مركز البحوث
   
أبحاث الإعجاز
   
الإعجاز التشريعي
   
حكمة العقوبة في الإسلام
حكمة العقوبة في الإسلام
قسطاس إبراهيم النعيمي
الأحد 27 يناير 2013

حكمة العقوبة في الإسلام

اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت ذلك بدليل معين ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد(1).

فهذه الخمسة هي مقاصد الشرائع السماوية، والمحور الذي تدور أحكامها حوله، لأن استقرار حياة النَّاس دينياً ودنيوياً متوقف عليها، ومرهون بحفظها، فإذا ما فُقِدت اختلَّت الحياة في الدنيا، وانعدم النظام في المجتمع، ووجب العقاب بحقِّ كلِّ مفرِّط ومتهاون.

وأول هذه الضروريات عناية من قبل الشرع هو الدين لأنه الأساس لباقي الضروريات فلا يمكن أن تقوم الأربع إلا بهذا الأول وهو حفظ الدين، فجاء الشارع الحنيف بالأوامر والمنهيات ورتب على كل منها الثواب والعقاب بحسب الفعل أو الترك، فإذا استقام الناس على الدين وأقاموا حدوده، أمكن تحقيق الضروريات الأخرى بسهولة ويسر لمكان توفر أسبابها بسبب إقامة الدين واستقامت تلك باستقامة الدين ولذلك نرى تخبط اللادينيين أو الملحدين في كل مكان وزمان وانحراف المنحرفين عن الدين انحرافاً أودى بهم في كل تهلكة.

ثم تأتي الضرورية الثانية والتي هي الجسد والروح معاً لتكون الآلة الحية الفعالة والتي يقودها الدين الحق لتكون أهلاً لرعاية الله لها وتكريمها وهي نفس الإنسان التي بين جنبيه ولذلك نرى اهتمام الشرع بها بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70].

ولا شك أن النسل من الضروريات التي لا يمكن أن يستمر الدين ولا النفس إلا بها وهي من مقومات الحياة الطبيعية التي أرادها لها خالقها لتستمر بالصورة المستقيمة لتحيا النفوس بها دون خلل يعطلها أو يعرقلها باختلاط الأنساب أو فساد الأعراض.

والمال هو عصب الحياة وشريانه الذي ينبض، وبه قوام الناس واستمرار وديمومة التواصل ولهذا أكد الشارع عليه وأعطاه الأهمية والأولوية في نصوص الشرع وأكد على أهمية انتقاله بين العباد لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منهم وذلك من خلال نظام الميراث والزكاة وغير ذلك.

ولا شك أن العقل هو المتمم لذلك كله وهو بمثابة الخريطة الشاملة لكل مشاريع الفرد في تصرفاته سواء مع نفسه أو مع الآخرين ولذلك أيضاً كان الشارع الحكيم مهتماً به وأمر بالحفاظ عليه من العطل والتغييب بأصناف اللهو والمخدرات والعقاقير وغير ذلك.

معالجة الشرع للضروريات الخمس:

ولعل من المناسب أن نعرج على بعض ما ورد في الشرع الحكيم من أوامر ونواهي تناولت بمجموعها الحفاظ على الضروريات الخمس، فقد حرَّم الله من خلال شرائعه ـ وخاصَّة الإسلام ـ كلَّ اعتداء يحول دون تحقيق تلك الضروريات، وفرض عقوبات محدَّدة رادعة بحقِّ المعتدين أيّاً كانوا، تدعى بالحدود، ولم يأت هذا التحريم والعقاب الَّذي يترتَّب على انتهاكه إلا بعد تشريع ما يشبع تلك الرغبات والدوافع من الحلال الطـيِّب، فلم يقمع الشرع الحنيف حاجة من الحاجات، بل جعل لها السبيل الآمن السليم لبلوغها، والوصول بصاحبها إلى الغاية الإنسانية الفضلى المرجوَّة من ورائها، وبذلك يعيش النَّاس جميعاً سعداء آمنين في ظلال العدالة الإلهية.

فمثلاً وبغية الحفاظ على النفس وضمان حقِّ الحياة لجميع أفراد المجتمع، فقد حرَّم الإسلام قتل النفس وجعله من كبائر الذنوب والآثام، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32].

ورتَّب على جريمة القتل عقوبة القصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] بأن يُقْتَلَ القاتل المتعمِّد، وكما حرَّم الاعتداء على النفس فقد حرَّم كلَّ ما من شأنه أن يوقع ضرراً أو أذى على جسد الإنسان.

وكذلك حرَّم الإسلام الاعتداء على الأعراض في المجتمع، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 32]، فصانها من أن يقع النَّاس فيها ويفسدوا على أصحابها حياتهم، ورتَّب على انتهاك هذه الحرمات عقوبات زاجرة تجعل الأعراض بمنأى عن العدوان، وتحقيقاً لذلك فرض عقوبة القذف ـ وهو الاتِّهام بالزِّنا والفاحشة دون دليل ـ وزيادة على عقوبته الجسدية أمر بحرمان القاذف من قبول شهادته في شيء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]، كما جعل عقوبة الزنا عقوبة شديدة تحجز النَّاس عن هذه الجريمة الكبرى، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] والَّتي تكاد آثارها الوبائية تقضي على جانب كبير من الجنس البشري.

كما أن الإسلام حرَّم الاعتداء على العقول فحفظ على الفرد اتِّزانه وأبقى على عقله ووعيه، فحرَّم شرب المسكرات بأنواعها وكلَّ المخدرات والمُفَتِّرات ـ قليلها وكثيرها ـ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

وبذلك صان الفرد من سائر أمراض المسكرات، ومن مرض خطير جداً أوسع مدى من أن يكون حالة عارضة من فقد الوعي، ألا وهو مرض الإدمان، الَّذي تئنُّ منه البشرية المعذَّبة الآن، لأنها لم تلتزم بمنهج الله الَّذي رسم مخطط الحياة الفاضلة الآمنة الأمثل، وتحقيقاً لقيام مثل هذا المجتمع، والبعد بالنَّاس عن كلٍّ من السُّكْرِ والإدمان، فقد شرَّع عقوبة رادعة عن شرب الخمر وسائر المؤذيات.

وحفظاً للأموال وضماناً لحقِّ أبناء المجتمع في التملُّك المشروع، فقد حرَّم الإسلام السرقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]، وجميع التصرفات والأعمال الَّتي تؤدِّي إلى أكل أموال النَّاس بالباطل، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]، لذلك فرض عقوبة رادعة على السارق وهو آخِذُ أموال النَّاس بغير وجهٍ مشروع.

الإيمان أولاً:

تقدم أن الضرورية الأولى من الضروريات الخمس هي حفظ الدين وقلنا بأن الدين الحق المتبع هو أساس لكل صواب بعده، وركيزة لكل عمل صالح، وشرط لقبول الأعمال عند الله سبحانه، ولذلك نجد أن الإسلام أكد على هذا الجانب وأعطاه الأولوية المطلقة وجعله الركن الركين للإنسان في هذه الحياة، كما يلاحظ في هذا المجال أن الإسلام لم يتَّجه هذا الاتجاه، إلا بعد أن أمر بتربية المجتمع التربية المُثلى، فارتقى به إلى آفاق عالية من الإيمان والشعور بحقوق الآخرين، والرغبة في رضا الله والخشية من سخطه، وأن هناك عدالة ربانية تراقب الجميع، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].

وليس فيها استثناء ولا محاباة ولا تأجيل ولا تغيير للقوانين كما هو الحال اليوم حيث تصاغ التشريعات وتوضع الدساتير تبعاً لدين الملك ومن حوله، وعندما يوجد المجتمع طبقاً لما قرره الإسلام وبعد أن تتخذ كل الضمانات للتثبت من حقيقة قيام المتهم بارتكاب جريمته فإن العدالة الإسلامية توجب إيقاع العقوبة دون تهاون ولا يكون هناك محل لأي شفاعة بعد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم قولته التاريخية المشهورة: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»(2).

العقوبة لرد الشاذين:

ثم تأتي مرحلة أخرى مكملة للمرحلة الأولى حيث مرحلة الإيمان التي بها تستقيم الحياة، ولكن لما كان في المجتمع من هو ضعيف الإيمان ومريض القلب والمنافق الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر وغير ذلك؛ كانت هناك مرحلة أخرى مكملة لتقويم المجتمع المسلم وآخذة به إلى بر الأمان ألا وهي مرحلة العقوبة الشرعية حيث وبعد ذلك التهذيب الحقيقي لأخلاق وسلوك الأفراد، شُرِّعَت العقوبات لتردع القلَّة الشاذَّة عن هذا المنهج، لئلا تتفشَّى عدواها في المجتمع الإسلامي مرَّة ثانية، وهي في الوقت نفسه مطهِّرة لصاحبها، مخلِّصة له من عقاب الله في الدار الآخرة، فمن عوقب على ذنبه في الدنيا وفقاً لأحكام شرع الله، لقي الله تعالى طاهراً نظيفاً ما عليه ذنب، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه في حديث بيعة العقبة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «... فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه»(3)، فهي صفة تختص بها العقوبة في الإسلام تلك هي أنها مكفرة بمعنى أنها تكفر عن الذنب وتطهر صاحبها من أدرانه، ومن هنا كانت تلك الظاهرة الفريدة أن يسعى من يقترف ذنباً لتوقيع العقوبة صائحاً "طهرني" وفي هذه الحالة تنتفي كل أثارة من أثارات المهانة ويستحق المذنب ثواباً يشمل المئات، وهذه الحالة تختلف كل الاختلاف عما يحدث في المجتمعات الأوروبية عندما تستنفر السلطات كل وسائل الضبط لإيقاع المتهم متلبساً بالجريمة وما يحدث من إنكار المتهم ومحاولة المحكمة التوصل إلى الأدلة بمختلف الطرق.

وأن تكون العقوبة مكفرة يقتضي أن لا يقتصر أثر التكفير على الحياة الآخرة ولكن الدنيا أيضاً بمعنى أن العقوبة لا تستتبع عقوبات تكميلية كما هو الحال في القوانين الوضعية وهذه العقوبات قد تكون أسوأ من العقوبة الأصلية لأنها تضم فيما تضمه الفصل من العمل.

درء الحدود:

لم تكن الحدود في الإسلام للتشفي من مقترف الجريمة ولا للتنكيل به أو القضاء عليه وإنما هي وسيلة لتصحيح الخطأ الذي وقف فيه وانتشاله من المستنقع الذي وقع فيه ولأخذ الحق منه إن كانت الجريمة متعلقة بحقوق الآخرين وأخيراً لردع الآخرين عن الوقوع بمثل ما وقع به ذلك المخطئ، ولهذا حرص الشارع الحكيم أن لا تقام العقوبة إلا بعد أن تستنفد كافة الوسائل التي من شأنها أن تحد الجاني عن جنايته دون أن يقع الضرر على المجني عليه ولا على الجاني جهد الإمكان، ولذا أمر القاضي أن يكون رؤوفاً بالمخطئين، فيخفِّف عنهم العقاب أو يمنعه لأيِّ شبهة تمنع تطبيقه؛ بغية إعطائهم الفرصة للتوبة والإصلاح، فعن السيِّدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخَلُّوا سبيله فإنَّ الإمام إنْ يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»(4).

وبالإضافة إلى أن الإسلام أمر القاضي بالرأفة بالخاطئين، فإنه دعا المسلمين إلى أن يستر بعضهم هفوات بعض، خصوصاً إذا كان الخاطئ متستِّراً غير مجاهر بالخطأ، وأعطى صاحب الحقِّ سلطة العفو ما لم يعلم بها ولي الأمر، وعندها لا يقبل منه العفو، لأن الحقَّ تحوَّل إلى حقٍّ عام، فوق كونه حقاً شخصياً لصاحبه.

إن العقوبة في الإسلام شُرعت انطلاقاً من هذه المبادئ، وتحقيقاً لهذه الأهداف، ولا يجوز النظر إليها إلا من خلال هذه المفاهيم(5).

العقوبات والعدالة:

ومن جانب آخر يجب علينا أن لا نغفل مسألة العدل التي أكد عليها الإسلام أيما تأكيد بل وأعطاها الحصة الكبرى لمن تأمل نصوص الشرع، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].

ولهذا لم يهتم الشرع بأمر المشاعر وعواطف الجاني إذا ما تعارضت والعدل الذي به تقوم الحياة ولا ريب، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2].

وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]، ولهذا تصور بعض المستشرقين والمثقفين ثقافة أوروبية أن العقوبات الإسلامية التي تتسم بطابع من الصرامة كالجلد والقطع تتنافى -أو على الأقل- تتجافى عن العدل دون أن يخطر في بالهم -لأسباب سنشير إليها في فقرة تالية- أن معاقبة الجناة بهذه العقوبات إنما هو من باب العدل وتحقيقاً للعدل، فالعدل في الإسلام مقدم على مشاعر الآخرين خاصة وإن كان الذي يراد النيل من مشاعره هو السبب في إشاعة الفوضى بارتكابه لجريمة من الجرائم فبها يستحق أن ينال كل جزاء مناسب لينتهي هو وأمثاله عما ارتكبوه في حق الآخرين الأبرياء.

وقد يكون القصاص من أكبر أبواب العقوبات الإسلامية ومما يدخل في إطار نقد الناقدين، ومع هذا فإنه مبني على صميم العدل، فعندما تثبت التهمة على الجاني وتستبعد من ظروف الجناية ما قد يحمل على الرأفة فإن القصاص يكون هو العدل محضاً، فإذا كان في توقيعه قسوة، فإن البادئ أظلم وعليه تقع المسئولية، وتخفيف الحكم عن مستوى الجناية المقترفة يعد في حقيقة الحال ظلماً للمجني عليه، لأن العدل هو حجر الأساس في المجتمع الإسلامي، لذلك فإن أي تسامح فيه أو تجاوز هو مما يهدد المجتمع في الصميم، وتطبيق الحدود -عند الثبوت وبعد الضمانات- رمز للتمسك بالعدل وتطبيقه ومن هنا يمكن تفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً»(6).

العقوبة مظنة الردع:

وهناك حكمة أخرى في القصاص وإقامة الحدود الشرعية هي أنه بالإضافة إلى العدل الفردي - أي ما بين الجاني والمجني عليه - فإن القصاص يحقق الردع وهو أحد الأهداف الاجتماعية للعقوبة، وهو وحده الذي يمكن أن يحسم شأفة كثير من الجرائم التي انتشرت اليوم في المجتمعات انتشار النار في الهشيم، فالقصاص وحده هو الذي يمكن أن يوقف تلك الجرائم، فإذا أردنا أن نقضي على أبشع الجرائم دون مجاوزة لحدود العدالة، فعلينا بالقصاص، ويجب عندئذ أن نستبعد كل الاعتراضات، بل يمكن أن نطبق القصاص في جرائم يحدد عقوبتها "التعزير" كما يقول الفقهاء، فلا شيء يوقف هذه الجريمة أو يتعادل معها إلا القصاص حتى وإن كان من الممكن إصدار أحكام بالنفي تطبيقاً للحديث: «من غشنا فليس منا»(7)، وهو بدوره يمثل العدل، فإننا نجد أن القصاص أكثر العقوبات فاعلية.

وقد كانت فكرة الردع هي التي جعلت القطع عقوبة السرقة، وعندما يغيب هذا المعنى، تبدو العقوبة وكأنها لا تتناسب مع الجريمة ويصبح من حق الشاعر أن يتساءل:

يدٌ بخمس مئين فضة فُدِيت *** ما بالها قُطعت في ربع دينار..

كما يجوز للأوروبيين والمحدثين أن يكتبوا عن "وحشية" العقوبة ولا جدال أن عقوبة القطع عقوبة قاسية غاية القسوة ولا أحد يسعد بها، فإن وجه الرسول صلى الله عليه وسلم تغير تغيراً شديداً عند تطبيق هذه العقوبة، ووجه الصحابة لئلا يعينوا الشيطان على إخوانهم، وفي الوقت نفسه فإنه تمسك بضرورة توقيع العقوبة عندما تثبت وتصل إلى السلطان، ولما كانت جريمة السرقة هي أكثر الجرائم شيوعاً في المجتمع وأنها في حد ذاتها ذات طبيعة اجتماعية، فإن العدل بالنسبة للمجتمع أولى من تطبيق العدل بالنسبة للجاني، والعدل بالنسبة للمجتمع هو "الردع"، والقطع مع أنه أهون من القتل الذي كانت تحكم به المحاكم في الدول الاشتراكية على من تثبت عليهم السرقة، فإنه أشد فاعلية من القتل، ولعل في القطع حكمة أخرى ألا وهي منح السارق فرصة للتوبة النصوح لأن في قطع يده التي اجترأت على المعصية وأخذ حق الغير والتي قد أدمنت على هذا الفعل الشنيع فلا يستطيع الإقلاع عنه وآلته موجودة فربما يتوب مع نعمة زوالها عنه واستأصالها منه وإبعادها، فإنه سوف يجد الفرصة المواتية للتوبة والندم وشق طريق جديد نحو الآخرة التي منعته منها تلك اليد المعادية.

وقد أثبتت التجارب والوقائع أن هذه العقوبة تحقق هدفها فتهبط بالجريمة إلى الحد الأدنى وتكاد تختفي، وهذا إنجاز عظيم يضاف لحكمة إيجابيات الشرع؛ لأنها في الوقت الذي تحقق هذه النتيجة المنشودة التي لا تصل إليها أبداً المجتمعات الحديثة، فإنها تحد من مرات توقيع العقوبة فكأنها تحكم على نفسها، وبهذا يتحقق الإنجاز العام بأقل التضحيات، وكذلك الكلام بالنسبة لعقوبة الجلد باعتبارها مهينة للكرامة الإنسانية، ولا جدال في أنها مهينة ولكن اقتراف الجريمة يدخل الجاني في مجال وبيل تختلف معاييره بعد الدخول فيه عنها قبله، والعقوبات بأسرها تتضمن عنصراً من عناصر المساس بالكرامة، وقد استعظم الإسلام الضرب دون جريمة إلى درجة جعلته مبرراً لتحرير العبد المضروب دون مبرر، ولكن التورط في الجريمة يوجد وضعاً جديداً، فهي توقع على شخص الجاني فلا يضار غيره بها، كما يحدث عندما يحكم عليه بالسجن مثلاً، فيضار أهله بانقطاع كسبه وحرمان أسرته من رعايته دون أن يكونوا قد اقترفوا إثماً، وفي السجن بعد من المهانات التي تستمر لسنوات ما يصغر أمامها مهانة الجلد الناجزة.

عقوبة أم انتقام:

ومما تجدر الإشارة إليه أن عقوبة القطع بالنسبة للسرقة طبقت في بريطانيا حيناً ما، وكانت العقوبات الجنائية فيها في غاية القسوة وفاق عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام المائة، ولم يكن يستثني حتى الأطفال منها، وفي القرن السادس قبل الميلاد كانت بعض الولايات اليونانية تعاقب بالموت من يسرق تفاحة... وفي الدول الاشتراكية كان القتل هو عقوبة السرقة، وقد روت صحيفة أخبار اليوم (عدد 3 شوال 1415 هـ- 4 مارس 1995م) تحت عنوان "المؤبد عقوبة سرقة البيتزا في أمريكا" وجاء فيه (ص 10): "لوس أنجلوس - وكالات الأنباء: صدر حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة 25 عاماً ضد الأمريكي جيري ويليامز بتهمة سرقة قطعة بيتزا من بعض الأطفال وهي نفس العقوبة التي يحددها القانون لجريمة الاغتصاب، وقد رفضت المحكمة اعتراض محامي المتهم على العقوبة باعتبارها لا تتناسب مع الجرم الذي ارتكبه ويليامز وقالت إن المتهم من أصحاب السوابق وسبق إدانته في أربعة جرائم سرقة من قبل.

وكان المتهم قد قبض عليه في يناير الماضي بعد أن اختطف قطعة من فطيرة البيتزا من أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 7 و15 سنة، وقال ممثل الإدعاء إن ما ارتكبه المتهم هو جريمة سرقة بالإكراه، ووفقاً لقانون كاليفورنيا فإن تكرار ارتكاب جريمة السرقة - بصرف النظر عن حجمها - يجعل من حق النيابة اعتبارها جناية"(8).

والإشارة التي جاءت في هذا النبأ عن أن المتهم سبق إدانته في أربع جرائم سرقة من قبل تبرز لنا إحدى الحقائق الهامة وهي أن الغالبية العظمى من المجرمين هم من الذين سبق لهم اقتراف جرائم وحكم عليهم بالسجن وأن بعضهم مسجل "كشقي خطر" وأن جريمة السجن لا يمكن أن تكون عقوبة رادعة، بل إن السجن نفسه هو في معظم الحالات مدرسة الإجرام، فإذا لم يكن السجن هو العقوبة الرادعة - فليس إلا القطع أو الجلد التي قررها الإسلام، ولعلها أن تكون عند احتساب الأبعاد العديدة للموضوع - أرحم من السجن للمتهم نفسه وللمجتمع أيضاً.

أوروبا وكابوس الجريمة:

لا نزال نسمع بين الفينة والأخرى ومن هنا وهناك وخاصة من بلاد الغرب وما جاورها ولأسباب ربما بعد تلك البلاد من الناحية الدينية والجغرافية عن بلاد الإسلام - وإن كانت هذه الأخيرة لا تمثل الإسلام الحقيقي الذي جاء به الشرع الحنيف- أقول لا نزال نسمع من يقول بأن العقوبات في الإسلام لا تتناسب والعصر الحالي بل ولا حتى طريقة تطبيقها، ولذلك يغلب دائماً رغم كل ما قدمناه من إيضاح لاتفاق العقوبة الإسلامية مع العدل أن لا يتقبل الفكر الأوروبي هذا الإيضاح ويظل عازفاً عنه والسبب في ذلك أن هناك فرقاً أصولياً في فهم الإسلام للعقوبة وفهم المجتمع الأوروبي لها يعود إلى الاختلاف في الجذور الحضارية.

فالجذور الحضارية للمجتمع الأوروبي تعود إلى اليونان فالرومان فالإحياء ثم عصر "التنوير" وما تلاه ذلك حتى الحقبة المعاصرة وجذرها جميعاً هو "الإنسان" وفلسفتها جميعاً من الإنسان وللإنسان. وليس للدين من دور حقيقي لأن أوروبا وثنية، إلهها هواها، وقد فعلت بالمسيحية الأفاعيل لتطوعها طبقاً لمفاهيمها، ونظمها السياسية هي صورة مطورة لما عرضه أرسطو في "السياسة" ما بين ديمقراطية وأرستقراطية وصور من "الأوليجاركية" بالإضافة إلى الديكتاتورية التي ابتدعها الرومان(9).

ولذا فقد أثمرت عن هذه الأوضاع الحالية للمجتمع الأوروبي، وأبرز هذه الأوضاع هو الوضع الديمقراطي الذي هو محل فخر أوروبا ورمز حضارتها، وهو وضع يفترض فيه أن تكون السيادة للشعب ولكن تجربة التاريخ تكرر في الحاضر ما حدث في أثينا وروما بصورة حديثة.

إن مأساة الحضارة الأوروبية هي أن الإنسان فيها ما أن يبدع شيئاً ليحرر نفسه حتى ينقلب هذا الشيء عليه لأنه يصبح في أيدي "المؤسسات" فعندما اخترع الآلة لتحرره من لعنة الكدح العضلي؛ تصور روبرت أوين أن أربع ساعات عمل ستصبح هي ساعات العمل المقررة إذ سيمكن الآلات في هذه الساعات أن تغمر السوق بسلع ما كان يمكن للكدح العضلي أن ينجزها إلا بأسابيع عمل طوال... وتوصل دافي إلى مصباحه الساذج ليؤمن الفحامين النزول إلى أعماق ينعدم منها الأكسجين، وتوصل الإنسان إلى الطباعة وإلى الإذاعة وإلى التليفزيون ليثقف نفسه.. الخ.

إن كل هذه النعم استغلت ضد الإنسان؛ فالرأسمالية أرادت الملايين والبلايين، وكان لابد أن تسخر الإنسان ليعمل ثمان أو عشر ساعات أمام الآلات، واستغل أصحاب المناجم مصباح دافي فأخذوا يزجون بالفحامين إلى أعماق سحيقة في أمن المصباح؛ لتنهار عليهم المناجم! أما الإذاعة والتليفزيون فقد أصبحت أقوى وسائل "المؤسسات" في الهيمنة على الفرد وتسييره حسبما تشاء، وأصبحت الكلمة الأخيرة في كافة المجالات للمؤسسات ولما تنتهي إليه المؤسسات من منطلق مصالحها.

على أن أوروبا تستحق مأساتها - وكما تكونوا يولى عليكم - فقد كان لابد من أن يحدث هذا ولو لم يحدث لكان اختلافاً كمياً وليس نوعياً لأنه إذا تُرِك الإنسان ونفسه دون هداية من الله فلابد أن يضل، فالغريزة آصل وأغلب من العقل، ووهج الشهوات والعواطف والأهواء أشد جاذبية من نور الحكمة ولحكمة ما سخر الله تعالى الشيطان ليزينها للعباد ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39].

وكانت النتيجة أن المجتمع الأوروبي في تمجيده للحرية والعمل والانطلاق وفتحه الباب للمبادآت الفردية تقبل ضمناً ومن باب الضرورة خلال هذه الممارسات ما يمكن أن يعد سرفاً أو شططاً أو يشارف مستوى الجريمة، إن الجريمة الحقيقة هي السلبية والخمول والفقر، أمّا ما يمكن أن يأتي به العمل والحرية كائناً ما كان فتظل له فضيلة العمل والأقدام ويمكن أن يمرره المجتمع.

وكما أن آليات السوق جعلت من البطالة جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي فإن هذه الآليات جعلت الجريمة أيضاً جزءاً لا يتجزأ من النظام الاجتماعي، وأصبح كلاً من المتعطل والمجرم "ضحية" للنظم يستحق العطف ومن هنا جاءت تلك الصيحة التي تنبعث تلقائياً من قاعة المحكمة عندما تعلن المحكمة تبرئة المتهم "يحيا العدل!" دون تحقيق لما إذا كان العدل هو في تبرئة هذا المتهم أو إدانته.

وعَمَّق هذه النظرة وأضاف إليها بعداً جديداً عدم وجود المعيار الموضوعي لتقرير العدالة فالمفاهيم التي تطرحها آليات المؤسسات كلها ذاتية، ويمكن تتبع هذا من أثينا فروما فالحقبة المعاصرة، ففيها جميعاً كانت الفئات المميزة تتمتع بإعفاءات أو حصانات من المحاكمات أو العقوبات، وفيها جميعاً كانت الفئات الدنيا تحمل بأثقال وتجازى بعقوبات أضعاف ما تجازى به الفئات المميزة.

وقد حقق المجتمع الأوروبي ما دعا إليه ميكيافيلي من الفصل ما بين السياسة والأخلاق، كما حقق الفصل ما بين الاقتصاد والأخلاق الذي دعا إليه آدم سميث ومراكس معاً، وتقبل مقولة كلاوزفست عن "أن الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل أخرى" ونتيجة لهذا أصبح الهامش ما بين الخير والشر متآكلاً متداخلاً، ووجدت العدالة الأوروبية نفسها عاجزة أمام هذا التداخل، تقف كأم لأبن شرير لا يستطيع أن توقع عليه العقوبة العادلة التي يستحقها لأنه - بعد كل شئ - ابنها ولم يكن مناص، والقيم الحضارية الأوروبية على ما هي عليه اليوم؛ فإننا نشهد كذلك ظهور الجريمة المنظمة والصور العديدة التي تأخذها "المافيا" والتعاون ما بين بعض العصابات وسياسيين أو أجهزة أو مؤسسات وأخيراً شيوع الفساد بين المسئولين الحكوميين.

وآخر صيحة في هذه المسيرة هي "حقوق الإنسان" التي أضفت شرعية على صور من الانحراف لا يقتصر أثرها السيء على ما بين المقترفين لها، كما في العلاقات الجنسية الشاذة ولكن أثرها يمتد إلى الآخرين فيما تحمله من عدوى تنقل الأمراض إلى الأبرياء الآخرين، أو حرية حمل السلاح وما تغري به من عدوان أو حرية إدمان المخدرات وما ينتهي إليه من استعباد المدمن، بل إن شيوع "البلطجة" والانحراف في بعض المدن الأمريكية حرم على عامة الناس الخروج ليلاً أو السير في الشوارع وسمح بوقوع أسوأ الجنايات في المجتمع الأوروبي والاغتصاب علناً وجهرة دون استطاعة أحد التدخل.

إن حاضر المجتمع الأوروبي اليوم لهو أكبر شاهد على جريرة التسامح مع الجريمة وعدم وجود معايير موضوعية للعدالة تفرض على المجرم العقوبة التي تتكافأ مع جريمته، وتكون قاسية بقدر قسوة الجريمة، وهي قضية قد تذهب بكل منجزات الحضارة الأوروبية لأنها تدس لها السم في الدسم بعدم التفرقة بين الخير والشر وتوهن من مقاومتها بحيث تستسلم تدريجياً لوازع الشر استسلامها لوازع الربح(10).

حكمة شهادة الأربعة في جريمة الزنا:

إن شهادة الأربعة في جريمة الزنا وعقوبة الشهود إذا كانوا أقل من أربعة، واعتبار شهادتهم جريمة قذف وتشهير في حق الأبرياء؛ هو أمر إلهي أخذه المسلمون بالسمع والطاعة على مر القرون، ولكن هل استطاع العقل البشري أن يجد لهذا الأمر من حكمة مناسبة له ويلجم أفواه المرضى والمنافقين العاوين بين الفينة والأخرى بما لا يمكن أن يعده العقلاء من كلام المجانين فضلاً عن أن يكون من أناس ربما لهم شيء من العقل ولكن صدق الله العظيم حيث أخبر في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

لا يملك المرء إلا أن يلحظ إحساس الخوف الذي ينتاب عامة الناس من جرّاء وقع كلمة العقوبات الإسلامية، وما يبدو عليهم من خوف ورهبة من قسوتها المتوهمة، وإذا أحسنا الظن بالكثير فإننا نقول: إن هذا أمر فطري يرافق النفس البشرية لا سيما التي تميل إلى شيء مما يسمى الشخص الرومانسي أو العاطفي وهي حالة ربما تكون شائعة عند الكثير، ولكن لعل البعض من أولئك ربما ينفر من تلك العقوبات لحاجة في نفسه كأن يكون ممن يقومون بتلك الجرائم أو يحرضون عليها وبالتالي فهم أول الناس نفوراً وهرباً منها.

ومما لا شك فيه أن روح التشريع الإسلامي لا يمكن أن تقصد إلى إثارة ذلك الإحساس، فكل ما يصدر عن الإسلام لابد أن يكون فيه النفع والأمن والطمأنينة للبشر، مثل هذه الخواطر تمر بالذهن حين يثور الجدل حول قانون العقوبات الإسلامي، وهذا الإحساس بالخوف والرهبة يتجسد خاصة حين يدور البحث في أمر العقوبات التي شرعها الإسلام، والتي تتعلق بالأخطاء والجرائم ذات الصلة بالطبائع البشرية وما جبلت عليه من فطرية عواطفها ونوازعها، وما قد يقع فيه بعض الناس ـ وخاصة الشباب ـ من جريمة الزنا والعلاقات الجنسية غير المشروعة، وما يترتب عن ذلك من عقوبة صارمة قد تكون موتاً على أقسى صوره رجماً بالحجارة.

ولذلك فإنه ليس من المستغرب أن يقلب الإنسان بين وقت وآخر نظره وأن يعمل ذهنه في قضايا هذا القانون، ومن هذه القضايا التي يمكن أن تخطر بالبال وأن تمر بالذهن دون أن تتضح حكمتها، اشتراطُ شهادة أربعة شهود شهادةً صريحة قاطعة لإثبات جريمة الزنا، وذلك في الوقت الذي يكفي لإثبات جريمة القتل والقصاص شهادة اثنين فقط.

فإذا واجه الدارس قضية الفهم السلبي لأمر مهم وخطير كقضية طبيعة العقوبات الإسلامية والغاية منها، فإن الحل لابد أن ينبثق من خلال منهج شمولي إسلامي متكامل، فهذا هو المنهج الذي يمكن أن ينظر بواسطته في قضايا نظام العقوبات الإسلامي وغاياته ومقاصده وحكَمه، دون قهر روح الإنسان وتحطيم ثقته بذاته وفطرته وإشاعة مشاعر الخوف والرعب في ثنايا نفسه، والانتهاء به إلى خضوع العبد المقهور خوفاً ورهبة، لا خيارَ الحر الكريم في إتباع سبل الخير والرشاد.

ولنأخذ لما قلنا مثالاً بسيطاً نتعايش معه ونلمسه ونحس به، فعلى سبيل المثال لا الحصر نأخذ حالة الإنسان وما يحتاجه في حياته من أناس يأنس بهم دون أن يكون لذلك تأثيراً سلبياً كبيراً على مجريات حياته الآنية فنقول: إن الأربعة صحبة تختفي فيها كثير من السلبيات ويتحقق معها كثير من الفوائد، فنحن نجد أنه إذا توثقت العلاقة بين اثنين لأمر ما فسوف يجد الآخران في صحبتهما لأحدهما الآخر تعويضاً ومتنفساً، ولابد أن تنتهي العلاقة بين الأربعة بشكل عام إلى حالة تفاعل اجتماعي وصحبة جماعية شاملة، كما أننا سنجد أيضاً أنه إذا قام نزاع بين أي طرفين من الأطراف الأربعة فإن وجود أطراف أخرى سوف يسهل مهمة فض النزاع وإعادة المياه إلى مجاريها وهذا مصداقاً لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه»(11)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب»(12).

إن دلالة جمع الأربعة من الناحية الاجتماعية والنفسية، تلقي ضوءاً جديداً على دلالة اشتراط نصاب الأربعة شهود في حد جريمة الزنا من الناحية النفسية والاجتماعية، حيث أن الدلالة الاجتماعية النفسية لاجتماع الأربعة تضع حداً للتساؤل الذي كثيراً ما كان يخطر بالبال عن حكمة اشتراط أربعة شهود لإثبات جريمة الزنا وإنزال العقوبة بأطرافه، كما أن هذا التحليل يوضح معنى إنزال العقوبة بالشهود إن قل عددهم عن أربعة أولم تكن شهادتهم صريحة قاطعة بما يجعل القصد منها الإشهار والإصرار وإشاعة الفاحشة بين الناس.

حيث أن للعدد أربعة دلالة نفسية واجتماعية كبيرة، فقد وجد أن الأربعة يمثلون الحد الأدنى للتفاعل الاجتماعي الإنساني المتكامل مع كل ما يمكن أن ينشأ عنه من توازن اجتماعي وإشباع للحاجات الإنسانية، ولذلك كان الحد الأدنى لإثبات جريمة الزنا أربعة شهود، يشهدون شهادةً صريحة قاطعة، لأن شهادة الأربعة تعني الإشهار في أربع، أو فعل هذه الفاحشة بمرآى من أربعة أشخاص ومَن أشهر في أربعة فقد أشهر في مجتمع، فالأربعة هو الحد الأدنى لما يمكن أن يسمى مجتمعاً.

وهكذا يتضح من هذا التحليل وما قاد إليه من إدراك لدلالة شهادة الأربعة أن المعيار هو اعتبار أن الفعل قد تم أمام المجتمع جهراً وعلانية، وفي ذلك إشاعة وللفاحشة والفساد، وعدوان على حرية الآخرين وخيارهم، وتعريض لهم ولصغارهم دون خيار منهم لمفاسد المنحرفين، والله سبحانه وتعالى لا يحب الجهر بالسوء.

أما عقوبة الشهود الذين يقل نصابهم عن الأربعة ولو كانت شهادة صريحة قاطعة، فقد اتضح مما تقدم أن حكمتها في أن عقوبة الجلد أو الرجم إنما هي للإشهار وليست للفعل في حد ذاته، وذلك معناه أن الشهود دون الأربعة قد حولوا ما هو زلة أو خطيئة تمت في خفاء ليصبح فضيحة وتشهيراً، وأن ما كان في دائرة الخاص تم إخراجه إلى دائرة العام، ولذلك لا يجب أن تغيب عن أذهاننا دلالةُ اشتراط الشهود الأربعة لإثبات جريمة الزنا لأنه لو كانت عقوبة الجلد أو الرجم للفعل لكفى فيها اثنان، ولكان للقرائن مكانها في إثبات الفعل، ولذلك فلابد من أربعة شهود ولابد أن تكون الشهادات صريحة قاطعة بقصد الإشهار، قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ [النور: 4-5].

وفي معالجة الرسول صلى الله عليه وسلم النفسية والتربوية في هذا المجال قدوة حسنة، فنحن نجد أنه صلى الله عليه وسلم حين أتاه فتى يافع أجهدته شهوته يستأذنه في الزنا، يلجأ إلى أساليب المعالجة التربوية الفعالة في مدافعة غريزة الفتى وشهواته وتمكين نفسه من ضبط غرائزها والتحكم فيها ولذلك قرب الرسول صلى الله عليه وسلم الفتى إليه في رفق ولم يلجأ إلى نهره أو زجره في هذا الموقف الحرج، بل ولم يتهدده أو يتوعده أو يصب على رأسه مواعظ العذاب والتحريم، بل نجده صلى الله عليه وسلم يخاطب قلب الشاب وكرامته ومكامن الخير في نفسه وطبعه، وذلك حين يذكره بأن كل النساء أمهات وأخوات وخالات وعمات، فإذا كان لا يرضى أن يدنس الناسُ عرضَه، فكيف يرضى لنفسه أن يدنس أعراض الناس وأن يرضى لهم ما لا يرضى لنفسه.

ووجّه الرسول الكريم النصح إلى شباب الأمة بأسلوب عملي لمدافعة الشهوات بالحض على الزواج والإحصان، أو رياضة النفس وعونها على الطاعة والطهر والبعد عن المعصية والفحش فقال: «يا معشر الشباب! مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومَن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء»(13).

وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 32]، وقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30].

ويستفاد مما سبق أيضاً أن الجهر والإشهار والإصرار هي الأمور المقصودة عامة فيما يتعلق بنزوات النفوس والغرائز، مثل الزنا وشرب الخمر وتعاطي المخدرات، ولذلك نجد أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين اطلع خلسة على شاربي خمر في منزلهم باعتلاء جدار الدار ورأى من أمرهم ما رأى وأراد عقابهم، جادلوه بأنهم كانوا في خاصة وخلوة ولم يجهروا بالسوء، لذلك عدل الخليفة الراشد عن عقابهم وملاحقتهم(14).

وعلى العكس من ذلك فإننا نجد أن العقوبة في الأموال والدماء مقصود بها الفعل لذاته، ولذلك نجد أنه وفق قواعد الشريعة يكفي لإثبات الأموال والدماء شاهدان من العدول، ولا يمكن قياساً على جرائم الغرائز وخطاياها التفريطُ في الدماء والأموال ودرء العقوبات بحجة الخصوصية وعدم الإشهار، بل يكفي في إثبات جرائمها اثنان من الشهود كما يؤخذ بالقرائن في إثباتها حفظاً للحقوق والأموال وحقناً للدماء.

الأمن والعقوبات في الإسلام:

بادئ ذي بدء نذكّر بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] لقد قرن الله سبحانه الإيمان وتحقيقه والذي هو لب الأمر وأسه بزوال الشرك، وعبر عنه هنا بالظلم، ليكون كلاً من الإيمان والتوحيد أساساً وشرطاً لحصول الأمن مما يوحي وببداهة بسيطة أن الأمن أمر مهم جداً ولا يمكن أن تحيا الشعوب وتزدهر وتتطور بدونه، وعلى قدر أهميته وضرورته للناس كانت له شروط لتحقيقه وحصوله، ومن هنا نجد أن الأمن جزء من الإيمان والتوحيد واللذان يقومان على الاعتقاد والعمل، ولذا فإن الحكمة الأعم في أمر العقوبات في النظام الإسلامي أنها تهدف إلى إشاعة الأمن في المجتمع المسلم وحماية أعضائه من عدوان المعتدين، سواءاً في أمر النزوات والغرائز أم في أمر الأموال والدماء.

ففي حالة خطايا النفوس ونزواتها التي لا يملك الإنسان عامة أن يأمن الوقوع فيها وفي كل الأحوال وطيلة حياته، نجد أن عقوبة هذا النوع من الخطايا والجنايات ليست مقصودة للفعل في ذاته، ولكنها لعملية إشهاره والإصرار عليه بما يترتب عليه، والنزوات لا يتطلب إرضاؤها أو الوقوع في أوضارها الإشهار، فمن أشهر ليس له مخرج من العقاب، وذلك حفظاً لأمن الناس ورعاية لحقوقهم الدينية والخلقية، وبذلك فإن الفرد لابد أن يشعر بالأمن والطمأنينة لا الخوف والرهبة حين يعلم أن الحكمة من العقوبة التي تتعلق بالجرائم الناجمة عن النزوات هي منع أهل الفساد من إقحام فسادهم في حياة الناس وأهليهم والتغرير بصغارهم دون إرادة أو رغبة منهم، فإنزال العقوبة بالمفسد المستهتر تبعث الطمأنينة والإحساس بالأمن في نفوس أفراد المجتمع، وقسوة العقوبة إلى جانب أنها حماية حاسمة وصارمة لحقوق الإنسان الأساسية في الخيار، فإنها تدل أيضاً على فداحة الفاحشة وما يترتب عليها من آثار اجتماعية خطيرة في مجال الأسرة والمجتمع.

الحرية والعقوبة:

إن من أهم مزايا أحكام الشريعة الإسلامية ونظام المجتمع الإسلامي، معرفة معنى الحرية الإنسانية وإدراك حدودها، وذلك على غير حال المجتمع العلماني المادي الذي يبدو أنه قد فقد الدليل لمعرفة معنى الحرية الإنسانية ومغزى ضوابط النظام الاجتماعي الإنساني، وهذا الجهل والتخبط في هذا الأمر الأساسي يؤدي بالضرورة إلى الفوضى في العلاقات الإنسانية ويؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي الإنساني برمته، فكل نظام في الوجود له حدود وقواعد، وليس النظام الاجتماعي الإنساني في ذلك بدعاً، ولذلك يجب مراعاة أسس النظام الإنساني وقواعده وحدوده والوقوف عندها، وعدم القدرة على معرفة قواعد النظام الاجتماعي وحدود أدائه يعني انجراف ذلك النظام حتماً إلى التدهور والانهيار.

أما الجرائم المتعلقة بالأموال والدماء فإننا نجد أن العقوبة فيها على العكس من عقوبة جرائم الغرائز والنزوات، مقصودة للفعل في ذاته وليس للإشهار، فالإنسان السوي من عامة الناس لا يضمر في نفسه قصد قتل الأبرياء أو سرقة أموالهم وممتلكاتهم، ولكن الإنسان السوي من عامة الناس لابد أن يخطر بباله إمكان تعرضه خلال حياته للعدوان على حياته أو ماله، ولذلك فإن هذا الإنسان يجد في عقوبة العدوان على الأموال والدماء وتوجهها إلى واقعة الفعل في ذاته حمايةً له وحفظاً لأمنه.

وإذا كان المقصود من عقوبة العدوان على النفوس والأموال توفيرَ الحماية للأبرياء، فإن هذا لا يعني أيضاً قصد العقاب لذاته، فالعقاب ليس غاية في حد ذاته في كل الأحوال، ولكن القصد هو تحقيق الأمن، وما يتحقق به الأمن في حده الأدنى هو الحد المطلوب من العقوبة، ولذلك فإن الشريعة أعطت أولياء الدماء الحق في العفو وشجعت عليه، لأن العفو إنما يصار إليه عند القدرة، والإحساس بالأمن.

إذا أدركنا طبيعة نظام العقوبات على الوجه الذي سلف، وتكامل فهمنا للطبائع مع فهم هداية الوحي، فإن نظام العقوبات الإسلامي يصبح كما أسلفنا مصدراً للإحساس بالأمن والطمأنينة على عكس ما يسببه العرض الناقص لهذا النظام، ذلك العرض الذي يروج لصورته المرعبة والمشوهة بعضُ المخلصين عن جهل، وبعضُ أصحاب الأغراض عن حقد، مما يؤدي إلى إشاعة الخوف والرهبة وانعدام الإحساس بالأمن بشكل واع أو غير واع في نفوس عامة الناس، فيقضي على مشاعر الكرامة والمبادرة والإبداع الخير في نفوسهم.

وجه الإعجاز:

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: 119] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: 170] لا يخفى بعد ما تقدم الحكم العظيمة للعقوبات في التشريع الإسلامي، حيث لا تمر فترة من الزمن إلا وانكشف لنا الكثير من الحكم في ثنايا التشريع الإلهي العظيم الذي جاءنا به خالقنا سبحانه، فها نحن نرى العجائب من خلال النظر في أسرار التشريع الإلهي وما ينطوي عليه من مميزات إذا ما قارناه مع تلك القوانين الوضعية التي لا تكاد تصدر حتى تموت في مهدها لما يترافق معها من أخطاء وهفوات لا تغتفر بالإضافة لما تسببه تلك القوانين والأحكام من قسوة وآلام لا يمكن تجاوزها ولا تصحيحها إلا بالإقلاع عنها جملة وتفصيلا والرجوع إلى شرع الخالق الذي خلق الخلق وهيأ لهم ما ينفعهم ويصلحهم في الدنيا والآخرة، ولا مجال للمقارنة من هذه الناحية بين الشرع وبين قوانين المخلوقين لأن الذي وضع تلك القوانين لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكها لغيره من سائر المخلوقات بينما نجد أن الشرع وهو يضع الحدود يذكر الجاني قبل فعل الجريمة وبعدها بعظيم رحمة الله وعظيم ثوابه لمن جاهد نفسه وأقلع عن معصيته بل لمن نوى المعصية ثم عزف عنها كما في الحديث: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هو هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة»(15).

فإن الله سبحانه يعلم حتى بنية المخلوق ويكتب له الأجر عليها وحينئذٍ لا يبقى للمخلوق فرصة للتهرب من مسؤوليته أمام المجتمع فضلا عن مسؤوليته أمام الخالق ليكون عنصرا فعالاً إيجابياً ساعياً لفعل الخير ومتجنباً للشر، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32]، وقال الله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108].

وقال الله تعالى﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: 1].

وقال الله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54].

إعداد: قسطاس إبراهيم النعيمي.

مراجعة: علي عمر بلعجم.

____________________

(1) ينظر الموافقات للشاطبي 1/ 38.

(2) البخاري 3/ 1282، برقم: 3288.

(3) البخاري 1/ 15، برقم: 18.

(4) الحاكم4/ 426، برقم: 8163، وقال الألباني: ضعيف، ينظر: مختصر إرواء الغليل، 1/ 468، برقم: 2355.

(5) موقع - http://www.khayma.com/ayat/b8-k4-f1.html

(6) سنن ابن ماجة2/ 848، برقم: وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم: 231.

(7) صحيح مسلم 1/ 99، برقم: 101.

(8) نظريّة العدل في الفكر الإسلامي، أخذا من موقع:

http://www.islamiccall.org/Nazariyyatul'adl_2b.htm

(9) نظرية العدل في الفكر الإسلامي، أخذا من موقع:

http://www.islamiccall.org/Nazariyyatul'adl_2b.htm

(10) موقع - http://www.islamiccall.org/Nazariyyatul'adl_2b.htm

(11) صحيح مسلم 4/ 1718، برقم: 2184.

(12) صحيح ابن خزيمة4/ 152، برقم: 2570، قال الشيخ الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 7144 في صحيح الجامع.

(13) البخاري برقم: 4778، 5/ 1950.

(14) إسلامية المعرفة/ العدد14/ 1998م.

(15) البخاري 5/ 2380، برقم: 6126.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: