مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز التشريعي
   
تحريم أكل لحم الجوارح
تحريم أكل لحم الجوارح
عادل الصعدي
الأحد 27 يناير 2013

تحريم أكل لحم الجوارح

مقدمة:

جاء ذكر كثير من الحيوانات في نصوص الشريعة الإسلامية، ووردت لها أوصاف جوهرية وتقسيمات متعددة، ومن هذه التقسيمات ما يحل أكله وما لا يحل أكله، فنجد أن الشريعة قد تناولت ذكر ما يحل أكله، وجاء ذلك بأساليب متنوعة، منها ما يكون على سبيل الامتنان به على البشر، ومنها ما يأتي التصريح بحله وجواز أكله، وأخبرت الشريعة بنصوص أخرى عن حيوانات لا يحل أكلها في مقابل التي يحل أكلها، ومن هذه الحيوانات المحرم أكلها الجوارح -وهي كل ما كان له ناب من السباع أو مخلب من الطيور-، ولم يكن هذا التحريم خالياً من الحكمة والمنفعة - وهذا شأن كل الأحكام في الشريعة الإسلامية- بل هو تشريع محكم تقبله المسلمون بالامتثال والطاعة فامتنعوا عن أكل هذه المحرمات، ثم جاءت الاكتشافات العلمية الحديثة لتؤكد الأضرار الوبيلة المترتبة على تناول هذه المحرمات (الخبائث)، ليتجدد بذلك وجه الإعجاز في هذه الرسالة الإلهية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم نوراً وهدىً للناس.

وفي هذا البحث سنعرج على النصوص التي حرمت تناول هذا النوع من الحيوانات، مع بيان نبذة من أقوال أهل العلم فيها، ثم نتوّج ذلك بإظهار التطابق والتوافق بين هذه النصوص وبين ما توصل إليه العلم الحديث في مراكز ومواطن البحث العلمي ليتجلى بذلك وجه الإعجاز في هذا التشريع المحكم.

النصوص التي حرمت أكل الجوارح:

جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير»(1).

وجاء من طريق آخر التصريح بأن النهي متعلق بأكلها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السبع وعن كل ذي مخلب من الطير»(2).

وعن أبي ثعلبة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع»(3).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام»(4).

وعن المقدام بن معد يكرب: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا لا يحل ذو ناب من السباع»(5).

قال صاحب اللسان: "والسَّبُعُ يقع على ما له ناب من السِّباعِ ويَعْدُو على الناس والدوابّ فيفترسها مثل الأَسد والذِّئْب والنَّمِر والفَهْد وما أَشبهها"(6).

وقال أيضاً: "وفي الحديث أَنه نهى عن أَكل كل ذي ناب من السباع وهو ما يفترس الحيوان ويأْكله قهراً وقَسْراً كالأَسد والنَّمِر والذِّئب ونحوها"(7).

وقال أيضاً: "الخِلْبُ الظُّفُر عامَّةً، وخَلَبَه بظُفُرِه يَخْلِبُه خَلْباً جَرَحَه وقيل خَدَشَه، وخَلَبه يَخْلِبُه ويَخْلُبه خَلْباً قَطَعَه وشَقَّه، والمِخْلَب ظُفُرُ السَّبُعِ من المَاشِي والطَّائِرِ وقيل المِخْلَب لِمَا يَصِيدُ من الطَّيْرِ والظُّفُرُ لِمَا لا يَصِيدُ، ولِكلِّ طائر من الجَوارِحِ مِخْلَبٌ ولكُلّ سَبُعٍ مِخْلَبٌ وهو أَظافِيرهُ، والمِخْلَبُ للطَّائِرِ والسِّباعِ بمنزلة الظُّفُرِ للإِنْسانِ، وخَلَب الفَريسَة يَخْلِبُها ويَخْلُبها خَلْباً أَخَذَها بِمِخْلَبهِ، والخَلْبُ مَزْقُ الجِلْدِ بالنَّابِ، والسَّبُع يَخْلِبُ الفَريسةَ إِذا شَقَّ جِلْدَها بنابِه أَو فَعَلَه الجَارِحَةُ بِمِخْلَبِهِ"(8).

وقال ابن حجر في الفتح: "والمخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح اللام بعدها موحدة وهو للطير كالظفر لغيره لكنه أشد منه وأغلظ وأحد فهو له كالناب للسبع"(9).

ومن هذه الأحاديث نعلم أن هذه الحيوانات من التي يحرم أكلها، قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو قول عبد الله بن المبارك والشافعي و أحمد و إسحق"(10).

وبوب النووي لهذه الأحاديث فقال: "باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير"(11)، وقال: "قوله: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وفي رواية كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) المخلب بكسر الميم وفتح اللام، قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان.

في هذه الأحاديث دلالة لمذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود والجمهور أنه يحرم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وقال مالك يكره ولا يحرم، قال أصحابنا المراد بذي الناب ما يتقوى به ويصطاد، واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...﴾ [الأنعام: 145].

واحتج أصحابنا بهذه الأحاديث قالوا والآية ليس فيها إلا الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرماً إلا المذكورات في الآية ثم أوحى إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع فوجب قبوله والعمل به"(12).

وقال الشوكاني: "وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور"(13).

أضرار تناول لحم الجوارح في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة:

أثبت علم التغذية الحديثة أن الشعوب تكتسب بعض صفات الحيوانات التي تأكلها لاحتواء لحومها على سميات ومفرزات داخلية تسري في الدماء وتنتقل إلى معدة البشر فتؤثر في أخلاقياتهم. فقد تبين أن الحيوان المفترس عندما يهم باقتناص فريسته تفرز في جسمه هرمونات ومواد تساعده على القتال واقتناص الفريسة.

ويقول الدكتور (س.ليبج) أستاذ علم التغذية في بريطانيا: "إن هذه الإفرازات تخرج في جسم الحيوان حتى وهو حبيس في قفص عندما تقدم له قطعة لحم لكي يأكلها"، ويعلل نظريته هذه بقوله: "ما عليك إلا أن تزور حديقة الحيوانات مرة وتلقى نظرة على النمر في حركاته العصبية الهائجة أثناء تقطيعه قطعة اللحم ومضغها، فترى صورة الغضب والاكفهرار المرسومة على وجهه، ثم ارجع ببصرك إلى الفيل وراقب حالته الوديعة عندما يأكل وهو يلعب مع الأطفال والزائرين، وانظر إلى الأسد وقارن بطشه وشراسته بالجمل ووداعته".

وقد لوحظ على الشعوب آكلات لحوم الجوارح أو غيرها من اللحوم التي حرم الإسلام أكلها أنها تصاب بنوع من الشراسة والميل إلى العنف ولو بدون سبب إلا الرغبة في سفك الدماء. ولقد تأكدت الدراسات والبحوث من هذه الظاهرة على القبائل المتخلفة التي تستمرئ أكل مثل تلك اللحوم إلى حد أن بعضها يصاب بالضراوة فيأكل لحوم البشر، كما انتهت تلك الدراسات والبحوث أيضاً إلى ظاهرة أخرى في هذه القبائل وهي إصابتها بنوع من الفوضى الجنسية وانعدام الغيرة على الجنس الآخر فضلاً عن عدم احترام نظام الأسرة ومسألة العرض والشرف، وهي حالة أقرب إلى حياة تلك الحيوانات المفترسة، حيث إن الذكر يهجم على الذكر الآخر من القطيع ويقتله لكي يحظى بإناثه إلى أن يأتي ذكر آخر أكثر شباباً وحيوية وقوة فيقتل الذكر المغتصب السابق وهكذا.

ولعل أكل الخنزير أحد أسباب انعدام الغيرة الجنسية بين الأوربيين وظهور الكثير من حالات ظواهر الشذوذ الجنسي مثل تبادل الزوجات والزواج الجماعي، ومن المعلوم أن الخنزير إذا ربي ولو في الحظائر النظيفة فإنه إذا ترك طليقاً لكي يرعى في الغابات فإنه يعود إلى أصله فيأكل الجيفة والميتة التي يجدها في طريقه، بل يستلذ بها أكثر من البقول والبطاطس التي تعوّد على أكلها في الحظائر النظيفة المعقمة، وهذا هو السبب في احتواء جسم الخنزير على ديدان وطفيليات وميكروبات مختلفة الأنواع فضلاً عن زيادة نسبة حامض البوليك الذي يفرزه والذي ينتقل إلى جسم من يأكل لحمه. ومما هو جدير بالذكر أن آكلات اللحوم تعرف علمياً بأنها ذات الناب التي أشارت إليها الأحاديث الشريفة؛ لأن لها أربعة أنياب كبيرة في الفك العلوي والسفلي، وهذا لا يقتصر على الحيوانات وحدها بل يشمل الطيور أيضاً إذ تنقسم إلى آكلات العشب والنبات كالدجاج والحمام، وإلى آكلات اللحوم كالصقور والنسور، وللتمييز العلمي بينهما يقال: إن الطائر آكل اللحوم له مخلب حاد ولا يوجد هذا المخلب في الطيور المستأنسة الداجنة، ومن المعلوم أن الفطرة الإنسانية بطبيعتها تنفر من أكل لحم الحيوانات أو الطيور آكلة اللحوم إلا في بعض المجتمعات التي يقال عنها إنها مجتمعات متحضرة أو في بعض القبائل المتخلفة كما سبق أن أشرنا. ومن الحقائق المذهلة أن الإسلام قد حدد هذا التقسيم العلمي ونبه إليه منذ أربعة عشر قرنا من الزمان(14).

ومما ظهر حديثاً من الأمراض الفتاكة مرض (سارس) الذي اجتاح الصين وجنوب شرق آسيا، وانتقل إلى مناطق أخرى في العالم، حتى أحدث ذعراً هائلاً لكل الناس. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أنه نتيجة لأكل لحم الجوارح والكلاب، وذلك بحسب ما أعلن. فتحت عنوان: "السارس سببه إقبال الصينيين على أكل القطط والكلاب البرية"، قال علماء من الصين وهونج كونج أن الفيروس المسبب للالتهاب الرئوي اللانمطي (سارس) قد يكون انتقل إلى البشر من حيوانات سنور (قطط) الزباد وكلاب الراكون. وذكر راديو الصين نقلاً عن العلماء أن خمسة من ضمن عشرة تجار حيوانات تم فحصهم في إقليم جوانج دونج جنوبي الصين وجد لديهم فيروس السارس، ويعتقد أن المرض نبع من إقليم جوانج دونج على حدود هونج كونج. إلا أن خبير منظمة الصحة العالمية بوب دايتز قال أن التعليق على النتائج التي توصل إليها الباحثون "سابق لأوانه"،وصرح دايتز: "إن احتمال انتقال العدوى عن طريق الحيوان كان احتمالا قائماً.

ولا يزال التعليق على ذلك سابقاً لأوانه"، وقال أن ارتباط الفيروس بالحيوانات كان في مخيلة الكثيرين حينما زار خبراء منظمة الصحة العالمية أسواقاً محلية وتحدثوا مع مسئولين في إقليم جوانج دونج في الشهر الماضي، وأضاف أن الخبراء يجب مع ذلك أن يطلعوا على التقرير المفصل الذي أعده الباحثون قبل تقييم النتائج التي خلصوا إليها. وأذاع راديو الصين نقلاً عن شوانج شيسيونج رئيس وحدة مكافحة الأمراض في مدينة شينتجين في إقليم جوانج دونج أن نتائج تحليل العينات التي أخذت من ثلاثة من ضمن ستة من قطط الزبّاد أظهرت أنها تحمل بوادر فيروس سارس، وألغت مدينة شينتجين جميع تراخيص تجارة الحيوانات.

وقال عالم الأحياء المجهرية بجامعة هونج كونج (يوين كووك يونج) للصحفيين أن الباحثين عزلوا حمى تاجية لها علاقة بالسارس في حيوانات قطط الزباد، ولكن الخوف من انتشار السارس عن طريق الحيوانات الأليفة جعل السلطات في بكين والمدن الأخرى تأمر بجمع القطط والكلاب الضالة والحيوانات الأخرى وتقتلها. كما دفع أصحاب الحيوانات الأليفة إلى التخلي عن حيواناتهم، وذكر الصندوق الدولي لرعاية الحيوانات في موقعه على الانترنت أن الذعر من السارس دفع بالمئات من مالكي القطط والكلاب في بكين إلى التخلي عن حيواناتهم خوفاً من أن تكون هي مصدر المرض القاتل، وطبقاً لإحصاءات منظمة الصحة العالمية فإن السارس قضى على نحو 700 شخص، وأصاب بالعدوى أكثر من ثمانية آلاف آخرين في أنحاء العالم(15).

وجه الإعجاز:

مما سبق رأينا مدى الخطورة المتمثلة في تناول لحوم الحيوانات الجارحة وآكلة اللحوم، وأن له آثاراً سلبية على صحة البشر، وقد حرمت هذه اللحوم بكل أشكالها في الشريعة الإسلامية، وأحل لنا غيرها من اللحوم الطيبة التي لا تعود بالضرر على الإنسان، بل تعود عليه بالنفع والفائدة. وفي هذا سبق لكل هذه الاكتشافات، فقد جاء التحريم لتناول هذه اللحوم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، وذلك على لسان نبي أميّ لم تتوفر له أبسط الوسائل لاكتشاف الضرر في هذه اللحوم.

وكل هذه أدلة على مراعاة الإسلام للصحة العامة، فقد جاءت الشريعة -كما يقرر كل العلماء- لجلب المصالح ودفع المفاسد في الدارين، وما خاب من اتبع هذه التعاليم السمحة.

إعداد/ عادل الصعدي.

مراجعة: علي عمر بلعجم.

15/ 4/ 2007م.

____________________

(1) صحيح مسلم 3/ 1534، برقم: 1934.

(2) سنن أبي داوود 2/ 383، برقم: 3803، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/ 1282، برقم: 12815.

(3) صحيح البخاري 5/ 2103، برقم: 5210، وصحيح مسلم 3/ 1533، برقم: 1932.

(4) صحيح مسلم 3/ 1534، برقم: 1933، وسنن النسائي 7/ 200، برقم: 4324.

(5) سنن أبي داوود 2/ 383، برقم: 3804، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 7/ 71، برقم: 2870.

(6) لسان العرب 8/ 146.

(7) المصدر السابق 8/ 146.

(8) المصدر السابق 1/ 363.

(9) فتح الباري لابن حجر 9/ 657.

(10) جامع الترمذي 4/ 74.

(11) شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 82.

(12) المرجع السابق.

(13) نيل الأوطار للشوكاني 8/ 189.

(14) الإعجاز العلمي في الإسلام للدكتور محمد كامل عبد الصمد، ص83.

(15) علة تحريم أكل الجوارح وكل ذي ناب، نقلاً عن:

http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=331

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: