لوظيفته فلا يجوز للطالب أن يغفله أو يهمله، وهو صعب في أوله لكنه مع الإدمان والدربة يسهل، والحفظ هو تكرار لمحفوظ فلا ينفع صاحبه إلا في جزيئة صغيرة، هذا إذا لم يكن ثمة فهم يصاحبه . فإن صاحبه فهم فهو من أحسن ما يكون .

 

ثانياً: القراءة على الشيوخ: وهذا أساس العلم و قاعدته، وبه يُوْثَقُ بعلم الرجل، والقراءة على الشيخ مقام رفيع، ومكان منيع.

 

وللقراءة على الشيخ أصول مهمة:

 

1- أن يكون الشيخ من أهل العلم والاعتقاد الصحيح، فإن للشيخ تأثيراً قويا على طلابه .

2- أن يكون الشيخ عالماً بالفن الذي يُقرأ عليه فيه .

3- أن يكون على جانب كبير من الأخلاق والفضائل .

4- أن يكون عارفاً بأصول التعليم، فلا يبدأ الطالب بكبار المسائل ، ويدخل في متاهات الخلاف.

 

ثالثاً: القراءة الفردية: وهي مُكَوِّنَةِ علم الرجل، ومُنْضِجَة فكره، وبها تمدَّح العلماء، وهي على أقسام ثلاثة:

 

الأول: القراءة التأصيلية: وهي القراءة التي يعتمد فيها على التركيز والتمعن، وهي في نوعين من الكتب:

 

1- شروح المتون: فإن التركيز عليها حال قراءتها من مطالب التأصيل والتأسيس، وبها يكون الطالب على إلمام كبير بمقاصد المتن .

 

2- كتب العلم (الشرعي) وهي التي يكون فيها التحصيل العلمي مثل كتب: الاعتقاد، الفقه، الحديث، الأصول، المصطلح، النحو ....

 

الثاني: القراءة الجردية: وهي تعني أن هناك كتباً تقرأ قراءة فيها نوع من التركيز والتفهم ، ولا تحتاج إلى إعمال الفكر والعقل في عباراتها ، وهي في نوعين من الكتب:

 

1- المطولات: وهي الكتب ذات المجلدات الكثيرة، وهي لا تستدعي التوقف عندها والتفكر لمعانيها، إنما تقرأ لبحث، أو غيره من الحاجات . مع أن المتعيِّن على طالب العلم أن يقرأ بها ولكن بعد إدراكه أصول العلم .

 

2- كتب التكميل العلمي: ومرادي بالتكميل العلمي: هو تحصيل الطالب علماً ليس أساساً في تكوينه علمياً وتأصيله فيه، بل من مكملات ثقافته وعلمه ، وعلومه: التأريخ ، التراجم ، الأدب ، اللغة ...

 

الثالث: القراءة الموسمية: وهي القراءة التي تكون في مناسبات وأوقات ، وهي نوعان:

 

1- قراءة في المواسم العبادية: كقراءة كتب الحج قبل الحج ، والصيام قبل الصيام ، والنكاح قبل النكاح ، والبيوع قبل البيع والشراء .

 

2- القراءة في أحكام النوازل: وهي القراءة في الكتب التي ألفت في أزمنة من أزمنة المسلمين التي حلت فيهم نازلة وكارثة كغزوة أشكلت عليهم ، وهكذا .

 

المقدمة الثالثة: العلم قسمان:

 

علم الغاية خمسة علوم: 1- القران (التفسير)  .  2- الفقه .   3- الحديث .  4-العقيدة .  5- السيرة .

 

وعلوم الآلة:  1- أصول الفقه .  2- القواعد الفقهية .  3- المصطلح .  4- أصول التفسير .

 

5- اللغة:  أ- النحو .  ب- الصرف .  ج- البلاغة .

 

المقدمة الرابعة: في تقييد الشوارد: يحظى الطالب وهو في مضمار الطلب بفوائد نفيسات ، وفرائد بديعات، وحكمة في غير مظانها،  وقواعد في غير محالِّها، وغالب الإخوان لا يعير تلك الفوائد اعتباره، ولا يصرف لها فضول أنظاره، فتفلت منه على غير عودة ، وتذهب على غير أوبة، فتلحقه حين أرادته لها الحسرة ، وتزعجه من أجلها الفكرة .

 

وحتى يتفادى الطالب تلك المزالق، هذه جملة من طرائق تقييد الفوائد:

 

1- على طُرَّة الكتاب ؛ أي على باطن جلدته .

2- على دفاتر خاصة ( لكل علم دفتر ) .

3- على بطاقات البحث .

 

و يلاحظ فيها: عنونة الفائدة .

 

هذه جملة المقدمات الممهدات للطلب العلم الشرعي، وهن أسس لكل طالب علم . والكلام في العلم يطول ، والحديث فيه وعنه ذو شجون، ولكن حسب اللبيب الإشارة ، ويكفي المعصم من السوار ما به أحاط, فلتكن منك على بال، وحرص على اغتنام العمر في سبيل العلم وتحصيله .

 

المقدمة الخامسة: القراءة السريعة(28):

 

إن مما يؤسف له أن يكون فن القراءة السريعة مما ابتكره الأعداء وألفوا فيه، بل لهم معاهد متخصصة.وأحدهم وهو روبرت زورن له معهد في التدريب على فن القراءة السريعة ، وممن التحق بهذا المعهد جون كيندي وزاد معدل قراءته من مائتين وأربع وثمانين كلمة قبل أن يدرس في هذا المعهد إلى ألف ومائتين كلمة، وهذا يعطيك دلالة على أنك يمكن من خلال التدريب والممارسة أن تجيد فن القراءة السريعة، وقد ألف زورن كتاباً عنوانه القراءة السريعة ذكر فيه بعض القواعد، يمكن أن نشير إليها باختصار حتى تغنيكم عن الرجوع إلى هذا الكتاب وحتى توفروا الوقت الذي قد تصرفونه لقراءة هذا الكتاب في قراءة كتاب أنتم أحوج إليه من القواعد:

 

القاعدة الأولى: إلغاء الارتداد:

فأنت عندما تقرأ تعود مرة ثانية بنظرك فتقرأ الكلمة التي قرأت قبل قليل، وهذا يأخذ عليك وقتاً طويلاً قد لا تتصوره؛ فالقارئ الذي يقرأ مدة ساعتين ويرتد ارتداداً واحداً في الدقيقة سيخسر نصف ساعة تماماً؛ بحيث تكون قراءته لا تساوي إلا ساعة ونصف، وإذا لم تفهم كلمة فلا تعد لقراءتها من جديد وستفهمها من خلال السياق.

 

القاعدة الثانية: القراءة المقطعية:

وهي تعني توسيع مجال العين، فأنت الآن تنظر إلى أربع كلمات –على سبيل المثال- فحاول أن توسع مجال العين بحيث تنظر إلى ست كلمات أو ثمان ، وهكذا .

 

القاعدة الثالثة: حركة العودة السريعة للعين:

أنت الآن حين تنتهي من السطر الأول تنتقل إلى السطر الثاني نقلة بطيئة، وقد تظن أن هذا يستغرق وقتا يسيراً، لكن حين تقرأ كتاباً يحوي مائة وخمسين صفحة، والصفحة فيها عشرون سطراً ، فحين توفر عليك الحركة السريعة للانتقال ثانية واحدة ، فهذا يعني أنك ستوفر (50) دقيقة في قراءة هذا الكتاب .

 

القاعدة الرابعة: التدريب اليومي:

خصص لك وقتاً تتدرب فيه على القراءة السريعة، ويكون هدفك هو العناية بالسرعة أكثر من الفهم، وستجد بعد فترة أنك تتطور كثيراً، حتى تصل إلى الجمع بين السرعة والفهم، وخير مثال على ذلك الكتابة على الآلة الكاتبة أو الحاسب الآلي، فأمهر الناس فيها كان في البداية ربما يكتب حرفاً واحداً خلال دقيقة ثم حرفين في الدقيقة وثلاثة أحرف حتى يصل إلى أربعين كلمة في الدقيقة ، ويصل إلى ما هو أسرع من ذلك، حتى أن بعض المكفوفين يجيد الكتابة على الآلة الكاتبة بطريقة بديعة وأخطاء نادرة جدًّا.

 

هذه بعض القواعد في القراءة السريعة تستطيع مع الممارسة أن تتقنها ، لكن هذا النوع من القراءة ليس هو النوع الذي تحتاجه في قراءتك العلمية ؛ لأن القراءة العلمية ينبغي أن تكون مركزة وهادئة، فإذا أردت التعود على القراءة السريعة فاجعل لك في اليوم وقتاً تقرأ فيه قراءة سريعة ، من خلال قصة من كتب الأدب أو التاريخ التي لا تحتاج إلى تركيز ، ويكون هدفك التعود على سرعة القراءة .

 

- مختصر طلب العلم (29):

 

- أول آية من كتاب الله تعالي فيها أمر بالقراءة فهي مفتاح العلوم والفهوم والإدراكات, وقد أقسم الله بالقلم تبيانا لأهميته ومكانته وهناك الآيات الكثيرة التي تمدح العلم وما يشتق منه، أو تذم الجهل وما يتولد عنه، وأحاديث كثيرة وفيض من أقوال الصحابة والعلماء والصالحين.

 

- أذكر بتجديد النية في طلب العلم خاصة بأن كثيراً من أبناء الأمة الإسلامية عازفون عن طلب العلم.

 

- قال جعفر بن محمد: وجدنا علم الناس كله في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ماذا أراد منك، والرابع أن تعرف ما تخرج به من دينك ؟ أو ما يخرجك من دينك .

 

- مما يدل على فضل العلم قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ... ﴾ [المائدة:4] ، فأباح القرآن صيد الكلب المعلم ومنع صيد الكلب الذي لم يتعلم وهذا التباين سببه العلم فإذا كان العلم مؤثراً في عالم الحيوانات فبالأولي الأناسي .

 

- مما يدل على أهمية طلب العلم أن كتب العلم من الحوائج الأصلية لأهلها ومعني ذلك إعفاء كتب العلم من دفع الزكاة عنها بتقويمها ودفع الزكاة عن قيمتها بل وحتى لو كانت عند طالب العلم دراهم أرصدها لشراء كتب العلم التي يحتاجها لتعليمه, فإن هذه الدراهم المرصدة لهذا الغرض لا تدفع عنها زكاة ولو بلغت نصاباً وحال عيها الحول .

 

- حكم تعلم الأمور الدينية: المقصود بطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم العلم بالأمور الدينية أي أحكام الدين من حلال وحرام وإيجاب وندب وكراهة وهو التفقه في الدين وينقسم إلى قسمين:

 

أ- الفرض العيني: وهو ما لا يسع المسلم جهله كالإيمان بالله وبصفاته التي وردت في القرآن والسنة وأنه هو المعبود الحق لا معبود بحق غيره ، والإيمان بنبوة محمد r وبسائر أصول الدين والإيمان ، وأن يعرف جملة ما افترض الله عليه من مباني الإسلام وأركانه: كالشهادتين ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، ومعرفة المحرمات: كالخمر ، والميتة ، ولحم الخنزير ، ونكاح الأمهات والبنات ، وأكل أموال الناس بالباطل, ثم إذا لزمت عبادة معينة كالصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج لزمه أن يتعلم أحكامها وشروطها ليؤديها بصورة صحيحة .

 

ب- الفرض الكفائي: والمطلوب القيام به من عموم الأمة فإذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين وهو ما عدا ذلك من أحكام الشريعة الإسلامية في البيع والجنايات وفصل الخصومات و الإحاطة بعلوم التفسير والحديث وأصول الاستنباط فهو فرض كفاية أوجب الشرع أن يوجد بين المسلمين من يقوم بهذه الفروض الكفائية من إفتاء وقضاء وتعليم ونحو ذلك من غير تعيين, ومع هذا من المندوب إليه أن يتعلم المسلم أكثر مما هو مفترض عليه, ومحتاج إليه كلما أمكنه ذلك .

 

- تكون الرحلة ضرورية لطلب وتعلم علم الدين المفروض إذا كان العلم المطلوب تعلمه فرضاً، وإذا كانت الرحلة مهمة لزيادة تعلم العلوم الدينية كانت الرحلة مندوبة، وقد ذكر لنا القرآن الكريم رحلة موسي عليه السلام لطلب العلم ليطلع على ما عند الخضر من علم زائد, وقد رحل الصحابة الكرام رضي الله عنهم  لطلب العلم فقد رحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس ليسمع منه حديثاً واحداً, ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى مصر ليسمع حديثاً من عقبة بن عامر سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 

- تعلم العلوم الدنيوية التي يحتاجها المسلمون أو تحقق لهم مصالح مشروعة فرض كفاية وذلك  كتعلم الطب والفلك والكيمياء والنبات والجيولوجيا وغيرها مما فيه نفع, وهي من أسباب القوة ولا يجوز إهمالها. ومما يدخل في ذلك تعلم الصنائع المختلفة التي تحتاج إلى علم ومعرفة ودراية وقد امتن الله على نبيه داود بقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ [سورة الأنبياء:80], وهذه الآية تعني اتخاذ الدروع وهي أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب .

 

- الرحلة في طلب العلوم الدنيوية إن كان تعلمها فرضاً كفائياً كانت الرحلة إليها فرضاً على الكفاية، وان كان تعلمها مندوباً أو مباحاً فالرحلة إليها تكون مندوبة أو مباحة.

 

- يجوز تعلم العلوم الدينوية من غير المسلمين؛ وربنا تبارك وتعالي أمر بالعلم وأطلق ولم يقيد طلبه بزمان معين أو مكان معين أو شخص معين, وقد تعلم الصحابة الكرام الكتابة من أسرى بدر من الكافرين .

 

- المرأة كالرجل في تعلم العلوم الدينية, فتفقه المرأة في الدين حق لها وواجب عليها وهي داخلة في عموم قوله:«طلب العلم فريضة على كل مسلم» (30).

 

-على الدول أن تلاحظ صفات في المبتعثين منها فيكونوا من أهل الصلاح والنجابة وعليها أن ترسل معهم المراقبين وتحرص على حمايتهم مما يضر دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم .

 

- للمرأة القادرة على التعلم تعلم ما يعتبر وجوده في المجتمع من الفروض الكفائية إذا كانت هذه العلوم متعلقة بالنساء وتحقق مصلحة مؤكدة لهن مثل تعلم علوم الطب والجراحة والتوليد وأمراض الدم وتحليلاته والأمراض الخاصة بالنساء أو التي تكثر فيهن وتحتاج إلى كشف العورة أمام من يعالجها، فمن الفروض الكفائية وجود نساء مسلمات عالمات بهذه العلوم ومتخصصات فيها ليعالجن النساء المريضات المحتاجات إلى المعالجة لتندفع ضرورة تكشفهن للأطباء الرجال، وقد كان هناك قابلات و خافضات خبيرات في مجتمع الصحابة، كل ذلك بالضوابط الشرعية في خروج المرأة المسلمة من بيتها.

 

- يباح للمرأة تعلم بعض الحرف والصنائع التي تناسبها كالحياكة والخياطة والتطريز وغيرها ، وكذلك أيضاً تعلم أصول تربية الأطفال وما يتعلق بالإسعافات الأولية .

 

- ماعدا ذلك مما لا حاجة فيه لأن تتعلمه المرأة مما يقوم بمثله الرجل ولا يناسب المرأة مثل صناعة البناء و الميكانيك فلا أري قيام المرأة بالتوجه إليها وصرف وقتها وجهدها فيها .

 

- إذا كانت هناك ضرورة لرحلة المرأة لطلب العلم الدنيوي وتعذر استدعاء ذوي الاختصاص من خارج البلاد ولو بدفع الأجور العالية لهم جاز سفر المرأة عند تحقق العذر شريطة أن يسافر معها ذو محرم منها كأبيها أو أخيها، وزوجها إن كانت ذات زوج ولا يكفي أن تسافر مع رفقه مأمونة ويجب على الدولة مراعاة هذه الضوابط الشرعية في المنح المتعلقة بالنساء ومنع من لا تتوفر فيهن هذه الشروط من السفر إلى الخارج .

 

- قيام أهل العلم بنشر علمهم بين الناس وتعليمهم معاني الإسلام وأحكامه واجب عليهم: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [سورة التوبة: 122] .

 

- على ولاة الأمور الاقتداء برسول الله في إرسال المعلمين لتعليم الناس إلى أنحاء البلاد ليعلموا الناس أمور الدين وأحكام الإسلام في المساجد والمدارس وغيرها .

 

- يجب على الرجل أن يعلم أهله وأولاده أمور الدين وهو مأجور على ذلك .

 

- أدعو إلى اعتماد مبدأ الفصل بين الذكور والإناث في جميع مراحل التعليم المختلفة وارتداء اللباس الشرعي والحرص على أن تعلم النساءَ بناتُ جنسهن وتأهيل من يستطعن القيام بذلك. كل ذلك بعد استئذان الولي الشرعي وبالضوابط الشرعية .

 

- أنصح بالاستفادة من الراديو و التلفزيون والنشرات والصحافة والإنترنت والوسائل الحديثة الموافقة للشرع في نشر العلوم الدينية والدنيوية.

 

- إنشاء الجامعات المتخصصة والأكاديميات ومراكز الأبحاث وتشجيع العلماء وطلبه العلم, ودعمهم مادياً ومعنوياً واجب على الحكومات وأهل الخير.

 

- تخصيص قدر معين من الزكاة لدعم المنتسبين إلى العلم، وبناء على فتاوى جلة من العلماء المعاصرين .

 

- تعزيز مكانة العلم والعلماء وتوقيرهم واجب شرعي لابد من القيام به واستدراك الأخطاء الواقعة في ذلك والبعد بالعلماء عن الانتماءات الحزبية الضيقة .

 

أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن مجموعهـا ببيان

ذكاء وحرص واصطبار وبلغة *** وإرشاد أستاذ وطول زمـان

 

- من أهم أسباب الحفظ والفهم الجد والمثابرة و التكرار وتقليل الغذاء وقيام الليل والدعاء وقراءة القرآن واستخدام السواك وتعليم العلم ونشره وأجود أوقات الحفظ الأسحار.

 

- من أسباب النسيان المعاصي و الذنوب وكثرة العلائق الدنيوية، قال الشافعي: لو أردت شراء بصلة, ما عرفت مسألة .

 

- كفالة طلاب العلم باب من أبواب التعاون على البر والتقوى .

 

- يؤخذ العلم الشرعي عن العلماء الربانين ولا يطلب من كل من ادعي العلم, والعلم دعوى وبرهانه العمل.

 

- من موانع العلم والهداية عدم الأهلية قال تعالي: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾ [سورة الأعراف:179] .

 

- ومن الموانع الكبر والغرور والتعالي والحياء,ولا يطلب العلم مستحي ولا متكبر .

 

- ومن الموانع الحسد وحب الرئاسة والمال وحب الشهرة والتصدر والتعالم .

 

- التدرج في طلب العلم مطلوب حسب السلم العلمي المعروف  لأهل كل فن. قال ابن عباس: الرباني من يعلم الناس صغار الأمور قبل كبارها وهو من جمع العلم والعمل والتعليم .

 

- ينبغي لطالب العلم أن يتخصص في مادة أو مواد ولا يكون غريباً عن بقية العلوم, وعليه القراءة والمتابعة المستمرة في تخصصه ؛ لأن العلم لا يعرف الجمود بل هو يضيف كل يوم شيئاً جديداً .

 

- يكون العلم بست مراتب:

 

أ- حسن السؤال .  ب- حسن الإنصات والاستماع . ج- حسن الفهم . د- الحفظ .  هـ- التعليم .   و- العمل بالعلم وهو ثمرته.

 

- العلم من المهد إلى اللحد، وباب العلم مفتوح وليس هناك شياً محدداً وعمراً خاصاً بطلب العلم, وإن كان العلم في الصغر كالنقش في الحجر.

 

- ينبغي للعالم أن يعتمد على نفسه في الكسب والعمل ويتخذ حرفة تكفيه مؤونة العيش .

 

- لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة فليحذر المرء من الوقوع في أعراضهم .

 

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،

 

جمعه الفقير إلى الله تعالى /

أحمد بن محمد بن إسماعيل المصباحي

صفر 1425هـ -  31 مارس 2004م

مراجعة: عادل مكرم

علي عمر بلعجم.

-------------------

(1) موقع الموسوعة العلمية في منهج الطلب http://saaid.net/mktarat/alalm.com     .

(2) رواه مسلم كتاب الزكاة, باب النهي عن المسألة 2/718, برقم:1037.

(3) رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها .1/551, برقم:816.

(4) رواه مسلم كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم4/1872, برقم:2406

(5) رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار. باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر4/2074, برقم:2699

(6) رواه مسلم كتاب العلم. باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة 4/2060, برقم:2674

(7) رواه مسلم كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته 3/1255, برقم:1631 .

(8) رواه الترمذي كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب 2 فضل طلب العلم 5/29, برقم:2647. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب ورواه بعضهم فلم يرفعه, قال الشيخ الألباني: ضعيف.

(9) رواه الترمذي كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب 19 ما جاء في فضل الفقة على العبادة 5/50,برقم:2685

(10) رواه أبو داود والترمذي . كتاب العلم باب الحث على طلب العلم 2/341, برقم:3641, قال الشيخ الألباني: صحيح.

(11) رواه الترمذي كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب 2 فضل طلب العلم 5/28, برقم:2646, قال الشيخ الألباني: صحيح.

(12) سبق تخريجه ص:2

(13) سبق تخريجه ص:1

(14) أخرجه ابن ماجه1/81, برقم:224

(15) د. أحمد بن عبد الله البابلي- الموقع السابق .

(16) رواه مسلم 3/1255, برقم:1631.

(17) - رواه ابن ماجة:1/88، برقم:242، وقال ابن المنذر إسناده حسن، وقال الألباني:حسن, أنظر صحيح الترغيب والترهيب:1/18، برقم:77.

(18)  مجلة الجندي المسلم .

(19) د. سعد عبد الرحمن الجريد - رسالة دكتواره .

(20) أخرجه ابن ماجه في سننه افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم باب فضل العلماء والحث على طلب العلم 1/81, برقم:224 وصحّحه الألباني .

(21) نحو منهجية إسلامية للعلوم الإنسانية والاجتماعية- دار المسلم - ط1 - 1415 - ص 14 -21 – 23.

(22) أخرجه الترمذي كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب 19 ما جاء في فضل الفقة على العبادة 5/48, برقم:2682.

قال الشيخ الألباني: صحيح.

(23)  للشيخ صالح بن غانم السدلان- تم نقله: عن مجلة الأصالة - العدد 24- السنة الرابعة- ص55-61.

 (24)الشيخ عائض بن عبدالله القرني -موقع الساحة العربية .

(25) د طارق بن محمد الخويطر.

 (26) عبد الله بن سليمان العبد الله ذو المعالي  - [email protected] .

(27) أدب الدنيا والدين -55.

(28)  موقع العصر .

(29) المراجع السابقة ، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم- المجلد الرابع-حرية التعليم والتعلم - العلم والعلماء- للأستاذ/ عبد الملك الشيباني .

 (30) سبق تخريجه:ص:4

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
طرق عرض آيات الله في الكون والنفس
السبت 9 فبراير 2013

 

 

 

 

طرق عرض آيات الله في الكون والنفس

 

إن الاهتمام بطريقة عرض آيات الله الكونية والنفسية ، والتجديد لها ، والابتكار لوسائلها يزيد المؤمنين إيماناً لأن الإنسان إذا طال به الوقت وهو يشاهد مناظر الكون واعتاد عليها ، تبلد ذهنه ، وتوقف تفكيره وتأمله ،وتجمد اعتباره وعظته بما يشاهد من مناظر كل يوم ؛ لذلك فإن على دعاة الإيمان إيجاد طرق جديدة ، ووسائل مبتكرة مفيدة،تخرج الإنسان من هذا الجمود ، وتذكره بدلالة هذه الأدلة والبراهين، وتحيي فيه روح الاستدلال بما يشاهد من المخلوقات على الخالق الحكيم الخبير سبحانه وتعالى. ونسرد هنا بعض هذه الطرق :

 

أ ـ طرق عرض في خطبة الجمعة :

 

1ـ يمكن أن تعرض الآيات في الكون والنفس على شكل خطب مسلسلة متتابعة يركز الخطيب فيها على أبرز الأدلة لأكثر مشاهدة و وضوحا للناس حتى تكون أدلة قوية.

 

2ـ في الخطبة العادية يقف الخطيب عند كل آية قرآنية وحديث نبوي فيه آيات كونية أو نفسية فيعرضها عرضاً تفسيرياً مربوطاً باكتشافات العلوم الكونية الحديثة .

 

3ـ تعرض الآيات في الخطبة على شكل حوار جرى بين الملحدين وأهل الإيمان, ويفضل أن لا يذكر الخطيب الشُبه التي قد تُغرس في نفوس الناس ولا يستطيع إزالتها .

 

4ـ يعرض الخطيب آيات الله في أول الخطبة أو في وسطها لشد انتباه الناس وجذبهم إلى الخطبة فيقوي بها إيمانهم ثم يرشدهم إلى العمل بأمر الله .

5ـ في الخطب التي يتكلم فيها الخطيب عن اليوم الآخر يعرض الخطيب آيات الله المشاهدة لتكون دليلاً مشاهداً على تحقق اليوم الآخر وما فيه من أحداث .

 

6ـ إذا كانت خطبة الجمعة في مناسبة عرس فيعرض الخطيب فيها الآيات النفسية والكونية المناسبة .

 

7ـ إذا كانت خطبة الجمعة في مناسبة موت فإنه يذكر فيها الآيات النفسية والكونية المناسبة .

 

8ـ إذا كانت الخطبة في بداية العام الهجري يعرض الخطيب آيات الله في البدء والإعادة وجريان الشمس، ودوران الأرض، وانتظام سير الكواكب والنجوم وغيرها من الآيات المناسبة .

 

9ـ إذا كانت الخطبة في شهر رمضان فيعرض الخطيب الآيات الكونية المناسبة للصيام،و فوائده الصحية حسب ما توصل إليه علم الطب الحديث وغيرها من الآيات المناسبة .

 

10ـ وإذا كانت الخطبة مقترنة بوقوع حدث كالزلازل أو الكسوف أو الخسوف فيعرض الخطيب آيات الله المناسبة لتلك الحوادث .

 

ب ـ طرق عرض في  الدروس :

 

1ـ إذا كانت الدروس في المسجد فيمكن اتباع نفس العرض في خطبة الجمعة مع توسع أكثر .

 

2ـ إذا كان الدرس في غير المسجد .

 

1ـ يمكن يكون العرض بالوسائل العلمية الحديثة :

        - مثل استخدام عارض البيانات (البروجيكتور) .

        - والكمبيوتر مع عارض البيانات .

        - عاكس الأشعة للورق الشفاف .

        - أشرطة فيديو علمية تعرض الآيات الكونية والنفسية .

        - استخدام لوحات مصور فيها الآيات الكونية وعلى رأسها أو الجانب منها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة لها.

        - يمكن استخدام الكتاب المحتوي على أشكال وصور في الدروس التي فيها أعداد     قليلة من المستمعين .

 

2ـ المشاهدة المباشرة للآيات الكونية والنفسية في الرحلات التفكُّرية مثل :

* الرحلات إلى سواحل البحار لمشاهدة آيات الله في البحر .

* أو إلى كلية الطب لمشاهدة آيات الله في النفس البشرية عن طريق الأشكال التوضيحية والهياكل .

* أو إلى كلية العلوم لمشاهدة آيات الله في الأرض والحيوان ، وهكذا ...

 

ج ـ طرق عرض في  المدارس :

1 ـ الأساسية :

 

1/ يعرض بعض الآيات الكونية والنفسية السهلة المناسبة لعمر الطالب على هيئة أشكال و صور واضحة مع التعلق عليها بكلمات قليلة مفهومة هادفة تكون كالقواعد لأركان الإيمان .

 

2/ يمكن أن ينتج فلم فيديو كحلقات للأطفال فيه آيات كونية ونفسية تغرس في نفوس الطلاب الإيمان بالله وصفاته وعظيم صنعه يكون هذا الفلم مصاحب مع مدرس المرحلة الأساسية التربية الإسلامية وعلوم القرآن .

 

3/ يؤلف دليل الرحلات التفكرية الذي يبين آيات الله في الكون المشاهد عند خروج الطلاب إلى منطقة جبلية أو بحار أو سهول أو النظر في السماء يبين فيه هذه الآيات بما يناسب مستوى الطلاب .

 

4/ توضح القواعد الإيمانية العقلية الدالة على وحدانية الله و بعض وصفاته عن طريق التجارب العملية والأشكال التوضيحية ، مثل : ضرب أحد الطلاب من الخلف ويقال له : ضربة من غير فاعل  لبيان أن لكل فعل فاعل وإن العدم لا يفعل شيء أو  يحضر جهاز ويقال : صنع صدفة ويناقش فيه الطلاب ، أو يستخدم ما في الفصل من الأدوات كالمنضدة والكرسي من ضرب الأمثلة للدلالة على وجود النجار أو المهندس واكتشاف إمكاناته وقدراته لتكون بيان لقاعدة المخلوق مرآة لبعض صفات خالقه، وهكذا ...

 

5/ تعرض آيات الله على شكل محاورة بين ملحد ومؤمن لبيان براهين الإيمان من خلال النقاش .

 

6/  يلفت المدرس نظر الطلاب إلى آيات الله في الإتقان في خلق الكون ، وانتظام سيرة وحركته مثل شروق الشمس  وغروبها و مجيء الليل وذهاب النهار، ومثل ما يحدث في فصول السنة .

 

7/ يستفاد من كتب العلوم الموجودة فيضاف إليها بعض التعليقات الإيمانية ليتم ربط المعلومات العلمية الكونية بالتأملات الإيمانية .

 

8/ يضاف كتاب مستقل فيه آيات كونية ونفسية يناسب المرحلة الأساسية .

 

9/ يوضح مدرس العلوم آيات الله أثناء شرح الدروس .

 

10/ تعرض الآيات الكونية والنفسية على شكل أسئلة وأجوبة في كروت صغيرة معدة جيداً لتناسب المستويات الدراسية المختلفة .

 

11/ عرض الآيات بالوسائل الحديثة أثناء طابور الصباح المدرسي .

12/ عرض الآيات بواسطة فلم فيديو متناسب  مع المستوى الدراسي .

13/عمل لوحات لآيات الله في الكون والنفس  في فناء المدارس وفصولها الدراسية.

14 / إضافة صور وأشكال تبين الآيات على أغلفة الكتب المدرسية .

 

2ـ لمدارس المتوسطة والثانوية : استخدام النقاط السابقة مع زيادة في التفصيل يتناسب مع مستواهم العلمي .

 

3ـ طلاب الجامعات : بالإضافة إلى النقاط السابقة يضاف الآتي :

 

1/ إقامة محاضرات لعرض الآيات الكونية والنفسية عن طريق الوسائل العلمية الحديثة لكل كلية حسب تخصصها .

 ـ فالأطباء مثلا يعرض عليهم آيات الله في الأنفس .

 ـ طلاب الجيولوجيا  آيات الله في الأرض .

 ـ طلاب الأحياء ـ آيات الله في الحيوان .

 ـ طلاب الكلية الزراعة ـ آيات الله في النبات.

 ـ طلاب الفلك ـ آيات الله في السماء .

 

2/ تأليف كتاب آيات الله في الكون والنفس كمتطلب جامعي يدرس لكل طالب في جميع الكليات .

 

3/ عمل تصحيحات إسلامية للمناهج العلمية الكونية المختلفة وإضافة التعليقات الإيمانية .  

4/ عمل لوحات على جدران الجامعات وقاعتها الدراسية . تعبر عن الآيات في الآفاق والأنفس الخاصة بكل كلية .

 

د ـ طرق عرض في وسائل الإعلام :

 

ـ إضافة التعليقات الإيمانية إلى أفلام الفيديو العلمية الموجودة .

ـ عرض الآيات الكونية والنفسية التي في أقراص الكمبيوتر الموجودة الآن،وعرضها في الأوقات المناسبة التي يتواجد فيها غالب الناس أمام وسائل الإعلام المرئية .

ـ تستضيف وسائل الإعلام علماء متخصصين في العلوم الكونية مع علماء شرعيين في حلقات حوار لبيان آيات الله في الكون والنفس .

ـ  ذكر الأخبار العلمية الجديدة في وسائل الإعلام مع التعليق عليها إيمانياً .

ـ عرض فقرات مصورة من آيات الله في الكون والنفس تتخلل برامج وسائل الإعلام المرئية .

ـ إثراء مكتبة شريط الكاسيت الإسلامي بمحضرات عن آيات الله الكونية .

ـ إنتاج أفلام علمية تخدم هذا الهدف العظيم وبثها في القنوات العالمية  باللغات المختلفة .

ـ إصدار مجلة بعنوان آيات الله في الآفاق والأنفس .

ـ إصدار دوريات و نشارات لآيات الله في الآفاق والأنفس .

ـ إرسال برامج خاصة عن الآيات الكونية والنفسية إلى مواقع الانترنت المختلفة.

ـ إنشاء ملف بالصور للآيات الكونية المعلق عليها إيمانيا ًوإرسالها إلى مواقع الانترنت .

ـ إنشاء موقع في الانترنيت باسم آيات الله في الآفاق والأنفس .

ـ ابتكار و نشر لوحات آيات الله في الكون والنفس مع التعليقات الإيمانية المؤثرة.

ـ يمكن ابتكار أشكال للآيات الكونية في شاشات التلفون الجوال وخلفيات أجهزة الكمبيوتر .

ـ عمل لوحات للآيات الكونية والنفسية عند مداخل عواصم المحافظات والأسواق وتجمعات الناس وعلى جوانب الطرق بحيث  تتناسب مع المنطقة التي يمر فيها المسافر.

ـ عمل لوحات حائطية منزلية فيها آيات الله في الآفاق والأنفس .

ـ إنشاء معرض ثابت لآيات الله في الكون والنفس في العاصمة .

ـ إنشاء معرض متنقل لآيات الله في الكون والنفس يتم إقامته في المدن الكبيرة وعواصم المحافظات .

ـ إنشاء مركز علمي بعنوان آيات الله في الآفاق والأنفس يقوم بتنفيذ المقترحات السابقة .

 

 

التوصيــــات

 

1- إنشاء استريو لإنتاج أفلام فيديو آيات الله في الكون والأنفس .

2- إنشاء موقع على الإنترنت باسم آيات الله في الآفاق والأنفس .

3- إنشاء مركز آيات الله في الآفاق والأنفس مع المعرض الثابت والمتنقل .

4- إقامة معارض للآيات في الآفاق والأنفس في عواصم المحافظات وإن كانت البداية معرض متنقل يتم إعداده في المركز المقترح سابقاً .

5- تعيين فريق لإخراج مجلة آيات الله في الكون والأنفس .

6- تقديم مقترح لوزارة التربية والتعليم بإضافة مادة آيات الله في الآفاق والأنفس .

7- إنشاء لجنة لدراسة المناهج الدراسية المختلفة وإدخال الإضافات للآيات الكونية والنفسية المناسبة .

8- إنشاء لجنة أو لجان لجمع التبرعات اللازمة لأعمال عرض آيات لله في الكون والأنفس .

9- إقامة لجان من المدرسين العاملين في المدارس والجامعات لعمل الوسائل المناسبة لعرض آيات الله في الكون والأنفس .

10- عمل دورات لمدرسي العلوم الكونية في المدارس والجامعات لتدريب على إدخال التعليق الإيماني على موادهم المختلفة يتم ذلك بتبرع المدارس والجامعات لعمل تلك الدورات .

11- عمل دورات لتدريب الخطباء والمحاضرين على عرض آيات الله في الآفاق الأنفس .

والحمد لله رب العالمين

 

الخلاصـــة:

إن آيات الله في الكون والأنفس ـ سبحانه وتعالى ـ أدلة وآثار لصفات الله ومعالم بديع صنعه مبثوثة في كل ناحية من نواحي هذا الكون ، فكل ما في الكون من مخلوقات دليل مشاهد على الخالق  ـ سبحانه ـ الذي خلقه وأحكمه وأبدعه . وهذه الأدلة والبراهين واضحة الدلالة لأصحاب العقول والألباب التي تريد معرفة الحق، والاستدلال بها شيء فطري في فهم كل إنسان مهما كان إدراكه ، يشاهد آيات الله في الكون وفي النفس فيدرك أن هذا الإبداع وذلك النظام والإحكام والتقدير قطعاً من خالق أبدع السماوات والأرض والإنسان وأحكمها .

 

والآيات في الكون والأنفس ذكرها القرآن على ثلاثة أنواع :

1) آيات تتضمن التنبيه على دلالة الخلق والفطر والإبداع والاختراع .

2) آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها .

3) آيات تجمع الأمرين معاً .

 

وأهم دلالات الآيات الكونية والنفسية على الإيمان بالله  في القرآن الكريم ما يلي :

 

أولاً : دليل الخلق وهو على معنيين هما :

1 ـ إيجاد وإبداع الشيء من غير أصل ولا مثال سابق..

2 ـ إيجاد الشيء من الشيء.

 

ثانياً : دليل التسوية .

 

ثالثاً : دليل التقدير: والتقدير في مخلوقات الله على ضربين :

1 ـ ضرب أوجده بالفعل ، بأن أوجده كاملاً ، دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء الله أن يفنيه أو يبدله كالسماوات وما فيها .

2 ـ ضرب جعل أصوله موجودة بالفعل، وأجزاءه بالقوة، وقدره على وجه لا يأتي منه غير ما قدره فيه، كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون.

 

رابعاً : دليل الهداية : وجه الدلالة في الآيات الكونية والنفسية على الإيمان بالله تتمثل في جنسين :

 

أحدها : ما يظهر من خلق ذوات الأشياء مثل خلق الحياة والإدراكات الحسية والعقل ووجود الحيوان كله ووجود النبات كله ووجود السماوات والأرض وغيرها، وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين في جميع فطر الناس :  

1ـ أن هذه الموجودات مخترعة .

2ـ أن كل مخلوق له خالق وكل مفعول له فاعل.

والقرآن يضع بين أيدينا قواعد عقلية توضح هذين الأصلين منها ما يلي :

القاعدة الأولى : العدم لا يفعل شيئا .

القاعدة الثانية : المخلوقات آثار مشاهدة تدل على بعض صفات الله 

القاعدة الثالثة : فاقد الشيء لا يعطيه .

 

ثانيهما: طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجلها وهذه الطريقة تبنى على أصلين :

 الأول : أن جميع الموجودات التي في الكون موافقة لوجود الإنسان .

 الثاني : أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فموافقة أعضاء جسم الإنسان له وموافقة الأرض لحياته وسكنه والعيش عليها، وموافقة الليل والنهار والشمس والقمر، والهواء والماء ، وموافقة النبات لغذائه وتنفسه وكل منفعة من منافع الوجود دليل قاطع على وجود الخالق المحكم لها القادر على خلقها وإحكامها لتتوافق مع وجود الإنسان .

 

ونوصي المسلمين بالاهتمام بكيفية عرض آيات الله في الكون والأنفس والتجديد فيها لأن التجديد في طرق ووسائل العرض يشد الناس إليها ويجذبهم نحوها فتظهر لهم هذه الآيات صفات كمال الله الخالق لها المقدر لمقاديرها، وتربطهم بالله أينما نزلوا أو رحلوا فهي أدلة وآيات في كل مكان وفي أنفسهم لا تفارقهم .

 

راجعه: محمد معافا

علي عمر بلعجم.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
أهمية آيات الله في الكون والأنفس
السبت 9 فبراير 2013

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ندوة تقوية الإيمان وزيادته

من براهين الإيمان بالله

آيات الله في الكون والأنفس

 

أهمية آيات الله في الكون والأنفس

 

1- الكون والأنفس آثار وعلامات دالة على الله ، فكل ما في الكون من مخلوقات دليل مشاهد على الخالق  ـ سبحانه ـ الذي خلقه وأحكمه وأبدعه ، وهذه الأدلة والبراهين واضحة الدلالة لأصحاب العقول والألباب التي تريد معرفة الحق ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب (190) ﴾ [سورة آل عمران] .

 

2- هذه الأدلة لا تحتاج إلى بحث أو نقاش أو جدال لأنها واضحة الدلالة لأصحاب العقول التي تريد معرفة الحق . وسئل بعض أعرابي عن الدليل على وجود الرب تعالى ، فقال : يا سبحان الله ! إن البعر ليدل على البعير ، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، أرض ذات فجاج ، ألا تدل على وجود اللطيف الخبير !!(1).

 

3- الاستدلال بالآيات الكونية والنفسية شيء فطري في فهم كل إنسان مهما كان إدراكه لأنها تعتمد على الفطر السليمة والقواعد العقلية ، فالإنسان يشاهد آيات الله في الكون وفي النفس فيدرك أن هذا الإبداع وذلك النظام والإحكام والتقدير قطعاً من خالق أبدع السماوات والأرض والإنسان وأحكمها .

 

4- القرآن الكريم استخدم هذا البرهان بكثرة للإقناع بالإيمان وتثبيته وتقويته ونفي الشريك عنه سبحانه فقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾ [سورة الروم] ، قال تعالى: ﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) ﴾ [سورة العنكبوت] ، وقال تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (40) ﴾ [سورة فاطر] ، وقال تعالى : ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) ﴾ [سورة لقمان] .

 

تعريف الآيات الكونية ومرادفتها :

1

- الآيات لغة : جمع آية ، والآية في اللغة : العلامة، والأمارة، وهذه آية مَأْياة ، كقولك علامة معلمة ، وأفعله بآية كذا كما تقول بعلامة كذا وأمارته ،… وآيَّا آيَةً : وضع علامة .

 

- وقال الراغب :  الآية هي العلامة الظاهرة ، فالآية كما دلت عليها لغة العرب هي : العلامة - العِبرة - الأمارة – المعجزة - الدلالة والدليل- الحجة – والبرهان .

 

- وفي القرآن جاءت الآية بمعانى منها :

 

• السلطان والحجة، والعبرة والعظة، والبينة، والحجة، والمعجزة ،  والبرهان ، والدلالة والأدلة، وآيات القرآن الكريم .

 

• أما لفظ الكون :  فإنه لم يرد في القرآن الكريم لكن وردت ألفاظ تدل عليه مثل : العالم، والآفاق، والسماوات والأرض .

 

• فيمكن أن نعرف الآيات الكونية : بأنها العلامات الثابتة في السماوات والأرض الدالة على الخالق، وبعض صفاته لمن يشاهد ببصره ويتفكر بعقله في صفحات الوجود .

 

 


 

 

 


 

 

طرق العرض

مكان العرض كيفية العرض

خطب الجمعة

1)    خطب مسلسلة .

2)    شرح للآية والحديث الدالة على الآيات الكونية والنفسية الواردة في الخطبة .

3)    فقرات في بدء أو وسط الخطب .

4)    في قصص الأنبياء تعرض الآيات الكونية والنفسية على شكل حوار.

5)    في المناسبات السنوية الدينية والاجتماعية والأحداث الكونية تختار الآيات الكونية

والنفسية المناسبة لها .

 

مكان العرض كيفية العرض
الدروس

1)    في المسجد : كما في خطب الجمعة مع التوسع في الموضوع .

2)    في غير المسجد :

أ ـ العرض بالوسائل العلمية الحديثة مثل :

  ـ عارض البيانات ( البروجيكتور) .

  ـ الكمبيوتر مع عارض البيانات .

  ـ عاكس الأشعة الرأسي للورق الشفاف .

  ـ أشرطة فيديو علمية مناسبة .

  ـ استخدام لوحات مصور فيها الآيات الكونية مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المناسبة لها  .

  ـ يمكن استخدام الكتاب المحتوي على أشكال وصور للآيات الكونية والنفسية إذا كان عدد

الحضور قليل .

ب ـ المشاهدة المباشرة للكون والأنفس :

* الرحلات إلى سواحل البحار لمشاهدة آيات الله في البحر

* أو إلى كلية الطب لمشاهدة آيات الله في النفس البشرية عن طريق الأشكال التوضيحية والهياكل

* أو إلى كلية العلوم لمشاهدة آيات الله في الأرض والحيوان ، وهكذا.

 

مكان العرض كيفية العرض

المدارس

الأساسية

1)    على هيئة أشكال و صور واضحة مع التعليق عليها بكلمات قليلة مفهومة هادفة تكون

كالقواعد للإيمان.

2)    فلم فيديو كحلقات للأطفال فيه آيات كونية ونفسية تغرس في نفوس الطلاب الإيمان

بالله وصفاته .

3)    الرحلات التفكرية التي تبين آيات الله في الكون المشاهد عند خروج الطلاب إلى منطقة

جبلية أو بحار

أو سهول أو النظر في السماء يبين فيها هذه الآيات بما يناسب مستوى الطلاب .

4)    توضح القواعد الإيمانية العقلية بشكل تجارب عملية وأشكال توضيحية داخل الفصل .

5)    يعرضها المدرس على شكل محاورة بين ملحد ومؤمن لبيان دلالتها على الإيمان من

خلال النقاش .

6)    يلفت المدرس نظر الطلاب إلى انتظام سير الكون مثل شروق الشمس  وغروبها و مجيء الليل

وذهاب النهار، ومثل ما يحدث في فصول السنة لدلالة على الإيمان .

7)    يضاف إلى  كتب العلوم الموجودة  التعليقات الإيمانية ليتم ربط المعلومات الكونية

بالتأملات الإيمانية .

8)    يضاف كتاب مستقل فيه آيات كونية ونفسية يناسب المرحلة الأساسية .

9)    يوضح مدرس العلوم آيات الله أثناء شرح الدروس .

10)     على شكل أسئلة وأجوبة في كروت صغيرة معدة جيدا لتناسب المستويات

الدراسية المختلفة.

11)     عرض الآيات بالوسائل الحديثة أثناء طابور الصباح المدرسي .

12)     عرض الآيات بواسطة فلم فيديو متناسب مع المستوى الدراسي .

13)     عمل لوحات لآيات الله في الكون والنفس في فناء المدارس وفصولها الدراسية .

14)     إضافة  صور وأشكال تبين الآيات الكونية والنفسية على أغلفة الكتب المدرسية .

 

مكان العرض كيفية العرض
المدارس المتوسطة والثانوية

ستخدام النقاط السابقة مع زيادة في التفصيل يتناسب مع مستواهم العلمي.

إقامة محاضرات لعرض الآيات الكونية والنفسية عن طريق الوسائل العلمية الحديثة.

 

مكان العرض كيفية العرض 
الجامعات

بالإضافة إلى النقاط السابقة يضاف الآتي :

1) إقامة محاضرات لعرض الآيات الكونية والنفسية عن طريق الوسائل العلمية الحديثة

لكل كلية حسب تخصصها .

   ـ فالأطباء مثلا يعرض عليهم آيات الله في الأنفس .

   ـ طلاب الجيولوجيا  آيات الله في الأرض .

   ـ طلاب الأحياء ـ آيات الله في الحيوان .

       ـ طلاب الكلية الزراعة ـ آيات الله في النبات.

       ـ طلاب الفلك ـ آيات الله في السماء .

2) تأليف كتاب آيات الله في الكون والنفس كمتطلب جامعي يدرس لكل طالب في

جميع الكليات .

3) عمل تصحيحات إيمانية للمناهج العلمية الكونية المختلفة مع إضافة التعليقات الإيمانية .   

4) عمل لوحات على جدران ساحات الجامعات وقاعتها الدراسية ، تعبر عن الآيات في الكون

والأنفس الخاصة بكل كلية .

 

 

مكان العرض كيفية العرض
وسائل الإعلام

1)    إضافة التعليقات الإيمانية إلى أفلام الفيديو العلمية الموجودة.

2)    عرض الآيات الكونية والنفسية التي في أقراص الكمبيوتر أفلام الفيديو الجاهزة الموجودة

الآن،في الأوقات التي يتواجد فيها غالب الناس أمام وسائل الإعلام المرئية.

3)     تستضيف وسائل الإعلام علماء متخصصين في العلوم الكونية مع علماء شرعيين في

حلقات حوار لبيان آيات الله في الكون والنفس.

4)     ذكر الأخبار العلمية الجديدة في وسائل الإعلام مع التعليق عليها إيمانياً .

5)     عرض فقرات مصورة من آيات الله في الكون والنفس تتخلل برامج وسائل الإعلام المرئية .

6)     إنتاج أفلام فيديو علمية  تخدم هذا الهدف العظيم وبثها في القنوات العالمية  باللغات المختلفة.

7)     إنشاء موقع في الانترنيت باسم آيات الله في الآفاق والأنفس.

8)    إرسال برامج خاصة عن الآيات الكونية والنفسية إلى مواقع الانترنت المختلفة.

9)    إنشاء ملف بالصور للآيات الكونية المعلق عليها إيمانيا ًوإرسالها إلى مواقع الانترنت.

10)  ابتكار و نشر لوحات ورقية آيات الله في الكون والنفس مع التعليقات الإيمانية المؤثرة.

11)  يمكن ابتكار أشكال للآيات الكونية في شاشات التلفون الجوال وخلفيات أجهزة الكمبيوتر.

12)   عمل لوحات للآيات الكونية والنفسية عند مداخل عواصم المحافظات والأسواق

وتجمعات الناس وعلى جوانب الطرق التي يمر فيها المسافرون بكثرة .

13)   عمل لوحات حائطية منزلية فيها آيات الله في الآفاق والأنفس .

14)   إصدار مجلة بعنوان آيات الله في الآفاق والأنفس .

15)  إصدار دوريات و نشارات لآيات الله في الآفاق والأنفس .

16)  إنشاء معرض ثابت لآيات الله في الكون والنفس في العاصمة .

17)  إنشاء معرض متنقل لآيات الله في الكون والنفس يتم إقامته في المدن الكبيرة وعواصم

المحافظات .

18)  إثراء مكتبة شريط الكاسيت الإسلامي بمحضرات عن آيات الله الكونية .

19)  إنشاء مركز علمي بعنوان آيات الله في الآفاق والأنفس يقوم بتنفيذ المقترحات السابقة .

 

 

 

التوصيات :

1-  إنشاء استريو لإنتاج أفلام فيديو آيات الله في الكون والأنفس .

2-  إنشاء موقع على الإنترنت باسم آيات الله في الكون والأنفس .

3-  إنشاء مركز آيات الله في الكون والأنفس مع المعرض الثابت والمتنقل .

4-  إقامة معارض للآيات في الآفاق والأنفس في عواصم المحافظات وإن كانت البداية معرض متنقل يتم إعداده في المركز المقترح سابقاً .

5-  تعيين فريق لإخراج مجلة آيات الله في الكون والأنفس .

6-  تقديم مقترح لوزارة التربية والتعليم بإضافة مادة آيات الله في الكون والأنفس .

7-  إنشاء لجنة لدراسة المناهج الدراسية المختلفة وإدخال الإضافات للآيات الكونية والنفسية المناسبة .

8-  إنشاء لجنة أو لجان لجمع التبرعات اللازمة لأعمال عرض آيات لله في الكون والأنفس .

9-  إقامة لجان من المدرسين العاملين في المدارس والجامعات لعمل الوسائل المناسبة لعرض آيات الله في الكون والأنفس .

10-  عمل دورات لمدرسي العلوم الكونية في المدارس والجامعات للتدريب على إدخال التعليق الإيماني على موادهم المختلفة يتم ذلك بتبرع المدارس والجامعات لعمل تلك الدورات .

11-  عمل دورات لتدريب الخطباء والمحاضرين على عرض آيات الله في الكون والأنفس .

والحمد لله رب العالمين ،،

 

 -----------------

(1)  معارج القبول بشرح علم الأصول في التوحيد الجزاء الأول ص 57، 58 للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
مراتب القدر
د.عبد الرحمن الأغبري
الأثنين 11 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

جامعة الإيمان

ندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

موضوع البحث

 

مراتب القدر

 

 مقدمة :

 

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فل هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد :

 

فلما كان بحث مسألة القضاء والقدر من المزالق الخطر في الدين، ومن الأمور التي قد تهوي بالمرء إلى الزلل، ولما كان المسلمون قد خاضوا فيها خوضاً عميقاً، وذلك على مرِّ التاريخ الإسلامي، وتحديداً بعد أن دبَّ إلى الأمة الإسلامية داء الأمم، فاتبعت سننهم وسلكت سبلهم ونهلت من مشاربهم حتى اختلطت عقائدهم بعقيدتها الصافية، فأوردهم هذا الخوض المهالك، وشتت شملهم، وفرق جمعهم، فضعفت بذلك قوتهم، وانكسرت شوكتهم، وتكالبت عليهم الأمم.

 

لما كان الأمر كذلك، بات من أوجب الواجبات على المسلمين أن يوحدوا صفوفهم ويجمعوا كلمتهم، ويعملوا جميعاً وبأقصى ما يملكون للم شمل الأمة وجمع شتاتها، ورأب صدعها، والأخذ بيدها إلى جادة الصواب، وتذكيرها بما من شأنه أن يعيد لها ماضيها التليد، وكرامتها المستمدة من كرامة دينها المجيد، ويجدد الصواب، ويجدد لها سؤددها ويرفع لواءها  ويضيء لها طريقها، ويذكِّرها بأسباب العزة والمجد والريادة والسيادة.

 

وتحقيقاً لبعض هذا الواجب، ومن منطلق المسئولية الملقاة على عاتق كل مسلم، فإني أرى أن إيضاح مسألة القدر ومراتبه التي هي من أهم وأعظم مسائل العقيدة أمر في غاية الأهمية وضرورة ملحة، لانتشال هذه الأمة من واقعها المشين، وإيقاظها من سباتها المريب، وتذكيرها بمهمتها العظيمة، لتبليغ هذا الدين، وإنَّ أفضل ما يكون هذا الإيضاح، بالرجوع بها إلى فهم سلف الأمة وقادتها – الصحابة الكرام – حيث كانوا – رضي الله عنهم – أحسن النَّاس لها فهماً، وأعرفهم بها علماً، وأعظمهم بها إلماماً، ولم يتأثروا بالأغاليط ولا بالفلسفات القديمة.

 

ومن هنا حملوا لواء الدعوة الإسلامية ونشرها في أرجاء المعمورة، وتحمَّلوا من أجلها أشد العناء واجتازوا أصعب العقبات، فحققوا أروع الانتصارات في أحلك الظروف وأسوأها، في معارك غير متكافئة مع الأعداء، غير عابثين بما يواجههم ولا مبالين بما يعترض طريقهم من عناء ومشقة، مؤمنين بأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وبأنه لن تموت نفس إلا وقد استوفت رزقها وأجلها وأن ما من مصيبة في الأرض ولا حدث ولا خير إلا وقد جف القلم في سابق علم الله به.

 

فأخذوا – رضي الله عنهم – بالأسباب التي أوصلتهم إلى أسمى الأهداف وأعلى الغايات فحقق الله لهم ما أردوا، ونالوا بذلك ما تمنوا.

 

 

 

 

تعريف القدر :

 

أولاً: القدر في اللغة:

 

جاءت مادة القدر بمعنى القضاء, قال ابن سيدة : والقدر: القضاء والحكم، وهو ما يقدره من القضاء ويحكم به من الأمور قال تعالى : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾[القدر:1] أي في ليلة الحكم كذلك قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾[الدخان:4]. 

 

وجاءت بمعنى العلم قال تعالى: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ﴾ [النمل:57] أي علمنا أنها لمن الغابرين.

 

وجاءت بمعنى السؤال والطلب كقولك استقدر الله خيراً أي اسأل الله خيراً ومن حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : «اللهم إني أستقدرك بقدرتك»(1) أي بمعنى أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة.

 

كما جاءت بمعنى الموعد كما قال تعالى : ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾[طه:40] أي على موعد وجاءت بمعنى القدر والطاقة كما قال تعالى: ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾[البقرة:236]. أي طاقته .

 

وجاءت بمعنى التضييق قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد:26].

 

القدر في القرآن : وأما القدر في الكتاب فقد جاء على معان كثيرة:

 

منها المقدار والقسمة وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر:49] وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر:21] وفي غيرها من الآيات.

 

وكذلك يأتي بمعنى جعل لقوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾[القمر:12] أي على أمر قد علم في سابق علم الله سبحانه وتعالى كما مر آنفاً.

 

أو بمعنى الحتم كما في قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ [طه:40] أي على أمر حتمي الوقوع والإنجاز .

 

القدر على السنة: وأما في السّنة فقد ورد فيها أحاديث كثيرة ما يبين وجود الإيمان بالقدر كحديث جبريل المشهور(2)، ومنها ما يبين أنّ القدر في علم الله الأزلي وأنه لابد من تحققه وإيجاده كما قدر الله: كحديث عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «وإن أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب فكتب ما كان وهو كائن إلى الأبد»(3) ،(4).

 

ومنها الأحاديث التي يخطئ الناس في فهمها كحديث وصور في صحيح مسلم: «احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ثم تلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق ؟ فحج آدم موسى»(5)   .

 

وحديث البخاري ومسلم عن الاحتجاج بالعمل ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :« لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له»(6) ،(7).

 

 

 

أهمية الإيمان بالقدر:

 

تنبثق هذه الأهمية من كون الإيمان بالقدر يعتبر ضرورة ملحة للمؤمن، لما له من المكانة العالية في الإسلام، فهو في المقام الأول أحد أركان الإيمان الستة الواردة في حديث جبريل المشهور، كما أنه من تمام توحيد الربوبية، وهو موجب لصدق الاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، وأنه موجب لحصول الطمأنينة للإنسان في حياته كلها، خاصة عندما يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

 

كما أنَّ الإيمان بالقدر سبب رئيسي في نفي إعجاب المرء عند تحقيق أي عمل، وهو كذلك موجب لشكر الله تعالى إذ المن لله وحده، وما تحقيقه وتوفيقه لهذا العمل إلا فعل للسبب المؤدي إلى حصول المراد .

 

· مراتب القدر :

وبعد أن تبين لنا أهمية الإيمان بالقدر وضرورته، فإنه لابد للمسلم من فهم حقيقة القدر وأركان القدر أو مراتبه (درجاته) كما هو معلوم لدى علماء المسلمين الذين بينوا هذه الأركان وأطلقوا عليها أحياناً مراتب وأحياناً درجات.

 

ولابد من الإشارة إليها والإحاطة بما يجب منها وذلك لفهم حقيقتها وضبط معانيها، ولقد اتبع شيخ الإسلام منهج الوسطية فيها كما هو منهجه في كل أمر وجاءت مبثوثة في الكتب مبسوطة ومقتضبة ونحن إذ نشير إليها على جهة الإجمال بشرح ما خفي منها إسهاماً في نشر الوعي وإدراكاً منَّا أن فهمها سبب في زيادة في الإيمان وتثبيت له وهذه المراتب هي :

 

1 ـ العلم        2 ـ الكتابة             3 ـ المشيئة        4 ـ الخلق

 

أولاً : مرتبة العلم :

 

وهي تعني الإيمان الجازم بأن علم الله الأزلي الأبدي بكل شيء جملة وتفصيلاً، أولاً وأبداً ما كان وما يكون من صغير وكبير وظاهر وباطن سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله أو أقواله أو بأفعال عباده وأقوالهم وأرزاقهم وآجالهم وكل ما يتعلق بكل مخلوقاته .

 

فعلمه محيط بما كان وما لم يكن لو كان كيف يكون وبما سيكون وبالموجود وبالمعدوم وبالمكن والمستحيل، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة أو أصغر منهما في السموات ولا في الأرض. وقد علم سبحانه جميع ما خلق.

 

قال تعالى: ﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ:3] وقال تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ [الطلاق:12] .

 

وقال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:59] .

 

تشير الآيات السابقة إلى وجوب الإيمان بأن الله بكل شيء عليم وإلى أنَّ علمه محيط وسابق لكل شيء وغير مسبوق بجهل ولا ملحوق بنسيان كما وصف نفسه في القرآن الكريم حيث قال: ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ﴾ [طه:52] .

 

فعلمه أزلي أبدي كوصفه سبحانه وتعالى، فقد علم سبحانه ويعلم ما يخلق وما الخلق عاملون من قبل خلقهم ومن بعد خلقهم إلى يوم القيامة وإلى أبد الآبدين ويجب أن نؤمن بذلك كله إيماناً جازماً كما صرحت الآيات وكذلك الأحاديث والتي سنذكر بعضاً منها في المرتبة الثانية (الكتابة).

 

ثانياً: مرتبة الكتابة:

 

وتعني بأنَّ الله كتب ما سبق في علمه في اللوح المحفوظ مقادير خلقه حتى تقوم الساعة، فما من شيء كان أو يكون إلا هو في كتاب مقدر قبل أن يكون.

 

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج:70] .

 

وقال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة:51] .

 

وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد:22].

 

فهذه الآية وضَّحت أن ما من مصيبة في الأرض من حرب أو زلازل أو فيضانات أو غيرها إلا وقد ذُكرت وكتبت بأمر في اللوح المحفوظ، وكذا أي مصيبة في الأنفس عامة كالأمراض والأوبئة والمنايا المهلكة إلا في ذلك الكتاب من قبل خلقها ومن قبل خلق الأرض والسماء وكل المخلوقات بخمسين ألف سنة كما بينت وشرحت ذلك السنة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

 

أما في السنة فيها عدة أحاديث منها: ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة »(8).

 

وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، وكتبه في الذكر كل شيء»(9).

 

ومنها ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : «إن أول ما خلق الله القلم فقال: أكتب قال : رب ما أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة»(10).

 

فهذه الأحاديث وغيرها صريحة بأن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وبأن ما أصاب من مصيبة عامة أو خاصة إلا وهي في كتاب وأن ما أصاب الإنسان لم يكن يخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه فقد جفت الأقلام وطويت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة.

 

وفي هذا كله هداية للمؤمن وتثبيت لقلبه ليسلم لله ويستسلم لمقاديره الكونية والشرعية ويعيش في هذه الدنيا راضياً ومطمئناً مطيعاً لله في مدلهمات الحياة وخطوابها: فلا يفرج بما آتاه الله فرحاً يخرجه عن الشكر ولا يحزن لما أصابه حزناً يخرجه عن الصبر فهو إمَّا في نعمة أو ابتلاءٍ أو ذنوب. نعمة ليشكر الله عليها وذنب يستغفر ربه منه وابتلاء يصبر عليه صبر الكرام والصبر الجميل الذي يثاب عليه الثواب الجزيل والعطاء الكثير في الكريم المنان.

 

 

ثالثاً : مرتبة المشيئة :

 

وتعني الإيمان بمشيئة الله سبحانه النافذة في كل شيء سواء كان مما يتعلق بأفعاله أو يتعلق بأفعال خلقه،كما تعني الإيمان بقدرته الشاملة لكل شيء، فما وجد موجود ولا عدم معدوم من صغير وكبير وظاهر وباطن في السموات والأرض إلا بمشيئته سبحانه وتعالى سواء كان ذلك من فعله تعالى، أو من فعل مخلوقاته.

 

قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ﴾ [فاطر:44] .

 

فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حركة ولا سكون ولا هداية ولا إضلال إلا بمشيئته سبحانه وتعالى .

 

وأدلة هذه المرتبة كثيرة منها قوله تعالى : ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف:23]، وقوله تعلى : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الإنسان:30]، ومنها قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ [هود:118].

 

وكذلك قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ [البقرة:253].

 

وكذلك قوله تعالى : ﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم:27] وقوله تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ [الرعد:26] .

 

فهذه الآيات وغيرها تشير إلى أنه لا يمكن أن يكون شيء في الوجود إلا بمشيئته سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.

 

وهنا وقفة مهمة ينبغي أن تُتأمل؛ ينبهنا إليها العلماء حينما قسموا الإرادة إلى كونية وشرعية، والمقصود هنا أنه لا يمكن أن يكون في ملكه سبحانه إلا ما يريده كوناً وقدراً، أي (الإرادة الكونية).

 

أما في الإرادة الشرعية فيمكن أن يكون في الأرض خاصة بين بني الإنسان المخلوقين للابتلاء ما لا يريده شرعاً، كأن يأمرهم بالإيمان فلا يقبلوه، بل يتنكبوا الطريق المستقيم مثل  أنهم لا يستجيبوا لما يريده الله شرعاً ويحبه لهم من الإيمان فيكون ما لا يريده أي ما لا يحبه لهم من الكفر ولكن هذا لا يخرج عن إرادته الكونية حينما اقتضت إرادته الكونية أن يخلق هذا الإنسان للامتحان واقتضت إرادته سبحانه أن يخلق الجنة والنار.

 

وهذه المسألة من أخطر المسائل في الاحتجاج بالقدر عند من لا يفرق بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا ما لا يعرف هذا الإنسان وقد تؤدي به إلى الكفر والخروج عن الملة.

 

ومن هنا قرر العلماء أن الإرادة الكونية تعني المشيئة.والإرادة الشرعية تعني المحبة فالأولى في مثل قوله تعالى : ﴿ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ [هود:34].

 

والثانية بينتها الآية الكريمة حيث قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء:27]. أي والله يحب أن يتوب عليكم، وقال سبحانه : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة:185] وعلى هذا فإنَّ الإرادة الكونية تتعلق فيما وقع سواء أحبه الله أم لم يحبه ويتعين فيها وقوع المراد في حين تتعلق الإرادة الشرعية فيما أحبه سواء وقع أم لم يقع ولا يتعين فيها وقوع المراد.

 

هنا يرتفع اللبس عمن يحتج بالقدر وتقوم عليه الحجة، فصدق الله العظيم حيث يقول : ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:149] ، ويقول تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [الشورى:16].

 

رابعاً : مرتبة الخلق:

 

وتقتضي هذه المرتبة الإيمان بالله خالق كل شيء من صغير وكبير وظاهر وباطن، فخلقه شامل لأعيان هذه المخلوقات وصفاتها وما يصدر عنها من أقوال  ً وأفعال، وكل ما سوى الله مخلوق موجد من العدم، كائن بعد أن لم يكن ، وقد دلت على هذه المرتبة الكتب السماوية، وأجمع عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام واتفقت عليها الفِطر، والعقول السليمة، ومن هذه الأدلة قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر:62]، وقوله تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الملك2] . وقوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصفات:96].

 

ومن السنة : ما رواه البخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»(11), فأفعال العباد داخلة في عموم خلقه تعالى وهي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً ولكنها من العبد- كما يقرر العلماء- فعلاً وكسباً، فالله هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها.

 

وهذا عين ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه منهاج السنة(12) بقوله : "وأما جمهور أهل السنة المتبعون لسلف الأمة: فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله مفعول لله، لا يقولون هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق والفعل المفعول".

 

 

 

أقسام القدر:

 

وبعد معرفة مراتب القدر لابد أن نعرف أن القدر أقسام:

 

1- التقدير العام أي تقدير الله لجميع الكائنات أي علمه بها وكتابته لها ومشيئته وخلقه لها قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج:70].

 

2- ومن التقدير البشري الذي قدر الله فيها أهل السعادة وأهل الشقاوة وذلك حين أخذ الله العهد والميثاق على ذرية بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بركم قالوا بلى وجاء ذلك في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف:172].

 

3- ومنه التقدير العمري: ودل عليه حديث ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب : أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله، فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص»(13). (متفق عليه واللفظ لمسلم كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه .. وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته).

 

4- ومنه التقدير السنوي دل على ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان:4]. قال ابن عباس: "يحكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو موت أو رزق" ، وقال مجاهد وقتادة والحسن: "يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت وبسط وخير وشر وغير ذلك".

 

وقال ابن عمر: "إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران".

 

وقال المهدوي: "معنى هذا القول أمر الله عز وجل الملائكة بما يكون في ذلك العام ولم يزل ذلك في علمه عز وجل "(14).

 

5- ومنه التقدير اليومي: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن:29].

 

وجاء في تفسيرها أنه من شأنه أن يعز ويذل ويرفع ويخفض ويعطي ويمنع ويفقر ويضحك ويبكي ويميت ويحيى، إلى غير ذلك مما هو مبين ومبسوط في كتب التفسير.

 

 

الخاتمة

وتلخيصاً لما تقدم، وبعد هذا التجوال والتطواف في ثنايا هذا البحث المتواضع، فإنه مما لا شك فيه أنَّ الإيمان بالقدر، والفهم الصحيح والاعتقاد الراسخ لمفهوم أهل السنة والجماعة، يعود على الأفراد والمجتمعات بمنافع وفوائد عدة، نذكر منها على سبيل الإجمال الآتي:

 

- الرقي بالعبد نحو الكمال في تمام العبادة، والاستجابة لله سبحانه وتعالى، والتوحيد الخالص، والتبرؤ من الشرك، وقوة الإيمان والرضا في جريان الأحكام المنوطة بالقدر على العبد، كما يتحقق للعبد الشكر ، والفرح، والصبر، والتوكل، واليقين، والاستسلام لله، والتضرع إليه، والافتقار والذل له، والتواضع والخضوع له، والخوف والحذر منه سبحانه وتعالى، والهداية والكرم، والإخلاص، وإحسان الظن بالله سبحانه وتعالى.

 

كما أنَّ الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات كالحسد والبغضاء.

 

ومن ثمراته أيضاً عدم الاعتراض على أحكام الله الشرعية، وأقداره الكونية، وعدم اللجوء إلى المخلوقين، كالسَّحرة، والكهنة، والعرَّافين، وعدم اليأس من انتصار الحق.

 

ومن ثمراته الاستقامة الدائم وعلو الهمة، ومعرفة أنَّ الخير فيما قدره الله، وأنَّ الحكمة فيه.

 

ومن ثمراته العالمية السامية العزة، والقناعة، وسكون القلب، وطمأنينة النفس، وغيرها من الثمرات التي لا يمكن أن نحصيها في هذا البحث المقتضب.

 

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

مقدم البحث : الدكتور / عبد الرحمن الأغبري

راجعه:

عبد الله بن عبَّاس غانم الحبوري  1427هـ

علي عمر بلعجم

 

مراجع البحث

 

1- القرآن الكريم.

2- تفسير القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي الموسوم بالجامع لأحكام القرآن.

3- تفسير القرآن العظيم للإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير.

4- تفسير فتح القدير للإمام العلامة محمد بن علي الشوكاني.

5- صحيح البخاري، وصحيح مسلم.

6- القول المفيد على كتاب التوحيد للشيخ محمد بن صالح العثيمين جمع وإخراج د. سليمان بن عبد الله أبا الخيل –  د. خالد بن علي الشيخ  /دار ابن الجوزي.

7- العقيدة الواسطية لابن تيمية شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين ط4/ دار ابن الجوزي .

8- تهذيب مدارج السالكين ابن قيم الجوزية تهذيب عبدالمنعم صالح العربي.

9- تقريب  التدمرية لابن تيمية مؤسسة الرسالة ط/1414هـ        

10- تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع, تأليف الشيخ محمد بن صالح العثيمين، تخريج / سعيد بن عباس بن علي الجليمي، الدار السلفية لنشر العلم ط1/ 1413هـ.

11- عقيدة المسلم محمد الغزالي دار الكتب الإسلامية ط/1400هـ.

12-  وسطية القرآن في العقائد د/ علي محمد الصرافي ط1/1417هـ.

13- الإيمان أركانه وحقيقته ونواقضه د. محمد نعيم ياسين دار التوزيع والنشر الإسلامية.

14- مجموع الفتاوى لابن تيمية 3/113 ، 8/449-450 

15- مسألة القضاء والقدر نشأتها لدى الفلاسفة المتكلمين تأليف عبد الحليم محمد قبس وخالد عبد الرحمن العك.

16- الإيمان الشيخ عبد المجيد الزنداني وغيره من المؤلفين.

17- الثقافة الإسلامية الكتاب الجامعي متطلب المستوى الأول (جامعة الملك عبد العزيز) تأليف الشيخ عبد الرحمن عتكه – مراجعة د.محمد إبراهيم علي والدكتور حسين حامد حسان .

 

----------------

(1)- أخرجه البخاري 1/391, برقم: (1109) ولفظه: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك).

(2)- أخرجه مسلم 1/36, برقم:(8)، وأحمد 1/51, برقم: (367).

(3)- أخرجه أبو داود 2/637, برقم: (4700)،والترمذي 4/457, برقم: (2155)وقال حديث حسن غريب،وأحمد 5/317, برقم: (22757), وقال الألباني وشعيب الأرناؤوط: صحيح.

(4) - وحديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الترمذي 4/450, برقم: (2143)   وجاء في آخره: (خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها)-  وحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه )  رواه الترمذي 4/451, برقم: (2144) في باب الإيمان بالقدر.

(5)- أخرجه البخاري3/1251, برقم: (3228)،ومسلم4/2042, برقم:(2652) وهذا لفظ مسلم .

(6)- البخاري 4/1891, برقم: (4666)،ومسلم 4/2039, برقم: (2647) وهذا لفظ مسلم .

(7) - وحديث ابن مسعود عن النطفة وأطوارها ، وهو من رواية الشيخان :البخاري3/1174, برقم: (3036)، ومسلم 4/2037, برقم: (2645)  ( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)وهذا لفظ مسلم.

(8) - أخرجه مسلم في صحيحه 4/2044, برقم: (2653) في كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام.

(9)- أخرجه البخاري 3/1166, برقم: (3019)، وأحمد 4/413, برقم:(19889)  وغيرهما.

(10) - سبق تخرجه

(11)-  أخرجه البخاري في (خلق أفعال العباد) 1/46, برقم:(102،103)، واللاكائي في إعتقاد أهل السنة 3/538، والبيهقي في الإعتقاد 1/144، وغيرهم ،قال الهيثمي في مجمع الزوائد 7/404, برقم:(11832), رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبد الله أبو الحسين الكردي وهو ثقة ،وقال الألباني في السلسلة الصحيحة 4/181, برقم:(1637) صحيح، وفي بعض ألفاظه (خالق) مكان يصنع.

(12) - منهاج السنة 2/298.

(13)- سبق تخريجه.

(14) - (انظر تفسير الشوكاني وابن كثير والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير الآية 4 من سورة الدخان.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
النار
الأربعاء 13 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

النــــار

 

مقدمـة :

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾ (سورة آل عمران]، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ﴾ [سورة النساء]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) ﴾ [سورة الأحزاب] .

 

أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .

وبعـــد ..

فقد جعل الله سبحانه وتعالى النار جزاءً لمن كذب بآياته وعصاه فقال تعالى : ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا(21)لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) ﴾ [سورة النبأ] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) ﴾ [سورة يونس].

 

فهيا لنرى بعض ما أعده الله لمن كذب بآياته وعصاه في النار .

 

النـار :

 

هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين ، وهي الخزي الأكبر والخسران العظيم ، الذي لا خزي فوقه ولا خسران أعظم منه قال تعـالى : ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [آل عمران:192] . وقال تعالى : ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:63] ، وقال تعالى : ﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) ﴾ [سورة الزمر]، وهي مع ذلك خالدة ، وأهلها فيها خالدون ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار قال تعالى : ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:66] . وقال عز من قائل : ﴿ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) ﴾ [سورة ص].

 

خلق النار :

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ »(1) . وقال تعالى : ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (22) ﴾ [سورة النبأ] ، أي : مرصدة معدة للعصاة المخالفين للرسل(2).

 

وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «… والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لَضَحِكْتُم قليلاً وبكيتم كثيراً » قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : « رأيت الجنة والنار »(3) .

 

إتباع كل أناس لإمامهم :

في ختام يوم الحساب يحشُر الله أهل النار إلى النار، ويُطلب من كل أمة في آخر ذلك اليوم أن تتبع الإله الذي كانت تعبده، ثم إن هذه الآلهة الباطلة تتساقط في النار ، ويتساقط عبادها وراءها في السعير كما قال تعالى في فرعون : ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) ﴾ [سورة هود] ، وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي  النَّارِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغُبَّرِ(4) أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ قَالُوا عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ مَاذَا تَبْغُونَ فَيَقُولُونَ عَطِشْنَا يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ أَلا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ»(5) .

 

تَغِيُّضُ النار عند رؤيتها للكفار :

الذي يقرأ النصوص من الكتاب والسنة التي تصف النار ، يجدها مخلوقاً يبصر ويتكلم ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون عليها من بعيد فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيضها على هؤلاء المجرمين، قال تعالى : ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) ﴾ [سورة الفرقان] ، وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :    « تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاثَةٍ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَبِالْمُصَوِّرِينَ »(6) .

أبواب النار : أخبر الحق تبارك وتعالى أن للنار سبعة أبواب ، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) ﴾ [سورة الحجر] ،قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: " أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه أجارنا الله منها وكل يدخل من باب بحسب عمله ويستقر في درك بحسب عمله"(7) .

 

دركات النار :

النار متفاوتة في شدة حرها وما أعده الله من العذاب لأهلها فليست دركة واحدة وقد قال الحق تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) ﴾ [سورة النساء] .

 

سعة النار وبعد قعرها :

النار شاسعة، واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها ، قال تعالى : ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ﴾ [سورة ق] . ففي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إن العبد ليتكلمُ بالكلمةِ، ما يتبين ما فيها يَهوي بها في النار أَبعَدَ ما بين المشرق والمغرب »(8) ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ سمع وَجْبَةً(9) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أتدرون ما هذا ؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال : هذا حجر رُمِيَ به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حين(10) انتهى إلى قعرها »(11) .

 

خزنة النار :

يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) ﴾ [سورة التحريم] .

 

وقود النار :

الأحجار والفجرة الكفار وقود النار ، قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) ﴾ [سورة التحريم] . وقال تعالى : ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ﴾ [سورة البقرة] . قال ابن رجب : " إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت "(12) .

 

شدة حرها وعظيم دخانها وشرارها :

قال الله تعالى : ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) ﴾ [سورة الواقعة] ، وقد أشارت هذه الآية إلى ما يتبرد الناس به في الدنيا من الكرب والحر وهي ثلاثة أشياء : الماء والهواء والظل ، " وبينت الآية أن هذه لا تغني عن أهل النار شيئاً بل هي مزيد من العذاب فهواء جهنم السموم وهو الريح الحارة الشديدة وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره وظلها اليحموم وهو قطع دخانها "(13) . وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نار جهنم فقال : « نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا »(14) .

 

عِظم خلق أهل النار :

يدخل أهل الجحيم النار على صورةٍ ضخمة، هائلة، لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ »(15)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ضِرْسُ الكافر أو نَابُ الكافر مثل أُحُد(16) وغِلَظُ جلده مسيرة ثلاث »(17) ، وفي رواية أحمد : « وفخذه مثل وَرِقَان(18) ، ومقعده من النار مثل ما بيني وبين الرَبِذَة(19) »(20) .

 

شدة ما يكابده أهل النار من عذاب :

النار عذابها شديد وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما ينسيُ نعيم الدنيا ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ …»(21).

 

إنها لحظات قليلة تنسي أكثر الكفار نعيم كل أوقات السعادة والهناء وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ : أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تُشْرِكَ بِي »(22) .

 

إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النـار وأنـى له النجاة: ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11)﴾ [سورة المعارج]،وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم وألم مستمر .

 

صور من عذاب أهل النار :

 

1- تفاوت عذاب أهل النار :

لما كانت النار دركات بعضها أشد عذاباً وهولاً من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في أهل النار: « إن منهم من تأخذه النار إلى كَعْبَيه(23) ، ومنهم من تأخذه إلى رُكبتيه ومنهم من تأخذه إلى حُجْزَتِه(24) ، ومنهم من تأخذه إلى تَرْقُوَته(25) »(26) .

 

وفي صحيح البخاري رحمه الله عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل توضع في أَخْمَص(27) قدميه جَمْرَة يَغلي منها دِمَاغُه »(28) .

 

2- زفير أهل النار وشهيقهم :

أهل النار حينما يعذبون فيها ، ويذوقون أصناف وألوان العذاب ، يكون تنفسهم فيها شهيقاً وزفيراً ، زيادة في تعذيبهم وهوانهم قال الله تعالى : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) ﴾ [سورة هود]. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله : " للعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق وأقربها أنهما يمثلان معاً صوت الحمار في نهيقه ، فأوله زفير ، وآخره الذي يردده في صدره شهيق "(29) .

 

3- تبديل الجلود التي أنضجتها النار :

إن نار الجبار تحرق جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق ، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلوداً أخرى غير تلك التي احترقت لتحترق من جديد ، وهكذا دواليك ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) ﴾ [سورة النساء] ، وقد كشف العلم الحديث أن الإحساس بحر النار، إنما يكون في الجلود الحية، حيث خلق الله نهايات عصبية في الجلد حساسة ، فإذا نضج الجلد ماتت هذه النهايات العصبية، فينعدم الإحساس بحر النار .

 

وعندئذ لا يمثل الاستمرار في النار أي نوع من الألم للكافر،لأن مراكز الإحساس بالألم قد حطمت، لكن العليم الخبير بأسرار خلق الإنسان،يعلم هذا السر، فأشار إليه في كتابه قبل 1400عام ،وبين سبحانه الطريقة التي سيستمر بها العذاب للكافرين في النار، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ..﴾ [النساء:56] .

 

فالخالق يخبر عن علمه بأسرار خلق الجلد، وأنه موطن الإحساس يعذاب النار وأنه إذا نضج ماتت النهايات العصبية الحساسة لألـم النار، وانتفى العذاب، فتوعد الله الكافرين بأمر لم يُعرف للبشر إلا بعد 1400عام وهو إعادة خلق الجلد مرة ثانية بأعصاب جديدة حساسة لألم النار، فيستمر بذلك العذاب لأهل النار، وإذا عُلم صدق الوصف اليوم، فإنه دليل على صدق الخبر

 

4- الصهر وتقطيع الأمعاء :

من ألوان العذاب : صب الحميم فوق رؤوس أهل النار ، والحميم : هو الماء الذي تناهى في حره ، فلشدة حره تذوب وتنصهر أمعاؤهم ، وما حوته بطونهم ، قال تعالى : ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ(19)يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) ﴾ [سورة الحج] ، وقال تعالى : ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) ﴾ [سورة محمد] .

 

ويتكرر معنا الإعجاز العلمي ، في وصف العذاب بالماء الحميم ، الذي يشربه أهل النار ودقة الوصف له ، وبيان الطريقة التي يتحقق بها العذاب من شرب هذا الحميم، فقد كشف الطب اليوم أن الأمعاء مبطنة بغشاء مخاطي لا يتأثر بالحرارة- حتى رأينا من الناس من يبتلع الماء أو الطعام الحار بسرعة ليتخلص من آلامه إذا نزل إلى الأمعاء- والطريقة الوحيدة للإحساس بألم الحميم هو أن تقطع هذه الأمعاء وينزل منها الماء الحميم إلى الأحشاء الغنية بالنهايات العصبية الحساسة للحرارة والتي تشعر بالآلام الشديدة للماء الحار إذا وصل إليها وكأنه طعن الخناجر .

 

فرأينا الوصف القرآني للإحساس بالعذاب يتقرر بتقطيع الأمعاء ، ولو أخبرت الآية بأن الأمعاء تبدل إذا نضجت كالجلود لقال الكافرون تبديل الأمعاء يتضمن وجود أغشية مخاطية في باطن الأمعاء يحول دون الإحساس بحر الحميم، لكن الآية كشفت أن عذاب الحميم يكون بتقطيع الأمعاء لا بتبديلها ، وكذلك لو أخبرت الآية بأن الجلود تقطع إذا تعرضت للنار فإن الآلام ستتلاشى بوصولها إلى اللحم .

 

لكن الوصف لكيفية العذاب في الجلود وفي الأمعاء جاء من قبل الذي يعلم السر في تركيب الجلد والأمعاء ، فلِيَبْقى العذاب في الجلد أخبر المولى بأنه يبدله، وَلْيَبْقَى العذاب في الأمعاء أخبر المولى بأنه يقطعها ليصل الحميم إلى النهايات العصبية الحساسة في الاحشاء، ويتأكد لنا بذلك مرة ثانية صدق الوصف ودقته كما يتأكد صدق الخبر الذي قبل 1400عام ، يوم لم يكن أحد يعلم شيئاً عن تشريح الجلد أو الأمعاء(30) .

 

5- اللفح :

أكرم ما في الإنسان وجهه ، ولذلك نهانا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الضرب في الوجه ، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يسحبون في النار ويكبون على وجوههم ، قال تعالى : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) ﴾ [سورة القمر] ، وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (90) ﴾ [سورة النمل] ، وتلفح النار وجوههم فتشويها قال تعالى : ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) ﴾ [سورة المؤمنون] ، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « وهم فيها كالحون تشويه النار فَتَقْلِصُ شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته »(31) ، وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان : ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) ﴾ [سورة الأحزاب] .

أرأيت كيف يقلب اللحم على النار والسمك في المقلى ، كذلك تقلب وجوههم في النار نعوذ بالله من عذاب أهل النار .

 

6- السَحْب في النار : 

ومن أنواع العذاب الأليم سحب الكفار على وجوههم ، ويزيد من آلامهم حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال والسلاسل ، قال تعالى : ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) ﴾ [سورة غافر] ، قال قتادة : "يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة "(32)، وقال تعالى : ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) ﴾ [سورة القمر] .

 

7- تسويد الوجوه :

يسود الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار قال تعالى : ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) ﴾ [سورة آل عمران] ، وهو سواد شديد كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) ﴾ [سورة يونس]، وقال تعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) ﴾ [سورة عبس] .

 

8- إحاطة النار بالكفار :

لما كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولذا فإن النار تحيط بالكفــار من كـل جهـة، كما قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) ﴾ [سورة التوبة] .

 

إن النار تحيط بالكافرين من كل اتجاه فلا أمل في مهرب ومخرج وعندما يريد بعضهم الخروج ويأخذون ببعض الأسباب لذلك تعيدهم الملائكة إلى النار وتوبخهم ، قال تعالى : ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) ﴾ [سورة السجدة] . فالذين أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم فلم تبق لهم حسنة فمأواهم النار خالدين فيها ، كما قال الله تعالى في الرد على اليهود الذين قالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة : ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) ﴾ [سورة البقرة] .

 

9- إطلاع النار على الأفئدة :

 إن النار تدخل في أجساد أهلها حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم وهي الأفئدة ، قال تعالى : ﴿ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) ﴾ [سورة الهمزة] ، قال ثابت البناني عندما قرأ هذا الآية قال : "تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء"(33)، وقال تعالى : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) ﴾ [سورة المدثر] ، قال بعض السلف في قوله : ﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) ﴾ [سورة المدثر] ، قال : ( تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك )(34) .

 

10- اندلاق الأمعاء في النار:

في الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: « يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ »(35).

 

11- قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم :

أعد الله لأهل النار في النار سلاسلاً وأغلالاً وقيوداً ومطارقاً قال تعالى : ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) ﴾ [سورة الإنسان] ، والأغلال توضع في الأعناق : ﴿ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) ﴾ [سبأ:33] ، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يسلكون فيها كما تسلك حبات الخرز في الخيط وقد روي عن ابن عباس قال : " تدخل في إسته ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى " ، ووصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طول هذه السلسلة فقال : « لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ جُمْجُمَةٍ أُرْسِلَتْ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتْ الأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا»(36) ، قال تعالى : ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) ﴾ [سورة الحاقة]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا.. ﴾ [المزمل:12] .

 

والأنكال القيود سميت أنكالاً لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها ، وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد وهي المطارق التي تهوي على المجرمين ، وهم يحاولون الخروج من النار فيعادون مرة أخرى إلى سواء الجحيم ، قال تعالى : ﴿ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) ﴾ [سورة الحج] .

 

طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم :

 

طعام أهل النار الضَرِيع(37) والزقوم وشرابهم الحميم والغسلين والغساق قال تعالى : ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) ﴾ [سورة الغاشية] ، وقال تعالى : ﴿ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) ﴾ [سورة الواقعة] ، فشجرة الزقوم شجرة خبيثة جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه في آية أخرى برؤوس الشياطين وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم ومع خبث هذه الشجرة إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها حتى تمتلئ بطونهم فإذا امتلأت أخذت تغلي في أجوافهم كغلي الزيت فإذا بلغت بهم الحال مبلغاً اندفعوا إلى الحميم وهو الماء الشديد الحر الذي تناهى في حره فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها وعند ذلك يقطّع الحميم أمعاءهم قال تعالى : ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد:15] ، وقال تعالى : ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37) ﴾ [سورة الحاقة] ،  قال ابن عباس الغسلين : "الدم ، والماء يسيل من لحومهم "، وقال علي بن أبي طلحة : الغسلين : "صديد أهل النار" ، قال تعالى: ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) ﴾ [سورة النبأ] ، قال الربيع بن أنس : " فأما الحميم : فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه ، والغساق : هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه "(38) . وأما لباس أهل النار فقال الله تعالى : ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ (19) ﴾ [سورة الحج] ، وقال تعالى : ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) ﴾ [سورة إبراهيم] ، وكان يقول ابن عباس : "القطران : النحاس المذاب "، وعن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :«النِّيَاحَةُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّ النَّائِحَةَ إِذَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتُبْ قَطَعَ اللَّهُ لَهَا ثِيَابًا مِنْ قَطِرَانٍ(39) وَدِرْعًا(40) مِنْ لَهَبِ النَّارِ»(41)، وفي رواية مسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم : « النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ(42) مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ »(43) .

 

أصناف المعذبين :-

 

1- المرتدون :

قال تعالى : ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) ﴾ [سورة البقرة] .

 

2- المنافقون :

قال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ(68) ﴾ [سورة التوبة]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) ﴾ [سورة النساء].

 

3-الكفرة والمشركون :

قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39) ﴾ [سورة البقرة].

 

4-مضيعو الصلاة:

قال تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) ﴾ [سورة مريم]، قال تعالى : ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) ﴾ [سورة المدثر] ، وقال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) ﴾ [سورة الماعون] .

 

5- مانعو الزكاة:

قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ(35) ﴾ [سورة التوبة:].

 

6- الممتنعون عن الحج :

عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا »(44) .

 

7- الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

عن المغيرة بن شعبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ »(45) .

 

8- قاتل النفس التي حرم الله :

قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ﴾ [سورة النساء] .

 

9- قاتل نفسه :

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ(46) بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ(47) فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى(48) مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا »(49).

 

10- آكل الربا :

قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) ﴾ [سورة البقرة] .

 

11- مرتكب الكبائر :

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ(50) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ »(51) .

 

12- كما أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قد توعد بالنار كثيراً من أصناف العصاه الذين يخالفون أوامر الله تعالى والذين يتبعون رؤساء الضلال في ضلالهم والذين يتكبرون والذين يراءون بالعمل الصالح والذين يأكلون أموال الناس بالباطل .

 

وكذلك الذين يعذبون الحيوان والكاسيات العاريات والذين يضربون الناس ظلماً والذين يحكمون بالجور والظلم والذين يشربون في آنية الذهب والفضة والذين لا يتنزهون من البول والذين يمشون بالغيبة والنميمة .

 

سُئل ابن تيمية رحمه الله تعالى : " ما عمل أهل النار ؟ وما عمل أهل الجنة ؟ فأجاب عمل أهل النار : الإشراك بالله تعالى ، والتكذيب بالرسل ، والكفر ، والحسد ، والكذب والخيانة ، والظلم ، والفواحش ، والغدر ، وقطيعة الرحم ، والجبن عن الجهاد ، والبخل واختلاف السر والعلانية ، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله والجزع عند المصائب ، والفخر والبطر عند النعم ، وترك فرائض الله ، واعتداء حدوده ، وانتهاك حرماته ، وخوف المخلوق دون الخالق ، والعمل رياءً وسمعة ، ومخالفة الكتاب والسنة : أي اعتقاداً وعملاً ، وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب للباطل والاستهزاء بآيات الله ، وجحد الحق ، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة ، والسحر ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكـل مـال اليتيم، والربا والفرار من الزحف وقذف المحصنـات الغـافلات المؤمنات"(52).

 

حسرة أهل النار :

 

عندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم قال تعالى : ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) ﴾ [سورة يونس] .

وعندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار فإنه يدعو بالثبور والهلاك قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) ﴾ [سورة الانشقاق] ، ويتكرر دعاؤهم بالويل والثبور والهلاك عندما يلقون في النار ويصلون حرها قال تعالى : ﴿ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) ﴾ [سورة الفرقان] ، وهناك يعلو صراخهم ويشتد عويلهم قال تعالى : ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) ﴾ [سورة فاطر] .

 

وهم يعترفون في ذلك الوقت بظلالهم وكفرهم وقلة عقولهم قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) ﴾ [سورة الملك] ، قال تعالى : ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ﴾  [سورة غافر] .

 

ولكن طلبهم يرفض بشدة ويجابون بالتبكيت والتحقير قال تعالى : ﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) ﴾ [سورة المؤمنون] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) ﴾ [سورة غافر] .

 

ويتوجه أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئاً مما يعانونه قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) ﴾ [سورة غافر] ، وعند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم : ﴿ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) ﴾ [سورة الزخرف] ، إنه الرفض لكل ما يطلبون لا خروج من النار ولا تخفيف من عذابها ولا إهلاك بل هو العذاب الأبدي السرمدي الدائم ويقال لهم يوم ذاك، قال تعالى : ﴿ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (16) ﴾ [سورة الطور] .

 

واستمع إلى عويلهم وهم في العذاب يقولون نادمين كما قال تعالى : ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) ﴾ [سورة الأحزاب] .

 

شدة بكاء أهل النار :

بكاء أهل النار كثير ودموعهم تجري فيها السفن ، ويشتد نحيبهم وتفيض دموعهم ويطول بكاؤهم ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) ﴾ [سورة التوبة] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت وإنهم ليبكون الدم »(53) ، وذلك لأن الكافر يجعل الله جسمه ضخماً حتى أنه ليسير الراكب بين كتفيه مسيرة ثلاثة أيام .

 

تخاصُم أهل النار بعضهم البعض :

وذكر تخاصم أهل النار فقال تعالى : ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) ﴾ [سورة غافر] ، وقال تعالى : ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) ﴾ [سورة الشعراء] .

تبرؤ الشيطان من أتباعه في النار : يتبرأ زعيم الغواية والضلال من أتباعه في النار ، ويقف بين أتباعه خطيباً متبرءاً منهم كما قال جل ثناؤه : ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) ﴾  [سورة إبراهيم] .

 

محاولة أهل النار الخروج منها :

وعندما يعذب أهل النار ويذوقون ألوان العذاب فيها يحاولون الخروج منها هرباً من ذلك العذاب كما قال تعالى : ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) ﴾ [سورة المائدة] ، وقال تعالى : ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) ﴾ [سورة السجدة] .

 

الخلود في النار :

إن أهل النار سيخلدون فيها جزاءً وفاقاً لما كذبوا بآيات ربهم وكذبوا رسله وتعدوا حدوده وارتكبوا المعاصي والذنوب رغم تحذير الله لهم وتحذير رسله وما توا وهم عازمين على نيه أنهم لو خلدوا في الحياة أبداً لكفروا بالله أبداً فاستحقوا أن يخلدهم الله في النار أبدا .

 

وأهل النار الخالدون فيها لا يرحلون ولا يبيدون ولا يخفف عنهم من عذابها ، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) ﴾ [سورة فاطر] ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (162) ﴾ [سورة البقرة] ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ(54) فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ(55) وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، هَذَا الْمَوْتُ قَالَ : وَيُقَالُ : يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ قَالَ : فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، هَذَا الْمَوْتُ قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(56) : ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) ﴾» [سورة مريم] .

 

------------------

(1) أخرجه الترمذي -صفة جهنم -رقم 2516 ج/4 ص710 ، وهو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده كما أخرجه ابن رجب في التخويف من النار ص66 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 4/117 وهو في فيض القدير 3/80 .

(2) تفسير ابن كثير .

(3) أخرجه مسلم- كتاب الصلاة باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما .

(4) غبرهم : بقاياهم .

(5) أخرجه البخاري- كتاب تفسير القرآن -باب قوله : (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) ، ومسلم -كتاب الإيمان -باب معرفة طريق الرؤية واللفظ له.

(6) أخرجه الترمذي -كتاب صفة جهنم -باب ما جاء في صفة النار ، واللفظ له ، وأحمد في باقي مسند المكثرين ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/320 برقم 2083 ط مكتب التربية العربي لدول الخليج .

(7) تفسير ابن كثير 4/162 .

(8) البخاري كتاب الرقاق باب حفظ اللسان وقول النبي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومسلمكتابالزهد والرقائق باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار ، واللفظ له.

(9) أي سقطة .

(10) قال النووي : هكذا هو في النسخ فيه محذوف دل عليه الكلام ، أي هذا حجر وقع أو هوى حين ونحو ذلك.

(11) رواه مسلم -كتابالجنة -باب في شدة حر النار 4/2184 ورقمه 2844 .

(12) التخويف من النار لابن رجب ص107 .

(13) التخويف من النار لابن جب ص85 .

(14) أخرجه البخاري -كتاب بدء الخلق -باب صفة النار ، واللفظ له ، ومسلم -كتابالجنة وصفة نعيمها وأهلها -باب  في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها .

(15) أخرجه البخاري -كتابالرقاق -باب صفة الجنة والنار ، ومسلم -كتاب الجنة -باب يدخلها الجبارون واللفظ له .

(16) أُحد: هو الجبل الذي وقعت عنده معركة أُحد .

(17) صحيح مسلم -كتابالجنة -باب النار يدخلها الجبارون .

(18) ورقان : بفتح الواو وكسر الراء ، جبل أسود بين المرج والرويثة على يمين الذاهب من المدينة إلى مكة، انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد -للبناء 24/171 –طبعة : إحياء التراث العربي.

(19) الربذة : بفتح الراء ، هي قرية معروفة قرب المدينة ، المسافة بينها وبين المدينة مسيرة ثلاث ليال ، انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي- 7/298 - برقم : 2703 ، ط : دار الفكر .

(20) أخرجه أحمد في مسند أبي هريرة ، وقال محققو المسند إسناده حسن 14/87 برقم 8345 .

(21) رواه مسلم -كتاب صفة القيامة والجنة والنار -باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار .

(22) رواه البخاري - كتاب الرقائق -باب صفة الجنة والنار .

(23) الكعب : العظم الفاصل بين القدم والساق .

(24) الحجزة : موضع عقد الإزار وسط الجسم .

(25) الترقوة : العظم بين ثغرة النحر والعاتق .

(26) أخرجه مسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها -باب شدة حر النار .

(26) أخمص: ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشي .

(28) البخاري -كتاب الرقاق -باب صفة الجنة والنار .

(29) أضواء البيان عند تفسير الآية الكريمة .

(30) فلو قالت الآية : ( كلما نضجت جلودهم قطعناها) لقال الكافرون أمنا من العذاب لأن الجلود التي نضجت لا تتألم ولأن اللحم الذي تحت الجلود ليس فيه نهايات عصبية حساسة لآلام الحرارة وبهذا يبقى الإنسان في النار بغير ألم . ولو قال القرآن : ( فسقوا ماءً حميماً فبدلناهم أمعاءً غير أمعائهم ) ، لقال الكافرون لقد نجونا بهذا من الألم لأن الأمعاء تحتوي على غشاء مخاطي يحول دون الإحساس بآلام الحرارة ، وتبديل الأمعاء بأمعاء جديدة يتضمن وجود غشاء مخاطي جديد غير حساس للحرارة فلا يتألم الكافر بأي شيء من العذاب لا بعذاب الجلد ولا بعذاب الأمعاء لكنه الوحي من الذي يعلم السر في خلقه وهو الشهيد على كل شيء سبحانه جاءنا بالأوصاف المناسبة لتحقيق استمرار العذاب للكافرين .

(31) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري ، والترمذي -كتاب تفسير القرآن -باب ومن سورة المؤمنون ، وقال محققو المسند : إسناده ضعيف لضعف أبي السمح – وهو دراج بن سمعان في روايته - عن أبي الهيثم وبقية رجاله ثقات 18/350 ، وقد وثق أبا السمح يحيى بن معين وابن حبان وابن شاهين وقال عثمان الدارمي : صدوق .

(32) التخويف من النار - لابن رجب ص147 .

(33) التخويف من النار - لابن رجب ص147 .

(34) التخويف من النار - لابن رجب 146 .

(35) أخرجه البخاري -كتاب بدء الخلق -باب صفة النار وأنها مخلوقة ، ومسلم -كتاب الزهد والرقائق -باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر واللفظ له .

(36) أخرجه أحمد في مسنده ، وقال محققو المسند : إسناده حسن 11/443 رقم 6856 ، والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وأخرجه الحاكم ، وصححه ووافقه الذهبي .

(37) الضريع : قال ابن كثير عن مجاهد : (نبات يقال له : الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سم) ، وقال قتاده : (من شر الطعام وأبشعه وأخبثه) انظر تفسير ابن كثير 6/410 .

(38) انظر تفسير ابن كثير 6/341 .

(39) القطران : مادة سوداء لزجة .

(40) الدرع : القميص .

(41) أخرجه ابن ماجه - كتاب الجنائز - باب النهي عن النياحة - وقال محققه محمد فؤاد عبدالباقي في الزوائد : إسناده صحيح ورجاله ثقات 2/504 ط المكتبة العلمية .

(42) السربال : الثوب الطويل .

(43) مسلم - كتاب الجنائز - باب التشديد في النياحة رقم 1550 .

(44) أخرجه الدارمي - كتاب المناسك - كتاب من مات ولم يحج إسناده جيد ، ورواته ثقات .

(45) البخاري -كتاب الجنائز -باب ما يكره على … ، ومسلم -كتاب مقدمة باب  تغليظ الكذب على رسول الله واللفظ له .

(46) يتوجأ : يضرب أو يطعن .

(47) يتحساه : يشربه ويتجرعه .

(48) التردي : السقوط من علو .

(49) البخاري - كتاب الطب - باب شرب السم والدماء . ومسلم - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان .

(50) الموبقات : الذنوب المهلكة في نار جهنم .

(51) أخرجه البخاري - كتاب الوصايا - باب قوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) .

(52) يقظة أولى الاعتبار - ص222 - بواسطة كتاب الجنة والنار للأشقر ص57 .

(53) أخرجه الحاكم في المستدرك -4/605 ، وقال : حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وهو في الصحيحة برقم 1679 ، وقال الألباني : وحقه أن يزيد قوله على شرط الشيخين فإن رجاله كلهم من رجالهما .

(54) كبش أملح : هو الذي بياضه غالب لسواده ، انظر: لسان العرب 13/171.

(55) فيشرئبون : أي يرفعون رؤوسهم إلى المنادي ، انظر: شرح النووي لصحيح مسلم -17/183.

(56) مسلم- كتاب الجنة وصفة نعيمها -باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء -عن ابن عمر رضي الله عنهما.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الإيمان باليوم الآخـر
الأثنين 18 فبراير 2013

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإيمان باليوم الآخـر

 

 

(الأجل الكوني – نظرية نهاية الكون – الغيب المطلق)  هذه الثلاثة المصطلحات ضمن مخطط أبحاث الإيمان:

 

تحت عنوان الساعة كحدث من أحداث اليوم الآخر وكأنه يشير بهذا التفريع إلى الزمن الذي هو نهاية العلامات الصغرى والكبرى التي تكون بين يدي الساعة. فما هي هذه الساعة المقصودة في العديد من الآيات القرآنية كقوله تعالى:  ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾  [الأعراف :187], وقال الله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف:  107 ]  .

 

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ [الحجر:85], وقال الله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾  [النحل :77] .

 

وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾  [طه :15] .

 

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج :1 ].

 

وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  [الحج:55].

 

وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾   [لقمان :34] .

 

وقال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ [الأحزاب :63].

 

وقال الله عز وجل: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ [فصلت :47] .

 

 ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف :61].

 

﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الزخرف :66].

 

﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾  [الزخرف :85] .

 

﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ [محمد :18].

 

﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر :1 ].

 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾  [النازعات :42].

 

أما الساعة المراد بيانها في الآيات فهي الزمن والوقت الذي يفصل بين نهاية الدنيا وبداية الآخرة وبه ينتهي عمر الكون ويحين أجله .

 

قال ابن منظور(1) في بيان معنى الساعة في قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ [ الروم :55 ], "يعني بالساعة الوقت الذي تقوم فيه القيامة فلذلك تُـرِكَ أن يُعَرَّف أيُّ ساعة هي، فإن سميت القيامة ساعة فعلى هذا، والساعة : القيامة ".

 

وقال الزجاج : "الساعة اسم للوقت الذي تصعق فيه العباد والوقت الذي يبعثون فيه وتقوم فيه القيامة ، سميت ساعة لأنها تَفْجَأُ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم عند الصيحة الأولى التي ذكرها الله عز وجل فقال : ﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ " [  يس :29]  ا.هـ

 

هذه الساعة التي تنبئ بنهاية الكون والكائنات عَظَّمَ الله سبحانه وتعالى أحداثها ووقوعها ليورث هذا الأمر الجلل خوفاً عند عباده وخشية وتقوى ومراقبة له سبحانه وتعالى قال عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ  [الحج:1]

 

  ثم بين ذلك العِظَم واصفاً أثرها على الخلائق بقوله: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [ الحج: 2], وهذا الأثر لا يلحق البشر فحسب بل ويلحق السماوات والأرض إذ تستثقل هذه السماء الممتدة التي لا يحدها خيال وهذه الأرض الواسعة التي لا يقدرها ولا يزنها مثقال – تستثقلان عظم الساعة وشدة أهوالها فيلحقهما من أمر الله تعالى ما يزيل نظامهما المعتاد – بما سنوضحه لاحقاً في هذا البحث – فقال سبحانه وتعالى : ﴿ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ , ثقلت بما ينالها من انشقاق للسماء وتفطر ، وتكور للشمس وتكدر للنجوم وتمدد للأرض بل وزلزلة عاتية لا تدع شيئاً مستقراً على حاله .

 

هذا الحدث المتسبب في انقلاب الكون بأسره يشهده الإنسان الذي جحد دلائل الربوبية والألوهية(2) فلا يجد من محيص ولا مفر في أن يؤمن بالله وما جاء عن الله ولكن هيهات ، فهذا الإيمان هو الذي لا ينفع صاحبه, فبتلك الوقائع والأهوال ينتهي دغل الكفر وزيغه وينقطع الشك ، ويـبوء من لم يؤمن قبل هذا الوقت بالحسرة والخسران معاً قال الله تعالى : ﴿ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾[ الحج  :55], فإتيان الساعة ومجيء أحداثها هو الغاية التي تنقطع عندها الريب وتتلاشى المرية والشك , فسبحان الله الملك الحق الذي ربط بين الخلق الدقيق المحكم للسماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات وكائنات فيها من التشابه والاختلاف والتعاون والائتلاف ما يدفع الناظر إلى معرفة الله الحق العدل الحكم ، وما كان ذلك الخلق والإنشاء إلاّ بالحق وجملة الحصر والقصر فيها زيادة تأكيد لذلك .

 

وكما أن هذا الذي تشهده العيون ويستقر في الأفئدة كان عن الله وكينونته حق لامرية فيه فكذلك شأن الساعة وأمر مجيئها وإتيانها قال تعالى :  ﴿ ومَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ [ الحجر :85]  .

 

وفي هذا تأكيد وتوثيق للغيب المنتظر بالحاضر المنظور، فلا يشك بالنتيجة وهي مجيء وإتيان الساعة إلا من شك بالمقدمة وهي خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق .

 

ثم هذا المجيء والإتيان مع صعوبته وثقله على السماوات والأرض و أثره على النفوس البشرية، إلاّ أنك تجد الإنسان يغفل عنه أو يتغافل، وكأنه لن يكون بل قد يصل به الأمر إلى إنكاره واستبعاد وقوعه، فكان من إلزام الله الحجة للبشر أن بين ذلك الوقوع والمجيء بأوصاف تحث المؤمن على الإشفاق من وقوعه والاستعداد للقائه بالعمل الصالح، وتقيم الحجة على المنكر الجاحد ، فتنقطع الأعذار بين يدي الله ، فقال تعالى مبيناً لفجأة الوقوع وبغتة النـزول : ﴿ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف:  107], وقال تعالى : ﴿ وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [  النحل:77 ], فكما أن الله اختص لنفسه بعلم الغيب كذلك اختص بأمر الساعة وما يتعلق به من زمن وقوعٍ، وأمر إمضاءٍ ،لقضاء الله بالساعة على هذه الحياة وهذا من جملة الغيب الذي اختص به سبحانه وتعالى.

 

ثم بين ما سيكون من زمن وقوعها، الكائن كلمح البصر وهو ما يتصل من نظر الإنسان بالأشياء المحسوسة في برهةٍ من الزمن يصعب عدها أو الاعتداد بها ثم زاد في المبالغة قطعاً للتخرص أو الحدس والتخمين بقوله تعالى : ﴿ وْ هُوَ أَقْرَبُ وْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ , وبهذه العبارة لم يبق للتصور حيـز أو مجال فالساعة تأتي قطعاً إتياناً مؤكداً محققاً تبطل به الأوهام.وفي زمن مبهم مباغت بالغ القصر تـقصر عنه العقول و الأذهان .

 

ومن الآيات المؤكدة لذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ [ الزخرف:61], على قراءة من فتح اللام في قوله (لعَلَم), فجعل الله مبعث عيسى عليه السلام وظهوره من علامات قرب قيام الساعة(3).

 

وقال تعالى : ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [  القمر :1 ], فكان انشقاق القمر وهو من العلامات الكونية المستقرة آية وعلامة على قرب قيام الساعة ومجيئها، وهذا الحدث الكوني المهول ثابت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بل هو من معجزات رسالته(4) .

 

ويزيد قرب الساعة منا بقرب دلائل وقوعها ثم بحدوث تلك العلامات والأشراط ، مثال ذلك مثل غائب منتظر يركب سيارة فـبقرب أضواء تلك السيارة المركوبة نستدل على قرب وصول الغائب.

 

فهذه الساعة غائب لها علامات وأشراط ووقائع وأحداث لا نستطيع في بحثنا هذا أن نشير إلى صغيرها وكبيرها ودقيقها وعظيمها ولكن نكتفي بالإشارة إلى الدلائل والعلامات التي تمس الكون وتودي به إلى نهايته المقدورة له .

 

ما يبين أهمية هذه الساعة الفاصلة في تاريخ الأرض والحياة والكون، فيسأل عنها جبريل  عليه السلام وهو يعلم الصحابة أمر دينهم ، ويسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم كما في تفسير عروة بن الزبير لقوله تعالى: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴾ [ النازعات :43],لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة ، حتى نزلت هذه الآي ﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴾ [ النازعات:44 ] أي منتهى علمها عند ربك.

 

وكان سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بسبب كثيرة سؤال الناس له خاصة المنكرين من المشركين قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا  فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا  إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا  إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴾ [ النازعات:42 -45] .

 

فتبين أنه ليس علمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو مما اختص الله به وجعل بلاغ النبي صلى الله عليه وسلم للإعذار والإنذار والتخويف والابتلاء, قال تعالى : ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ [ الأحزاب:63]  . 

 

وقال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [ لقمان:34] . 

 

ومع هذا الاختصاص فقد جعل الله لمقْدَمِهَا علامات وأشراط كما في حديث جبريل الطويل… « قال اخبرني عن الساعة قال صلى الله عليه وسلم  ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال : أن تلد الأمة ربتها "…» الحديث(5), النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن أمر الساعة مخفي لا يعلمه ولا يدركه مخلوق، ولكن أماراتها واضحة ونصوص السنة كثيرة ومتناثرة في ذكر أشراط الساعة بل لا تكاد تجد كتاباًمن كتب الحديث تخلو من أبواب خاصة بالاشراط والذي سنتناوله في بحثنا هنا هو جانب من تلك الجوانب العديدة وهو الجانب المتعلق بالإمارات الكونية وليست جميعها إنما ما يتعلق منها بانتهاء الكون، والأجل الكوني، لأن المعنيين متداخلين من ناحية الإطلاق اللغوي ولا يتضح اختلاف من ناحية الاصطلاح العلمي الحديث أيضاً .

 

فالنهاية : هي الغاية والآخر لشيء ما ؛ وذلك لأن آخره ينهاه عن التمادي(6) .

 

والأجل : غاية الوقت في الموت ، والأجل : مدة الشيء(7) .

 

فهذه المدة الزمنية التي يتعمرها الكون تصل في آخر الأمر إلى نهاية وغاية ينتهي إليها وبهذا يختم على أجله ويطوى عمره ، إذا انتهى إلى أجله المسمى الذي سماه الله له وحفظه لديه كما سبق بيانه قال تعالى : ﴿ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ﴾ [ لقمان: من الآية29].

 

فجريان وحركة هذا الكون ستنتهي وتـقف عند الأجل المعلوم وهو حال قيام الساعة التي جعل الله لنا معرفة أماراتها ومنع عنا معرفة ساعتها وجعله بغتة وفجأة ليبتلي الخلق ويختبرهم .

 

فنعرض هذا الموضوع – موضوع (نهاية هذا الكون) من خلال نصوص القرآن والسنة أولاً ، ثم أقوال المفسرين وفهم السلف ثم كلام أهل العلم الحديث وما ورد في نظرياته.

 

نصوص شرعية تدل على نهاية الكون :

 

تبين النصوص القرآنية أن النهاية للكون ستكون بالدمار الكوني الشامل الرهيب الذي ينفرط به عقد الانتظام والنظام في هذا الكون أرضاً وجبالاً وسماءً ونجوماً وشمساً وقمراً .

 

فالأرض تزلزل وتدك والجبال تسير وتبس وتنسف ، والبحار تفجر وتشتعل بعد اختلاطها ، والسماء تمور وتكشط ، والشمس تكور بذهاب ضوئها وسقوطها وتحول مطلعها للشروق من المغرب ، والنجوم تكدر وتتناثر … لا يبقى استقرار في شيء , ولأن الخطاب موجه للإنسان فقد جرى الاهتمام بعرض أبرز ما يشاهده هذا المخلوق من معالم الوجود الضخمة  وبيان مآلها وهي:

 

أولاً : مصدرا الحرارة والضوء: الشمس والقمر(8):  قال تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [التكوير:1] .

 

وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ  وَخَسَفَ الْقَمَرُ  وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر ﴾ [القيامة:7-9 ]. 

 

فنأخذ من الآية الثانية دلالة على حضور وشهود الإنسان لهذا الحدث الهائل الذي لا يتحمله الحس ولا النظر وهو اجتماع الشمس والقمر وهما جرمان عظيمان يحسن بنا أن نقف على تعريف بسيطٍ لكل واحدٍ منهما :

 

أولاً الشمس :

 

1) مظهر الشمس : كتله ملتهبة مضيئة ، هي مصدر الضوء والحرارة لما حولها من الكواكب.

 

2) مادتها : غاز الهيدروجين والهيليوم وعناصر قليلة أخرى .

 

3) وقودها : يحدث من اندماج نووي لذارات الهيدروجين مكونة ذرات هيليوم مولداً طاقتها الهائلة .

 

4) حرارتها : تصل إلى 6000 درجة مئوية عند السطح ، وثلاث وعشرون مليون درجة في مركزها.

 

5) قطرها : 1390.000كم .

 

6) كتلتها : 332.800 مرة قدر كتلة الأرض .

 

7) حجمها : 500.000 مرة قدر حجم الأرض .

 

8) بعدها عن الأرض : 150 مليون كم .

 

هذه الشمس هي الجسم المركزي الذي تدور حوله التوابع التسعة وهي تكون من حيث الكتلة ما يزيد على 99% من كتلة المنظومة الشمسية نفسها ، وارتباط التوابع بها بفعل قوة الجذب وتدور هذه التوابع في مدارات مختلفة يحدد بعدها أو قربها من الشمس كتلة أي جرم منها وسرعة دورانه.

 

ثانياً القمر :

 

1) مظهره : كتلة صلبة مظلمة كروية تغطي قشرته الجبال والفوهات البركانية .

 

2) مادته : أغلبها من الصخور البركانية ويحتوي على كثير من العناصر التي توجد على الأرض .

 

3) قطره : قريب من ربع قطر الأرض .

 

4) حجمه : 1.64 من حجم الأرض .

 

5) كتلته : 1.80 من كتلة الأرض .

 

6) كثافته : أقل من كثافة الأرض قليلاً .

 

7) درجة حرارته : عند تعامد الشمس عليه تصل درجة حرارته من 100-150درجة مئوية في الليل(9) .

 

فتأمل مقدار الكارثة الذي يحدثه جمع الشمس المتقدة الملتهبة التي تكاد تأكل نفسها من الحرارة النووية بالقمر وما سيكون تأثير ذلك على المجموعة الشمسية التي تعد بما فيها أرضنا هذه من توابع الشمس إذ للشمس كبير تأثير عليها هي والقمر .

 

فكل ظاهرة على هذه الأرض كان لها تعلق بالشمس والقمر ستنتهي أو ستختل ، وسيكون بداية الاختلال المؤذن بالنهاية قبل جمع الشمس والقمر هو تحول الشمس عن مطلعها فهذا حدث كوني ستعقبه تغيرات ، بلا شك من ناحية الجاذبية ومن ناحية التوازن في المجموعة الشمسية ومن ناحية التعادل الحراري في الأرض والمجموعة أيضاً .

 

وفي الحديث(10): «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون ، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» .

 

فيوشك هذا الحدث الفلكي المرعب أن يدمر النظام السائد في الفضاء الخارجي والمنظومة النجمية والمجرات الكونية .

 

هذه الشمس العظيمة والكتلة النارية ذات الحجم الهائل الذي يقارب الأرض مليون مرة ويـبعد عن القمر 93 مليون ميل تجمع مع القمر لتكوِّن مشهداً ضخماً يفوق التصور .

 

فالسماء بما تحتويه من أجرام سماوية يصيـبها التشقق والانفطار والطي كصفحة الكتاب ، وتمتلئ بالدخان وتضطرب وتمور كالرحى .

 

قال تعالى: ﴿ إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ ﴾ [الانفطار :1 ].

 

وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء :104] .

 

وقال تعالى: ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ [الدخان :10] .

 

وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْراً ﴾ [الطور :9].

 

ونقف مع بيان معاني التكوير للشمس – والانفطار للسماء والانتثار والانكدار للنجوم والكواكب .

 

سنعرض باختصار في ثنايا هذه السطور أحوال السماء وبداية الخلق ونهايته الذي أشارت إليه الآيات .

 

 معاني تكوير الشمس:

 

لأهل التفسير في معنى التكوير أقوال متقاربة منها :

 

عن ابن عباس أن تكويرها أي ذهابها – ظلمتها – وعن مجاهد قال : اضمحلت وذهبت". وعن قتادة قال : ذهب ضوءها فلا ضوء لها ولمقاتل والكلبى نحوه وعن سعيد بن جبير قال غورت، وعن الضحاك قال : تكوير الشمس ذهابها، وعن أبي صالح قال : نكست وفي رواية أخرى قال ألقيت ،وقال الربيع بن خثيم : كورت يعني رمي بها ،وقـال زيد بن أسلم : تقع في الأرض(11) .

 

قال الإمام ابن جرير في تفسيره ونقله عنه الإمام ابن كثير بعد ذكره لمختلف الآثار والصواب من القول(12) في ذلك عندنا:

 

" أن يقال كورت كما قال الله جل ثناؤه والتكوير في كلام العرب جمع بعض الشيء إلى بعض وذلك كتكوير العمامة وهو لفها على الرأس وكتكوير الكارة وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض ولفها وكذلك قوله : ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾  إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمي بها وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها فعلى التأويل الذي تأولناه وبيناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل وجه صحيح وذلك أنها إذا أنكدرت ورمي بها ذهب ضوءها ".

 

وقال الإمام الشوكاني(13) :

 

" التكوير الجمع وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها, قال الزجاج : لفت كما تلف العمامة يقال كورت العمامة على رأسي أكورها كوراً وكورتها تكويراً إذا لففتها قال أبو عبيدة : كورت مثل تكوير العمامة تلف فتجمع ".

 

فالحاصل : أن التكوير إما بمعنى لف جرمها أو لف ضوئها أو الرمي بها .

 

حالات النجوم والكواكب ومعاني الانكدار والانتثار :

 

عن أبي صالح قال: "وإذا النجوم انكدرت أي تهافتت وتناثرت"(14), وقال أبو عبيدة : "انصبت كما تنصب العقاب إذا انكسرت"(15), وقال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان والضحاك(16) في قوله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴾ [ التكوير:2] "أي تناثرت" .

 

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "وإذا النجوم انكدرت أي تغيرت"(17).

 

وعن قتادة : "وإذا النجوم انكدرت قال تساقطت وتهافتت"(18).

 

وقال ابن زيد: في قوله: ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴾ [ التكوير:2] قال: "رمي بها من السماء إلى الأرض"(19).

 

قال الكلبي وعطاء: "تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يـبقى نجم إلا وقع "(20).

 

وذكر البغوي في تفسيره(21) :

 

"وإذا النجوم انكدرت تناثرت في السماء وتساقطت على الأرض. يقال انكدر الطائر إذا سقط عن عشه".

 

وذكر أبو السعود في تفسير الآية(22):

 

"وإذا النجوم انكدرت أي انقضت وقيل تناثرت وتساقطت روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا يـبقى يومئذ نجم إلا سقط في الأرض".

 

وقيل انكدارها انطماس نورها.                              

 

وقال الثعالبي في تفسيره(23).

 

وانكدار النجوم هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها.

 

- وجاء في مسند الإمام أحمد(24) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا عبد الله بن بحير القاص أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت ، وإذا السماء انشقت »(25).

 

ونقل القرطبي في تفسيره حديثاً أخرجه الترمذي في سننه:

 

عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت»(26) .

 

وعلق الدكتور: الأشقر على الحديث بقوله :

 

"وإنما كانت هذه السور الثلاث أخص بالقيامة ، لما فيها من انشقاق السماء وانفطارها ، وتكور الشمس وانكدار نجومها ، وتناثر كواكبها ، إلى غير ذلك من إفزاعها وأهوالها" .

 

فهذه أقوال العلماء وأثار السلف في بـيان نهاية الشمس بتكويرها أي: لف جر مها أو ذهب ضوؤها أو الرمي بها ، ولا يمنع أن يكون ذلك كله مقصوداً وحادثاً للشمس وهو مؤذن بنهايتها حتماً ولا يـبقى من توابعها في المجموعة الشمسية نظام يمسك به ، لذهاب الحرارة والضوء بل جرم الشمس نفسه يذهب ويغور .

 

وجاءت أقوالهم في بيان نهاية النجوم والكواكب (الأسرة النجمية) ،تؤكد تساقطها من مواقعها وشرودها عن فلكها وتناثرها بعد انتظام عقدها، ولعل هذا فيما يبدو بعد ذهاب الشمس وتكويرها، فيكون نتيجة ملازمة للحالة التي تطرأ على الشمس وتحدث فيها.

 

وفي خضم هذا الأمر الجلل لا تجد الأرض بعيدةً عن هذه الأحداث بل يصيـبها ما أصاب الكون من اضطراب وخلل مقصود من الله سبحانه وتعالى الذي بقدرته وحده سار وسبح كل في فلكه ومداره بانتظام وبأمره وقع الاضطراب والصطدام .

 

فالذي أثبتها وسيرها وقدر حركتها ووزن جاذبيتها لحكمة أرادها وهي أن تستقر للمخلوقين ليبتليهم فيها، قال تعالى : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الكهف :7 ].

 

ولما أراد الله جمع الناس لتحصيل نتائج الابتلاء أذن بقيامة تقوم على كل ما في الكون وتنهي بدايته وتطوي سجل حياته تحقيقاً لربوبيته وألوهيته سبحانه القائل : ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص:88] فبيان طريقة الهلاك جاءت به النصوص الشرعية وأخذنا في بحثنا جانباً منها متعلق بالشمس والكواكب والنجوم وأثر انتهائها وزوالها على الحياة في هذه الأرض بل وعلى الأرض نفسها .

 

ومن الآيات الدالة على نهاية الكون والتي تشير إلى بدايته في الخلق آية سورة الأنبياء قال تعالى : ﴿ يَومَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فعِلِينَ ﴾ [الأنبياء:104].

 

فالآية تبين نهاية السماء بما حوته من مدن نجمية ومجرات فلكية وكيفية نهايتها ، وتشير الآية إلى أن النهاية نفس البداية ومشابهة لها .

 

وجاء التأكيد لذلك الإتنهاء بقوله تعالى : ﴿ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ ونقف مع أقوال أهل العلم في تأويل وتفسير هذه الآية:

 

1- معنى الطي :- كما في لسان العرب(27): والطي : نقيض النشر طويته طياً وطيةً وطية ذكر البيضاوي(28) في تفسيره: "المراد بالطي ضد النشر أو المحو ".

 

وقال القرطبي(29) : "والطي في هذه الآية يحتمل معنيين أحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر قال الله تعالى : ﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ " [ الزمر :  67 ].

 

والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو؛ لأن الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها .

 

- وقال أبو السعود(30) : "والطي: ضد النشر وقيل: المحو وقرئ يطوى بالياء والتاء والبناء للمفعول كطي السجل وهي الصحيفة أي طيا كطي الطومار ".

 

2- معنى السجل :

 

و في زاد المسير(31) قال : في السجل أربعة أقوال :

 

1) إنه مَلَكُ قاله علي بن أبي طالب وابن عمر والسدي .

 

2) إنه كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس) .

 

3) إن السجل بمعنى الرجل روى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل هو الرجل قال شيخنا أبو منصور اللغوي : وقد قيل السجل بلغة الحبشة  :الرجل .

 

- جاء في لسان العرب(32) : والسجل كتاب العهد ونحوه والجمع سجلات ، وهو أحد الأسماء المذكورة المجموعة بالتاء ، ولها نظائر ، ولا يكسر السجل ، وفي حديث الحساب يوم القيامة : "فتوضع السجلات في كفة"(33) ، وهو جمع سجل ، بالكسر والتشديد وهو الكتاب الكبير .

 

4) إنه الصحيفة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والفراء وابن قتيـبة وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: قال : أبو بكر يعني: ابن دريد السجل الكتاب والله أعلم .

 

ولا التفات إلى قولهم إنه فارسي معرب والمعنى : كما يطوى السجل على ما فيه من كتاب واللام بمعنى : على.

 

وقال بعض العلماء : "المراد : بالكتاب ؛ فلما كان المكتوب ينطوي بانطواء الصحيفة حعل السجل كأنه يطوي الكتاب" . أ.هـ. من زاد المسير .

 

قال ابن جرير الطبري(34):

 

"وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب : قول من قال السجل في هذا الموضع الصحيفة لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب و لايعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتب كان اسمه السجل ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه فإن قال قائل : وكيف تطوى الصحيفة بالكتاب إن كان السجل صحيفة ؟ قيل: ليس المعنى كذلك وإنما معناه: يوم نطوي السماء كطي السجل على ما فيه من الكتاب ثم جعل نطوي مصدراً فقيل: كطي السجل للكتاب واللام في قوله للكتاب بمعنى:على ".

 

وقال الخطيب في تاريخه(35) : بعد أن روى بالسند إلى نافع عن ابن عمر

 

قال : "السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا منكر جداً من حديث نافع عن ابن عمر ، لا يصح أصلا وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضاً ، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه وإن كان في سنن أبي داود ، منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله وختم له بصالح عمله ".

 

وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد وقال: "لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل وكتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معروفون وليس فيهم أحد اسمه السجل" وصدق رحمه الله في ذلك وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث .

 

والصحيح عن ابن عباس :

 

أن السجل : "هي الصحيفة قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد" .

 

واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة فعلى هذا يكون معنى الكلام :

 

يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب أي : على الكتاب بمعنى المكتوب كقوله : ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [الصافات :103 ] . أي : على الجبين وله نظائر في اللغة والله أعلم .

 

جاء في لسان العرب(36): والسجل كتاب العهد ونحوه والجمع سجلات وهو أحد الأسماء المذكورة المجموعة بالتاء ، ولها نظائر ، ولا يكسر السجل ، وفي حديث الحساب يوم القيامة"فتوضع السجلات في كفة" (37) وهو جمع سجلٍ ، بالكسر والتشديد وهو الكتاب الكبير.

 

3- معنى الإعادة في قوله تعالى : ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء :104].  

 

جاء في زاد المسير(38)  : الخلق هاهنا: مصدر وليس معنى المخلوق وفي معنى الكلام أربعة أقوال :

 

1) كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاء كذلك نعيدهم يوم القيامة. وروي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غُرْلاً كما خلقوا ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده »(39) وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد .

 

2) المعنى إنا نهلك كل شيء كما كان أول مرة رواه العوفي عن ابن عباس .

 

3) إن السماء تمطر أربعين يوماً كمني الرجال فينبتون بالمطر في قبورهم كما ينبتون في بطون أمهاتهم رواه أبو صالح عن ابن عباس .

 

4) إن المعنى قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الإبتداء قاله الزجاج .

 

- وتكاد تنحصر أقوال المفسرين في هذه الأقوال …

 

- قال البيضاوي(40):

 

"كما بدأنا أول خلق نعيده أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونهما إيجاداً عن العدم! وجمعاً بين الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على الإبداء" .

 

- ونقل الخطيب(41) في تاريخه: "وقوله : ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء :104]  , يعني : هذا كان لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً كما بدأهم هو القادر على إعادتهم وذلك واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يـبدل وهو القادر على ذلك ولهذا قال إنا كنا فاعلين .

 

- وقال الشوكاني في فتح القدير(42): "أي: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة" .

 

فـ"أول خلق" مفعول" نعيد" مقدراً يفسره نعيده المذكور، أو مفعول لـ" بدأنا" و"ما"كافة أو موصولة، والكاف متعلقة بمحذوف، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، وعلى هذا الوجه يكون أول ظرف لبدأنا، أو حال، وإنما خصّ أوّل الخلق ما بالذكر تصويراً اللإيجاد عن العدم، والمقصود بيان صحة الِإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي لهما .

 

 ولكي نُحْسِن فهم الآية من سورة الأنبياء التي تحكي عن نهاية الكون وبينت أنه سيكون كبديته في قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء :104  ].

 

- نقف مع قوله تعالى ﴿كما بدأنا …﴾ فما هي بداية هذا الكون ؟

 

من كتاب هذا الكون ماذا نعرف عنه؟ نجيب على هذا السؤال(43):

 

تنص الأديان السماوية على أن الكون حادث ، وأن له بداية ونهاية قدّرها خالقه ، ويرى بعض الفلاسفة ومنهم فلاسفة اليونان أن الكون قديم لسبب فلسفي إذ يرون القول بحدوثه يجعل العلة الأولى – الخالقة – متغيرة والتغير نقص والنقص لا يجوز على المتصف بالكمال, وكان العلم – فيما سبق – يكف نفسه عن تقديم شواهد تسقط أو تثبت ما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة.

 

 وفي أواسط القرن التاسع عشر بدأ العلم يكشف من قوانين الكون ما يصلح أن يكون شهادة إثبات في هذه القضية ففي عام 1850م كشف عالم الكيمياء الألماني "رودلف كلوزيوس" "Rudolff Chausius" عما عُرف بالقانون الثاني من قوانين الحركة الحرارية "Thermodynamics" وهو الخاصية التي سميت بقانون الاختلال Entropy .

 

وتعني أن أي منظومة معزولة من الأجسام أو الأشياء على درجة من النسق والانتظام لن تبقى على حالتها تلك ، لكنها ستعاني حالة من الاضطرابات والاختلال قد يزداد زيادة مضطردة بمرور الزمن ولكنه لا ينقص أبداً.

 

وهذا القانون من أثبت القوانين الطبيعية وأبعدها أثراً في الكون والحياة وهو لا يتعارض مع القانون الأول من قوانين الحركة الحرارية الذي ينص على عدم تغير طاقة أي نظام معزول بالنقص أو الزيادة ، ولكنه يضع فرقاً بين الطاقة ممكنة الاستفادة والطاقة المستنفذة ؛ أي الطاقة المفيدة والطاقة غير المفيدة. فعود من الثقاب نشعله يتحول إلى فحم وبخار ماء لا نستطيع أن نشعله مرة أخرى؛ إذ تحولت الطاقة الكامنةفيه إلى ضوء وحرارة، لم تنعدم ولكنها تبددت في الكون الفسيح.

 

كما أن قدراً من الوقود تضعه في سيارتك فيستهلك ، ولم ينعدم ولكنه تحول إلى طاقة حركة نقلت السيارة من موضع إلى آخر، وحرارة هي ما تحسه في جسم السيارة. وليس هناك من وسيلة لاسترجاع ما وضعت من وقود. وماء يسقط من شلال يمكن أن يستفاد منه في تحريك آلة يولد منها طاقة كهربية ، فإذا وصل الماء إلى المستوى الأدنى الذي يصب فيه الشلال فلن يُستفاد منه ثانية لتوليد تلك الطاقة .

 

إن الحالة الوحيدة التي يمكن إعادة الاستفادة منه هي نزحه ؛ أي رفعه إلى مكان سقوطه ، ولكننا في هذه الحالة سنفقد من الطاقة المستهلكة في رفعه أكثر مما نسترجع بإعادة الماء إلى الشلال .

 

- و الكائن الحي يـبني جسمه – وهو جهاز على درجة من الانتظام – من طعامه الذي يكون نباتاً أو حيوانا أو كليهما ، وهو بهذا يسبب اختلالاً في مصدر غذائه أكثر من النظام الذي يبنيه جسمه. وقضيب من معدن يُوضع طرفه في موقد تنتقل الحرارة فيه من ذلك الطرف البارد، ولا يمكن أن يحدث العكس فالحرارة – وهي صورة من صور الطاقة – متحرك له اتجاه واحد .

 

الاختلال – إذن – نظام كوني شامل ، والكون نظام معزول ، علة الحركة فيه الاختلاف في المستوى الحراري بين وحداته ، تنتقل الحرارة فيه من الجسم الحار إلى البارد ، أي من الأعلى إلى الأسفل كما يحدث للماء والضغط والريح. وهذا يعني أن الكون صائر إلى وضع تتساوى فيه حرارة وحداته ، أي يصل إلى حالة من التعادل الحراري فتتوقف فيه كل حركة ؛ أي كل حياة ، ويصل إلى ما سماه "كلاوزيوس" الموت الحراري Heat Death .

 

وإذا كان ما تقدم يعني أن للكون نهاية فإنه يعني – وبنفس الدرجة من الإلزام – أن له بداية ، فكون الاختلال يزداد بمرور الزمن يعني تناقص هذا الاختلال بتراجع الزمن ؛ أي كلما عدنا في الماضي ، حتى نصل إلى نقطة في الماضي تكون فيها درجة الاختلال مساوية لأقل قيمة ممكنة لها ، فلا يمكن الارتداد إلى أكثر من ذلك في الماضي. فهذا القانون واضح في دلالته أن لهذا الكون بداية ونهاية .

 

نحن إذاً أمام كشفين أحدهما قانون الاختلال الذي يعني أن الكون بدأ من حالة درجة الاختلال فيها على أقل قيمة لها .

 

وثانيهما قانون "هبِل" الذي كشف الطبيعة المتسعة – المتحركة – للكون.

 

ماذا لو تصورنا رحلة من الزمن الماضي ؟ أي: أن الزمن يمر بين أعيننا في رحلة عودة كما نشاهد شريطاً مصوراً يُسترجع من نهايته ، لعل أول من تخيّل ذلك هو الفلكي البلجيكي جورج لوميتر (George Le Maitre) .

 

إذ تصور أن الكون بدأ من كتلة مثقلة غير مستقرة ، انفجرت فتناثرت إلى أجزاء كونت ما في هذا العالم من أجرام ، وسمى هذه الكتلة البيضة الكونية Cosmic Egg .

 

ومع أن هذا التصور لا يعدو كونه افتراضا فقد أثار اهتمام عالم رياضي هو "جورج قاموف" George Gamow .

 

وقام مع تلميذه "رالف ألفر Ralph Alpher يوضع نموذج رياضي قام على هذا الفرض ، وشرح ما يمكن أن يحدث في اللحظات الأولى من هذا الانفجار ونشر عمله في عام 1948.

 

وفي أوائل الستينات قام عالم الرياضيات والفيزياء البارز روجر ينروز Roger penrose- منطلقا من النسبية العامة في الجاذبية- بدراسة ما يحدث لنجم عندما ينهار تحت تأثير تجاذب مادته ، وأبان أن أبعاد ذلك النجم سوف تتقاصر، وأن حجمه سينكمش إلى نقطة عديمة الأبعاد لا نهائية الكثافة ؛ أي يصل إلى حالة من الشذوذ لا تنطبق عليها قوانين الفيزياء سماها حالة التفردّ Singularity .

 

وهذا العلم الذي قام به "بنـروز" مقصوراً على نجم وسعة "ستيفن هو كنق" – فدلل رياضيا على أن الكون بأكمله – إذا صحت النظرية النسبية – بدأ من انفجار نقطة لا نهائية الضغط والكثافة والحرارة نشر عمله هذا بالاشتراك مع "بنـروز" نفسه عام 1970م .

 

 

 

ملاحظة :

 

وهذا العمل نتائجه لا تعدو مستوى النظرية؛ لأنها وإن كانت مبنية على البناء الرياضي البحت إلا أن أساس العمليات الرياضية فرضية تحتمل الصحة والخطأ .

 

وبعد هذا نثير تساؤلاً, عن البنية الكونية ونسجها نأخذ الجواب عليه من مجلة العلوم. المجلد9 العددان 5،6 مايو ويونيو 1993م ص4.

 

إن من أكبر التحديات التي تواجه العلم اليوم وأكثرها إثارة هو فهم شكل بنية الكون ومنشئها. وقد أظهرت الدراسات الجديدة أن المجرات تسبح في بحر من فقاعات هائلة وصفائح ممتدة على طول مئات السنين الضوئية.

 

فقد اكتشف الفلكيون مؤخرا مجرات وأشباه نجوم (كوازارات) بعيدة وموغلة في القدم, كما أكدت القياسات التي قام بها القمر الصنعي (كاشف الخلفية الكونية) COBE – امتلاء السماء بتوهجات ميكروويفية موزعة بانتظام ملحوظ يعتقد أنها تعود لأيام الكون الأولى.

 

ولفهم مجموعة الحوادث هذه استعان الكوسمولوجيون بأفكار فيزياء الجسيمات وتنجح هذه الأفكار الكثيرة الانتشار والمسماة بسيناريو الكون المتضخم في شرح مظاهر عديدة من البنية الكونية ، ولكن لا يمكن لهذا السيناريو أن يعلل تجمع المجرات على المجالات الواسعة أو يشرح وجود أقدم أشباه النجوم .

 

- تبدو محاولة فهم ما وقع من حوادث في اللحظات الأولى بعد ولادة الكون أمراً بالغ العسر ، ومع ذلك فإن نظرية الانفجار الأعظم ، وهي أساس مفاهيم الكوسمولوجية الحديثة ، ازدادت رسوخاً في السنوات الخيرة فهي تزودنا ،وبنجاح بالغ ، بوصف بسيط لظروف الكون الفيزيائية عائدة بنا إلى لحظة منشئة .

 

فحسب نظرية الانفجار الأعظم ، بدأ الكون بما في ذلك المادة والفضاء، كنقطة متناهية في الصغر قبل 10ـ 20 بليون سة، وأخذ يتسع منذ ذلك الحين دون انقطاع, إن أهم برهان على هذه النظرية هو اتساع الكون الملاحظ الآن فالمجرات البعيدة تبدو على الدوام أكثر أحمراراً مقارنة بالمجرات القريبة هذا يعني أن الضوء الذي تصدره قد استطال (احمر) نتيجة تباعدها .

 

وإذا تقفينا أثر هذا التوسع عائدين إلى بدايته لوجدنا أن الكون قد بدأ في حالة كثيفة وذات درجة حرارة مرتفعة، ويمتلئ الكون اليوم بإشعاعات خلفية نافذة قصيرة الموجة هي أثر هذا الزمن السحيق .

 

لقد وجد القمر COBE  مؤخراً أن طيف طاقة هذه الأمواج القصيرة ينطبق تماماً على الطيف الذي تنبأت به نظرية الانفجار الأعظم؛ مما يؤكد بقوة أن الكون البدائي كان حاراً جداً وكثيفاً…

 

لقد اقنعت هذه الإنجازات المثيرة معظم الفيزيائيين والفلكيين باحتمال صحة نظرية الانفجار الأعظم ، بتقريب أولي على الأقل ، ولكن قضية منشأ البنية تبقى دون حل. إن أبسط تفسير هو القول إن حدثا ما (كتشكل نسج) قد أدى إلى تغيرات في الكثافة الأصلية في الكون البدائي. واستطاع التثاقل في المناطق الأكبر كثافة مقاومة التوسع الكلي للكون بفعالية ، أي أن التثاقل انتصر على التوسع وأدى إلى انهيار هذه المناطق .

 

وهكذا يمكن للتثاقل عند بلوغ الكون عمرا معيناً ، تكبير تأرجحات الكثافة الأصلية التي لم تكون تتجاوز جزءاً من (10000 )وتحويلها إلى بنىً كالمجرات وعنا قيد المجرات والعناقيد الفائقة .

 

لقد حاول الكوسمولوجيون ، وهم يسعون لفهم تشكل المجرات وعناقيدها ، كشف دليل على وجود نتوءات في الكون البدائي. لننظر إلى خلفية الأمواج المجهرية الكونية (الكوسمية). فلو حدثت تغيرات في كثافة الكون البدائي، لتسبب في وقوع تبدلات في درجة الحرارة الظاهرة للإشعاعات في السماء. ولكن كل الجهود التي بذلت حتى الآن لمراقبة تغيرات درجة الحرارة هذه باءت بالفشل بل على العكس بينت القياسات الحديثة للأمواج المجهرية السماوية أن الكون البدائي كان أملس تماماً. ويبدو أن كثافة الكون البدائي كانت متجانسة إلى حد أكبر من جزء من عشرة آلاف أ.هـ.

 

ولترتيب شتات المعلومات حول كيفية تكون مادة الكون نستعرض ما كتبه د. راشد المبارك في كتابه: (هذا الكون: ص57  ).

 

فيما استعرضه "هدكنق" في إطار نظرية الانفجار الكبير – تصور العلماء لتكون مادة الكون كالتالي :

 

1- في اللحظات الأولى من الانفجار حيث تبلغ درجة الحرارة عشرة آلاف مليون درجة مئوية كانت مكونات الكون هي : الإشعاع ،والإلكترونات، والنيوترنيوات Neutrinos وشيء من البروتونات Protons والنيدترونات Neutrons .

 

2- عند انخفاض درجة الحرارة إلى ألف مليون درجة أو نحوها تتغلب قوى الجذب على طاقة حركة البروتونات والنيوترونات ، ويبدأ في الدقائق الأولى تكون نوى بعض العناصر الخفيفة مثل الهيليوم والهيدروجين الثقيل والليثيوم .

 

3- يستمر الكون في التمدد لنحو خمسمائة ألف عام، وتنخفض درجة حرارته إلى ما دون المائة ألف درجة فتتغلب قوى التجاذب بين النوى والالكترونات ويـبدأ تكون ذرات العناصر الخفيفة مثل: الهيدروجين والهيليوم، وتنفصل المادة عن الإشعاع.

 

4- تتجمع سحب الهيدروجين والهيليوم (السدم)، ثم تتقارب بتأثير الجذب فيما بينها وتتصادم وترتفع درجة الحرارة فيما بينها بسبب التصادم ، وتبلغ درجة الحرارة حداً يكفي لاندماج ذرتي هيدروجين لتكوين ذرة هيليوم.

 

5- الحرارة العالية بسبب التصادم تزيد من طاقة حركة الجسيمات ، فلا تسمح بمزيد من التقارب لمكونات هذه السدم ، ويبقى تحول الهيدروجين إلى هيليوم مصدراً للضوء والحرارة التي تبعثها النجوم ومنها شمسنا.

 

6- في السدم ذات الكتل الكبيرة، يكون التجاذب بين مكونات هذه الكتل كبيراً ، كما تكون الحرارة الناتجة من تصادم هذه المكونات مرتفعة فتندمج ذات الهيليوم لتكوين عناصراً ثقل مثل:الأكسجين والكربون.

 

7- يستمر الكون في التمدد وتنخفض درجة حرارته إلى الآلاف ، فلا تكون لمكوناته طاقة حركة كافية للتباعد، وتتغلب قوى الجذب وتتجاذب الالكترونات مع البروتونات بعامل التجاذب الكهربي ، وتتكون العناصر الأخرى الثقيل.

 

8- يتكون من تجمع النجوم المجرات التي تحتوي على مئات الملايين من النجوم المماثلة لشمسنا ومجرة التبانة واحدة منها.

 

- فتأمل أخي القارئ ـ رعاك الله – ليس شيء فيما يبدو لنا أبعد عن المعقول والمقبول من أن تتصور أن هذا الكون بأجرامه اللانهائية في عددها وضخامة كتلتها والاتساع اللانهائي في أبعاده ، قد نشأ من نقطة عديمة الأبعاد ليس لأن ذلك يتعارض مع القانون الأول من قوانين الحركة الحرارية فحسب وهو ينص على أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث (بحسب المنظور المادي الصرف) ولكن لأنه شيء يتعذر قبوله على ضوء مسلمات العقل الأولى، ولكن هل يتحتم على الواقع أن يكون خاضعاً لرغباتنا أو متفقا مع ما زودنا به من مدركات ؟

 

من وجهة نظر المؤمن ليس هناك ما يرفضه ؛ لأن ذلك مندرج تحت قوله تعالى: ﴿ نَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس :82]. ومن وجهة نظر علمية ، ففي علم آلية الكم ما يشير إلى أنه من غير المتعذر تكون المادة من لا شيء فيما يعرف بالتذبذب الكمي Quantum Fluctuation.

 

 إلى هذا الحد تزحزحت الكشوف من موقع المحايدة بين من يؤمن أن للكون بداية ونهاية و من يظن سرمدية هذا الكون لقد بدأ العلم يكشف من جوانبه ما يرجح بداية ونهاية هذا الكون. أ.هـ.

 

- وبعد تبين النظرة المحتملة حول بدايات الكون من خلال أقوى النظريات العملية السائدة اليوم (والتي لا تعدو أن تكون موضوع تردد لا حسم فيه ولا قطع) نبين جانباً مما وصل إليه العقل البشري من احتمالات نهاية الكون التي تكاد تتوافق مع بدايات تكونه مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء : 104 ] فما هو قال هذا الكون وإلى أين سيعود ؟ سنحاول سوياً الوقوف على معنى من المعاني المحتملة والتي لا نجزم فيها بالقطع ولكن نجعله احتمالاً راجحاً بالظن.

 

ذكرا ستيف باركر تساؤلاً … ماذا لو بدأ الكون في الانكماش ؟

 

يعتقد معظم الخبراء أن الكون قد بدأ كذرة صغيرة تحتوي على المادة كلها وقد انفجرت منذ بلايين السنين فيما أطلق عليه الانفجار الكبير.

 

ومازال الانفجار مستمراً بل هو في تزايد إذ تتباعد المجرات عن بعضها البعض وقد يستمر هذا الوضع إلى الأبد أو قد يصل الكون إلى حجم معين ويظل محتفظاً به وهو ما يطلق عليه الحالة الثابتة, أو قد يـبدأ الكون في الانكماش مما يترتب عليه أن تعود الكواكب والنجوم والمجرات وكافة المواد الأخرى إلى هذه الذرة بعكس ما حدث في الانفجار الكبير فيكون الانكماش الكبير.

 

وفي مجلة العلوم المجلد 16 العدد 11 نوفمبر 2000 ص18.

 

جاء مقال تحت عنوان

 

مآل الحياة في الكون لـ(M.L كراوس) – (D.G ستاركمان):

 

- خلاصته بتصرف بسيط:

 

 أنه قبل بلايين السنين كان الكون ساخناً إلى درجة تعذرت معها إمكانية الحياة، وبعد مرور عدد لا يحصى من الدهور ، سوف يصبح الكون بارداً وخاوياً إلى درجة أن الحياة – مهما بلغت من الذكاء والإبداع سوف تتلاشى –

 

 إن الحياة الأبدية اعتقاد جوهري في العديد من أديان العالم، وهي تمجد عادة بتصويرها مثوى للخلود الروحي: حياة من دون ألم أو موت أو خوف أو شر ، عالم بعيد عن الواقع المادي وحقائقه.

 

ولكن هناك نوعاً أخر من الحياة الأبدية التي نرجوها ، حياة موجودة في نطاق الزمن. ومع مرور الزمن، سوف تستنفذ الشمس وقودها من الهيدروجين ، وستنتهي حينئذٍ الحياة كما نعرفها على كوكبنا.

 

- فالمثير للدهشة هو أنه على الرغم من عدم فهم العلماء الكامل للأساس المادي للحياة أو لأسرار الكون، فإنهم يستطيعون تقديم تخمينات جيدة حول مآل الأشياء الحية, وتشير الأرصاد الكونية حالياً إلى أن الكون سيستمر في التمدد إلى الأبد ، وذلك خلافاً لما كان يظنه العلماء في وقت مضى ، وهو أن الكون سوف يتمدد إلى أن يبلغ حجماً عظيماً يأخذ بعده بالانكماش ومن ثم ليس قدرنا أن نفنى في انسحاق أعظم big crunch متقد يحمى فيه كل أثر لحياتنا الحالية والمستقبلية ويبدو للوهلة الأولى ، أن التمدد الأبدي للكون مدعاة للتفاؤل، إذ ما الذي يمنع حضارة تتسم بذكاء كاف من البحث عن الموارد غير المحدودة اللازمة للوجود الأبدي ؟

 

إن الحياة تزدهر بوجود الطاقة والمعلومات ولكن الحجج العلمية الهامة للغاية تشير إلى أنه حتى في فترة زمنية لا نهائية – لا يمكن جنى سوى قدر محدود من الطاقة والمعلومات .

 

إن استمرار الحياة يتطلب تواؤمها مع معرفة محدودة وموارد متضائلة في القرن الماضي، ترواح الإيمان بالأخرويات (البعث والحساب والخلود) بين التفاؤل والتشاؤم, فبعد التنبؤ الواثق لداروين بوقت قصير ، أخذ علماء العصر الفيكتوري يـبدون القلق من الموت احتراقاً حين يصل الكون برمته إلى درجة حرارة واحدة ويصبح بعدئذ غير قادر على التغير.

 

وقد خفف اكتشاف تمدد الكون في العقد الثالث من القرن العشرين من هذا القلق لأن التمدد يمنع الكون من الوصول إلى مثل حالة التوازن تلك .

 

لكن قلة من علماء الكون محصوا المضامين الأخرى بالنسبة إلى الحياة في كون يتمدد باستمرار....

 

- لقد مر الكون بمراحل كثيرة خلال الأثني عشر بليون سنة الماضية وفي الأزمنة المبكرة التي تتوفر الآن حولها معلومات لدى العلماء كان الكون حاراً وكثيفاً للغاية ، ثم أخذ يتمدد ويبرد تدريجياً. وكانت للإشعاع اليد العليا فيه على مدى مئات الآلاف من السنين ثم بدأت المادة بالسيطرة ، وأخذت التراكيب الفلكية الأكبر في النشوء من خلال التكثف تدريجياً. والآن إذا صحت الأرصاد الكونية الحديثة فإن تمدد الكون آخذ في البدء بالتسارع ، وهذا يشير إلى أن نوعاً جديداً و غريباً من الطاقة التي قد تكون نابعة من الفضاء نفسه – أخذ يفرض هيمنته .

 

- إن الحياة – بشكلها الذي نعرفه – تعتمد على النجوم. ولكن النجوم فانية لا محالة فقد تناقص معدل ولادتها بشدة منذ انفجار أولى حدث قبل نحو عشرة بلايين سنة. وسوف يذوي النجم الأخير ذو التكوين التقليدي بعد نحو مئة تريليون سنة من الآن. وسيبدأ عصر جديد … فمع ازدياد حجم الكون ، تقل الكثافة المتوسطة لمصادر الطاقة العادية ، فمضاعفة قطر الكون تؤدي إلى إنقاص كثافة الذرات فيه إلى الثمن أما في حالة موجات الضوء ، فيكون التناقص أشد؛ إذ تنخفض كثافة طاقتها 16مرة ، لأن التمدد يؤدي إلى مطها ، ومن ثم إلى استنـزاف طاقتها.

 

إن التخفيض الكوني لكثافة الطاقة هو أمر مريع حقاً إذا كان الكون يتمدد بمعدل متسارع فالأشياء النائية كافة التي يمكن رؤيتها حالياً سوف تتحرك في نهاية الأمر بعيداً عنا بسرعة تفوق سرعة الضوء ، وبهذا ستختفي عن الأنظار ، أ.هـ.

 

فتأمل أيها القارئ الكريم: ما نشرناه في ثنايا هذا البحث العلمي من نظريات علمية، هل تجدها تبتعد عن الآيات المشروحة المبين معناها من منظور الشرع في أول هذا البحث والتي لا تخرج في جملتها عن بيان الآتي:

 

تكوير الشمس وانكدار النجوم وتناثر الكواكب وانفطار السماء بعد وهنها وضعفها وتشققها. أهوال كونية يعرضها القرآن تنتهي بها الحياة على هذا الكوكب بل وينتهي بها الكون بأسره.

 

- ومن آخر النظريات التي تثير دهشة الباحثين في هذا المجال ما وجد من افتراضات بدأت تأخذ حيزاً من القوة والظهور،ولكنها في نهاية الأمر حسابات وأرقام ونتائج محتملة لاجزم في شيء منها مما يؤكد اختصاص الله سبحانه وتعالى بالساعة وحين قيامها، و عمر الكون الذي قدره الله له.

 

وهذه النظريات هي (حول الثقوب السوداء في الكون وهل وجودها حقيقي بالرؤية والنظر أم بالحساب والتقديرات الرقمية وفق القوانين الفلكية ؟) .

 

ولنقف على بحث في  مجلة العلوم: بعنوان المجلد 11-العددان 6،7/1995م تحت عنوان الكون المتقلب ( S.Cباول) ص13.

 

إن المقاريب(44) المقامة في الفضاء والتي يمكنها بفضل تجهيزات رؤية الأشعة السينية وأشعة غاما ترصد عالماً دينامياً لا يهدأ أبداً .

 

- في فترات زمنية تـتراوح ما بين أسابيع وبضعة أجزاء من الألف من الثانية تتلألأ أجسام وتظلم، ترتعش بسرعة وتهتز ببطء ، وتدل مثل هذه التغيرات السريعة على أن مصادر الإشعاع صغيرة جداً بالمقياس الكوني (وإلا لاستغرق تغيرٌ فيزيائي زمناً طويلاً جداً ليؤثر في قسم كبير من المنطقة المشعة). ومع ذلك، فإن هذه الأجسام نفسها تبث كميات ضخمة من الإشعاع العالي الطاقة.

 

ويظن الفلكيون أنهم قد حددوا السبب المحتمل وراء العديد من هذه المنارات الكونية الغريـبة : إنه ثقب أسود يعرف بأنه مادة منهارة كثافتها هائلة إلى درجة أنها لا تسمح لشيء حتى الضوء، أن يفلت منها نظراً لثقالتها الرهيبة.

 

وعلى الرغم من أن نظرية (اينشتاين) في النسبية تتنبأ بضرورة وجود هذه الثقوب، كما أن جميع الفلكيين تقريباً يؤمنون بها ، فإن إثبات صحة هذه الدعوى مسألة مختلفة تماماً. ولما كانت الثقوب نفسها غير مرئية فإنه يمكن للفلكيين البحث عنها بطريقة وحيدة، ألا وهي مراقبة ما يحدث في المناطق المحيطة بها وهي الأمكنة التي يصح فيها رصد السينية وأشعة غاما أمراً لا غنى عنه.

 

ونظراً لكون هذه الأشعة تحمل الكثير من الطاقة، فإنها لابد أن تنشأ في أكثر بقاع الفضاء ثورانا، والتي يحتمل أن تكون قريبة تماماً من ثقب أسود ومن ثم، فإن الأشعة السينية وأشعة غاما تكشفان عن معلومات حاسمة للعثور على ثقوب سوداء محتملة ، وللتعريف بالكيفية التي تتفاعل بها هذه الثقوب مع البيئات المحيطة بها.

 

هذا وتَرِدُ بعض أكثر المعطيات إقناعاً بوجود الثقوب السوداء من رصد المستعرات المصدرة للأشعة السينية ، التي تنتمي إلى أكثر الأجسام تطايرا بين مصادر الأشعة السينية في السماء, فخلال بضعة أيام، يتضاعف سطوع ، هذه الأجسام قرابة مليون مرة, وبعد ذلك، على مدى عدة أشهر، تتضاءل حدة هذا السطوع تدريجياً إلى أن ينتهي إلى ظلام دامس, وسلوك هذه المستعمرات شبيه بسلوك المستعرات العادية التي يستهلك فيها نجم عادي ، ببطء، من قِبَلِ رفيقه ، وهو بقايا نجم منهار يعرف باسم القزم الأبيض ـ White dwarfـ ويتراكم الغاز على سطح القزم إلى أن يـبلغ نقطة حرجة ينفجر بعدها مثل قنبلة هيدروجينية ضخمة .

 

بيد أنه لما كانت المستعرات المصدرة للأشعة السينية تتألق ـShine ـ بطاقات أعلى كثيراً من طاقات المستعـرات التقليدية ، فإن الجسم المنهار هو شيء ربما كان أكثف جداً حتى من القزم الأبيض. وقد يكون هذا الشيء ثقباً أسود .

 

ويقول (E.J مكلنتوك) :

 

(من مركز هارفارد السمثسوني للفيزياء الفلكية) :

 

"إن المستعـرات المصدرة للأشعة السينية هي ثروة كبيرة ، إنها توفر أقوى الشواهد على وجود الثقوب السوداء" .

 

ويقول مكلنتوك : "ليس واضحا وضوح الشمس سبب انطفاء المستعرات المصدرة للأشعة السينية – لكن هذا يحدث ، أ.هـ.

 

نعم يحدث مصداقاً للوحي ولكلام الله في القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم .

 

وفي ضوء ما ورد في هذا البحث يرجع إلى أقوال علماء التفسير في معاني الانكدار في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴾ [التكوير:2] .ففيما نقلناه عن أبي السعود :

 

وقيل انكدارها انطماس نورها .

 

فلا نجده بعيداً عنه فسبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم .

 

- وفي نهاية هذا البحث آمل أن أكون بهذا القدر قد وضعت بين يدي القارئ مادة شرعية وعلمية تعينه على تصور أقرب إلى الصواب في أمر نهاية هذا الكون لا تخرج بحال عما أشارت إليه آية سورة الأنبياء ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب … ﴾ ، وأية سورة الزمر في قوله تعالى : ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر:67].

 

فيكون تصور من تصور هذا الأمر وعبر عنه بالإنكماش الكوني أو العودة إلى البيضة الكونية المضغوطة جداً جداً جداً أو الثقوب السوداء التي ستبتلع المجرات وتطويها في داخلها له حض من النظر بقدر اقترابه من منطوق الآيات ومعانيها ومفهومها .

 

والحمد لله رب العالمين القائل : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت:53].

 

 

 

مراجعة: مرفق ياسين

علي عمر بلعجم

 

--------------

(1)- في لسان العرب :431 .

(2)- فلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق كما ثبت في  صحيح مسلم   من حديث ابن مسعود  3/1524, برقم: 1924  .

(3) - يراجع تفسير الإمام الطبري للآية .

(4)- البخاري 3/1331, برقم: 3438, من حديث قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر ومسلم 4/2195, برقم: 2802, أيضا من حديث قتادة عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين .

(5)-  رواه البخاري 4/1793, برقم: 4499, ورواه مسلم واللفظ له 1/36, برقم: 8.

(6)- مختار الصحاح: 683 , لسان العرب ج/14صـ313

(7)- لسان العرب: 1/79 .

(8)- ماذا بعد الموت ؟ شاكر عبدالجبار ص61 .

(9)- هذا الكون ماذا نعرف عنه ؟ د. راشد المبارك ص85،86/ ص93،94 .

(10)- رواه البخاري 4/1697, برقم:4360, ومسلم 1/137: برقم: 157 .    

(11)- راجع تفسير ابن كثير 4/476، والطبري 30/63 ، والبغوي 4/451 .

(12)- في تفسيره 30/63 .

(13)- فتح القدير ج5/388 .

(14)- فيما نقله القرطبي : (19/226-227) .

(15)- فيما نقله القرطبي : (19/226-227) .

(16)- فيما نقله ابن كثير 4/476 – والطبري 30/63 .

(17)- فيما نقله ابن كثير 4/476 – والطبري 30/63 .

(18)- الطبري 30/63 .

(19)- الطبري 30/63 .

(20)- تفسير البغوي 4/451 .

(21)- تفسير البغوي 4/451 .

(22)- تفسير أبو السعود 9/114 .

(23)- تفسير الثعالبي 4/389 .

(24)- فيما نقله ابن كثير 4/476 .

(25)- رواه الترمذي 5/433, برقم: 3333, وصححه الشيخ الألباني انظر صحيح الترمذي 3/126 .

(26)- القرطبي 19/226.

(27)- لسان العرب: 8/230 .

(28)- تفسير البيضاوي 4/110 .

(29)- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/346 .

(30)- تفسير أبو السعود 6/88 .

(31)- زاد المسير 5/395 .

(32)- لسان العرب 6/181 .

(33)  -رواه الترمذي 5/24, برقم: 2639, وابن ماجة 2/1437, برقم: 4300, قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 1776 في صحيح الجامع .

(34)- في تفسيره 17/100.

(35)- تاريخ بغداد: 75 -81.

(36)- لسان العرب: 6/181 .

(37) - سبق تخريجه .

(38)- زاد المسير5/395 .

(39) - رواه البخاري 2/1222, برقم: 3171, ومسلم 4/2194, برقم: 2860  .

(40)- تفسير البيضاوي 4/110 .

(41)- تاريخ بغداد : 75 -81  .

(42)- فتح القدير 3/439 .

(43)- هذا الكون صـ 53" د. راشد المبارك .

(44)- المقاريب : هي أجهزة يستعملها علماء الفيزياء والفلك للتقريب في الرؤية .

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم الإعجاز التشريعي في الكتاب والسنة
الأثنين 18 فبراير 2013

 

 

 

 

 

 

من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

 

الإعجاز التشريعي

في الكتاب والسنة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً , والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله الرحمة المهداة والنعمة المسداة, وعلى آله وصحبه الأئمة الهداة وسلم تسليماً.

 

أما بعد:

فإن هذا القرآن المجيد الذي ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت42] آيةٌ باقيةٌ, ومعجزةٌ خالدةٌ, إذ هو كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للتحدي والإعجاز, والهداية والإرشاد , المتعبد بتلاوته, وحفظه والعمل به, المنقول إلينا تواتراً كما أنزل على محمد الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم.

لقد اهتم العلماء بالقران بحثاً ودرساً وبياناً وشرحاً, ولكن أعلى هذه الأمور خطراً, وأجلها قدراً, وأبقاها أثراً؛ ذكر خصائصه ومزاياه التي كان بها وحياً معجزاً تحدى الله به الثقلين أجمعين أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله كما قال تعالى : ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ [ الإسراء: 88] .

 

لقد كانت معجزاتُ الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام معجزات حسيةً مشاهدةً تقع ولا تبقى بعد موت صاحبها, فلا يعرفها على اليقين إلا من عاينها, لكن معجزة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت من نوع آخر, لم تكن حادثة تقع وتزول فقط , بل كانت معجزةًًً دائمةً مستمرةً تخاطب الأجيال, يراها ويقرؤها الناس في كل عصر, ولهذا ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي , فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»(1), قال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: ومعجزة القران مستمرة إلى يوم القيامة, وخرقه للعادة في أسلوبه, وفي بلاغته, وإخباره بالغيبيات, فلا يمر عصر من الأعصار, إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به "إن معجزة القران الكريم مستمرة إلى قيام الساعة, وهذا الإعجاز يتجلى في أمور كثيرة, إعجازٌ في نظمه وبلاغته, وإعجازٌ في قصصه, وإخباره بالغيبيات السابقة والمستقبلية التي لم تكن معهودةً في وقت التنزيل".

 

ومن إعجازه: الشريعةُ العظيمة التي احتوى عليها فإلى جانب ما احتوى عليه القران العظيم من الهدى والنور في جانب الاعتقاد والإيمان الذي نزل من أجله, فقد اشتمل على أفضل وأرقى التشريعات التي تكفل سعادة الفرد والمجتمع؛ بل والعالم بأكمله في جميع شؤون حياتهم؛ في جوانب السياسة والقضاء والحكم وإقامة العدل, وفي جوانب الاقتصاد والمال والمعاملات, وفي جوانب الاجتماع والتكافل والأخلاق والآداب والفضائل, وفي جوانب الفكر والبحث والعلم, وفي جوانب الصحة البد نية والنفسية وحماية الأعراض واستتباب الأمن, وفي جوانب الحرب والسلم والعلاقات بين سائر بني الإنسان , فلم يبقِ جانباً من جوانب الحياة إلا وقد بين فيه سبيل الحق والهدى والصواب كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [ النحل89].

 

فهي شريعة جاءت بهدايات كاملة شاملة تامة تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان لأنها من لدن حكيم , عليم بكل شيء, خالق البشرية, والخبير بما يصلحها وينفعها, وما يفسدها ويضرها, فإذا شرع أمراً جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة   ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [ الملك14].

 

ويزداد هذا الأمر وضوحاً عند التأمل في أحوال الأنظمة, والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عند معالجة المشكلات البشرية, ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال, مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص, فيلغون اليوم ما وضعوه بالأمس, لأن الإنسان محل النقص والخطأ والجهل لأعماق النفس البشرية, والجهل بما يحدث غداً في أوضاع الإنسان, وأحواله, وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر .

 

 ويزداد الأمر جلاءً أكثر عندما نرى الاكتشافات العلمية - في زمن العلم – تجلي بوضوح فوائد ومنافع تطبيق الشريعة الإسلامية في شتى المجالات, وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التشريع الإسلامي معجزٌ في تحقيق مصالح الخلق, وإدخال السرور والبهجة إلى قلوبهم, وتطهير نفوسهم, وتهذيب أخلاقهم, وإصلاح حالهم , وتوجيه مجتمعهم؛ سواء في ذلك الشرائع الواردة في الأوامر والمندوبات والمستحبات, والشرائع الواردة في المحرمات والمكروهات .

 

فهذان دليلان شاهدان على عجز البشر عن الإتيان بأنظمةٍ تُصلح الخلق, وتُقوم أخلاقهم, وعلى أن الشريعة الإسلامية سليمة من كل عيب ونقص , كفيلةٌ برعاية مصالح العباد في العاجل والآجل, ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة, وأن هذه الشريعة مصدرها خالق الإنسان ؛ الذي يعلم أسرار خلقه وفطرته , ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك14].

 

والتشريعات الإسلامية التي أثبت العلم التجريبي نفعها وصلاحها للإنسان متعددة الجوانب:

منها في العبادات: كالإعجاز التشريعي في تطبيق سنن الفطرة, وفي الوضوء, وفي مشروعية التيمم بالتراب, وفي مشروعية السواك بعود الأراك, وفي مواقيت الصلاة, وفي أداء الصلاة, وفي قيام الليل, وفي مشروعية البكاء من خشية الله تعالى, وفي مشروعية المشي إلى المساجد, وفي الزكاة ومكافحة الفقر وتحريم الربا, وفي الصيام, وفي الاضطجاع والنوم على الشق الأيمن وغيرها .

 

ومنها في الأحوال الشخصية: كالإعجاز التشريعي في تطبيق الحجاب, وفي تعدد الزوجات, وفي زواج الودود الولود, والنهي عن اختلاط الرجال بالنساء, وتحريم الزواج بين المحارم, وتحريم زواج المسلمة بغير المسلم, وتحريم الوشم , وحماية المرأة من العنف الأسري , وتحريم الزنا واللواط , وغير ذلك.

 

ومنها التشريعات التي تتصل بالعقوبات, وهي ما يعرف بالقانون الجنائي: كالإعجاز التشريعي في حد السرقة, وحد الحرابة, وحد الزنا, وحد القتل, ونحو ذلك .

 

ومنها ما يتعلق بصحة الإنسان: كالإعجاز التشريعي في مشروعية الحجر الصحي , وفي تحريم الخمر, وفي تحريم لحم الخنزير, وتحريم أكل الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية, وفي تحريم أكل لحم الجوارح وكل ذي ناب, والنهي عن الشرب قائماً, وفي عدم إكراه المرضى على الطعام, وفي تحريم الدماء, وفي البسملة عند الذبح, وفي طريقة الذكاة المشروعة, وغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب, والفرار من المجذوم, وفي تحريم الوطء في الحيض, وفي الختان, وغيرها .

 

وها نحن في هذا البحث نقدم نموذجين فقط من الإعجاز التشريعي:

الأول: الإعجاز التشريعي في تحريم الخمر .

الثاني: الإعجاز التشريعي في الصلاة .

 

 

 

الإعجاز التشريعي في تحريم الخمر

 

البحث الأول

 

( مختصر من كتاب الخمر داء وليست بدواء للدكتور/ شبيب بن علي الحاضري )

 

من منشورات هيئة الإعجاز

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وآله وصحابته الغر الميامين:ـ

 

أما بعد: ـ

 

فإن جلب المنفعة، ودفع المضرة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والشرائع الإلهية إنما جاءت لحفظ الأصول والثوابت، التي تسمى عند العلماء بالكليات الخمس وهي"حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال" فحفظ هذه الأصول والزجر عما يفسدها من الضروريات الهامة ؛ لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها ، لذا فإن الإسلام جاء للمحافظة على هذه المقاصد الكلية وشرع من الأحكام ما يصونها ويحفظها ،ومن العقوبات ما يزجر من يريد المساس بها، وليس هناك جريمة تؤثر على الكليات الخمس جميعاً في آن واحد كالخمرةِ وما يلحق بها من مخدرٍ ومسكر ؛لأن المرء إذا خرج عن طوره وسمته ، فاقداً لعقله هدم بقية الكليات .

 

شرب الخمر عند العرب قبل الإسلام:

 

كان العرب في جاهليتهم مولعين بشرب الخمر والمنادمة عليها فأطلقوا عليها الأسماء الكثيرة ووصفوها ووصفوا  أقداحها ومجالسها وبالغوا في ذلك حتى أوصى بعضهم بأن يدفن بجوارها فقال:

 

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

 

ولا تدفنني بالفــلاة فإنــني *** أخـاف إذا مـا مت أن لا أذوقها

 

فلما جاء الإسلام غرس في قلوبهم الإيمان ،فلما تحركت به الأركان أخذهم بمنهج تربوي متدرج في إذهاب الولع والإدمان ، كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «كان أول ما نزل منه ـ أي القرآن ـ سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ،ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ،لقالوا لا ندع الخمر أبداً »(2).           

 

فكان أول ما نزل من القرآن في الخمر قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل:67 ]

 

فبدأ بعض الصحابة يتحرج ويسأل عن الخمر، فأنزل الله تعالى: ﴿ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ البقرة:219 ]                                                                   

 

فزاد نفور الناس منها وزاد تحرجهم من شربها فنزل قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾  [ النساء:43]  فأصبحت الصلاة التي هي عماد الدين لأول مرة في مواجهة الخمر فكان من يريد أن يشربها ينتظر إلى الليل ؛ لأن أوقات الصلوات في النهار متقاربة ، فتوقف عن شربها كثير من الصحابة حتى نزلت آية المائدة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة90]

 

قال أنس رضي الله عنه "بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيد وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء حتى مالت رؤوسهم من خليط وبسرٍ وتمر فسمعت منادياً ينادي ألا إن الخمرة قد حرمت قال:فما دخل علينا ولا خرج منا خارج حتى أرقنا الشراب وكسرنا القلال وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا ،وأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد ،فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة90]                                 

 

قال العلماء في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ البقرة:219 ] إن المنافع التي قد تعود على الإنسان من استعمال الخمر لا تبيح ولا تبرر شربها ،كما أن إثم شربها يترتب عليه خسارة الدنيا والدين .

 

وأما المنافع في استخدام الخمر فإما أن تكون منافع مادية، فتعود المنفعة على المروجين لها، وهم ملعونون كما صح من حديث أنس رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر عشرة منهم، بائعها، وآكل ثمنها»(3)  .                                      

 

وإما أن تكون منافع عابرة: من شعور مؤقت بالدفئ والنشوة وإدرار البول ، ولكن سرعان ما تزول تاركة في الجسم عدة أمراض كما سنرى.

 

 وإما أن تكون منافع في الطب والصيدلة والصناعات الكيميائية، فالكحول الإيثيلي يستخدم كمادة مطهرة للجلد عند حقن الإبرة لقضائه على المكروبات، كما يستخدم كمذيب للزيوت الثابتة والطيارة كما يستخدم لتحضير الصبغات والمواد المخدرة للقيام بالعمليات،  كما يستخدم في تحضير العطور مثل الكالونيا، وماء الطيب المركز، ويستخدم كوقود للإحراق الداخلي للمكنات والصواريخ، كما يستخدم لتحضير العديد من المركبات الكيميائية كالأحماض العضوية.                       

 

الوحي والعلاج بالخمر

 

عن وائل الحضرمي: أن طارق ابن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر ؟ فنهاه أو كره أن يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال: « إنه ليس بدواء ولكنه داء»(4)

 

وعن ديلم الحميري قال: « قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنا بأرض باردة ونعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا قال: " هل يسكر ؟ " قلت: نعم قال: " فاجتنبوه ", قلت: إن الناس غير تاركيه, قال: " إن لم يتركوه فقاتلوهم »(5).

 

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء ،فتداووا ولا تداوو بالمحرم »(6).  

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم »(7).

 

 وقد تناول شراح الحديث هذه الأحاديث بالإيضاح والبيان

 

فقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إن المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلاً وشرعاً ،أما شرعاً فما ذكر من الأحاديث ،وأما العقل فهو أن الله سبحانه وتعالى إنما حرمه لخبثه ،فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيباً عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل ..، بل إن تحريمه له حمية لهم وصيانة عن تناوله ،فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل ،فإنه وإن أثر في إزالتها أعْقَب سقماً أعظم منه ...فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة فلا يجوز أن يتخذ دواء ".

 

 

 

تصور الأطباء  سابقاً حول العلاج بالخمر

 

جاء النبي صلى الله عليه وسلم والعرب وغيرهم من العجم بما فيهم أطباؤهم يعتقدون أن الخمر علاج لبعض الأمراض التي تصيب أجسادهم وهذا الأمر واضح من خلال استئذان بعض الصحابة الذين كانوا يطببون الناس أن يستمروا في اتخاذها علاجاً ، واستمر الأمر كذلك عبر القرون عند غير المسلمين إلى الثمانينات من القرن العشرين، فإلى عام (1980م ) كان أطباء العالم يستخدمون الكحول كعلاج للولادة المبكرة لتثبيط تقلصات الرحم ،فكان يسبب من الأعراض الجانبية على الأم والطفل أكثر من المنفعة التي استخدم لأجلها ،فاستبدله الأطباء بعد ذلك بعقاقير فاعليتها أفضل وليس لها أعراض جانبية كالكحول .

 

وقد ادعى بعض الأطباء بأن الخمر فاتحة للشهية لذا يستعملها غير المسلمين على موائدهم ، لكن العلم الحديث بين أن شرب الكحول يزيد من إفراز العصارة المعدية فإذا بلغ تركيز الكحول ولو نسبة 14% فإن تهتكاً وتقريحاً يصيب الغشاء المخاطي المبطن لجدار المعدة مما يؤدي في النهاية إلى التهاب حاد في جدار المعدة ونزيف الجهة العلوية من القناة الهضمية، كما أن الكحول يؤثر على حركة الأمعاء مما يؤدي إلى الإصابة باضطرابات شديدة في الهضم.

 

ومن الادعاءات التي استمرت عند الأطباء إلى أوائل القرن العشرين أنَّ الخمرَ تُكْسِبُ شاربها طاقة حرارية تمكنه من مقاومة البرد. لكن علم الطب أثبت أن عملية التدفئة للجسم تكون بحفظ حرارته الداخلية التي يحتاجها لاستمرار الوظائف الحيوية.

 

أما الكحول فإنه يتسبب في شعور مؤقت بالدفء سرعان ما يزول ؛لأن تأثير الكحول على الأوعية الدموية الموجودة تحت سطح الجلد يؤدي إلى تمددها فتتوارد كميات من الدم على سطح الجلد أكثر، فيظهر ذلك على شكل احمرار في الوجه , وذلك لأن الدم يكون محملاً بحرارة الجسم الداخلية فيحس السكير بالدفء في بداية الأمر ، ولكن سرعان ما يختفي ذلك الإحساس نتيجة لتسرب حرارة الجسم إلى الخارج فيشعر المرء بالبرد وتنتابه القشعريرة في الأجواء الباردة.                                                                      

 

كما أن الكحول ليس غذاءً حقيقياً يستطيع أن يعوض الجسم عما فقده من حرارة ، لذلك نجد أن شاربي الخمور هم أكثر الناس عرضة للإصابة بنزلات البرد والزكام والالتهابات الرئوية . لذلك فإن حالات الوفاة المفاجئة تكثر في أوربا للذين يسكرون بالليل ثم يخرجون في الهواء الطلق الشديد البرودة فيتساقطون الواحد تلو الآخر .                     

 

وفي عام 1928م عقد المؤتمر الدولي التاسع عشر لمكافحة المسكرات في مدنية (انفرس) ببلجيكا ، وفي هذا المؤتمر وقف كبير أطباء مستشفى فيينا بالنمساء قائلاً : "لقد وقع كثير من الأطباء في خطأ علمي عظيم عند ما كانوا يوصون بتعاطي جرعات من المشروبات الكحولية للاستفادة منها في مقاومة البرد ، لكن شعورهم بالدفئ شعور كاذب إذ يعقبه انخفاض في درجة الحرارة ".                                     

 

ثم قام أحد العلماء فقال : "كان أهل أيسلندا -وهي من أشد البلدان برودة- يستعينون على مقاومة البرد بتعاطي المشروبات الكحولية فكثرت بينهم الوفيات إلى حدٍ أقلق ولاة الأمر فألفوا لجنة لهذا الغرض، فثبت لهم أن كثرة الوفيات في الجزيرة راجع إلى أن القوم يستنفذون حرارة أجسامهم بما يتعاطونه من المسكرات ،فيصدر الدم من داخل الجسم إلى سطحه محملاً بالحرارة حتى تأتي على آخره فتنتهي الحياة بانتهائها.     

 

وهذه الظاهرة هي التي دفعت برلمان أيسلندا إلى إصدار تشريع يحرم الخمر في البلاد .                                                                          

 

وفي الختام قام ممثل مصر الدكتور (أحمد غلوش) فقال: "إن الضحايا البشرية التي أشار إليها الأعضاء قد سلم المسلمون من أمرها بسبب اتباعهم أوامر دينِهم ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم حيث حذرهم من شرب الخمرة، و أوضح لهم أنها لا تنفع في مقاومة البرد "ثم قدم لهم ترجمة الحديث الذي رواه ديلم الحميري فعندئذ دهش أعضاء المؤتمر وقابلوا  كلمته بالاستحسان والتصفيق وطلبوا منه أن يملي عليهم نص الحديث الشريف ، واعتبروه الطريق السليم في مقاومة البرد".    

 

ومن الادعاءات أن الخمرة لها فوائد طبية وخصوصاً لمرضى القلب لما ثبت عنها من توسيع الأوعية الدموية .

 

لكن علم الطب أثبت أن الكحول يوسع الأوعية الدموية الموجودة تحت سطح الجلد إلا أنه يفعل العكس مع الأوعية الدموية المغذية لعضلة القلب والتي تعرف بالشرايين التاجية ، حيث يتسبب الكحول في تصلبها وذلك بسبب ما يحدثه من زيادة نسبة دهنيات الدم مثل الكوليسترول والجليسرين الثلاثي، والتي تترسب بدورها على جدران الأوعية فتسبب تصلبها وتضييقها مما يؤدي في النهاية إلى الإصابة بفقر التروية القلبية وخصوصاً الذبحة الصدرية .

 

يقول البروفسور:"توماس شيهي" أستاذ الطب الباطني في جامعة الأباما في برمنجهام ـ في مقال له بعنوان "الكحول والقلب" عام 1992م :

 

"لقد كان أول من قام بإعلان دور الكحول في الوقاية من نوبة القلب هو الباحث روسك وزملاؤه عام 1956م ،عند ما أعلنوا أن تناول الوسكي يقي من الذبحة الصدرية ولكن الأبحاث والدراسات المتلاحقة أثبتت عكس ذلك ".

 

ويقول: "إن عدد حالات موت الفجأة التي تحدث في الولايات المتحدة بنحو (300.000) حالة سنوياً ، معظم تلك الحالات كانت بسبب الإدمان على الكحول".

 

كما نشرت مجلة ( لانست ) البريطانية ،وهي من أشهر المجلات الطبية في العالم بعنوان "الشوق إلى شرب الخمر": "إن ما يدعية بعض الأطباء من أن الكحول قد يكون مفيداً إذا ما أخذ بجرعات صغيرة إنما هو محض كذب وهراء ،كما أن الدراسة التي يستندون إليها دراسة غير موثوقة ولا يعتد بها ،وخلاصة القول أن على الأطباء أن يبلغوا رسالة واحدة للناس، وهي أن الكحول ضار بالصحة".

 

ومن الادعاءات قول البعض أن للخمرة قيمةً غذائية نظراً لما يَنْتُجُ عنها من سعرات حرارية عالية.

 

لكن علم الطب اليوم أثبت الآتي:

 

1ـ تقاس القيمة الغذائية للأغذية بما يتولد عنها من سُعرات حرارية وذلك أثناء احتراقها في الجسم، وقد وجد الباحثون أنه عند احتراق جرام واحد من الكحول تتولد نحو(7) سعرات حرارية، لكن العلماء يؤكدون أن الجسم لا يستفيد من تلك السعرات الحرارية الناتجة عن احتراق الكحول ،كما لا يستطيع الجسم أن يحولها إلى طاقة يستفيد منها في أوقات الضرورة ،فقد كان المتوقع ـ كما هو الحال مع بقية الأغذية ـ أن ترتفع درجة الحرارة داخل الجسم عند تزوده بالسعرات الحرارية الناتجة عن احتراق الكحول ،ولكن ما يحدث هو العكس حيث يقوم الكحول بتسريب حرارة الجسم إلى الخارج ـ كما رأينا سابقاً ـ فيتسبب في انخفاضها .

 

2ـ تسبب السعرات الحرارية الناتجة عن احتراق الكحول شعوراً بالشبع وتقلل من الإحساس بالجوع فيصاب المدمن على الكحول بفقدان الشهية ويعاني من أمراض سوء التغذية .

 

3ـ إصابة السكِّير بالغثيان والقيء بشكل مستمر ،كما يحصل له اضطرابات هضمية ترهقه وتمنعه من الأكل بسبب تأخير عملية تفريغ محتويات المعدة إلى الأمعاء .

 

4ـ الاضطرابات في الاستقلاب ،حيث يؤدي اعتلال الكبد الناتج عن إدمان الكحول إلى انخفاض تكوين البروتينات، والأحماض الأمينية كما يؤدي إلى عدم قدرة الكبد على تحويل الفيتامينات من الشكل الخام إلى الشكل النشط .

 

5ـ يقلل الكحول من قدرة الجهاز الهضمي على الامتصاص وذلك لتأثير الكحول المباشر على الأمعاء الدقيقة بالإضافة إلى تسببه في التهاب البنكرياس واعتلال الكبد، لهذا كله فإن العلماء لا يعدون الكحول مصدراً غذائيا ؛لأنه لا يحتوي على العناصر الغذائية الهامة بل يؤدي إلى نقصها من الجسم ومن ثم التأثير المباشر على كل من الكبد والدماغ.

 

ومن الادعاءات أن للكحول القدرة على إدرار البول لمستخدمه في علاج حصى الكلى.

 

 والحقيقة العلمية الطبية القائمة على البحث الدقيق أن الكحول يؤثر على الكلية من خلال تأثيره على الجزء الخلفي للغدة النخامية ،مما يؤدي إلى منعها من إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول ،فيزداد لذلك إدرار البول ، ولكن هل هذا يساعد الجسم على التخلص من الأملاح الزائدة والسموم والحصى ؟

 

الإجابة : " لا " ، بل إن الضرر كبير، والآثار التي تُلحقها الخمر في الكلية هي:ـ

 

1ـ رفع نسبة الدهون في الدم مما يؤدي إلى إرهاق الكليتين في التخلص من الدهون الأمر الذي يؤدي إلى ضعفهما وإصابتهما بالفشل فتتراكم السموم في الجسم .

 

2ـ يزداد طرح المواد الحيوية التي يحتاجها الجسم مع البول مثل الصفائح الدموية وكريات الدم الحمراء والبيضاء والبروتينات وبعض الأملاح .

 

3ـ تصاب الكلية نتيجة الإدمان بالالتهاب المزمن والتشحم نتيجة لتراكم الدهون عليها , كما تصاب بالتليف .

 

ومن الادعاءات أن الخمر تنشط الذهن وتتيح للإنسان أن يعمل ويصبر على المشقة أكثر من غيره.

 

لكن الطب الحديث أثبت أن الجهاز العصبي المركزي ـ ومنه المخ ـ هو أول الأجهزة في الجسم تعرضاً لتأثير الخمر ففي بداية شرب الخمر يشعر المرء بنشوة ونشاط وذلك من خلال توسيع الكحول لأوردة الدماغ ،فتزداد كمية الدم الواردة إليه، مما يؤدي إلى تنبيه مؤقت لا يلبث أن يزول ويتحول إلى خمول وخمود ،فتتأثر من جراء ذلك المراكز العليا في الدماغ والمسئولة عن الوظائف الحيوية في جسم الإنسان مثل الذاكرة والقراءة ، والكلام ، والسلوك ، والحركة وغيرها فيفقد الإنسان آدميته , فيتصرف بلا شعور .

 

 كما تؤثر الخمر تأثيراً مباشراً على المخيخ الذي يقوم بتنسيق حركات العضلات والتوازن ،فيترنح المخمور ويفقد السيطرة على قوامه،أما إذا ارتفعت نسبة الكحول في الدم فإن مركز التنفس في الدماغ قد يتأثر مما يؤدي إلى توقفه ومن ثم الوفاة .

 

ومن الادعاءات أن الخمرة تثير الرغبة الجنسية وتقويها .

 

 ولكن البحوث الطبية أثبتت أن الخمر تتسبب في إثارة الشهوة الجنسية، ولكنها تعطل أداء العمل الجنسي وذلك من خلال الآتي: ـ

 

1ـ تأثيرها على الخصيتين : حيث يتسبب الكحول في ضمورها لدى الذكور فيؤدي إلى انخفاض نسبة إفراز هرمون الذكورة كما يؤدي إلى انخفاض عدد المنويات وتكثر فيها التشوهات.

 

2ـ يؤثر الخمر على الكبد فتزداد نسبة هرمون الأنوثة ، مما يؤدي إلى ظهور الصفات الأنثوية عند الرجل ومن ثم يفقد قدرته الجنسية ، ويصاب بالعنَّة ، وضعف الباءة .

 

3ـ تتأثر الأعصاب المغذية للجهاز التناسلي مما يؤدي إلى ضعف الانتصاب ، ومن ثم فقدان القدرة الجنسية للسكير.

 

4ـ المواد المضافة التي ُتكسب الخمرة الطعم اللاذع مثل مادة (اللويولين) تستخدم طبياً كمضاد للباءة حيث تُخَفض من الرغبة الجنسية .

 

أما المرأة التي تشرب الخمر فإنها تصاب بما يلي:ـ

 

1ـ ضمور المبيض مما يؤدي إلى العقم .

 

2ـ اضطرابات في الحيض .

 

3ـ بلوغ سن اليأس في سن مبكرة .

 

4ـ تصاب بعض أنسجة الثديين بالانحلال كما تنخفض كمية الحليب عند الرضاعة ،  وهذا ما نص عليه تقرير الكلية الملكية للأطباء في بريطانيا الصادر في عام 1987م بعنوان"شرٌ عظيم ومتفاقم " ما يلي: "إن الاستمرار في تعاطي الكحول يؤدي إلى خلل كبير في الوظائف الجنسية عند الرجل والمرأة وذلك بسبب التأثير المباشر للكحول على الخصيتين والمبيضين وجزء تحت المهاد من الدماغ والغدة النخامية المسئولة عن إفراز الهرمونات الجنسية التي تحفز كلاً من الخصيتين والمبيضين ".

 

أضرار الخمر على أجهزة الجسم

 

تأثير الخمر على العينين:

 

1ـ يؤثر شرب الخمر على الأعصاب المغذية لعضلات العين مما يؤدي إلى فقدان المدمن تحريك عينية ويؤدي في النهاية إلى الإصابة بازدواجية الرؤية .

 

2ـ يجد شارب الخمر صعوبة في متابعة أي شيء متحرك أمامه ، كما يقول الدكتور"أنتوني آدم" ـ أستاذ البصريات بجامعة كاليفورنيا _ : " إذا نحن حركنا شيئاً أمام شارب الخمر بسرعة فإنه يجد صعوبة في متابعته ، كما أن إلقاء الضوء بشكل كثيف على السائق المخمور تجعل قدرته على الإحساس بالضوء ضعيفة مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة حوادث الطرق عند شاربي الخمور" .

 

3ـ إذا صنع الخمر من الكحول الميثيلي فإنه يكون سماً ناقعاً للعصب البصري حيث يؤدي إلى ضموره بل قد يؤدي إلى العمى المفاجئ .

 

4ـ يؤثر شرب الخمر على وظائف العين، فيحدث له غشاوة بصرية تـزيد تدريجياً وتحدث اهتزازاً للعين عند القراءة . هذا ما قاله الدكتور "محمد حسنين عمارة" استشاري طب العيون وجراحتها في مؤتمر الطب الإسلامي في باكستان سنة 1405هـ .

 

5ـ يذكر تقرير الكلية الملكية للأطباء النفسيين في بريطانيا لعام 1986م ما يلي :

 

"يحدث تناول الخمر تأثيراً كبيراً في انخفاض حساسية العين لاستقبال الألوان وبخاصة اللون الأحمر , كما تتأثر قدرة العين على التمييز بين الأضواء المختلفة التركيز".

 

 تأثير الخمر على الأذنين:

 

وجد الباحثون أن شرب الخمر يجعل الأذن الداخلية أكثر تحملاً للأصوات الصاخبة من الحالات العادية،وذلك بسبب تخدير الخمر لحساسية الأذن ، لذا نجد أن شارب الخمر يتحمل صوت الماكينات المرتفع وأصوات الموسيقى  الصاخبة ومع الاستمرار في التعرض لتلك المؤثرات يصاب بضعف السمع الذي قد يؤدي إلى الصمم في النهاية .

 

أضرار الخمر على الجلد:

 

بعد دراسة علمية على "355" مدمناً على شرب الخمر ، ودراسة أخرى على نحو"351" مدمناً عليها ، يقول الدكتور" تشالز ويتفيلد " أستاذ الأمراض الباطنية المشارك بجامعة ميريلاند بالولايات المتحدة :" إن تعاطي الكحول يسبب مشكلات جلدية خاصة نتيجة للإدمان كما يزيد من تفاقم الأمراض الجلدية الموجودة أصلاً عند المدمنين كما يتسبب في ظهور أمراض جلدية نادرة "ومن أهم تلك الأمراض:ـ

 

1ـ العد الوردي :

 

حيث يصاب جلد الوجنتين والجبهة والأنف بالاحمرار ثم تظهر حبيبات صغيرة تتحول فيما بعد إلى بثور مؤلمة ,كما تسبب تشوهاً لوجه المريض .

 

 

2ـ داء البروفيرية الجلدية الآجلة :

 

وهذا المرض يتسبب في ظهور فقاعات على الجلد تكون في الغالب على الأطراف وخصوصاً ظهر الكف ..كما يتغير لون الجلد ، ويزداد نمو الشعر في  بعض المناطق مثل الوجه حيث يظهر المصاب وكأنه قد زاد عمره بضع سنين ،كما يصبح الجلد أكثر حساسية تجاه أشعة الشمس ويتأثر بسرعة مع أدنى إصابة ،و ذلك بسبب ترسب مادة (اليورفيرين) في الجلد ، وسبب هذا كله تأثير الخمر على عملية الاستقلاب في الجسم ،وقد وجد أن 90% من المصابين بهذا المرض هم من مدمني الخمر

 

 

 

3ـ داء البلاجرا:

 

وهو مرض خطير ينتج عن نقص نوع من فيتامينات "ب" وهو النياسين الذي يكثر نقصه عند مدمني الخمور ، وتتمثل أعراض المرض في إصابة جلد المريض بالالتهاب والاحمرار ثم تتغير هيئته وخصوصاً الأعضاء الأكثر عرضة للشمس كالوجه واليدين والساقين والقدمين .

 

 

وأول خطوات العلاج من هذا المرض هو الإقلاع عن شرب الخمر .

 

أضرار الخمر على الجهاز العصبي:

 

عندما نتحدث عن الجهاز العصبي نقصد به الجهاز العصبي المركزي الذي يشمل المخ والنخاع الشوكي , كما نقصد معه أيضاً الجهاز العصبي الطرفي الذي يشمل الخلايا العصبية المنتشرة في كل أجزاء الجسم ، وتقدر عدد الخلايا العصبية بنحو(20) ألف مليون خلية عصبية وهي تتميز عن غيرها من خلايا الجسم بأنها إذا أتلفت لا تعوض مرة ثانية.

 

تأثير الخمر على الجهاز العصبي:

 

هو تأثير تخديري وتثبيطي يحدث الآتي:ـ

 

1ـ ضمور خلايا قشرة الدماغ حيث يقوم الكحول بتجميع كريات الدم الحمراء ، والصفائح الدموية والتصاقها ، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تكوين جلطة تسد الأوعية الدموية فيقل دفق الدم والأكسجين إلى خلايا المخ فتصاب بالضمور والموت ، فيفقد المصاب القدرة على تذكر الأحداث كما يتعدى ذلك إلى فقد القدرة على الحكم السليم على الأمور.

 

يقول الدكتور"مالغين كيسلي" ـ أستاذ التشريع بكلية الطب بكارولينا بالولايات المتحدة -: "إن كل كأس من الكحول تؤدي إلى موت بعض خلايا المخ، كما أن الإصابة الدماغية ليست حدثاً يظهر في أواخر أدوار مرضى الإدمان ، بل يبدأ الضرر في الخلايا العصبية عندما يبدأ الشارب كأسه الأول للمرة الأولى، ثم يتراكم الضرر ويزداد مع كل كأس أخرى يشربها"وفي هذا تصديق للحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أسكر كثيره فقليله حرام »(8).

 

وقد قام الدكتور (هانج) من النرويج باستعمال الأشعة المقطعية في تصوير أمخاخ الذين يتعاطون الخمور فوجد أن المخ ينقص بدرجات متفاوتة وذلك لموت كثير من الخلايا أكثرها المتحكمة في التفكير والإرادة والنطق .

 

2ـ السكتة الدماغية"الجلطة الدماغية أو الفالج"

 

يقول علماء الطب: "إن تعاطي الخمور من أهم الأسباب المؤدية للإصابة بالسكتة الدماغية وذلك؛ لأنه يؤدي إلى الإصابة بارتفاع ضغط الدم وتخثر الدم مما يزيد عدد الصفائح الدموية، كما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الدهنيات واضطرابات نظم القلب ، وكل هذه عوامل تؤدي إلى تكون الجلطة الدماغية" .

 

3ـ ضمور خلايا المخيخ .

 

يقوم المخيخ بتنسيق حركات الجسم بالإضافة إلى اشتراكه في المحافظة على توازن الجسم , لكن إصابة هذه الخلايا بفعل الخمر تجعل الشخص لا يستطيع الوقوف إلا ويترنح يميناً وشمالاً كما تظهر رعشة شديدة في اليد والعين .

 

4ـ اعتلال الأعصاب الطرفية .

 

يؤدي تعاطي الخمر إلى تحلل في محاور الخلايا العصبية فيفقد المدمن الإحساس بالحرارة والبرودة والألم في أطرافه مع ضعف في المنعكسات العصبية الأمر الذي يؤدي بالمريض إلى عدم استطاعته الوقوف مع آلام يفقد معها الراحة والاستقرار، كما تتأثر حركة الفم عند الكلام وعند البلع ويظهر وجه المريض وكأنه قد جمع إلى جهة واحدة ، وخصوصاً عند الكلام أو التبسم .

 

 

  أضرار الخمر على القلب والأوعية الدموية

 

أثبتت البحوث العلمية بأن تعاطي الخمر يجعل القلب يستقطب الدهون من الدم كما يحفز خلايا القلب لتكوين هذا النوع من الدهون بنفسها فيكثر بذلك مخزون القلب من الدهون .

 

كما أن الخمر يساعد على امتصاص الدهون من الأمعاء فيؤدي إلى ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم الأمر الذي يؤدي إلى تصلب الشرايين حيث تتجمع الدهون وبخاصة الكوليسترول على جدران الأوعية الدموية ،فتضيق مجاري الدم وتكوِّن جلطة دموية ،فلا يحصل العضو على كمية الدم التي يحتاجها فيصاب بالاحتشاء ثم الموت.

 

 

 كما أن تعاطي الكحول ولو مرة واحدة يؤدي إلى انسحاب عنصري البوتاسيوم والفوسفات من خلايا عضلة القلب مما يزيد من تركيز الصوديوم داخل هذه الخلايا الأمر الذي يؤدي إلى اختلال في نظم القلب قد يكون بعضها مميتاً كما أنها تعتبر من أهم أسباب موت الفجأة ، كما تصاب عضلة القلب عند المدمنين على الخمور بالاعتلال، وهو عبارة عن ضعف واسترخاء تتوسع على إثره حجرات القلب وخصوصاً البطين الأيسر مما يؤدي إلى انخفاض قدرته على ضخ الدم إلى بقية أجزاء الجسم فيؤدي إلى ضعف الحركة وضيق التنفس وأحياناً يشعر بآلام في الصدر وقد تضطرب ضربات قلبه ، وقد تكون النهاية بإصابة القلب بما يعرف بالهبوط الاحتقاني فتتجمع السوائل في رئتي المريض ويكبر حجم كبده وتتورم قدماه .

 

 

 

 

أضرار الخمر على الجهاز التنفسي:

 

الجـهاز التـنفسي في الإنـسان يتكون من:

 

الأنف، البلعـوم، الحنـجرة، القصبة الهوائية، الرئتان .

 

أما تأثير الخمر على الأنف فتـصيبها بالورم الفقاعي حيث يحدث تشوهاً بالغاً قد يحتاج إلى أجراء عملية تجميل.

 

 

أما البلعوم فيؤثر عليه الخمر بتخدير لسان المزمار فلا يستطيع إغلاق الحنجرة بسرعة عند نزول الطعام إلى المريء ولذلك كثيراً ما تحصل للسكران إصابة بالاختناق والسعال الحاد من نزول شيء من الطعام أو الشراب عبر الحنجرة إلى القصبة الهوائية ، كما تتسبب الخمر بإصابة البلعوم بالإلتهابات المتكررة فيصاب بصعوبة في البلع ،وأما الخطير في ذلك فهو دور الكحول في الإصابة بسرطان البلعوم.

 

وأما تأثير الخمر على الحنجرة فهو يؤدي إلى التهابها الحاد بسبب طعم الكحول اللاذع ،كما يصاب بسعال دائم ، وبحة ، وخشونة في صوته وذلك بسبب تورم الحبال الصوتية نتيجة للالتهاب الذي يؤدي في النهاية إلى ضعف مقاومتها تجاه الجراثيم فتصبح فريسة سهلة للجراثيم التي منها بكتريا السل ، وربما أصيب بسرطان الحنجرة .

 

وأما تأثير الخمر على القصبة الهوائية فيتمثل بالآتي :ـ

 

 أ ـ التهاب القصبات المزمن ، حيث يصاب السكير غالب الأحيان ببلغم ، وقد يكون البلغم مخلوطاً بدم أحياناً .

 

ب ـ توسع القصبات ، ويحدث ذلك نتيجة للالتهابات الرئوية وتراكم الإفرازات التي  تؤدي إلى انسداد القصبات ومن ثم تصاب بالإنتانات مما يجعل القصبات تفقد قوامها فتتوسع توسعاً يزيد معه نوبات السعال حدة وتكرراً وخروج بلغم يرافقه الدم .

 

ج ـ هبوط عملية التنفس، وهو عبارة عن فشل عملية النفس والانسداد المزمن وذلك؛ لأن الخمر تؤثر على مراكز التنفس في الدماغ مما يؤدي إلى تثبيطها .

 

كما تتعرض عضلات التنفس للضعف نتيجة لنقص الفوسفات الذي تحتاجه العضلات .

 

وأما تأثير الخمر على الرئتين فقد أثبتت الأبحاث العلمية تأثيره على وظائفها التي منها قدرتها على استيعاب أحجام معينة من الغازات، والسعة الانتشارية .

 

كما يتسبب الخمر في تقليل كمية الأكسجين في الدم ورفع نسبة ثاني أكسيد الكربون لذلك نلاحظ محاولة الرئتين التخلص من هذا السم الخبيث لهذا تشم رائحة الكحول في زفير السكِّير .

 

كما أن الخمر تؤثر على وسائل الدفاع عن الرئتين مما يجعل الجسم أكثر عرضة للإنتانات والأمراض الرئوية الأخرى .

 

كما يتسبب الخمر في نقص الأحماض الدهنية التي تعتبر مصدراً لتكوين الدهون والحويصلات الهوائية فيؤدي إلى تحطيم الهيكل البنيوي للرئتين.

 

كما أن التنفس عند مدمني الخمر يمكن أن يتوقف أثناء النوم ويعود السبب في ذلك إلى تأثير الخمر التثبيطي على الجهاز العصبي .

 

أضرار الخمر على الجهاز الهضمي :

 

يتكون الجهاز الهضمي من الفم مروراً بالبلعوم فالمرئ فالأمعاء وينتهي بفتحة الشرج ويضاف إليه البنكرياس والكبد والغدد اللعابية .

 

ويتسبب شرب الخمر في الآتي :ـ

 

 

أما الفـم فيـسبب تعاطي الخـمور نقص فيتامين "النياسين" فيحدث تقرحات في الفم والتهاب في اللـسان. أما إذا صاحب ذلك نقص في فيتامين" الريبو فلافين" فإن الالتهابات والتشققات في زوايا الفم تظهر عند المدمنين،كما تصاب اللثة بتورم وتصبح الأسنان رخوة ويصبح النزيف منها سهلاً جداً عند فقد فيتامين(ج)،وأحياناً  يظهر مرض الطلوان على اللسان وهي بقع بيضاء تتحول  أحياناً إلى سرطان، وإصابة اللوزتين بذلك.

 

وأما البلعوم: فيتسبب الكحول في إصابته بالالتهاب المنتن الذي يحدث بسبب نقص المقاومة لدى المدمنين مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المصاب كما يشعر بصعوبة في البلع والتنفس الذي قد يؤدي إلى الاختناق .

 

وقد ثبت لدى الباحثين أن تعاطي الخمر مع السيجارة يؤدي إلى الإصابة بسرطان البلعوم والحنجرة

 

وأما المرئ فتؤثر عليه الخمر من نواحي عدة هــي:

 

 

1- الصمام العلوي للمرئ: وهو عـبارة عن مجـموعة من العضلات تقوم بحجز مواد تحاول أن تتسرب من المعدة إلى البلعوم ومن ثم منعها من الوصول إلى الرئتين فتقوم المواد الكحولية بإضعافه .

 

2- الصمـام الســفلي للمرئ يصاب بالضعف فيؤدي إلى مرض المرئ الارتدادي كما يصاب المدمن بضعف في الحركة الدودية للمرئ مما يسبب صعوبة البلع .

 

 

3- التقليل بشكل كبير من كمية اللعاب الذي تفرزه الغدد اللعابية , كما يجعل اللعاب ثخيناً فيشعر المدمن بالغثيان والقيء كل صباح لتراكم المواد المخاطية وإفرازات المعدة .

 

 

كما يحدث عند المتمادين في شرب الخمر وخاصة في الحفلات الساهرة أن المريء يتعرض للتمزق تلقائياً دون معرفة السبب ويعتبر هذا المرض مميتاً إذا لم يتم عمل جراحي لترقيع ذلك التمزق .

 

وأما المعدة فإن شارب الخمر المدمن يصاب بتمزق في الغشاء المخاطي المبطن لمنطقة ما تحت الفؤاد ـ وهي المنطقة الفاصلة بين المرئ والمعدة وتحدث المشكلة عند ما يصاب المدمن بنوبات من القئ الشديد والمستمر والذي يكون في أول الأمر محتوياً على إفرازات المعدة الشديدة ولكن فجأة وبدون سابقة إنذار يتقيأ المريض دماً ، ويكون بشكل غزير ومستمر مع مصاحبة تهوع عنيف .

 

والخطير في هذا المرض أنه يمكن أن يفقد المصاب حياته لشدة النزيف وغزارته ما لم ينقل سريعاً إلى المستشفى ويعطي دماً.

 

أما تقرحات المعدة والالتهابات الحادة فهي تصيب 96% من مدمني الخمور على الأقل نتيجة لتناقص نشاط الإنزيم النازع للهيدروجين .

 

وأما الأمعاء الدقيقة فإن الخمر يزيد من سرعة تقلصها مما يؤدي إلى سرعة مرور المواد المهضومة خلال الأمعاء فلا تتاح الفرصة لعمل الإنزيمات الهاضمة فيقل الامتصاص فيصاب شاربو الخمور بنوبات من الإسهال مما يؤدي إلى الجفاف ونقص كبير في أملاح الجسم مثل البوتاسيوم والمغنسيوم والفوسفات ، كما تصاب جدران الأمعاء وغشاءها المخاطي بالتهتك مما يؤدي إلى تعطيل الاستقلاب وتكوينها للإنزيمات .

 

وأما الأمعاء الغليظة فإن الخمر يصيبها بمرض القولون المتهيج الذي يؤدي إلى اضطرابات في التبرز وأحياناً الإمساك مع وجع في البطن ,كما أنه قد يصاب بسرطان القولون والمستقيم .

 

وأما البنكرياس فتصيبها الخمر بالالتهاب الحاد بنوعية النخري والتورمي ، وتشير الدراسات إلى ارتفاع نسبة الإصابة بسرطان البنكرياس عند المدمنين على تعاطي الخمور كما أنها تقوم بإتلاف خلايا البنكرياس مما يسبب ظهور مرض السكر بكثرة عند المدمنين عليها .

 

وأما الكبد فتأثر عليها الخمر في الآتي:

 

1ـ رفع نسبة الحموضة في الدم .

 

2ـ ارتفاع نسبة حامض (البوليك) في الدم نتيجة لانخفاض معدل إفرازه في الكلية فيصاب المريض بنوبات من داء النقرس .

 

3ـ تراكم الدهون في الكبد نتيجة لانخفاض قدرة الكبد على أكسدة الأحماض الدهنية فيؤدي إلى تشحم الكبد .

 

4ـ تثبيط عملية تكوين السكر في الدهون أو البروتينات مما ينتج عنه نقص السكر في الدم فيؤدي إلى غيبوبة أو موت بسبب التسمم الكحولي .

 

5ـ إصابة الكبد بالتليف ويكون الموت هو الغالب في معظم الحالات.

 

 

 6ـ حدوث يرقان عند المدمنين ينتـج عن تحـطيم كريات الدم الحمراء , كما يحدث له انتـفاخ البطن نتيجة لتراكم السوائل في تجـويف البطن، بسبب نقص بروتين الألبومين الذي يصنعه الكبد واحتباس الصوديوم في الجسم نتيجة لتأثر الكليتين .

 

7ـ ضعف قدرة الكبد على التخلص من السموم مثل مادة النشادر فتتراكم وتؤثر تأثيراً بالغاً في الدماغ فيؤثر على القدرات العقلية والاتزان في السلوك .

 

8ـ ضمور عضلات الجسم نتيجة لنقص البروتينات التي يصنعها الكبد .

 

9ـ يسبب الكحول ترسب الحديد في الكبد مما يؤدي إلى تضخمه وفقدانه لوظائفه الحيوية والأخطر في ذلك كله التحول السرطاني للتليف الكبدي .

 

أضرار الخمر على الجهاز التناسلي:

 

يؤثر الخمر مباشرة على الغدة النخامية التي بدورها تؤثر على الغدد التناسلية مما يؤدي  إلى نقص الهرمونات التي تحفز خلايا الخصيتين حتى تفرز هرمون الذكورة الذي يساعد في تكوين المنويات .

 

أما عند المرأة المدمنة على شرب الخمر فينقص إفراز هرمونات الأنوثة كما يؤدي إلى ضمور في المبيضين وقنواتهما مما يؤدي إلى العقم واضطراب الدورة الشهرية، كما يضعف تعلق الجنين فيكون الإجهاض المستمر مع بلوغ المرأة سن اليأس بوقت مبكر، كما أن للكحول دوراً كبيراً في سرعة انتقال الأمراض الجنسية كالزهري والسيلان والهربس والإيدز .

 

 أضرار الخمر على الحمل والنسل:

 

يتميز الخمر بأن له قدرة فائقة في النفاذ خلال المشيمة ، فيصاب الجنين بمرض يعرف بمتلازمة الجنين الكحولي ويولد الطفل المصاب مشوهاً خلقياً وناقص الوزن ومتخلفاً عقلياً .

 

كما يعيق شرب الخمر إفراز الهرمون الذي بدوره يعيق إدرار اللبن إلى ثدي الأم ، وعودة الرحم إلى وضعها الطبيعي بعد الولادة .

 

أضرار الخمر على الجهاز البولي  :

 

ويتكون الجهاز البولي: من الكليتين، والحالبين، والمثانة، والإحليل .

 

فأما تأثير الخمر على الكليتين فإنه يقوم بمنع إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول الأمر الذي يؤدي إلى التبول المتكرر لدى السكير، كما يؤدي إلى الإصابة بالمغص الكلوي مع ترافق وجود حصى في المسالك البولية.

 

 أما الإحليل  فيتسبب الكحول في إثارة غشائه المخاطي .

 

تأثير الخمر على العضلات والعظام والمفاصل:

 

 

قد تكلمنا عن تأثير الخمـر على عضـلة القلب والعضلات اللاإرادية مـثل المعـدة والأمعاء أمـا العضـلات الإرادية كالـرأس والجـذع والأطراف فإنها تصـاب بالاعتلال الكـحولي الذي يؤدي إلى الآم شديدة مفاجـئة وتورمات تؤدي إلى الإصـابة بالنخر لألياف العـضلات.

 

وأما العظام فقد أثبتت الدراسات أن الخمر يجعلها لينةً وعرضة للكسر في أبسط حادث للمدمن .

 

وأما المفاصل فأول تأثير للخمر عليها الإصابة بداء النقرس حيث يصاب المريض بنوبات وآلامٍ شديدة وخصوصاً مفصل إصبع القدم الكبير ،كما تصاب المفاصل بتشوه بالغ مع مرور الوقت .

 

كما يحدث عند المدمنين لفترات طويلة ما يسمى بداء (مفصل تشاركوت) وهو عبارة عن تخدير للمفاصل المصابة حتى تدمر وتحطم دون أن يشعر المريض .

 

وجه الإعجاز:

 

كان الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعتقدون أن الخمر دواء ينفع لبعض الأمراض , كما ينفع لمقاومة البرد , واستمر هذا الاعتقاد عند غير المسلمين بعد زمن النبوة إلى الثمانينات من القرن العشرين .

 

والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين قبل أربعة عشر قرناً  أن الخمر داء وليست بدواء، وكما أن كثير الخمر مضرٌ  فإن قليله مضرٌ كذلك, وأن شرب الخمر لا ينفع في مقاومة البرد, فلما تقدم العلم اليوم ووصلت أبحاثه إلى الحقائق العلمية الدقيقة أثبت بأن الخمر داء وليست دواء مصداقاً لما أخبر به الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أربعة عشر قرناً من الزمان, فمن أخبره بأن الخمر داء وليست بدواء, وأن قليل الخمر مضرٌ كما أن كثيره مضر, وأن الخمر لا ينفع في جلب الدفء , ومقاومة البرد , بينما المشاهد لظاهر جسم السكران يرى الحرارة .

 

فلا شك ولا ريب أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند العليم الخبير بما خلق ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك14], وهذا مصداقاً لقوله تعالى  ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾  [ص88] , وقوله تعالى ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  [النمل93] , وقوله تعالى ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾  [فصلت53] .

 

والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

 

 

البحث الثاني

 

 

 

الإعجاز التشريعي في فرضية الصلاة

 

 

 

( مختصر من كتاب الاستشفاء بالصلاة للدكتور/ زهير رابح قرامي )

من منشورات هيئة الإعجاز

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وآله وصحابته الغر الميامين:ـ

 

أما بعد: ـ

 

فإن فيما فرض  الله على خلقه وشرع لهم من أحكام وعبادات ، حكماً وأسراراً ومصالح ، تعود على العباد بالخير في الدنيا والآخرة، وقد ذكر أهل العلم أن الأصل في العبادات التعبد بها، وإن لم تدرك أسرارها أو تعرف حِكمُها، إذ الأصل في المسلم أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي تعبداً لله ، وإجلالاً له سبحانه وانقياداً لحكمه .

 

بيد أن من العبادات ما تظهر لنا حكمتها وتعرف أسرارها، فإذا ظهرت للعبد ازداد يقينه، وقوي إيمانه، وعلم أن الله تعالى لا يأمر إلا بما فيه سعادة العباد وصلاحهم في عاجل أمرهم وآجله .

 

وفريضة الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين ، لها من الفوائد البدنية والنفسية والأسرار والحكم الطبية ما يحير ويعجز .

 

وسوف نتحدث عن جانب الإعجاز التشريعي في الصلاة، لكي نبرز الصورة الحقيقية لشريعتنا الغراء، ومدى صلاحيتها لكل زمان ومكان وفي جميع الأحوال لكل الحياة على وجه الأرض وبالخصوص حياة الإنسان.

 

وسوف نقتصر على ذكر بعض الفوائد في الصلاة من حيث شرطها المهم قبل أدائها وهي الطهارة وما تحدثه في جسم الإنسان من صحة ونشاط ونظافة، ثم علاج الصلاة لكثير من الأمراض التي تعاني منها البشرية في هذه الزمان كأمراض آلام الظهر وعلاقة الصلاة في الصغر، وأمراض دوالي الساقين، والأمراض النفسية والعصبية، وتقوية المناعة في جسم الإنسان لمقاومة الكثير من الأمراض الجرثومية وغيرها .

 

الموضوع الأول: الصلاة وأهمية الطهارة لجسم الإنسان:

 

الطهارة ومنزلتها في الإسلام:-

 

قال تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الأنفال11] ، وقال تعالى:  ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر3-4] ,  وقال تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة 108]  وفي الحديث عن أبي مالك الأشعري قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ »(9) تعتبر أمة الإسلام منذ ولادتها أمة النظافة، وأغلب الأمراض الجرثومية والحميات سببها انحدار مستوى النظافة، ولكن منذ أربعة عشر قرناً، وقبل معرفة الجراثيم والطفيليات جاءت تعاليم الإسلام آمرةً بالتحري التام في موضوع النظافة، وهي تسمى في لغة الشرع بـ "الطهارة" وتوجد شواهد على أن الشعوب التي لا تدين بالإسلام بعيدة جداً عن النظافة حتى في العصر الحديث، ومهما كان المستوى المادي ضعيفاً عند المسلمين فظاهرة النظافة موجودة عند الملتزمين منهم بواجباتهم الشرعية. ولو طبق سكان العالم القواعد الأساسية التي أمر بها الإسلام في مجال النظافة، لأمكن اختصار كثير من المتاعب في مجال الوقاية والتوعية الصحية، كما أمكن توفير مبالغ ضخمة في معالجة الأمراض الوبائية المتعلقة بانعدام النظافة .

 

ومن هنا يبدأ الرباط الوثيق بين المحافظة على سلامة الجسم من خلال المحافظة على شعائر الإسلام، فالطهارة عبادة تؤدي إلى عافية الجسم، وهذا من توافق الإسلام مع الفطرة السليمة التي تأنف الأوساخ والنجاسات, وسنرى فيما يلي بالدليل الساطع هذه المنافع التي تحصل للمسلم الملتزم بدينه المحافظ على طهارته:

 

فلقد ثبت علمياً أن من بين العوامل المساعدة على حدوث السرطان هو إهمال بعض النواحي في النظافة الشخصية! كتنظيف الفم وفتحة الشرج والأعضاء التناسلية، كما بين ذلك الدكتور أحمد القاضي في إحدى دراساته (10) .

 

أما عن الفم، فتشير الدلائل إلى أن إهمال العناية بنظافته يزيد من احتمال الإصابة بسرطان  الفم والبلعوم، وأما عن نظافة فتحة الشرج فهي تقي من التهابات قد تصيب هذا العضو من الجسم التي قد  تتطور إلى سرطان القناة الشرجية.

 

وإذا نظرنا إلى الأنف فإن الوضوء له تأثير على نظافته إذ أظهر الفحص المجهري للمزارع الجرثومية من أنوف من لا يصلَّون مستعمرات جرثومية عديدة وبكميات كبيرة كالجراثيم العقدية والعنقودية، أما الذين يتوضئون باستمرار فلم تظهر المزارع عندهم أية مستعمرات من الجراثيم في أنوفهم، فكانت أنوفهم طاهرة نقية.

 

 

 وجه الإعجاز:

 

يظهر وجه الإعجاز جلياً فيما شرعه الإسلام من أحكام وتوجيهات ، تقي الإنسان من كثير من الجراثيم والميكروبات التي لم يكتشفها الناس إلا في هذا العصر ، فمن الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الطرق من النظافة التي تقيهم شر الأمراض وتكافح الجراثيم منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عاماً ؟ إنه الله الخالق العالم بكل شيء سبحانه .

 

الموضوع الثاني : علاقة الصلاة في الصغر وعلاج آلام أسفل الظهر:               

 

التأصيل الشرعي للموضوع :

 

قال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه 132] ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ»(11) .

 

 

التأصيل العلمي:

 

 

 يقول أهل الاختصاص في العظام ما يلي:

 

" إذا بدأ الإنسان في تليـين أسفل ظهره في سن مبكرة، واستمر في هذا التمرين ، وحافـظ عليه أثناء الكبر،فإن فرصتـه في الإصابة بـالآلام الشـديدة والإنـزلاقات الغضـروفية في أسفل الظهر ستتقلص بشكل كبير" (12).

 

 

 

البحث الميداني:

 

أُجريَ بحثٌ ميدانيٌّ على " 188 " شخص من البالغين وقد تم سؤالهم إذا كانوا يشكون من آلام أسفل الظهر أو عرق النسأ، وعن شدة الألم إن وجد، ثم سئلوا عن صلاتهم متى انتظموا فيها ولم يقطعوها؟

 

لقد أثبتت النتائج بشكل قاطع وملحوظ صحة علاقة الصلاة في الصغر في التقليل من آلام أسفل الظهر في الكبر، حيث إن: نسبة 26% ممن بدءوا الصلاة بعد سن الثالثة عشرة يعانون من آلام شديدة أسفل الظهر، وأن نسبة 2.6% فقط من الذين التزموا الصلاة قبل سن العاشرة واستمروا فيها قد عانوا من تلك الآلام ، بينما نسبة الذين لا يصلون ويعانون من تلك الآلام قد بلغت 45% من الحالات ، فهذا فرق شاسع بين نسبة الذين التزموا الصلاة بعد سن العاشرة وبين من التزموها قبل سن العاشرة واستمروا فيها ، فما بالك بالذين لا يصلون؟ فالبون شاسع .

 

وإليك جدولاً يوضح تلك الفروقات كما يلي:

 

 

الذين

لا يوجد آلام

ألم بسيط

ألم شديد

عرق النسأ

التزموا بالصلاة قبل سن العاشرة واستمروا فيها

82 %

15.4 %

2.6 %

لا يوجد

بدؤا الصلاة بعد سن الثالثة عشرة

36 %

16 %

26 %

22 %

لا يصلون

20 %

10 %

45 %

25 %

 

 

قُبِلَتْ هذه الدراسةُ ونوقشت في المؤتمر القطري العالمي الثاني للأطفال في الدوحة في شهر إبريل عام " 2000م " ، وفي المؤتمر الدولي السادس لجراحة الظهر والذي عقد في أنقرة من 4-7 سبتمبر عام " 2002م "، وذلك بإشراف نخبة من أطباء الظهر العالميين ، كما نشرت في مجلة " الظهر " الأوروبية (13)  .

 

ملخص البحث العلمي:

 

" إذا حافظ الإنسان على ميزة مرونة الأربطة والغضاريف الموجودة في الأطفال – أسفل ظهورهم – فهذا سيقلل من نسبة الإصابة بآلام أسفل الظهر والانزلاقات عند الكبر ".

 

من دون العبادات يأمر الإسلام أطفال المسلمين بالصلاة خاصةً في سن مبكرة هي السابعة وعلى أقصى تقدير العاشرة ، وإن في ذلك لدلالة على أن التشريع يتواكب مع أحدث تقنيات العلم الحديث وخاصة الطبية في هذا المجال، ولا عجب من ذلك! فهو دين رب العالمين ، الدين الذي يتوافق مع فطرة الإنسان المنسجمة مع حركة الكون من حوله، فهو دين الشعور والفطرة والعلم ، وفي الركوع بالذات تتعرض الأربطة والغضاريف في أسفل الظهر لعملية تليين على الأقل ( 17 ) مرة يومياً، وذلك أثناء تأدية الصلوات الخمس، ولهذا فإن أطفال المسلمين -لا شعورياً- يحافظون على ليونة هذه الأنسجة ، منذ عمر مبكرة ، وهذا يمنع تسيبها في الكبر وبالتالي يمنع تمزقها ، ويبقى الغضروف آمناً بين الفقرات ، وهكذا تتقلص مشكلة صعبة تعاني منها فئة الكبار من الناس.

 

 

 فيتجلى وجه الإعجاز في أمرين:

 

الأمر الأول: التشريع الإسلامي بالأمر للأطفال بالصلاة والإصرار عليهم بالمحافظة عليها قبل سن العاشرة، حيث التركيز على هذا السن له دلالة علمية، وصحة جسمانية، وشرعة ربانية، تميزَ بها الإسلامُ عن سائر الأديان.

 

الأمر الثاني: أن هذا الأمر الدقيق والبالغ الفائدة والأهمية جاء على لسان رجل أمي، نشأ في بيئة أمية، لم تصل إلى ما وصل إليه العلم اليوم في القرن العشرين، فقد نزل هذا التشريع قبل ألف وأربعمائة عام، مما يدل على أن هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى.

 

الموضوع الثالث: علاقة الصلاة بالوقاية من أمراض دوالي الساقين :               

 

هذا البحث هو أول بحث طبي يربط بين الصلاة كتشريع إسلامي وبين الوقاية من مرض دوالي الساقين ، من خلال دراسة أجراها الباحث على عشرين حالة مصابة بدوالي الساقين وعشر حالات غير مصابة ، كما قام بقياس الضغط الوريدي على ظاهر القدم في خمسة عشر حالة غير مصابة .

 

مرض دوالي الساقين:

 

هو خلل شائع في أوردة الساقين ، يتمثل في ظهور أوردة غليظة ومتعرجة وممتلئة بالدماء المتغيرة اللون ،على طول الطرفين السفليين ، وهي تصيب ما يقرب من 10-20% من البشر.

 

لقد قرر العلماء أن أهم عنصرين رئيسيين ضالعين في تدمير الأوردة السطحية وإبراز دوالي الساقين هما:

 

1- تركيز أعلى قيمة للضغط على جدران الأوردة السطحية للطرفين السفليين عن طريق الوقوف بلا رحمة ولفترات طويلة .

 

2- أن الوريد السطحي المؤهل للإصابة بالدوالي إنما يكون واقعاً من البداية تحت تأثير مرض عام في الأنسجة الرابطة ، يؤدي بدوره إلى إضعاف جدرانه إلى مستوى أقل من نظيره الطبيعي .

 

وبتكاتف هذين العنصرين معاً في شخص ما تكون النتيجة الحتمية هي إصابته بدوالي الساقين .

 

 

علاقة الصلاة بالدوالي:

 

بالملاحظة الدقيقة للحركات المختلفة للصلاة وجدت أنها تتميز بقدر كبير من الانسجام والمرونة، وأعجب أمر: أنه بالقياس العلمي الدقيق للضغط الواقع على جدار الوريد الصافن عند مفصل الكعب، كان الانخفاض الهائل لهذا الضغط أثناء إقامة الصلاة مثير للدهشة وملفتٌ للنظر، فعند المقارنة ما بين متوسط الضغط الواقع على ظاهر القدم حال الوقوف، ونظيره حال الركوع، وجد الأول وقد بلغ ما قيمته " 93.07سم/ماء " ، فيما كان الثاني " 49.13سم/ماء " فقط فالنسبة لا تزيد إلا يسيراً عن الضغط الواقع على جدران تلك الأوردة الضعيفة ، أما متوسط الضغط عند السجود الأول بلغ فقط " 3سم/ماء " – وغني عن البيان أن انخفاضاً لهذا المستوى ليس إلا راحة تامة للوريد من ضغطه طوال فترة الوقوف – أما عند السجود الثاني فكانت القيمة " 1.33سم/ماء ". وهذا الانخفاض للضغط بين السجدتين ربما يكون نتيجة لعملية سحب الدماء من الطاقم السطحي للأوردة إلى الطاقم الأعمق ، لأنه بين كل سجدتين يستقر المرء جالساً في اطمئنان وهدوء .

 

تنشيط الصلاة للمضخة الوريدية الجانبية :

 

حين تنقبض عضلات مؤخر الساق " السمانة" تندفع الدماء بقوة داخل الأوردة العميقة من أسفل إلى أعلى، بينما تقف الصمامات المخترقة الحازمة بالمرصاد لتحول بين هذه الدماء وبين أي تسرب إلى الأوردة السطحية، وهذا يعرف بمضخة " السمانة "، ثم تنبسط عضلات مؤخر الساق فإذا بتحول الضغط فجأة من أعلى صورة إلى ضغط سالب" يمتص " الدماء في سلاسة من الأوردة السطحية إلى العميقة، بينما تسمح الصمامات بمروره في حراستها من الخارج إلى الداخل.

 

فإذا رجعنا إلى الصلاة نجد أننا أمام حركات بالغة المرونة لمعاونة تلك المضخة لا لتؤدي وظيفتها فحسب بل لتضيف إليها من العوامل المقوية لتعزيز عملها على أكمل صورة، فهي تؤدي لهبوط الضغط عقب كل ركعة إلى " 3سم/ماء " فقط بل إلى ما هو قريب من درجة الصفر " 1.33سم/ماء "وهي رحمة عميقة بأولئك المصابين بالدوالي الذين يقضون في أعمالهم وقوفاً بغير انقطاع حوالي " 5-13ساعة " متواصلة في اليوم الواحد .

 

نموذج السجود كحركة من حركات الصلاة وماذا يحدث أثناءها:

 

إنها أخطر حركة في الصلاة بأسرها من جهة خدمة ارتجاع الدماء إلى القلب، وتحت تعليمات دقيقة ومحددة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤدى هذه الحركة على المنوال التالي :

 

- كقاعدة لا استثناء لها، ينبغي أن يؤدى السجود - مثل غيره من حركات الصلاة – على أكمل حالات التؤدة والتأني والاطمئنان.

 

- يتم هذا السجود في فترة زمنية قريبة من تلك التي يقطعها المصلي حال الركوع .

 

- ينبغي أن يطمئن الوجه تماماً في ملاصقته للأرض .

 

-  يبقى الجذع معلقاً ومستقراً في ثبات على أعظم ( الوجه والكفين والركبتين وأطراف أصابع  القدمين المتجهتين إلى القبلة ).

 

-  وهناك نهي صريح عن استراحة الجذع فوق الكوعين أو الزندين – انبساط الكلب – بل على العكس ينبغي أن يبقى الكوعان على أقصى بعدٍ ممكن من الجذع .

 

-  على المصلي أن يتجنب قطعياً انحناء الظهر عند السجود، بل على الظهر أن يبقى مشدوداً بلا عوج، وأما الفخذان فيستقران في الوضع العمودي على الركبتين في حالة شبه استرخاء كامل، أما عن الساقين فكلاهما يرتكن على أطراف القدم التابعة له، فيما يبقى من جهته الأخرى مثبتاً على مفصل الركبة لذات الطرف السفلي.

 

 

 

وإليك وصف سجود النبي صلى الله عليه وسلم:

 

كان صلى الله عليه وسلم: « يسجد حتى تطمئن مفاصله، ويجافي يديه عن جنبيه» (14)، وكان صلى الله عليه وسلم: « يعتمد على كفيه ، ويبسطهما ويضم أصابعهما، ويوجهها قبل القبلة»(15) « وكان يجعلهما حذو منكبيه»(16)، « وكان يمكن أنفه وجبهته من الأرض»(17) « وركبتيه وأطراف قدميه»(18) «ويستقبل بصدور قدميه وبأطراف أصابعهما القبلة »(19) «ويرص عقبيه»(20) «وينصب قدميه»(21) «وكان يفتح أصابعهما»(22)، فهذه سبعة أعضاء كان صلى الله عليه وسلم يسجد عليها: الكفان والركبتان والقدمان والجبهة والأنف، وكان لا يفترش ذراعيه، بل كان يرفعهما عن الأرض ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه، وكان يبالغ في ذلك، وكان يأمر بذلك فقد روى البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: « إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك » (23), وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»(24).

 

التغييرات الوريدية العضلية حال السجود:

 

 

- يتم شد الظهر وتجنب أي انحناء فيه .

 

- يحدث تمدد العنق الارتجاع الوريدي للدماء كما سبق .

 

- انثناء البطن في وضع السجود يتـم بتضافر العضلة البطنية الأمـامية في جدار البـطن مع جاراتها المائلات معها.

 

-  ثنيُ مفصل الفخذ بالعضلة الممتدة في الإلية لأعلى الفخذ .

 

-  انثناء مفصل الركبة ، بينما تعتمد الساق على أطراف الأصابع المنتصبة باتجاه القبلة يعطي حالة من الاسترخاء التام لمجموعات العضلات الواقعة في منطقة الفخذ.

 

-  وكذا في هذا الوضع المتميز للساق ترتاح عضلات السمانة – خلف الساق – وتتراخى تماماً، بينما يساعد الوضع المنحدر من الخلف إلى الأمام إلى تدفق الدماء بمساعدة العون القيم الذي تسديه الجاذبية الأرضية .

 

-  أما مفصل الكعب فيلزم وضع الانثناء الظهري له ، وذلك لثبات القدم على أطراف الأصابع  المستقرة على الأرض .

 

ارتجاع الدماء الوريدية تحت تأثير الجاذبية الأرضية:

 

 

إن أعجب شيء في وضع السجود هو أنه يجعل الدورة الدموية بكاملها تعمل في ذات الاتجاه الذي تعمل به الجاذبية الأرضية، فإن الدماء التي طالما قاست من التسلق المرير من أخمص القدم إلى عضلة القلب، وقد تدافقت منسكبة في سلاسة ويسر من أعلى إلى أسفل.

 

وأخيراً فإن وضع الأقدام منتصبة على أطراف الأصابع أثناء السجود يؤدي إلى انقباض المضخة الوريدية داخل أوعية القدم، مما يزيد في كفاءة ارتجاع الدماء الوريدية .

 

فوائد طبية في السجود:

 

إن حركة السجود تؤدي إلى منافع جمة في تيسير مهمة الارتجاع الدموي صوب القلب على ما يلي:

 

أولاً: توجيه الدورة الوريدية بالجسم عموماً في اتجاه عمل الجاذبية الأرضية.

 

ثانياً: تنشيط المضخة الوريدية في البطن إلى أقصى درجة ممكنة.

 

ثالثاً: سحب الدماء بمضخة الساق إلى الطاقم العميق من أوردة الطرف السفلي.

 

رابعاً: أقصى استخدام لقوة السحب السالب من عضلة القلب جنباً إلى جنب مع سحب الجاذبية الأرضية.

 

الخلاصة:

 

الصلاة تعد عاملاً مؤثراً في الوقاية من دوالي الساقين عن طريق ثلاثة أسباب:

 

الأول: أوضاعها المتميزة المؤدية إلى أقل ضغط واقع على الجدران الضعيفة لأوردة الساقين السطحية.

 

الثاني: تنشيطها لعمل المضخة الوريدية الجانبية ، ومن ثم زيادة خفض الضغط على الأوردة  المذكورة .

 

ثالثاً: تقوية الجدران الضعيفة برفع كفاءة البناء الغذائي بها ضمن دفعها لكفاءة التمثيل الغذائي بالجسم عموماً (25)  .

 

وهذا يدل دلالة واضحة أن تشريع الصلاة - وخاصة ركن السجود منها - يؤثر تأثيراً فعلياً في التخفيف من أمراض دوالي الساقين ، وذلك بإعطاء الساقين الراحة التامة من الضغط اليومي عليها ، فهذا التشريع الإلهي يبرز لنا معجزة الصلاة في علاجها لكثير من هذه الأمراض والأوبئة في هذه الأزمان ، فسبحان الخالق المشرع الرحيم، الذي شرع لنا هذه الصلاة لتعرج قلوبنا إليه فيها، وتنعم بالصحة التامة أجسادنا وضمائرنا، ولتظهر هذه المعجزة العظيمة لأولي الألباب لعلهم يتذكرون وينعمون بهذه الشريعة المعطاءة التي عجزت مناهج البشر أن تأتي بمثلها ، ولن يقدروا إلى ذلك سبيلا ، ولا تزال شريعتنا تبرز معجزاتها جلية وواضحة بحيث لا يملك المنصفون إلا الإذعان لمنهجها والانصياع لأحكامها.

 

الموضوع الرابع : علاقة الصلاة بتقوية المناعة في جسم الإنسان:                   

 

تعريف المناعة:

 

هي مجموعة الوسائل التي تسمح للجسم أن يواجه الكائنات الدقيقة التي تهاجم الجسم من المحيط الخارجي وغيرها، عبر طرق متعددة، ويمكن تصنيف هذه الطرق إلى قسمين هما:

 

1- قسم موجود منذ الولادة: ويسمى " المناعة الموروثة " غير المتخصصة.

 

2- قسم يكتسب المناعة بعد التعرض للجراثيم: وهو موجه ضد كائنات جرثومية محددة، وهذه المناعة تسمى " المناعة المكتسبة أو النوعية " المتخصصة.

 

1- المناعة الموروثة: وهي التي يتمكن الإنسان السليم من خلالها حماية نفسه من الهجمات المحتملة للجراثيم التي تعيش معه في المحيط الخارجي، وهي وسائل حماية موجودة في جسمه منذ الولادة، وهذه المناعة تتكون من عدة عناصر:

 

أ- الحواجز المادية مع إفرازاتها: كالجلد والأغشية المبطنة لتجويف الجسم وإفرازات الغدد الدهنية والعرقية تقتل الجراثيم والفطريات.

 

والإفرازات المخاطية في الجهاز التنفسي تعمل على تعطيل حركة الجراثيم المتجهة إلى الجسم وذرات الغبار والأتربة.

 

وتقلصات الأمعاء تمنع توالد الجراثيم العالقة بالإفرازات المخاطية في الجهاز الهضمي.

 

 والحموضة المنخفضة بالمعدة تقتل الجراثيم، وكذا دموع العين تقتل البكتيريا.

 

ب- التهام الجراثيم وابتلاعها: فعند دخول الجراثيم إلى الجسم تطوقها بشكل سريع خلايا متخصصة بالبلع والهضم لها، وهي " خلايا البلعمة " وأما النسيج المصاب بالجرثومة فتفرز بعض الخلايا القاعدية وغيرها مواد كيماوية تقوم بتوسيع الأوعية الدموية وزيادة تسريب الماء من خلال جدران هذه الأوعية ، ومرور الخلايا الدفاعية البيضاء من الأوعية نحو الأنسجة المتضررة بالجراثيم مما يسبب احمراراً وتورماً وألمَ ما يسمى بالالتهاب الذي يهدف إلى قتل الجراثيم .

 

ج- المناعة المكتسبة المتخصصة:

 

 

 وهي خط الدفاع الثاني بعد الموروثة، فهي لا تواجه الجراثيم إلا بعد التعرف على تركيبها في الهجوم الأول ،فتقوم بخزن المعلومات التي تمكنها من التعرف على الجسم الغريب ومن ثم تقضي عليه وفق ما جمعته من معلومات عنه مسبقاً.

 

وهي تعمل بطريقتين: إفراز مواد قاتلة عن طريق الخلايا اللمفاوية، أو قتل الجراثيم       مباشرة.

 

المناعة النفسية:

 

لقد ثبت علمياً أن التوتر النفسي يدخل فعلاً اضطراباً على المناعة، ومن واقع التجربة تتعكر عدة أمراض مناعية بسبب الشدائد النفسية (26) .

 

وأدت الأبحاث إلى التعرف على العلاقة الدقيقة في بعض هذه الأمراض، وهي علاقة تجمع بين الجهاز العصبي والغدد وجهاز المناعة، وتتمثل استجابة جسم الإنسان إلى التوتر في زيادة نسبة الهرمونات العصبية والغددية.

 

أما الاستجابة المناعية لدى الإنسان المتوتر تتمثل في:

 

1- نقص قدرة الخلايا القتالية الطبيعية على قتل الخلايا والجراثيم الضارة.

 

2- انخفاض الاستجابة التنشيطية لدى الخلايا اللمفاوية إذا ما أثيرت بالاحتكاك مع الجراثيم المنبهة لها.

 

3- الإكثار من إفراز مادة  "الكورتيزول " و " الأدرينالين " اللذين يؤثران على المناعة بشكل مباشر، بحيث يمنع " الكورتيزول " دخول الخلايا البيضاء نحو مكان الالتهاب الجرثومي وعرقلة الخلايا البالعة للجراثيم، ويرفع " الأدرينالينط " من سرعة نبضات القلب فيؤدي التوتر الشديد إلى تثبيط الجهاز المناعي في الجسم عن أداء وظائفه ، مما يسهل ظهور الأمراض الجرثومية والسرطانية .

 

تأثير الصلاة على الجهاز المناعي لدى الإنسان:

 

إن الصلاة تحدث أثراً مهدئاً ومريحاً لنفس الإنسان، وانخفاض التوتر بأداء فريضة الصلاة هو عامل مساعد للوقاية من آثار التوتر السيئة على جهاز المناعة ، ولا يعني ذلك أن المصلين لا يصابون بالتوتر ولكن نقول: إن الصلاة وسيلة مساعدة للوقاية من أمراض التوتر ، إذ هي تساعد المسلم على أن لا ينفعل ، وإذا انفعل تساعده على أن يهدأ في أقرب وقت للصلاة التالية ، فسرعان ما يزول التوتر لقرب مواعيد الصلاة من بعضها ، وأن قوة المسلم تكمن في التحكم في انفعالاته ، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»(27) .

 

إن التوازن والهدوء النفسي الذي تحدثه سلسلة متعاقبة من فروض الصلاة تجعل الجهاز العصبي لدى الإنسان يعمل في راحة واعتدال ، وبالتالي فإنه لا يتعرض لحالة نفسية منفرطة في القلق والتوتر .

 

وهذا يصون جسمه من مضرة الإفراز المتزايد للمواد المثبطة لعمل جهاز المناعة ، فلا يسمح لعدد كبير من الأمراض المناعية من الانتشار والغزو لجسمه ، مما يجعل حياة الإنسان هادئة ومريحة وبعيدة عن التوترات (28)  .

 

والحمد الله رب العالمين

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

إعداد :

أحمد بن حسن الفقيه

مطهر أحمد الحزمي

منصور محمد عباس

علي عمر بلعجم

 

المراجعة للموقع: أحمد السنامي

علي عمر بلعجم31 /7/2006م.

 

--------------

(1) - أخرجه البخاري في صحيحه 4/1905, برقم:4696.

(2) - أخرجه البخاري في صحيحه 4/1910، برقم : 4707.

(3)- أخرجه الترمذي في سننه 3/589, برقم: 1295, وصححه الألباني في مشكاة المصابيح 2/127, برقم: 2776.

(4) - أخرجه مسلم 3/ 1573, برقم: 1984.

(5) - أخرجه أبو داود 2/353, برقم: 3683, وصححه الألباني في مشكاة المصابيح 2/332, برقم: 3651.

(6) -  أخرجه أبو داود 2/400, برقم: 3874, وضعفه الألباني في غاية المرام 1/59, برقم: 66 .

(7)-  أخرجه البيهقي 10/5, برقم: 19463, وقال الألباني : صحيح موقوف على ابن مسعود  غاية المرام 1/36, برقم: 30.

(8)- أخرجه أبو داود 2/352, برقم: 3681, وصححه الألباني في غاية المرام 1/53, برقم: 58.                 

(9)- أخرجه مسلم  1/203, برقم: 223 .

(10)- أوجه الارتباط بين القيم الإسلامية والإصابة بالسرطان ص 710, د . أحمد القاضي وآخر، نشرة الطب الإسلامي – أبحاث المؤتمر عن

     الطب الإسلامي، الكويت: 1402.

(11)- أخرجه أبو داود 1/187, برقم: 495 , وقال الألباني : إنه حسن صحيح , أنظر صحيح أبي داود 1/97, برقم: 466,   .        

(12) -  مجلة الإعجاز العلمي العدد ( السادس عشر ) رجب 1424هـ, ص 46.

(13)- مجلة الإعجاز العلمي العدد ( 16 ) ص 49. الحاشية 1

 "European Spine Journal: August 2002; Volume 11; Number 4; 400"   

(14) -  أخرجه أبو داود 1/ 288, برقم: 857, وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/161, برقم: 763.

(15)- أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 171, برقم: 2932, وصححه الألباني في صفة الصلاة 1/ 141

(16) - أخرجه مسلم 1/300.

(17) -  أخرجه البيهقي 2/102, برقم:  2478 , وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/162, برقم: 764.

(18) - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 2/ 180, برقم: 2974 , وصححه الألباني في صفة الصلاة 1/ 142.

(19)-أخرجه النسائي 2/222, برقم: 1130, وصححه الألباني في صفة الصلاة 1/ 142.

(20) - أخرجه البيهقي 2/116, برقم: 2552, وصححه الألباني في صفة الصلاة 1/ 142.

(21) -  أخرجه البيهقي 2/ 116, وصححه الألباني في صفة الصلاة 1/ 142.

(22)-  أخرجه البيهقي 2/ 116, برقم: 2551, وصححه الألباني في صفة الصلاة 1/ 142.

(23) - أخرجه مسلم 1/356, برقم: 494.

(24)- أخرجه البخاري 1/383, برقم: 788, ومسلم 1/ 355, برقم: 493.

 (25) - معجزة الصلاة في الوقاية من مرض دوالي الساقين ص95, د. توفيق علوان. ط1، دار الوفاء، المنصورة ( 1988م) عن كتاب الاستشفاء بالصلاة " دراسة حول الفوائد الصحية للصلاة على ضوء العلم الحديث " تأليف د.زهير رابح قدامي، إشراف د. عبد الله بن عبد العزيز المصلح " أمين هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة " كتاب صادر عن: المجلس الأعلى العالمي للمساجد، هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة( 18)، الطبعة الأولى (1417هـ-1996م).

(26)- كتاب الاستشفاء بالصلاة ص185، حاشية رقم 3.

(27)- البخاري 19/72, برقم 5649, ومسلم 4/2014, برقم: 2609.

(28) - كتاب الاستشفاء بالصلاة ص/  179-192.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
القرارات والتوصيات
الأثنين 18 فبراير 2013

الدورة الأولى لندوة تقوية الإيمان وزيادته

 

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد :

فقد انعقدت الدورة الأولى لندوة تقوية الإيمان وزيادته في جامعة الإيمان بصنعاء في الفترة من 1-3/5/1425هـ الموافق 19-21/6/2004م ، وحضرها العشرات من الباحثين ، والمئات من المشاركين ، والضيوف من أنحاء اليمن من سائر الجماعات الإسلامية ، فصائل العمل الإسلامي .

 

وكان الافتتاح في اليوم الأول بكلمات كل من الشيخ / عبد الوهاب الديلمي مدير جامعة الإيمان ، الذي رحب بالحاضرين ، والشيخ/ عبد المجيد الزنداني رئيس جامعة الإيمان ، ورئيس اللجنة التحضيرية للندوة، والذي أشار في كلمته إلى أهمية الندوة، وما أعدته للجنة التحضيرية، وإلى جدول أعمال الندوة ، إضافة إلى كلمة عن الضيوف ألقاها الشيخ / أحمد بن حسن المعلم .

 

ثم توزع الباحثون ، والمشاركون على القاعات الثلاث للندوة خلال اليومين الأول والثاني، وتم عقد ثلاث جلسات في اليوم ، في كل قاعة ، ونوقش ما يقرب من أربعين بحثاً في محاور متنوعة تناولت موضوعات عديدة في تقوية الإيمان وزيادته بصورة مباشرة وغير مباشرة.

 

وفي اليوم الثالث والأخير كان الاختتام . وقد عاهد الحاضرون جميعاً الله تبارك وتعالى على السعي وبذل الجهد لنشر الإيمان والعمل على تقويته وزيادته في أنفسهم وفي غيرهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .

 

واتفقوا على القرارات والتوصيات التالية:

 

أولاً : قرر المجتمعون أن تكون هذه الندوة سنوية ويكون الانعقاد لهذا العام هو الدورة الأولى لها .

 

ثانياً : قرر المجتمعون تكوين هيئة من العلماء تكون مهمتها الإشراف على تنفيذ قرارات وتوصيات الندوة كما يكون من مهمتها تشكيل لجنة لمتابعة أنشطة الندوة والأجهزة التي تتبعها ، وتكون اللجنة تحت إشراف الهيئة ، كما تضاف إلى الهيئة المهمات الأخرى الخاصة بها الواردة في القرارات والتوصيات ، وتم اختيار المجتمعين للهيئة على النحو التالي:

 

1) الشيخ : محمد بن إسماعيل العمراني .

2) الشيخ : عبد الرحمن بكير .

3) الشيخ : عمر أحد سيف .

4) الشيخ : حمود عباس المؤيد .

5) الشيخ : عبد المجيد الزنداني.

6) الشيخ : عبد الوهاب الديلمي .

7) الشيخ : ياسين عبد العزيز .

8) الشيخ : الشيخ : حميد قاسم عقيل.

9) الشيخ : حسن مقبول الأهدل .

10) الشيخ : أحمد حسن المعلم .

11) الشيخ : عبد الله فيصل الأهدل .

12) الشيخ : الشيخ : محمد الصادق .

13) الشيخ : أمين علي مقبل .

14) الشيخ : سالم عبد الله الشاطري .

15) الشيخ : صالح صواب .

 

وقد فوض المجتمعون الهيئة في اختيار البديل لمن يتخلف من أعضاء الهيئة .

ومن حق الهيئة الاستفادة من أهل الاختصاص في أي مجال من المجالات.

 

ثالثاً : قرر المجتمعون العمل على إنشاء مركز للبحوث والدراسات الإيمانية تشارك فيه جميع الجماعات والمؤسسات الإسلامية تحت إشراف الهيئة.

 

رابعاً : قرر المجتمعون أن تتم دراسة تجارب وطرق كبار العلماء والأئمة المعاصرين في تجديد الإيمان وتقويته كالشيخ/ محمد إلياس ، والشيخ  حسن البنا، والشيخ  أبي الحسن الندوي ، والشيخ ابن باز.

 

خامساً : قرر المجتمعون أن يكون من مهمات الهيئة السعي إلى لم شمل العلماء والدعاة وإصلاح ذات بينهم ، ومناقشة قضايا العمل الإسلامي المختلف فيها كتحديد ضوابط البدعة والغلو ومناقشة قضايا المرأة وغير ذلك والعمل على إيجاد الحلول وإصدار الفتاوى اللازمة في ذلك .

 

سادساً : أوصى المجتمعون بما يلي:

1- إعادة مجالس العلم الإيمانية في جامعة الإيمان ، وأن تقام مجالس العلم الإيمانية في المساجد .

2- العمل على تدريس الإعجاز العلمي في المدارس والجامعات ضمن دروس الإيمان الأخرى .

3- العمل على إنشاء فرع لهيئة الإعجاز العلمي .

4- استمرار التواصل مع قادة العلوم الحديثة من غير المسلمين ومن المسلمين الرواد في هذه العلوم فيما يخدم الإعجاز العلمي.

5- العمل على تكوين لجنة من المختصين لتبسيط مواضيع القدر ومواضيع نواقض الإيمان وضوابط وموانع التكفير وغيرها من قضايا العقيدة ونشر ذلك للناس .

6- العمل على إنشاء موقع في الإنترنت خاص بندوة تقوية الإيمان وزيادته .

7-  العمل على تشكيل لجنة من العلماء وأهل الاختصاص والتجار للسعي لإنشاء مركز إعلامي لإنتاج البرامج الإعلامية الإسلامية ونشرها لكافة القنوات ومنها القناتان في اليمن والعمل على تقديم النصح للقائمين عليهما والعمل على إنشاء قناة فضائية للتعليم الشرعي والتوعية الدينية ونشر الثقافة الإسلامية والإسهام في تقوية الإيمان وزيادته.

8- دعوة القنوات الفضائية لإخراج أبحاث الإعجاز العلمي بطرق فلمية موثقة ومشوقة بالتعاون بين العلماء والإعلاميين .

9- مواصلة أبحاث الإعجاز العلمي وتطويرها .

10- إعادة صياغة التعليق على الأفلام العلمية الكونية بما يربطها بالإيمان بـ ( لا إله إلا الله ).

11- دراسة الأبحاث المقدمة للندوة من قبل لجنة من العلماء تتشكل من أعضاء من اللجنة العلمية التي سبق أن أجازت البحوث ومن غيرهم لإقرار هذه البحوث ثم نشرها باسم الندوة .

12- السعي لإقامة مرصد للنظر في آفاق الكون والتفكر في آيات الله .

13- تقديم الشكر للباحثين الذين قدموا أبحاثاً للندوة سواء التي تمت مناقشتها في الندوة أو التي لم تتم مناقشتها .

 

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: