الإعجاز التشريعي في الصيام
مقدمة:
كتب الله تعالى صيام شهر رمضان على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعله الركن الرابع من أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، وأوضح الله تعالى في كتابه أن هذا الحكم ليس من مما اختصت به هذه الأمة المحمدية، فهو حكم افترضه تعالى علينا وعلى الأمم من قبلنا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
يقول ابن كثير: "يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الآية وآمراً لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48](1).
ولم يقتصر الأمر على صيام الفرض، فقد جاءت النصوص العديدة لحث المؤمنين على صيام النوافل على مدار العام، وجاء التأكيد على هذا المعنى في مواعيد دورية كالاثنين والخميس من كل أسبوع، والأيام البيض من كل شهر، والستة الأيام من شوال كل عام، ويوم عرفة وعاشوراء، وما هذا إلا لبيان أهمية هذه العبادة. وقد اشتمل الصيام على العديد من الفوائد والحِكم سواءاً كانت بدنية أو روحية أو اجتماعية. وسنحاول في هذا البحث أن نستعرض جملة من هذه الفوائد؛ لإظهار عظمة التشريع الإسلامي، وللتأكيد على أهمية هذه العبادة العظيمة.
تعريف الصيام:
الصيام في اللغة: هو الإمساك والامتناع، قال القرطبي: "ومعناه في اللغة: الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال، ويقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى مخبرا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: 26]، أي سكوتاً عن الكلام، والصوم: ركود الريح وهو إمساكها عن الهبوب، وصامت الدابة على آريها: قامت وثبتت فلم تعتلف، وصام النهار: اعتدل، ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ومنه قول النابغة:
(خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما)، أي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة كما قال: (كأن الثريا علقت في مصامها)، أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل، وقوله: (والبكرات شرهن الصائمة)، يعني التي لا تدور"(2).
والصيام في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات(3).
مكانة الصيام في الإسلام:
للصيام مكانة كبيرة في الإسلام، وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: هو الصيام الواجب، وهو صيام شهر رمضان المبارك، وهذا القسم هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وقد أجمع العلماء على وجوبه على كل مسلم مكلف، وجاء الترخيص في فطره لطائفة من الناس يسميهم العلماء ذوي الأعذار، وهم من ليست لهم قدرة على صيامه أو أنهم يستطيعون ذلك ولكن مع دخول المشقة عليهم، فرخص لهؤلاء في الفطر ثم القضاء أو أداء الكفارة أو القضاء والكفارة معاً على تفصيل يرجع إليه في كتب الفقه.
القسم الثاني: صيام النافلة أو التطوع، وهو صيام مشروع ولكنه غير واجب، فمن قام به على جهة الاختيار حصل له كثير من الثواب والأجر، ومن لم يقم به فلا إثم عليه.
ومما سبق نجد أن الإسلام لم يقتصر الأمر على صيام الفريضة بل جاء الندب إلى صيام النافلة، واعتبار ذلك من فضائل الأعمال، وقد جاء في فضل الصيام - بنوعيه الفريضة والنافلة- الكثير من النصوص، منها:
1- قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]، والخير اسم تفضيل - على غير قياس -وهو الحسن لذاته، ولما يحقق من لذة أو نفع أو سعادة، فالصيام حسن لذاته، ولما يحققه للمؤمن من المنافع واللذة الروحية والسعادة في الدنيا والآخرة.
ومعنى: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي فضيلة الصوم وفوائده. وهذه المنافع والفوائد متحققة لكل مكلف من الأصحاء المقيمين، والذين يصومون بلا مشقة زائدة من أهل الرخص الذين يستطيعون تناول وجبتي الفطور والسحور كالأصحاء، ولا يوجد بحث علمي- فيما أعلم- أجري على الصائمين الأصحاء في الظروف الطبيعية إلا وأفاد أحد أمرين: إما عدم تأثير الصيام على وظائف الأعضاء ومكونات الجسم بأي قدر يشكل خطورة على الجسم أو يسبب ضرراً محققاً على معظم الأمراض، أو أنه يظهر فائدة جلية في بعض هذه الوظائف، أو يحسن بعض مكونات الجسم ووظائف الأعضاء في الشيخوخة، أو أثناء الحمل، أو الرضاعة أو أثناء السفر، بل وأثبتت الأبحاث بأن الصيام يساعد في شفاء بعض الأمراض. وبذلك يظل في الصيام خير لمعظم المرضى، والمسافرين، والمطيقين للصيام، ويكون محققاً لهم من الفوائد والمنافع الشيء الكثير الذي لا يعلمونه.فالصيام للمرضى والمسافرين والمطيقين هو الأولى والأنفع، ما لم تضعف النفس عن تحمل المشقة، أو يصيبها أو يصيب الجسد ضرر محقق: ففي الأولى تكون الرخصة، وفي الثانية تكون العزيمة ويتعين الإفطار، وبهذا قال بعض أهل التفسير وجمهور الفقهاء(4).
2- ومن الأحاديث في ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان»(5).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»(6). وهذه الأحاديث في صيام الفريضة.
ومن الأحاديث التي ترغب في الصيام عموماً ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه»(7).
وفي رواية البخاري: «يترك طعامه، وشرابه، وشهوته، من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها»(8).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد»(9).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً»(10).
ومما جاء في صيام النافلة خصوصاً والحث عليه، ما جاء في صيام الست من شوال، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر»(11)، ومن ذلك صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله»(12).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام»(13).
ومن ذلك أيضاً صيام يوم عرفة واليوم العاشر من ذي الحجة (عاشوراء)، فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»(14).
وجاءت أحاديث أخرى ترغب فئة من الناس في الصيام، هذه الفئة هي فئة الشباب الذين لا يستطيعون الزواج مع حاجتهم له، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(15)، و(الباءة) هي: النكاح، وقيل هي مؤن النكاح أي تكاليف الزواج(16)، والجمع بين المعنيين أولى والله أعلم، ومعنى (فإنه له وجاء): الوجاء هو رضّ الخصيتين، والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة ويقطع شر المني كما يفعله الوجاء(17).
يسر الصيام الإسلامي وسهولته:
تشير الدراسات العلمية المحققة في وظائف أعضاء الجسم أثناء مراحل التجويع، إلى يسر الصيام الإسلامي وسهولته، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] وفي تفسير الآية قال الرازي: "إن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر، وما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ما أوجب هذا القليل على المريض ولا على المسافر"(18)، كما يتجلى يسر الصيام الإسلامي في إمداد الجسم بجميع احتياجاته الغذائية، وعدم حرمانه من كل ما هو لازم ومفيد له، فالإنسان في هذا الصيام، يمتنع عن الطعام والشراب فترة زمنية محدودة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وله حرية المطعم والمشرب من جميع الأغذية والأشربة المباحة ليلاً، ويعتبر الصيام الإسلامي بهذا تغييراً لمواعيد تناول الطعام والشراب فحسب، فلم يفرض الله سبحانه الانقطاع الكلي عن الطعام لمدد طويلة، أو حتى لمدة يوم وليلة، تيسيراً وتخفيفاً على أمة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وقد تجلى هذا اليسر بعد تقدم وسائل المعرفة والتقنية في هذا العصر. فقد قسمت المراجع الطبية التجويع إلى ثلاث مراحل: مرحلة مبكرة، ومتوسطة، وطويلة الأجل. وتقع المرحلة المبكرة بعد نهاية فترة امتصاص آخر وجبة (أي بعد حوالي 5 ساعات من الأكل) وحتى نهاية فترة ما بعد الامتصاص والتي تتراوح مدتها حوالي 12 ساعة، وقد تمتد إلى 40 ساعة عند بعض العلماء، في هذه الفترة يقع الصيام الإسلامي كما يقع في فترة امتصاص الغذاء، وهذه الفترة من الانقطاع عن الطعام آمنة تماماً بالمقاييس العلمية، فالجلوكوز هو الوقود الوحيد للمخ، والدهون لا تتأكسد بالقدر الذي يولد أجساماً كيتونية بالدم أثناء هذه الفترة، كما لا يستهلك البروتين في إنتاج الطاقة بالقدر الذي يحدث خللاً في التوازن النتروجيني في الجسم. مما حدا ببعض العلماء أن يسقط فترة ما بعد الامتصاص من مراحل التجويع أصلاً، وهذه الحقيقة تجعل الصيام الإسلامي متفرداً في يسره وسهولته عكس مراحل التجويع الأخرى(19).
ومن خلال عرض الحقائق السابقة، ندرك أن مدة الصيام الإسلامي والتي تتراوح من 12-16 ساعة في المتوسط، يقع جزء منها في فترة الامتصاص، ويقع معظمها في فترة ما بعد الامتصاص، ويتوفر فيها تنشيط جميع آليات الامتصاص والاستقلاب بتوازن، فتنشط آلية تحلل الجليكوجين، وأكسدة الدهون، وتحللها وتحلل البروتين، وتكوين الجلوكوز الجديد منه، ولا يحدث للجسم البشري أي خلل في أي وظيفة من وظائفه، فلا تتأكسد الدهون بالقدر الذي يولد أجساماً كيتونية تضر بالجسم، ولا يحدث توازن نتروجيني سلبي لتوازن استقلاب البروتين، ويعتمد المخ البشري، وخلايا الدم الحمراء، والجهاز العصبي، على الجلوكوز وحده للحصول منه على الطاقة بينما التجويع أو الصيام الطبي - القصير والطويل منه - لا يقف عند تنشيط هذه الآليات، بل يشتد حتى يحدث خللاً في بعض وظائف الجسم. يعتبر الصيام الإسلامي تمثيلاً غذائياً فريداً، إذ يشتمل على مرحلتي البناء والهدم، فبعد وجبتي الإفطار والسحور، يبدأ البناء للمركبات الهامة في الخلايا، وتجديد المواد المختزنة، والتي استهلكت في إنتاج الطاقة، وبعد فترة امتصاص وجبة السحور، يبدأ الهدم، فيتحلل المخزون الغذائي من الجليكوجين والدهون، ليمد الجسم بالطاقة اللازمة، أثناء الحركة والنشاط في نهار الصيام؛
لذلك كان تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم وحثه على ضرورة تناول وجبة السحور، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة»(20)؛ وذلك لإمداد الجسم بوجبة بناء تستمر لمدة 4 ساعات، محسوبة من زمن الانقطاع عن الطعام، وبهذا أيضاً يمكن تقليص فترة ما بعد الامتصاص إلى أقل زمن ممكن، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تعجيل الفطر حيث قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»(21).
وتأخير السحور فقد روى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قيل: كم كان بينهما؟ قال خمسون آية»(22).
وهذا من شأنه تقليص فترة الصيام أيضاً إلى أقل حد ممكن، حتى لا يتجاوز فترة ما بعد الامتصاص ما أمكن، وبالتالي فإن الصيام الإسلامي لا يسبب شدة، ولا يشكل ضغطاً نفسياً ضاراً على الجسم البشري، بحال من الأحوال. وبناء على هذه الحقائق يمكننا أن نؤكد أن الذي يتوقف أثناء الصيام، هو عمليات الهضم والامتصاص، وليست عمليات التغذية، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية، وتحصل على جميع احتياجاتها اللازمة لها، من هذا المخزون بعد تحلله، والذي يعتبر هضماً داخل الخلية، فيتحول الجليكوجين إلى سكر الجلوكوز، والدسم والبروتينات إلى أحماض دهنية وأحماض أمينية، بفعل شبكة معقدة من الإنزيمات، والتفاعلات الكيمائية الحيوية الدقيقة، والتي يقف الإنسان أمامها مشدوهاً معترفاً بجلال الله وعلمه، وعظيم قدرته وإحكام صنعه(23).
الصيام على مر العصور:
عرف الصوم على الماء منذ قديم الزمان، ففي مرجع طب التبت الكبير(تشجودشي) في القرن السادس قبل الميلاد خصص فصل كامل تحت عنوان: (العلاج بالطعام والعلاج بالصوم).
وفي مصر القديمة وبشهادة هيرودوت (450 قبل الميلاد) تبين أن المصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، كما أنهم نجحوا في علاج مرض الزهري بالصوم الطويل، ولاحظ هيرودوت أنهم كانوا - أيامها وربما بسبب ذلك الصوم - أحد أكثر الشعوب صحة.
وفي اليونان القديمة صام الفيلسوف الحكيم أبيقور (القرن السادس قبل الميلاد) أربعين يوماً قبل أن يؤدي الامتحان الكبير في جامعة الإسكندرية لشحذ قواه العقلية وطاقة الإبداع عنده(24).
ولعل أبوقراط -القرن الخامس قبل الميلاد- أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية. وفي عهد البطالسة كان أطباء الإسكندرية ينصحون مرضاهم بالصوم تعجيلاً للشفاء(25).
أما سقراط (470-399 قبل الميلاد) فكان يصف للمرضى في أحرج المراحل أن يصوموا وكان يقول عن عمل الصوم: (كل إنسان منا في داخله طبيب وما علينا إلا أن نساعده حتى يؤدي عمله).
ثم جاء الروماني جالينوس في القرن الثاني الميلادي وأوصى بالصوم كعلاج لكل أعراض (الروح السالبة) وكان يعني بذلك حالات الحزن وفقد الحب وفرط التوتر.
ومن أوربا العصر الوسيط انتقل مشعل الطب والحكمة إلى ركن في إمبراطورية الإسلام حيث أعلاه الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا (780-1037 ميلادية) ولم يتنازل عن الصوم كدواء بل كان مفضلاً لديه ويقول (إنه الأرخص) ويصفه للغني والفقير ويعالج به الزهري والجدري وأمراض الجلد(26).
أي أنه بعد انتشار الإسلام وممارسة الصيام الإسلامي عند كثير من الأمم تبين فضل هذا الصيام وفوائده، فوصف الطبيب المسلم (ابن سينا) الصوم لمعالجة جميع الأمراض المزمنة، ووصف الأطباء المسلمون في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي صوم ثلاثة أسابيع للشفاء من الجدري، ومرض الداء الإفرنجي (السيفلس)، وخلال احتلال نابليون لمصر جرى تطبيق الصوم في المستشفيات للمعالجة من الأمراض التناسلية.
وفي عصر النهضة في أوروبا، أخذ علماؤها يطالبون الناس بالحد من الإفراط في تناول الطعام وترك الانغماس في الملذات والشراب، ويقترحون الصوم للتخفيف من الشهوات الجامحة، وفي ألمانيا وجد الطبيب (فريدريك هوفمان 1660-1842 م) أن الصوم -يقصد به التجويع المتواصل وهو ما يعرف بالصيام الطبي- يعين على معالجة داء الصرع والقرحة والسرطانات الدموية والساد(27) الذي يصيب العينين وأورام اللثة ونزيفها والقرحة الجفنية، كما أعلن أنه ينصح المريض في أي مرض كان ألا يأكل شيئا(28).
وفي روسيا توصل الأطباء إلى نتيجة مماثلة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين... فلقد تقدم الدكتور (بيترفينيا مينوف) من جامعة موسكو بتقرير نشر في سنة 1769م نصح فيه المرضى بالتوقف الكلي عن الطعام أثناء فترة المرض... وعلل ذلك بقوله: "إن الصوم يعطي المعدة فترة راحة تمكن المريض من الهضم بشكل مناسب عندما يتعافى، ويعود إلى الأكل ثانية"، بعد ذلك أعلن الدكتور(ب. ج. سباسكي) الأستاذ في جامعة موسكو، عن النجاح في معالجة (الحمى الراجعة) بالصوم، وقال: "إن الصوم يسمح بحدوث المعالجات المتزايدة في داخل الجسم، دون تدخل من الخارج، وهذا في الحقيقة علاج للأمراض المزمنة". وفي القرن التاسع عشر أعلن الطبيب الروسي (زيلاند) أن الصوم قد أثر إيجابياً على الجهاز العصبي للمريض، كما أثر تأثيراً لا بأس به على هضمه ودمه بوجه عام، وكتب قائلاً: إن الصوم يسمح للجسم بأن يرتاح ثم يستأنف نشاطه الطبيعي بقوة متجددة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية بدأ الاهتمام بالصوم باعتباره علاجاً للمرضى منذ القرن الماضي، فقد عالج الدكتور (إدوارد ديوي) قبل قرن بالصوم كلاً من الاضطرابات المعدية والمعوية، وداء الاستسقاء، والالتهابات العديدة، بالإضافة إلى الضعف والترهل الجسدي... وكان يري أن الراحة من الطعام -وليس الطعام- هي التي ترمم الجهاز العصبي، في حين أن الطعام -بالنسبة للمريض- يسبب توتراً شديداً بقدر التوتر الذي يسببه العمل المتعب، ويؤكد على أن الطعام خلال المرض يصبح عبثاً على المريض. هذا وقد انتشرت المصحات الطبية التي تعالج الأمراض بالصوم في كثير من بلدان العالم الشرقي والغربي(29).
الصيام حاجة فطرية وظاهرة حيوية:
يعتبر العلماء الصوم ظاهرة حيوية فطرية لا تستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها. وإن أي مخلوق لابد وأن يصاب بالأمراض التي يعاف فيها الطعام إذا لم يصم من تلقاء نفسه، وهنا تتجلى المعجزة الإلهية بتشريع هذه العبادة، فالصيام يساعد العضوية على التكيف مع أقل ما يمكن من الغذاء مع مزاولة حياة طبيعية، كما أن العلوم الطبية العصرية أثبتت أن الصوم وقاية وشفاء لكثير من أخطر أمراض العصر، فمع قلة كمية الطعام الوارد إلى الأمعاء يقل ضغط البطن على الصدر؛ فينتظم التنفس ويعمل بصورة أكثر راحةً وانسجاماً، إذ تتمدد الرئتان دون عوائق، ويقل العبء الملقى على القلب فتقل ضرباته؛ لعدم الحاجة إلى بذل ذلك الجهد الكبير لدفع الدم إلى الجهاز الهضمي للعمل على هضم تلك الكميات الهائلة من الطعام. وقبل كل شيء فإن الجهاز الهضمي يحصل على الراحة اللازمة لتجديد أنسجته التالفة، وحيويته التامة، كما أن قلة نواتج التمثيل الغذائي وفضلاته تسمح بفترة راحة لجهاز الإفراغ - الكلى- فتجدد بها نشاطها وتجبر ضعفها، وبذا يكون الصوم فرصة ذهبية للعضوية لاستعادة توازنها الحيوي وتجديد نفسها بنفسها. وقد أكد البروفيسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه "الجوع من أجل الصحة 1976م": أن على كل إنسان -وخاصة سكان المدن الكبرى- أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 - 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته(30).
أما (ماك فادون) -من علماء الصحة الأمريكيين- فيقول: إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً؛ لأن سموم الأغذية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض فتثقله ويقل نشاطه، فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه وتذهب عنه حتى يصفو صفاءًا تاماً، ويستطيع أن يسترد وزنه ويجدد خلاياه في مدة لا تزيد عن 20 يوماً بعد الإفطار، لكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل. وقد كان (ماك فادون) يعالج مرضاه بالصوم وخاصة المصابين بأمراض المعدة وكان يقول: فالصوم لها مثل العصا السحرية، يسارع في شفائها، وتليها أمراض الدم والعروق فالروماتيزم.....
أما (الكسيس كاريل) الحائز على جائزة نوبل في الطب فيقول في كتابه (الإنسان ذلك المجهول): إن كثرة وجبات الطعام ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس الحيوانية وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يصومون على مر العصور، وإن الأديان كافة لا تفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصيام والحرمان من الطعام لفترات محدودة، إذ يحدث في أول الأمر شعور بالجوع ويحدث أحياناً تهيج عصبي ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد أنه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير، فإن سكر الكبد يتحرك ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد، وتضحّي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة من أجل الإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب، وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا. والصوم الذي يقول به (كاريل) يطابق تماماً الصوم الإسلامي من حيث الإمساك فهو يغير من نظام الوجبات الغذائية ويقلل كميتها(31).
وقد سئل أحد المعمرين وهو (ميشيل أنجلو) عن سر صحته الجيدة وتمتعه بنشاط غير عادي بعد أن تجاوز الستين من عمره فقال: "إن السبب في احتفاظي بالصحة والقوة والنشاط إلى اليوم هو أني كنت أمارس الصوم من حين لآخر". ويرى الدكتور محمد سعيد السيوطي أن الصيام الحق يمنع تراكم المواد السمّية الضارة كحمض البول والبولة وفوسفات الأمونياك والمنغنيزا في الدم وما تؤدي إليه من تراكمات مؤذية في المفاصل والكلى -الحصى البولية-، ويقي من داء الملوك -النقرس-، وينقل الدكتور محمد سعيد أيضاً أبحاث الغرب في أن الصيام ليوم واحد يطهر الجسم من فضلات عشرة أيام، وهكذا فإن شهر الصيام يطهر الجسم من فضلات وسموم عشرة أشهر على الأقل. ومن هنا نرى الحكمة من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيام ستة أيام من شوال؛ وذلك حتى تكتمل عملية التنظيف، وأردفه وزاد عليه أياماً معدودات من كل شهر لكمال الحيطة(32).
ويكتب الدكتور إبراهيم الراوي عن أثر الصيام على القدرات الفكرية عند الإنسان فيقول: "يؤثر الصيام في تنشيط الخلايا الدماغية التي تضاعف حيويتها لتوقف نشاط الجهاز الهضمي فيندفع الدم بغزارة إلى أنسجة المخ لتغذية تلافيفه، وتزويد الحُجَر الدماغية بالغذاء الأمثل لعملها.
نعم، إن المخ البشري يحتوي على 15 ألف مليون خلية ألهمتها القدرة الإلهية قابليات خارقة على التفكير والتعمق في المسائل المعقدة وحلها، وتزداد هذه القابليات مع زيادة ورود الدم إليها؛ وهكذا نرى أصحاب العقول المفكرة يصومون كل فترة لتجديد نشاط أدمغتهم"(33).
ويتفق الباحثون على أهمية الصوم الحيوية من ناحية أن تخزين المواد الضرورية في البدن من فيتامينات وحوامض أمينية يجب ألا يستمر زمناً طويلاً، فهي مواد تفقد حيويتها مع طول مدة التخزين؛ لذا يجب إخراجها من (المخزن) ومن ثم استخدامها قبل أن تفسد. وهكذا فإن الجسم بحاجة من فترة لأخرى إلى فرصة لإخراج مخزونه من المواد الحيوية قبل تفككها وتلفها. وهذه الفرصة لا تتاح إلا في الصوم، وبالصوم وحده يتمكن الجسم من تحريك مخزونه الحيوي واستهلاكه قبل فوات أوانه، ومن ثم يقوم بتجديده بعد الإفطار. وقد بيّن (ألن سوري Alain Saury) قيمة الصوم في تجديد حيوية الجسم ونشاطه ولو كان في حالة المرض، وأورد حالات عدد من المسنين، تجاوزت أعمارهم السبعين، استطاعوا بفضل الصوم استرجاع نشاطهم وحيويتهم الجسمانية والنفسانية حتى أن عدداً منهم استطاع العودة إلى مزاولة عمله الصناعي أو الزراعي كما كان يفعل في السابق نسبياً. ولقد قام عدد من الباحثين الغربيين، ومنذ أواخر القرن الماضي، بدراسة آثار الصوم على البدن منهم هالبروك Holbrook الذي قال: ليس الصوم بلعبة سحرية عابرة، بل هو اليقين والضمان الوحيد من أجل صحة جيدة. وفي أوائل هذا القرن قام الدكتور دووي Dewey بأبحاث موضوعية عن الصوم لخصها في كتابه (الصوم الذي يشفي). كما قامت مناظرات عديدة تناقش هذا الموضوع لعل أهمها مناظرة Ecosse التي جمعت مشاهير الأطباء البريطانيين والمهتمين بتقويم الصحة وتدبير الطعام، كان على رأسهم طبيب الملك ويلكوكس Wilcox وقد أجمع الحاضرون على أهمية تأثير (الصوم الصحي) على عضوية الإنسان(34).
لمحة غريزية عن الصيام:
الصيام هو حرمان البدن من المواد الغذائية ليوم أو أكثر. وقد دلت التجارب على أن حرمان الماء أشد تأثيراً من حرمان الغذاء، فالإنسان يعيش حوالي 40 يوماً إذا أعطي الماء فقط، ويحصل الجسم على الطاقة أثناء الصيام من مدخراته السكرية أولاً والتي تكون على شكل غليكوجين مدخرة في الكبد والعضلات، وهذه تصرف خلال الأولى من الصيام، وبعد ذلك يلجأ البدن إلى مدخراته الشحمية، إلا أنه لا يستهلك الداخل منها في تركيب الخلايا الأساسية مطلقاً مهما طال أمد الصيام، ثم يعمد الجسم بعد ذلك إلى تجميع المواد الناجمة عن هذه العملية ويعيد استعمالها لاستخراج الطاقة ولصيانة الأعضاء والأنسجة الحيوية أثناء الصوم. وفي الصيام المديد، وبعد أن يستهلك البدن مدخراته من الغليوكوجين والشحوم، عند ذلك يلجأ إلى أكسدة المواد البروتينية ويحولها إلى سكر لتأمين ما يلزمه من الطاقة، وهذا يعني تخريبه للنسج البروتينية المكونة للحم العضلات وما يلحق من جراء ذلك من أذى بيّن يلحق الأعضاء المعنية (ويدعو العلماء عملية إذابة المدخرات الدهنية ومن ثم بروتينات الجسم بعملية الانحلال الذاتي Autolyze ويستخدم فيها البدن العديد من الخمائر).
وإن الحرمان الشديد يؤدي إلى ظهور اضطرابات غذائية عصبية في الدماغ المتوسط مما يؤثر على الغدد الصم وعلى السلوك والانفعال النفسي.
ومن هنا نرى أهمية كون الصيام الإسلامي مؤقتاً من الفجر إلى الغروب دون تحريم لنوع ما من الأغذية مع طلب الاعتدال وعدم الإسراف في الطعام في فترة الإفطار. وقد سجل درينيك Dreanik ومساعدوه 1964م عدداً من المضاعفات الخطيرة من جراء استمرار الصيام لأكثر من 31 - 40 يوماً.
وتتضح هنا المعجزة النبوية بالنهي عن الوصال في الصوم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست مثلكم إني أُطعم وأُسقى»(35).
قال النووي: "اتفق أصحابنا على النهي عن الوصال، وهو صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما"(36)، وعن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صام من صام الدهر»(37).
وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بلغه أن بعض المسلمين قرروا اعتزال النساء وصوم الدهر فقال: «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»(38).
الصيام والأبحاث العلمية الحديثة:
مع هذه النهضة العلمية الحديثة في مجال الطب ظهرت العديد من الأبحاث العلمية التي تؤكد على أهمية الصيام ومدى حاجة الجسم له، وكشفت عن العديد من الفوائد الصحية للصيام سواءاً كان ذلك في الجانب الوقائي أو الجانب العلاجي، وسنحاول أن نعطي لمحة موجزة عن أهم ما توصل إليه العلم الحديث في ذلك:
الصيام ومرضى السكري:
مما أثبتته الأبحاث الطبية الحديثة أن الصيام لا يشكل خطراً على معظم مرضي السكري، إن لم يكن يفيد الكثيرين منهم، ففي بحث أجراه الدكتور رياض سليماني وزملاؤه في كلية الطب بمستشفى الملك خالد الجامعي عام 1990م حول تأثير صيام رمضان على التحكم في مرض السكري عند 47 من مرضى النوع الثاني، وعند مجموعة من الأشخاص الذين لا يعانون من هذا المرض، وتم تحديد وزن الجسم، والبروتين السكري، وخضاب الدم السكري، قبل رمضان وفور انتهائه، عند كل من المجموعتين. وتم قياس البروتين السكري (Glycosylated Protein) عند 9 من مرضى السكري، وقد لوحظ أنه لم يطرأ أي تغير على الوزن عند هؤلاء المرضى إذ كان قبل رمضان (75.2+12.8) مقابل (75.1+12.4)كلجم بعده، كما لم يطرأ تغير على خضاب الدم السكري (Glycosylated Hemoglobin) إذ كان قبل رمضان (10.9+3.1) في مقابل (10.5+2.8) مجم/ 100مل بعده، ولم يطرأ تغير على البروتين السكري (Glycosylated Protein) حيث كان (1.19+0.35) مقابل (1017+0.39) ملجم/ 100 بعد انتهاء صيام رمضان.
أما في المجموعة التي لا يعاني أفرادها من مرض السكري؛ فقد لوحظ انخفاض هام في وزنهم خلال الصيام (74.2+10.4) كلجم مقابل (72.5+10،2) كلجم، بيد أنه لم يسجل أي تغيير يذكر في خضاب الدم السكري (Glycosylated Hemoglobin)، واستنتج الباحثون من ذلك أن صيام شهر رمضان لا يسبب أي فقدان هام في وزن الجسم، وليس له أي أثر يذكر على التحكم في مرض السكري لدى مرض النوع الثاني(39).
كما قام الدكتور ألفونشو(Olufonsho) وزملاؤه بكلية الطب مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض عام 1990م بتوزيع استبيان على 203 من مرضى السكري (89 من الذكور وَ 114 من الإناث) وذلك لتقويم مفاهيمهم ومواقفهم وممارساتهم خلال شهر رمضان. وقد قام أكثر هؤلاء (89%) بصيام رمضان، وكان أقل نسبة للصيام (72%) عند من هم دون سن الخامسة والعشرين، اعترف 12% فقط بأنهم يتناولون قدراً أكبر من الطعام في رمضان، بينما ذكر عدد أكبر منهم (27%) أنهم يستهلكون قدراً أكبر من الحلويات، وذكر أكثر من الثلث (37%) أن نشاطهم الجسمي يقل في رمضان، كما أن ضعف هذا النشاط كان أكثر شيوعاً لدى أولئك الذين لم يصوموا رمضان (61%) منه لدى الذين صاموه (35%)، وأعرب عدد كبير (59%) أنهم شعروا بتحسن صحتهم خلال شهر رمضان، ولم يتردد على المستشفيات في حالات طارئة سوى (5، 6%) منهم، في حين لم تتجاوز نسبة من دخلوا المستشفى بسبب مرض السكري (5%) أما بالنسبة للأشخاص الذين لم يصوموا، فقد كانت هذه النتائج أقل إيجابية، إذ أعرب (10%) منهم فقط عن تحسن الصحة، فيما ارتفعت المراجعات الطارئة للمستشفى (15%)، وبلغ حالات دخول المستشفى (15%). وكان هناك اعتقاد سائد لدى (75% من المرضى) بأن صيام شهر رمضان يؤدي إلى تحسن الصحة، وكان هذا الشعور قوياً لدى المرضى الذين صاموا الشهر (80%) مقابل المرض الذين أفطروه (26%). وقد أظهرت الدراسة أن معظم مرض السكري يفضلون صيام شهر رمضان، وأنهم يعتقدون أن لذلك أثراً إيجابياً على مرضهم(40).
وقد أثبت باربر (Barber SG) وزملاؤه سنة 1979م في برمنجهام أن هناك تغيراً قليلاً في تحكم مرض السكري عند المسلمين الصائمين، وأن عدد المرضى المراجعين لعيادات السكر قد تناقص، ولا توجد زيادة في معدل احتجاز مرضى السكري المرتفع وغير المتحكم فيه داخل المستشفى خلال شهر رمضان. وقد قام خوقير وزملاؤه سنة 1987م بدراسة شملت 52 مريضاً من مرضى السكري، 20 منهم يعتمدون على الأنسولين في العلاج، و32 منهم لا يعتمدون على الأنسولين، وقد وجد أن 15 مريضاً من الذين لا يعتمدون على الأنسولين قل وزنهم وانخفضت مستويات السكر (Glucose Levels) لديهم بعد الصيام عنه قبل أن يصوموا، كما قلت جرعة الأنسولين بنسبة 10% عن المعتاد عند المجموعة التي تعتمد على الأنسولين في العلاج، وقل وزن سبعة منهم، بينما ارتفع معدل السكر عند باقي المجموعة، لذلك نصح الباحثون بعناية خاصة لهؤلاء المرضى إذا أرادوا أن يصوموا كل أيام شهر رمضان، ولا حرج عليهم بعد ذلك(41).
أما مرضى السكري الذين ينصحون بعدم الصيام فقد حددتهم دراسة التقويم الشامل الذي أجراه الدكتور سليماني وزملاؤه عن مرض السكري وصيام رمضان سنة 1988م وهم كالتالي:
1- المرضى المعرضون لزيادة الأجسام الكيتونية في دمائهم.
2- المرضى الذين يعانون من تأرجح كبير وسرعة تغير في مستوى الجلوكوز لديهم.
3- الحوامل.
4- الأطفال المصابون بمرض السكري.
5- مرضى السكري الذين يعانون من مضاعفات مرضية خطيرة مثل الفشل الكلوي أو الذبحة الصدرية.
6- مرضى السكري الذين يعانون من أمراض خطيرة مثل التسمم الدموي الشديد (Sever sepsis)، أو فشل القلب الاحتقاني (Congestive Heart Failure).
ويسمح بالصيام لباقي المرضى، وكذلك المرضى الذين يتقبلون النصائح الطبية، ويشجع الصيام للمرضى البدينين من النوع الثاني الذين لا يعتمدون على الأنسولين ماعدا الحوامل منهن والمرضعات اللاتي لديهن السكر ثابت مع زيادة في الوزن فوق 20% من الوزن المثالي.
والخلاصة: أن معظم الأبحاث تشير إلى أن صيام شهر رمضان لمرضى السكر آمن من الناحية الصحية طالما كان هناك وعي وضبط غذائي ودوائي(42).
قرحة المعدة:
يعدل الصيام الإسلامي ارتفاع حموضية المعدة، وبالتالي يساعد في التئام قرحة المعدة مع العلاج المناسب. وقد أجرى الباحثون (معظم وعلي وحسين 1963م) دراسة كان الهدف منها التعرف على تأثير صيام شهر رمضان على حموضية المعدة (زيادة الحموضة وقلتها)، وقد وجد الباحثون أن الحموضية في المعدة اعتدلت (lsochlorhydria) عند كل من المرضى الذين يعانون من قلة الحموضية (Hypochlorhydria) أو زيادتها (Hyperchlorhydria)، مما يؤكد أن صيام شهر رمضان يخفف ويمنع حدوث الحموضة الزائدة، والتي تكون سبباً رئيسياً في حدوث قرحة المعدة(43).
أمراض الأوعية الدموية الطرفية:
عالج الصيام عدداً من الأمراض الناتجة عن السمنة: كمرض تصلب الشرايين، وضغط الدم، وبعض أمراض القلب. كما يساعد في علاج بعض أمراض الدورة الدموية الطرفية، فهناك أمراض عديدة تصيب الأوعية الدموية الطرفية، والتي تبدو أن لها علاقة بنشاط الجهاز العصبي الودي (السمبثاوي) الزائد في نهايات الشرايين الدموية (Arterioles)، ويعتبر مرض الرينود (Raynoud's Disease) أحد هذه الأمراض، حيث تنقبض فيه عضلات جدر الشرايين الدقيقة انقباضاً ذاتياً شديداً، مسببة آلاماً مبرحة، وتهجم هذه الآلام عند التعرض للبرد، أو الضغط العصبي، ولو استمر المرض لعدة سنوات فقد يؤدي إلى فقدان الأطراف، ولعلاج هذا المرض يمنع التعرض للبرد ما أمكن، ويتحاشى التدخين، ويعطى المريض بعض الأدوية كموسعات للأوعية الدموية، كما يستأصل العصب السمبثاوي الموضعي المغذي للأطراف، ويتحاشى التعرض للضغوط العصبية والنفسية. وهناك مرض آخر (Buerger's Disease) من نفس هذا النوع، يؤثر على الشرايين والأوردة الطرفية، والتدخين ينشط هذا المرض ويزيده سوءاً، وعند منع التدخين يتحسن المريض تحسناً ملحوظاً، وقد يحتاج بعض المرضى إلى استئصال العصب الودي (السمبثاوي) المغذي للأطراف، وأحياناً يحتاج هذا المريض إلى بتر أطرافه لو استمر في التدخين. وقد ذكر الدكتور صباح الباقر في دراسة له سنة 1991م أن الصيام الإسلامي يؤدي دوراً هاماً في علاج أمراض الأوعية الدموية الدقيقة، ولخص هذا الدور في النقطتين التاليتين:
1- تحريم التدخين أثناء ساعات الصيام يقدم خدمة جليلة في علاج المرض.
2- لا يشكل الصيام أي مشقة أو ضغط على الجسم بل على العكس، فإنه يعتبر عاملاً مهدئاً، حيث تزداد العوامل المنشطة للإيمان في الصلاة والذكر وقراءة القرآن.
وخلص الدكتور الباقر إلى أن تثبيط الجهاز العصبي الودي (السمبثاوي) أثناء الصيام يلغي العامل الثاني المسبب للمرض، وبالتالي تظهر فائدة الصيام الإسلامي في الشفاء من مثل هذه الأمراض(44).
الصيام ومرضى الجهاز البولي:
كان وما زال الأطباء يعتقدون أن الصيام يؤثر على مرض المسالك البولية، وخصوصاً الذين يعانون من تكون الحصيات، أو الذين يعانون من فشل كلوي، فينصحون مرضاهم بالفطر، وتناول كميات كبيرة من السوائل. وقد ثبت خلاف ذلك، إذ ربما كان الصيام سبباً في عدم تكون بعض الحصيات، وإذابة بعض الأملاح، ولم يؤثر الصيام مطلقاً حتى على من يعانون من أخطر أمراض الجهاز البولي، وهو مرض الفشل الكلوي مع الغسيل المتكرر. وقد أجرى الدكتور فاهم عبد الرحيم وزملاؤه بكلية طب الأزهر 1986م بحثاً عن تأثير صيام شهر رمضان على عمل وظائف الكليتين عند الأشخاص العاديين، وعند المرضى المصابين ببعض أمراض الجهاز البولي، أو بمرض تكون الحصى الكلوي (RenaI caIcuIi)، وشملت الدراسة عشرة من مرضى الجهاز البولي، وخمسة عشر مريضاً بالحصى، بالإضافة إلى عشرة أشخاص عاديين للمقارنة، وتم خلال كل من فترتي الصيام والإفطار أخذ عينات من البول وتحليلها لمعرفة نسبة الكالسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، واليوريا، والكرياتينين، والحامض البولي. وكانت نتيجة تأثير الصيام على هذه العناصر على النحو التالي:
حدث نقص هام في حجم البول، وزيادة في كثافته النوعية، لدى كل المجموعات التي شملتها الدراسة، وحدثت تغيرات طفيفة جداً في مكونات المصل من الكالسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، والحامض البولي، والكرياتينين، واليوريا لدى الجميع، وحدثت زيادة طفيفة في الكالسيوم في البول لدى الجميع، وعليه فقد كان التغير الحاصل في عناصر المصل لدى كل المجموعات التي شملتها الدراسة طفيفاً عديم الأهمية، بيد أن التغيرات التي طرأت على مكونات البول خلال الصيام قد تمنع تكون الحصى، نظراً لنقص الكالسيوم في البول، وزيادة الصوديوم والبوتاسيوم، التي كانت نسبتها أكبر لدى من يعانون من الحصى، ولدى المصابين بأمراض الجهاز البولي. وقد استنتج الباحثون من ذلك أن الصيام لم يؤثر سلبياً على مجموعات المرضى الذين شملتهم هذه الدراسة، والذين يعانون إما من تكون الحصى في الكلية، أومن أمراض الجهاز البولي، فضلاً عن التأثير المحتمل للصيام في منع تكون حصيات الكلى، وهذا عكس ما هو شائع عند الأطباء وغيرهم، إذ أن زيادة الكثافة النوعية للبول ترجع إلى زيادة إفراز البولة التي تكون 80% من المواد المذابة في البول، والبولينا مادة غروية تنتشر فتساعد على عدم ترسب أملاح البول التي تكون حصيات المسالك البولية.كما أجرى قادر وزملاؤه سنة 1988م دراسة على المرضى الذين يعيشون على غسيل كلوي مزمن، ويصومون شهر رمضان، وأثبتوا أنه لا يوجد تغير يذكر في نسبة اليوريا، والكرياتينين، والصوديوم، والبيكربونات، والفوسفور والكالسيوم، ولكن وجد ارتفاع ملحوظ في نسبة البوتاسيوم في الدم، وعزا الباحثون ذلك إلى تناول المشروبات الغنية بالبوتاسيوم بعد الإفطار(45).
الصيام وتجلط الدم:
كان يعتقد أن الفقدان النسبي لسوائل الجسم، وانخفاض عدد ضربات القلب، وزيادة الإجهاد أثناء الصوم، يؤثر تأثيراً سلبياً على التحكم في منع تجلط الدم، وهو من أخطر الأمراض، وقد ثبت أن الصيام الإسلامي لا يؤثر على ذلك في المرضى الذين يتناولون الجرعات المحددة من العلاج. فقد أجرى الدكتور جلال ساعور أستاذ الأمراض الباطنية بمستشفي الملك فيصل التخصصي (1990م) بحثاً عن تأثير الصيام على مرضى القلب الذين يتناولون علاجاً مضاداً لتجلط الدم، وقد كتب الدكتور ملخصاً لبحثه فقال: "تقبل الغالبية العظمى من المسلمين على صيام شهر رمضان كل سنة، ويترتب على الصيام حدوث تغيرات رئيسية في النشاط الجسمي وأنماط النوم، فضلاً عن تغير أوقات تناول الطعام والشراب، ونوعه، وكميته، وعليه فمن الممكن أن يؤثر الصيام تأثيراً سلبياً على التحكم في منع التجلط من خلال الفقدان النسبي لسوائل الجسم، وانخفاض النتاج القلبي، وزيادة الإجهاد، ولزوجة الدم، فضلاً عن التغيرات التي تطرأ على امتصاص الأدوية واستقلابها، وفي الفترة الواقعة بين 1981م إلى 1985م تم فحص ما مجموعه 289 مريضاً في عيادة منع تخثر الدم بمستشفى الملك فيصل التخصصي، تلقى 247 مريضاً منهم العلاج المضاد لتجلط الدم، نظراً لحالة القلب لديهم، و42 نظراً للتجلط الشديد في الأوردة، مع الانسداد الرئوي أو بدونه. وفي فترة العلاج (4 سنوات) صام عدد 106 من هؤلاء المرضى ما مجموعه 309 شهراً رمضانياً(46).
ولم يصم عدد 183 منهم ما مجموعه 594 شهراً. ولوحظ أن حدوث مضاعفات الانسداد التجلطي والنزيف متماثلة في المجموعتين، وكان متوسط الجرعة من (الوارفارين) اللازمة لإحداث أفضل تأثير لمنع التجلط في المجموعتين خلال شهر رمضان متماثلا: 5. 6 + 1، 2 ملجم مقابل 7.6 +2.2 ملجم، ومنذ عام 1986م، أخذنا ننصح مرضانا الذين يتناولون علاجاً ضد التجلط عن طريق الفم، بأنه لا ضرر من صومهم شهر رمضان، وقام خلال هذه الفترة (277) مريضاً يحملون صمامات بديلة بصيام ما مجموعه 1054 شهراً، ولم تظهر على أي منهم في هذه الفترة مضاعفات الانسداد التجلطي"(47).
الصيام والإخصاب:
يحسن الصيام خصوبة المرأة والرجل على السواء، فقد أجرى الدكتور سمير عباس والدكتور عبد الله باسلامة بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز 1986 دراسة على واحد وعشرين شخصًا، ثمانية منهم أصحاء، وعشرة يعانون من نقص المنويات (oIigospermia)، وثلاثة ليست لديهم منويات، وأخذت منهم عينات من الدم، والمني، في خلال شهر شعبان، ورمضان، وشوال، لتحليل المني، والهرمونات التالية: (التيستوستيرون Testosterone)، و (البرولاكتين ProIactin)، و (الهرمون الملوتن L. H)، و (الهرمون المنبه للجريب F.S.H)، وذلك لمعرفة تأثير صيام شهر رمضان على خصوبة الرجل، وقد أظهرت نتائج البحث أن هناك تغيرات حيوية بين الأشخاص الطبيعيين، حيث يتحسن أداء هرمون الذكورة (Testosterone)، لكن لم يحصل في مستواه أي ارتفاع حيوي خلال الأشهر الثلاثة من البحث، كما أن حجم المني، والعدد الكلي للمنويات، ازداد ازدياداً ملحوظاً أثناء شهر الصيام، ولاحظ الباحثان من إحصائيات المستشفى الجامعي أن عدد حالات الحمل تصل إلى معدل كبير في شهر شوال، كما وجد أن هناك تحسناً في نسبة المنويات الحية، وانخفاضاً في نسبة المنويات الميتة أثناء شهر الصيام، كما أن الهرمون المنبه للجريب (F.S.H) يزداد ازدياداً ملحوظاً خلال شهر رمضان مقارنة بمستواه قبل وبعد الصيام في الأشخاص الطبيعيين، ويقل عن شهر شوال في الأشخاص الذين يعانون من نقص المنويات أو انعدامها، وهذا الهرمون له علاقة بتصنيع المركبات الاستيرويدية في نسيج الخصية، كما يمكن أن يعزى التغير في مستوى التيستوستيرون إلى التغير في مستوى هذا الهرمون؛ لأن الهرمون الملوتن (L.H) ازداد زيادة ملحوظة أثناء الصيام، ونقص بعده في الأشخاص الطبيعيين، كما أنه لم تسجل له أي تغيرات هامة عند الأشخاص المرضى بنقص المنويات، وحدث نقص هام عند المرضى بانعدام المنويات، وهذا الهرمون له علاقة بتكون المنويات الحية في الخصية، كما سجلت زيادة في البرولاكتين أثناء وبعد رمضان عند الأشخاص الطبيعيين، ونقص بعد الصيام عند المرضى بقلة المنويات، وارتفاع عال عند المرضى بانعدام المنويات، بالمقارنة مع المجموعات الأخرى، وهذا الهرمون له تأثير مثبط على تكون الإندروجين الناتج من الخصية. وخلص الباحثان إلى أن للصيام أثراً مفيداً في تكون المنويات، إما عن طريق محور التأثير الهرموني Hypothalamo - pitutary testicular، أو عن طريق التأثير المباشر على الخصيتين(48).
الصيام وجهاز المناعة:
أجرى الدكتور رياض البيبي والدكتور أحمد القاضي في الولايات المتحدة الأمريكية تجارب مخبرية على متطوعين أثناء صيام شهر رمضان، وأجريت لهم تحليلات الدم قبل بداية الصيام، وأثناء الشهر، وبعد انتهاء الصيام، وشملت الفحوص التحليلات الكيميائية للدم، بما في ذلك تحديد نسبة البروتينات الشحمية (Lipoproteins)، إضافة إلى فحوص متخصصة لتقويم كفاءة جهاز المناعة في الجسم، وقد شملت الفحوصات تحديد عدد الخلايا الليمفاوية في الدم (Lymphocytes)، ونسبة أنواعها المختلفة بعضها إلي بعض، ومدى حسن أداء كل منها، هذا إضافة إلى قياس نسبة الأجسام المضادة في الدم (Antibodies)، وقد أظهرت هذه التجارب أثراً إيجابياً واضحاً للصيام على جهاز المناعة في الجسم، حيث تحسن المؤشر الوظيفي للخلايا اللمفاوية عشرة أضعاف، وبالرغم من أن العدد الكلي للخلايا اللمفاوية لم يتغير إلا أن نسبة النوع المسئول عن مقاومة الأمراض خلايا (ت) ازداد كثيراً بالنسبة إلى الأنواع الأخرى، هذا بالإضافة إلى ارتفاع محدود في أحد فصائل البروتين في الدم (IGE)، وهو أحد أعضاء مجموعة البروتينات المكونة للأجسام المضادة في الدم، وكانت التغيرات التي طرأت على البروتين الدهني على شكل زيادة في النوع منخفض الكثافة (LDL)، دون أي زيادة في النوع عالي الكثافة (HDL)، وهذا نمط له تأثير منشط على الردود المناعية(49).
الصيام وهرمونات الغدة الدرقية:
أجرى الدكتور رياض سليماني عام 1988م دراسة تناولت أثر صيام شهر رمضان على عمل الغدة الدرقية، وجرى في الدراسة تحديد مستوى كل من ثيروكسين البلازما (Plasma Thyyoxin: T4)، والثيروكسين الحر، والثيرونين ثلاثي اليود (Triiodo - Thyronin: T3)، والهرمون المنشط للغدة الدرقية (TSH)، عند 28 من الذكور الأصحاء قبل رمضان وبعده، كما تمت دراسة آثار الامتناع عن تناول الطعام على المدى القصير من بزوغ الفجر إلى غروب الشمس، ولم تسجل أية اختلافات هامة في اختبارات عمل الغدة الدرقية بين هذه المستويات في الصباح والمساء (بعد فترة صيام لمدة 14 ساعة). ولم تظهر بالإضافة إلى ذلك أية اختلافات هامة في نتائج اختبارات الغدة الدرقية، التي أجريت قبل رمضان وفي نهايته، واستنتج الباحث أن صيام شهر رمضان من قبل رجال يتمتعون بصحة جيدة لم يغير النسب القياسية لعمل الغدة الدرقية(50).
الصيام وهرمونات المرأة:
أجرى الدكتور حسن نصرت والدكتور منصور سليمان، بجامعة الملك عبد العزيز 1987م بحثاً حول تأثير صيام رمضان على مستوى البرجستيرون والبرولاكتين في مصل الدم لنساء صحيحات تتراوح أعمارهن بين 22 - 25 عاماً، لتحديد مدى تأثير صيام رمضان على فسيولوجيا الخصوبة عند المرأة، وقد أظهرت النتائج أن 80% قد نقص عندهن مستوى البرولاكتين في المصل، ولم يتغير مستوى البرجستيرون، وقد نصح الباحثان المرضعات بالإفطار، وهذا البحث يؤكد أهمية الصوم لعلاج العقم عند المرأة المتسبب من زيادة هرمون البرولاكتين، فحينما ينقص بالصيام تتهيأ المرأة لحالتها الطبيعية في الخصوبة. كما يعالج الصيام كثيراً من الأمراض التي تنشأ من تراكم السموم والفضلات الضارة في الجسم، ولا يسبب الصيام أي خطر على المرضعات أو الحوامل، ولا يغير من التركيب الكيميائي، أو التبدلات الاستقلابية في الجسم عند المرضعات، وخلال الشهور الأولى والمتوسطة من الحمل(51).
الصيام والسمنة:
يؤدى الإفراط في تناول الطعام والشراب إلى زيادة الوزن، وما ينتج عن ذلك من مضاعفات مرضية، مثل ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين، والتهابات الحويصلة المرارية …الخ، وينصح الأطباء كل من يرغب في إنقاص وزنه أن يتبع نظاماً معيناً، خلاصته: الإقلال من النشويات والسكريات، والأملاح والدهون، مع الإكثار من الخضروات والبروتينيات، وممارسة أبسط أنواع الرياضة ألا وهي المشي، وعلى ذلك يكون الصيام من أهم العوامل التي تساعد على إنقاص الوزن، بشرط عدم الإسراف في وجبتي الإفطار والسحور وما بينهما(52).
وإنه من المعتقد أن السمنة كما قد تنتج عن خلل في تمثيل الغذاء، فقد تتسبب عن ضغوط بيئية أو نفسية أو اجتماعية، وقد تتضافر هذه العوامل جميعاً في حدوثها، وقد يؤدي الاضطراب النفسي إلى خلل في التمثيل الغذائي، وكل هذه العوامل التي يمكن أن تنجم عنها السمنة، يمكن الوقاية منها بالصوم من خلال الاستقرار النفسي والعقلي الذي يتحقق بالصوم نتيجة الجو الإيماني الذي يحيط بالصائم، وكثرة العبادة والذكر، وقراءة القرآن، والبعد عن الانفعال والتوتر، وضبط النوازع والرغبات، وتوجيه الطاقات النفسية والجسمية توجيهاً إيجابياً نافعاً(53).
الصيام والثورة الجنسية:
يخفف الصيام ويهدئ ثورة الغريزة الجنسية، وخصوصاً عند الشباب، وبذلك يقي الجسم من الاضطرابات النفسية والجسمية، والانحرافات السلوكية، وذلك تحقيقاً للإعجاز في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(54).
فإذا التزم الشاب الصيام وأكثر منه وذلك لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: «فعليه بالصوم» أي فليكثر من الصوم، وقد وجد أن الإكثار من الصوم مع الاعتدال في الطعام والشراب، وبذل الجهد المعتاد يقترب من الصيام المتواصل، ويجني الشاب فائدته في تثبيط غرائزه المتأججة بيسر، وهنا يتجلى بوضوح الإعجاز في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه له وجاء» من وجهين:
الأول: الإشارة إلى أن الخصيتين هما مكان إنتاج عوامل الإثارة الجنسية، حيث أن معنى الوجاء أن ترض أنثيا الفحل (خصيتاه) رضاً شديداً، يذهب شهوة الجماع، ويتنزل في قطعه منزلة الخصي(55)، وقد ثبت أن في الخصيتين خلايا متخصصة في إنتاج هرمون التيستوستيرون (Testosterone) وهو الهرمون المحرك والمثير للرغبة الجنسية، وأن قطع الخصيتين (الخصي) يذهب هذه الرغبة، ويخمدها تماماً.
الثاني: أن الإكثار من الصوم مثبط للرغبة الجنسية وكابح لها، وقد ثبت هبوط مستوى هرمون الذكورة (التيستوستيرون) بشكل كبير أثناء الصيام المتواصل، بل وبعد إعادة التغذية بثلاثة أيام، ثم ارتفع ارتفاعاً كبيراً بعد ذلك، وهذا يؤكد أن الصيام له القدرة على كبح الرغبة الجنسية مع تحسينها بعد ذلك، وهذا يؤكد فائدة الصوم في زيادة الخصوبة عند الرجل بعد الإفطار(56).
الصيام والأمراض الجلدية:
يقول الأستاذ الدكتور محمد الظواهري - أستاذ الأمراض الجلدية - إن كرم رمضان يشمل مرضى الأمراض الجلدية، إذ يتحسن بعض هذه الأمراض بالصوم، ويتأتى هذا من أن هناك علاقة متينة بين الغذاء وإصابة الإنسان بالأمراض الجلدية، إذ أن الامتناع عن الطعام والشراب مدة ما تقلل من الماء في الجسم والدم وهذا بدوره يدعو إلى قلته في الجلد، وحينئذ تزداد مقاومة الجلد للأمراض المعدية والمكيروبية، ومقاومة الجلد في علاج الأمراض المعدية هي العامل الأول الذي يعتمد عليه في سرعة الشفاء، وقلة الماء في الجلد أيضاً تقلل من حدة الأمراض الجلدية الالتهابية والحادة والمنتشرة بمساحات كبيرة في الجسم. كما أن قلة الطعام تؤدي إلى نقص الكمية التي تصل إلى الأمعاء، هذا بدوره يريحها من تكاثر الميكروبات الكامنة بها، وما أكثرها، عندئذ يقل نشاط تلك الميكروبات المعدية ويقل إفرازها للسموم وبالتالي يقل امتصاص تلك السموم من الأمعاء، وهذه السموم تسبب العديد من الأمراض الجلدية، والأمعاء ما هي إلا بؤرة خطرة من البؤر العفنة التي تشع سمومها عند كثير من الناس، وتؤذى الجسم والجلد وتسبب لهما أمراضاً لا حصر لها.. شهر رمضان هو هدنة للراحة من تلك السموم وأضرارها، ويعالج الصيام أيضاً أمراض البشرة الدهنية وأمراض زيادة الحساسية، وقد جاء في كتاب ((الصوم والنفس)) للدكتور فائق الجوهري، ما نصه: "إن الصوم من وجهة النظر الصحيحة وسيلة لتطهير الجسم مما يحتمل أن يكون به من زيادات في السموم الضارة، أو غذاء لا لزوم له، ونحن نجده في الموسوعات الطبية، تحت باب العلاج بالغذاء"(57).
وجه الإعجاز:
رأينا مما سبق الفوائد العظيمة للصيام، والتي أصبحت محل اتفاق بين الأطباء والمختصين في شؤون الصحة، وعلمنا السر في تحديد شهر كامل للصيام بدون انقطاع - على جهة الوجوب-، واتباعه بست من الشهر الذي يليه؛ حتى يتخلص الجسم من كل السموم والفضلات المخزونة فيه، وكيف أن «الصيام جُنة»، ووقاية من الأمراض، بل فيه زيادة ورفع لمستوى المناعة في الجسم، وأن هذا الصيام محدود بوقت وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، من وصال حتى تتحقق الفائدة من دون إلحاق أي ضرر على الجسم، كل هذه المعاني تشهد بأن هذا التشريع هو تشريع محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو تشريع إلهي راعى المصلحة ودفع المفسدة، إنه بحق من عند الله تعالى، ﴿لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾ [النساء: 166]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد/ عادل الصعدي.
مراجعة: علي عمر بلعجم.
22/ 3/ 2007م.
___________________
(1) تفسير ابن كثير 1/ 289.
(2) تفسير القرطبي 2/ 269، فتح القدير للشوكاني 1/ 277.
(3) تفسير القرطبي 2/ 269.
(4) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع: موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة http://nooran.org
(5) صحيح البخاري 1/ 12، برقم: 8، وصحيح مسلم 1/ 45، برقم: 16.
(6) صحيح البخاري 1/ 22، وصحيح مسلم 1/ 523، برقم: 760.
(7) صحيح البخاري 2/ 673، برقم: 1805، وصحيح مسلم 2/ 806، برقم: 1151.
(8) صحيح البخاري 2/ 670، برقم: 1795.
(9) صحيح البخاري 2/ 671، برقم: 1797، وصحيح مسلم 2/ 808، برقم: 1152.
(10) صحيح البخاري 3/ 1044، برقم: 2685، وصحيح مسلم 2/ 808، برقم: 1153.
(11) صحيح مسلم 2/ 822، برقم: 1164.
(12) صحيح البخاري 2/ 698، برقم: 1878.
(13) صحيح البخاري 2/ 699، برقم: 1880، وصحيح مسلم 1/ 499، برقم: 721.
(14) صحيح مسلم 2/ 818، برقم: 1162.
(15) صحيح البخاري 5/ 1950، برقم: 4779، وصحيح مسلم 2/ 1018، برقم: 1400.
(16) فتح البارئ لابن حجر 9/ 108.
(17) شرح النووي على مسلم 9/ 173.
(18) تفسير الرازي 3/ 105.
(19) من أوجه الإعجاز العلمي في الصيام، للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن:
http://www.nooran.org/O/1/1O4.htm
(20) صحيح البخاري 2/ 678، برقم: 1823، وصحيح مسلم 2/ 770، برقم: 1095.
(21) صحيح البخاري 2/ 692، وصحيح مسلم 2/ 771، برقم: 1098.
(22) صحيح البخاري 2/ 678، برقم: 1821، وصحيح مسلم 2/ 771، برقم: 1097.
(23) من أوجه الإعجاز العلمي في الصيام، للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن:
http://www.nooran.org/O/1/1O4.htm
(24) العلاج بالصوم الطبي، للدكتور محمد البرشة، نقلاً عن موقع:
www.amaneena.com
(25) فوائد الصيام الصحية، للدكتور محمد نزار الدقر، نقلاً عن موقع:
www.55a.net
(26) العلاج بالصوم الطبي، للدكتور محمد البرشة، نقلاً عن موقع:
www.amaneena.com
(27) الساد: عتمة وابيضاض في عدسة العين، وهو ما يسمي كاتراكت أو المياه البيضاء، الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(28) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(29) المرجع السابق.
(30) الفوائد الصيام الصحية، للدكتور محمد نزار الدقر، نقلاً عن موقع:
www.55a.net
(31) المرجع السابق.
(32) الفوائد الصيام الصحية، للدكتور محمد نزار الدقر، نقلاً عن موقع:
www.55a.net
(33) المرجع السابق.
(34) المرجع السابق.
(35) صحيح البخاري 2/ 693، برقم: 1861، وصحيح مسلم 2/ 774، برقم: 1102.
(36) شرح النووي على مسلم 7/ 211.
(37) صحيح البخاري 2/ 698، برقم: 1878، وصحيح مسلم 2/ 812، برقم: 1159، بلفظ: «لا صام من صام الأبد».
(38) صحيح البخاري 5/ 1949، برقم: 4776، وصحيح مسلم 2/ 1020، برقم: 1401.
(39) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(40) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(41) المرجع السابق.
(42) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(43) المرجع السابق.
(44) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(45) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(46) عدد أشهر الصيام المحسوبة هنا هي مجموع الشهور التي صامها جميع هؤلاء الصائمين (106) خلال فترة الاختبار (4 سنوات) فمنهم من صام 4 أشهر ومنهم من صام ثلاثة أو اثنين، وهكذا..، وبالمقابل المفطرين أيضا، فهي مجموع الشهور التي افطروها جميعا خلال فترة الاختبار.
(47) المرجع السابق.
(48) المرجع السابق.
(49) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(50) المرجع السابق.
(51) الصيام والشفاء للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://nooran.org
(52) الصيام بين الفقه والطب، للدكتور محمد السقا عيد، نقلاً عن:
www.55a.net
(53) من أوجه الإعجاز العلمي في الصيام، للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://www.nooran.org/O/1/1O4.htm
(54) سبق تخريجه في الحاشية رقم: 13.
(55) لسان العرب 1/ 190.
(56) من أوجه الإعجاز العلمي في الصيام، للدكتور عبد الجواد الصاوي، نقلاً عن موقع:
http://www.nooran.org/O/1/1O4.htm
(57) الصيام بين الفقه والطب، للدكتور محمد السقا عيد، نقلاً عن موقع:
www.55a.net