الغسل
الأحد 27 يناير 2013

الغُسُل

مقدمة:

من المواضيع التي ألفها المسلم وغفل عنها أيما غفلة غير المسلم موضوع الغسل الذي أمرنا به الخالق سبحانه وتعالى، ولعلنا نبين في هذا البحث المتواضع أهميته والحكمة من تشريعه ووجه الإعجاز فيه؛ ليكون مناراً في طريق المؤمنين الراغبين في نيل الرضوان من الرب الرحيم وزيادة في اليقين أن هذا القرآن إنما هو من الله سبحانه أنزله على لسان رجل أمي اختاره الله لما رأى أنه خير الخلق أجمعين ليبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يهتدون.

تعريف الغسل لغة واصطلاحاً:

الغسل لغة: الغِسل -بالكسر- فهو اسم لما يغسل به من صابون ونحوه، والغَسل - بالفتح اسم للماء فإذا قلت: غِسل - بكسر الغين - كان معناه الصابون ونحوه مما يغسل به وإذا قلت: غَسل -بفتح الغين- كان معناه الماء الذي يغتسل منه(1).

الغسل اصطلاحاً: وأما معناه في الشرع فهو استعمال الماء الطهور في جميع البدن على وجه مخصوص(2)، قوله: في جميع البدن خرج به الوضوء فإنه استعمال الماء في بعض أعضاء البدن.

كيفية الغسل:

الغسل الواجب هو أن يفيض الماء على جميع بدنه أو ينغمس فيه مع المضمضة والاستنشاق والدلك لما يمكن دلكه، ولا يكون شرعياً إلا بالنية لرفع موجبه، ويندب تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين ثم التيامن(3).

الآيات الواردة في الغسل:

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: 43].

وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: 6].

الأحاديث الواردة في الغسل:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده»(4).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»(5).

موجبات الغسل:

الموجبات هي الأسباب التي توجب الغسل بحيث لا يجب على غير المكلفين فعله. إلا إذا تحقق واحد منها وهي ست أمور:

1. إيلاج رأس عضو التناسل في قبل أو دبر فبمجرد هذا الإيلاج وجب الغسل سواء نزل مني ونحوه أو لم ينزل.

2. نزول المني من الرجل أو المرأة.

3. نزول المني حالة النوم ويعبر عنه بالاحتلام فمن احتلم ثم استيقظ من نومه فوجد بللاً في ثيابه أو على بدنه أو على ظاهر قبله فإنه يجب عليه أن يغتسل إلا إذا تحقق أن ذلك البلل ليس منياً، أما إذا شك في كونه منياً أو مذياً أو غيرهما فإنه يجب عليه الغسل سواء تذكر أنه تلذذ في نومه بشيء من أسباب اللذة أو لم يتذكر.

4. دم الحيض أو النفاس وهذا القدر متفق عليه في المذاهب فمن رأت دم الحيض أو دم النفاس فإنه يجب عليها أن تغتسل عند انقطاعه، ومن النفاس الموجب للغسل الولادة بلا دم.

5. موت المسلم.

6. من موجبات الغسل أيضاً: إسلام الكافر وهو جنب(6).

وظائف الجلد:

قبل الحديث عن فوائد الغسل أو الحكمة من تشريع الغسل بالنسبة للمسلمين لا بد لنا من وقفة نتطرق فيها إلى وظائف الجلد التي حباها الله تعالى لهذا العضو المهم من جسم الإنسان فضلاً عن المنظر الذي يعطيه هذا الجلد للجسم حيث يقوم بتغطية اللحم والشحم والعروق والمفاصل والعظام، ولا حاجة لذكر ما لو لم يكن هذا الجلد موجوداً كيف يكون منظر هذا الإنسان؟!!.

حيث وهب الله تعالى الجلد وظائف هامة، فهو وما يفرزه من طلاء دهني يقي البدن ويحفظه من المخرشات الآلية والجرثومية، فهو حصن الدفاع الأول ضد الجراثيم، وفيه غدد عرقية تفرغ العرق وخاصة أيام الحر مما يعمل على التوازن الحراري في البدن، ويطرح عدداً من السموم الداخلية عن طريق التعرق فيساعد بذلك عمل جهاز البول ويخفف من أعبائه، والجلد هو عضو حاسة اللمس والتي تجعل البدن على اتصال بما يحيط به، هذه الوظائف التي يؤديها الجلد تجعل من نظافته والحرص على سلامته من الأمور الهامة جداً لصحة البدن.

ومما تقدم يمكننا أن نلخص وظائف الجلد بما يلي:

1. يقوم الجلد بوظائف هامة فهو يقي البدن ويحفظه من المخرشات الآلية والجرثومية بما يفرزه من طلاء الجراثيم.

2. وهو حصن الدفاع الأول ضد الجراثيم.

3. ويعمل على التوازن الحراري في البدن بما فيه من غدد عرقية هامة كما يطرح عدداً من السموم الداخلية عن طريق العرق فيساعد بذلك على عمل جهاز البول ويخفف من أعبائه.

4. والجلد هو عضو الحس والإحساس يجعل البدن على اتصال بما يحيط به.

إن تراكم المفرزات العرقية والدهنية وما ينضم إليها من الغبار والأوساخ والملوثات المهنية يؤدي إلى سد المسام الجلدية مما يعيق وظائفه ويضر بالبدن ضرراً بالغاً، علاوة على تعرض الجلد نفسه للالتهابات الجرثومية والفطرية وانبعاث الروائح الكريهة منه، تلك الرائحة التي لا يمكن إخفاؤها بالتأنق والزينة وإنما بالنظافة التامة التي يحفظها الاغتسال المتكرر والتي تضمن رونق الجلد ورائحته الطبيعية.

من هنا نرى عظمة الإسلام في تعدد المناسبات التي أوجب فيها على المسلم أن يغتسل أو التي ندب فيها الغسل، محافظة منه على صحة الفرد والمجتمع(7).

الحكمة في الاغتسال من الجنابة:

لقد جاء في الحديث: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»(8).

قال العلماء: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار إلا بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحبوب فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات(9).

وكلما التزم المؤمن بأوامر ربه كان أكثر عرضة للمكاره التي حف الله بها جنته الطيبة والبعيدة من كل خبيث، ومن هنا نفهم لماذا كان الغسل شاقاً على الكثير؟ حيث أودع الله فيه من المنافع ما يفوق المكاره ولكن لا يتوصل إلى منافعه إلا بارتكاب المكاره التي حف بها خاصة في أيام البرد.

ونذكر هنا فوائد جمة للغسل ولعل أولها هو امتثال الأمر الشرعي واستحضار النية الصادقة لذلك مما يترتب عليه من الأجر العظيم الذي لا يمكن أن يتصوره عقل في مقابل عمل بسيط يعود بالنفع على صاحبه أولاً وآخراً، ثم ما يستفيده المغتسل من منافع صحية يمكن أن نلخصها بما يلي:

إن الدين الحنيف يأمرنا بالوضوء بعد البول والغائط بينما يأمرنا بالغسل بعد إنزال المني أو التقاء الختانين بين الرجل وامرأته، كما ورد في الحديث: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل»(10).

إن وراء ذلك حكمة جلية وواضحة وهي أن البول والغائط ينتهي بالاستنجاء وذلك بزوالهما عن مكانهما، أما في حالة الجنابة فقد تبين ومن خلال الأبحاث المتقدمة والحديثة أن العلاقة الجنسية (الجماع) وقذف المني يؤدي إلى فتور وارتخاء يعلل طبياً بوهن شديد في الأعصاب.

حيث أنه وعند وصول الزوجين إلى القذف واللذة وبحصول توسع في الأوعية الدموية المحيطة مما يؤدي بصاحبه إلى فقدان قسط كبير من نشاطه العقلي والفكري وإن الاغتسال عندها ينبه الشبكات العصبية الحسية لتوقظ الجهاز العصبي من سباته وليسترجع بذلك حيويته ونشاطه كما ينشط الدورة الدموية ويعيد إليه توازنه، إذ أنه يتسبب عن اللقاء الجنسي وهن نفسي ورغبة في النوم وعملية الغسل تفيد تنشيط الجسم والروح ويحس المغتسل بالبهجة والانشراح والفرح والسرور(11).

ذلك أن العملية الجنسية يزداد فيها إفراز مادة الأدرينالين فتتسارع ضربات القلب وتزيد سرعة التنفس ويرتفع ضغط الدم، وهذه الأشياء تصل إلى ذروتها عند القذف فيفقد الإنسان 6 كيلو سعرة حرارية في الدقيقة لمدة 30 ثانية هي فترة قمة اللذة كما يفقد حوالي 4،5 كيلو سعرة حرارية في الدقيقة بعد الوصول إلى قمة اللذة فمعنى ذلك أن العملية الجنسية عبارة عن بذل مجهود عضلي ويستتبعها خمول وكسل جسمي ولا يعيد النشاط إلى الجسم بعد هذا الفتور إلا الغسل(12).

كما أن الإنزال يسبب إفرازات في جميع أجزاء الجسم خاصة الثنايا نتيجة للافرازات التي تفرزها الغدد العرقية الموجودة تحت الإبط وحول السرة وحول الأعصاب التناسلية وإذا تركت هذه الافرازات اللزجة على الجسم فإنها تلتصق بالملابس ثم تأتي البكتريا فتحللها وتخرج رائحة غير مستحبة وفي الواقع أن هذا النوع من الغدد تبدأ افرازاتها عند البلوغ(13).

قال الدكتور الراوي: إن وجوب الاغتسال بعد الجماع يقلل من خطر الإفراط الجنسي والذي يؤدي بصاحبه إلى الإنهاك والمرض فإن التفكير في الاغتسال والإعداد له يجبر المرء على الاعتدال في طلب اللقاء الجنسي ويحفظ بذلك قدرته وحيويته لعمر مديد وتدعو التوجيهات الصحية إلى الاغتسال عقب كل مجهود عضلي كبير وبعد التمرينات الرياضية الشاقة فالاغتسال يزيل آثار الجهد العضلي(14).

إن جلد الإنسان يحتوي على بكتريا توصل إليها علماء الميكروبات وبشكل خاص البكتريا السبحية التي تسبب الكثير من الأمراض عندما تضعف قدرة مقاومة الجلد بسبب إهمال النظافة وعدم الاستحمام، وتسبب الفطريات التي تهاجم الجلد عند ضعف مقاومة مجموعة الأمراض المعروفة باسم التينيا منها ما يصيب الرأس ومنها ما يصيب الفخذين ومنه ما يصيب اليدين أو القدمين، فالإنسان إذا مكث فترة طويلة دون استحمام فإن إفرازات الجلد المختلفة من دهون وعرق تتراكم على سطح الجلد محدثة حكة شديدة وهذه الحكة بالأظافر التي غالباً ما تكون غير نظيفة تدخل الميكروبات بالجلد كذلك فإن الافرازات المتراكمة هي دعوة للميكروبات كي تتكاثر وتنمو(15).

فحكمة الغسل عظيمة حيث تنشط الجسم وتعيد إليه حيويته ولم تكتف الشريعة السمحة ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم بالحض على الاغتسال فقط من الجنابة بل حث الرسول الكريم على الاستحمام ولو لمرة واحدة في الأسبوع فسن لنا سنة الاستحمام أو الاغتسال لصلاة يوم الجمعة -والأحاديث في ذلك كثيرة- حفاظاً على نظافة الجسم ونقاء الجلد، وفيما يلي تلخيص لما تقدم من فوائد الغسل عموماً ومن تقييده عقب الجماع بشكل خاص:

1. إزالة الافرازات العرقية والدهنية من الجلد.

2. إزالة الغبار والأوساخ العالقة بالجلد.

3. إزالة رائحة العرق الكريهة.

4. وقاية الجلد من الميكروبات والجراثيم السطحية عن طريق الغسل.

5. تنشيط الجسم وإعادته لحالته الطبيعية بعدما يفتر بسبب اللقاء الجنسي.

وجه الإعجاز:

إن مما يأخذ بالألباب أن ينكشف لك لغز بعد حين وقد أمضيت زماناً تقلبه وتنظر فيه فتعجز عن حله أو الإجابة عليه، والأعجب من ذلك أن يكون من أجاب عن ذلك هو رجل أمي عاش قبل ألف وأربعمائة عام حين لم تكن هناك أي إمكانية من أسباب الإجابة، نعم هذا هو تماماً ما يحصل في ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين تنكشف لنا أسراره في هذا الزمان أو قبله بقليل وقد ظن الناس أنهم قادرون عليها وإذا بالخبر والأمر قد حفظه الله لنا منذ ذلك الزمن من غير تبديل ولا تحريف.

أمرنا ربنا بالغسل في الكتاب العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: 43].

وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: 6]، ثم أمرنا رسوله بالغسل: «حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده»(16)، ثم يأتي العلم بعد زمن طويل ليعرف الحكمة من ذلك، فما أعجب القرآن وما أروعه، إنه الحق الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]، فلله الحمد القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

جمع وترتيب: قسطاس إبراهيم النعيمي

___________________________

(1) الفقه على المذاهب الأربعة1/ 85.

(2) المرجع السابق.

(3) الدراري المضية 1/ 60.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 582، برقم: 849.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 293، برقم: 820.

(6) الفقه على المذاهب الأربعة1/ 87.

(7) الطب منبر الإسلام، تأليف الدكتور قاسم سويدان، أخذا من موقع:

http://www.amaneena.com

(8) أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 2174، برقم: 2822.

(9) شرح النووي على مسلم 17/ 165.

(10) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 271، برقم: 349.

(11) ينظر الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية، د. أحمد مصطفى متولي، ص: 103.

(12) الإعجاز الطبي في القرآن والسنة، ص: 75.

(13) المرجع السابق.

(14) الطب منبر الإسلام د. قاسم سويدان، أخذاً من موقع -باختصار وتصرف-:

http://www.amaneena.com

(15) الإعجاز الطبي في القرآن والسنة، ص: 72.

(16) رواه مسلم برقم: 849، ينظر صحيح مسلم، 2/ 582.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: