حكم العتيرة في شهر رجب
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فلقد اعتاد الناس في مدينة صنعاء وضواحيها إلى عهد قريب، أن يقوم الرجل في رجب بدعوة أقاربه ومحارمه، ولا يزال هذا العرف في بعض المناطق سارياً إلى يومنا هذا، والبعض منهم ربما ذبح في مثل هذه المناسبة، ليكرم ضيوفه هؤلاء، وقد وجد التساؤل عند الناس عن حكم هذه الوليمة، وهذا الذبح؛ فعزمت على بحث هذه المسألة.
وسيكون البحث على النحو الآتي:
1. تعريف العتيرة لغة.
2. تعريف العتيرة عند الفقهاء.
3. معنى رجب.
4. الأحاديث الواردة في العتيرة.
5. العتيرة عند فقهاء المسلمين.
6. الدليل على نسخ ذبح العتيرة عند القائلين به.
7. الرد على من قال بنسخ العتيرة.
8. الدليل على كراهة العتيرة.
9. الدليل على أن العتيرة مباحة.
10. الخلاصة والترجيح.
فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبنا، ونِعم الوكيل:
تعريف العتيرة:
قال الجوهري: "عتر العِتر بالكسر: الأصل. وفي المثل: عادت لعِتْرِها لَمِيسُ، أي رجعت إلى أصلها. يُضْرَبُ لمن رجع إلى خُلقٍ كانَ قد تركه... والعِتْر أيضاً: العَتيرة، وهي شاةٌ كانوا يذبحونها في رجبٍ لآلهتهم، مثل ذِبْحٍ وذَبيحةٍ. وقد عَتَرَ الرجل يَعْتِرُ عَتْراً بالفتح، إذا ذبح العَتيرةَ. يقال: هذه أيّامُ ترجيب وتَعتار. وعتر الرمحُ: اضطرب واهتزَّ، يَعْتِرُ عَتْراً وعَتَراناً"(1).
وقال الصاحب بن عباد: "عَتَرْتُ الشاةَ: ذَبَحْتَها، وكانوا يذبَحون الشاةَ في رَجَب، ثم يصبُون دَمَها على رأس الصَنَم، هذا في الجاهليَّة، ويُسَمُّون تلك الشاةَ: العَتِيْرَةَ والمَعْتُورةَ والعِتْرَ. وقد سًمَوا الصَّنَمَ نفْسَه: عِتْراً أيضاً"(2).
تعريف العتيرة عند الفقهاء:
عرف الفقهاء العتيرة بتعاريف كثيرة، منها:
1. هي أول نتاج تلده الناقة أو الشاة، يذبحها صاحبها، فيأكل ويطعم.(3)
2. وقيل: شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم(4). قيل: في العشر الأول، ويسمونها الرجبية.(5)
3. وقيل: ذبيحة كانت تذبح في رجب، يتقرب بها أهل الجاهلية(6). قيل: كانوا يتقربون بها إلى الله(7), وقيل: كانت تذبح لرجب(8), وقيل: كانت تُذبح لطواغيتهم وأصنامهم، ويأكلون لحمها، ويلقون جلدها على شجرة.(9)
4. وقيل: هي الرجبية، كان أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمراً، نذر أن يذبح من غنمه شاة في رجب.(10)
5. وقيل في تفسير العتيرة: كان الرجل من العرب، إذا نذر نذراً أنه إذا كان كذا أو بلغ شاة كذا، فعليه أن يذبح من كل عشر منها كذا، في رجب.(11)
6. وقيل هي: الطعام الذي يصنع لأهل الميت.(12)
معنى رجب:
قال الجوهري: "رجب رَجِبْتُهُ بالكسر، أي هِبْتُهُ وعَظَّمْتُهُ، فهو مَرْجوبٌ. ومنه سُمِّيَ رَجَبٌ، لأنهم كانوا يعظِّمونه في الجاهلية، ولا يستحِلّونَ فيه القِتالَ. وإنما قيل: رَجَبُ مُضَرَ؛ لأنّهم كانوا أشدَّ تعظيماً له. والجمع أرْجابٌ. وإذا ضَمُّوا إليه شَعبان قالوا: رَجَبانِ. والترجيبُ: التعظيم. وإنَّ فلاناً لَمُرَجَّبٌ. ومنه ترجيبُ العَتيرَةِ، وهو ذَبْحُها في رَجَبٍ. يقال: هذه أيامُ ترجيبٍ وتَعْتارٍ"(13).
الأحاديث الواردة في العتيرة:
الأحاديث التي وردت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرة منها:
1. عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفاً مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفات، فسمعته يقول: «يا أيها الناس! على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة. هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، ولا نعرف هذا الحديث، إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون(14)، قال أبو داود: العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ.(15)0
2. وعن نبيشة -رضي الله عنه- قال: نادى رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: «اذبحوا لله، في أي شهر كان، وبروا الله عز وجل، وأطعموا. قال: إنا كنا نفرع فرعاً في الجاهلية، فما تأمرنا؟ قال: في كل سائمة فرع، تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحمل، (قال نصر: استحمل للحجيج) ذبحته، فتصدقت بلحمه» قال خالد: أحسبه قال: «على ابن السبيل، فإن ذلك خير»(16). وقد حمل المجيزون للعتيرة هذا الحديث على أن الذبح لله يكون في أي شهر، لا أنه في رجب فقط. قال الشافعي: "قوله صلى الله عليه وسلم: «إذبحوا لله في أي وقت كان» أي: اذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان؛ لا أنها في رجب دون غيره من الشهر"(17).
3. وعن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن أبيه وزيد بن أسلم قالوا: «يا رسول الله! الفرع؟ قال: حقٌ، فإن تركته حتى يكون بكراً، فتحمل عليه في سبيل الله، أو تعطيه أرملة، خير من أن تذبحه، فيلصق لحمه بوبره، فتكفئ إناءك، وتولّه ناقتك" قالوا: يا رسول الله! فالعتيرة؟ قال: العتيرة حق»(18). زاد أحمد قوله: "قال بعض القوم لعمرو بن شعيب: ما العتيرة؟ قال: كانوا يذبحون في رجب شاة، فيطبخون ويأكلون ويطعمون"(19).
4. وعن الحارث بن عمرو أنه لقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، وهو على ناقته العضباء، فأتيته من أحد شقيه، فقلت: «يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، استغفر لي. فقال: "غفر الله لكم" ثم أتيته من الشق الآخر، أرجو أن يخصني دونهم، فقلت: يا رسول الله! استغفر لي. فقال: "بيده غفر الله لكم" فقال رجل من الناس: يا رسول الله! العتائر والفرائع؟ قال: من شاء عتـر، ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع، ومن شاء لم يفرع. في الغنم أضحيتها، وقبض أصابعه إلا واحدة»(20).
5. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا فرع، ولا عتيرة»(21)، عن سعيد قال: الفرع أول النتاج كان ينتج لهم، فيذبحونه(22). وقال أبو عبيد: "قال أبو عمرو: هي الفرعة، والفرع: بنصب الراء، قال: وهو أول ولد تلده الناقة، وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم في الجاهلية، فنهوا عنه... يقال: قد أفرع القوم إذا فعلت إبلهم ذلك"(23).
العتيرة عند فقهاء المسلمين:
تكلم فقهاء المذاهب عن العتيرة، وذلك على النحو الآتي:
المذهب الحنفي:
ذهب الحنفية إلى عدم مشروعية ذبح العتيرة، وأنها نسخت بالأضحية.
قال في الجوهرة النيرة: "وأما العتيرة: فهي منسوخة، وهي شاة كانت تقام في رجب"(24). وقال الكاساني في سياق ذكره لذبائح الجاهلية: "ومنها العتيرة: كان الرجل إذا ولدت له الناقة أو الشاة، ذبح أول ولد تلده، فأكل وأطعم. قال محمد رحمه الله: هذا كله كان يُفعل في الجاهلية، فنسخه ذبح الأضحية، وقيل في تفسير العتيرة: كان الرجل من العرب إذا نذر نذراً أنه إذا كان كذا أو بلغ شاة كذا، فعليه أن يذبح من كل عشر منها كذا، في رجب"(25). وقال ابن نُجيم: "وأما العتيرة: فذبيحة تذبح في رجب، يتقرب بها أهل الجاهلية والإسلام في الصدر الأول، ثم نسخ في الإسلام"(26).
المذهب المالكي:
ذبح العتيرة عند المالكية مكروه.
قال الخرشي: "والمعنى أن فعل العتيرة -بمثناة فوقية فتحتية- مكروه؛ لما في فعلها من التشبيه بفعل الجاهلية. قال مالك: العتيرة شاة تذبح للأصنام في رجب، يتبررون بها، وقد كانت في أول الإسلام، ولكن ليس عمل الناس عليها. يريد أنها نسخت بما روي عنه عليه السلام من قوله: «لا فرع، ولا عتيرة»... وقوله: «لا فرع» إلخ. قيل: إنه نهيٌ، فلا بر في فعلها، وقيل: نسخ لوجوبها، فيبقى ندبها"(27). ثم قال: "وفسر ابن يونس العتيرة بأنها الطعام الذي يصنع لأهل الميت، وهو ما عليه ابن غازي والمواق، وهو أولى لنص الإمام على الكراهة، أي: لنياحةٍ، ولم يُرد نص بالكراهة عن مالك بتفسيرها بالشاة التي كان يذبحها أي المسلمون لله، خلافاً للجاهلية، وظاهر الحديث حيث قال: «لا فرع» إلخ. المنع"(28).
وقال الصاوي: "وتكره أيضاً العتيرة -كجبيرة- وهي: شاة كانت تذبح في الجاهلية لرجب، وكانت أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالضحية"(29).
وقد ذكر الحطَّاب الرعيني خلافاً في معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا فرع، ولا عتيرة» حيث قال: "فقيل: إن ذلك نهي عنهما، فلا بر في فعلهما، وقيل: إن ذلك نسخٌ للوجوب، وفعل ذلك أي لمن شاء أن يفعله"(30). وهو ما أشار إليه الخرشي، كما تقدم(31).
المذهب الشافعي:
للشافعية في حكم العتيرة أقوال ثلاثة، كالآتي:
1. الاستحباب: نقله الشرواني عن ابن سراقة. قال الشرواني: "قال ابن سراقة: آكد الدماء المسنونة: الهدايا، ثم الضحايا، ثم العقيقة، ثم العتيرة، ثم الفرع أهـ قوله: وهي ما يذبح إلخ، ويسمونه الرجبية أيضاً أهـ"(32). وهذا هو المذهب عند الشافعية. قال النووي في المجموع: "فالصحيح الذي نص عليه الشافعي واقتضته الأحاديث أنهما لا يكرهان بل يستحبان هذا مذهبنا"(33).
2. الكراهة.
3. الإباحة: أي أنها لا تستحب، ولا تكره، وقد نقلهما النووي وجهان للشافعية.
قال النووي: "وذكر ابن كج والدارمي وغيرهما: الفرع والعتيرة لا يستحبان. وهل يكرهان؟ فيه وجهان: أحدهما: يكرهان؛ للحديث الأول: «لا فرع، ولا عتيرة»، والثاني: لا يكرهان؛ للأحاديث السابقة بالترخيص فيهما"(34). وقال زكريا الأنصاري: "ولا يكره الفَرَع، ولا العتيرة"(35).
المذهب الحنبلي:
للحنابلة ثلاثة أقوال في العتيرة كالشافعية، واليك بيانها:
1. الاستحباب: وهو قولٌ لأحمد. قال ابن مفلح: "ونقل حنبل عن أحمد: يستحب، وحكاه أحمد عن أهل البصيرة، وروي عن ابن سيرين"(36).
2. الكراهة: نقله ابن مفلح عن صاحب الرعاية(37).كما نقله المرداوي من الحاويين، وتذكرة ابن عبدوس.(38)
3. الإباحة: بمعنى أن لزوم فعلها منسوخ، وهذا هو المذهب، وعليه الأصحاب، كما ذكره المرداوي(39)، قال ابن قدامة: "ولا تسن الفرعة، وهي ذبح أول ولد الناقة، ولا العتيرة، وهي ذبيحة رجب. هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئاً"(40).
وليس معنى قولهم: إنها غير مستحبة -على هذا القول- أنها مكروهة أو محرمة، وإنما المراد أنها مباحة، وهذا ما قاله ابن قدامة في الشرح الكبير، حيث يقول: "إذا ثبت هذا، فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها، ولا كراهته. فلو ذبح إنسان ذبيحة في رجب، أو ذبح ولد الناقة؛ لحاجته إلى ذلك، أو للصدقة به وإطعامه، لم يكن ذلك مكروهاً"(41). وهذا ما قاله أيضاً في شرح منتهى الإرادات، حيث قال: "ولا يكرهان، أي الفرعة والعتيرة؛ لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة، لا النهي عنهما"(42)، وهو ما نص عليه أيضاً في كشاف القناع.(43)
الدليل على نسخ ذبح العتيرة عند القائلين به:
وهذا ما قاله الحنفية، وهو قولٌ عند الحنابلة، ونقل النووي عن القاضي عياض أن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عند جماهير العلماء(44), وهؤلاء قد استدلوا على ذلك بالآتي:
1. عن علي(45) -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نسخ الأضحى كل ذبح، وصوم رمضان كل صوم، والغسل من الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة»(46). وقد أورد الكاساني مثله عن عائشة ولم أجده. ثم قال رحمه الله تعالى: "والظاهر أنها قالت ذلك سماعاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن انتساخ الحكم مما لا يدرك بالاجتهاد"(47).
2. واستدلوا أيضاً على النسخ بأن حديث النهي عن العتيرة، حديث متأخر عن الحديث الدال على الأمر بها. قال ابن قدامة: "وهذا الحديث متأخر على الأمر بها فيكون ناسخاً، ودليل تأخر أمران:
أحدهما: أن راويه أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام؛ فإن إسلامه في سنة فتح خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة.
والثاني: أن الفرع والعتيرة كان فعلها أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له، ولو قدرنا تقدم النهي عن الأمر بها، لكانت قد نسخت، ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر"(48).
الرد على من قال بنسخ العتيرة:
رُدَّ القول بنسخ العتيرة، بأنه لم يرد ما يدل عليه. فالأصل: عدم النسخ، حتى يرد الدليل الدال عليه، ولم يرد هنا. قال في تحفة المحتاج من كتب الشافعية: "المعتمد من مذهبنا الموافق للأحاديث الصحيحة، كما بينه في المجموع. وادعاء نسخها لم يثبت ما يدل له، وإن سلم أن أكثر العلماء عليه أن العتيرة -بفتح المهملة وكسر الفوقية- وهي: ما يذبح في العشر الأول من رجب. والفرع -بفتح الفاء والراء، وبالعين المهملة- وهي أول نتاج البهيمة يذبح؛ رجاء بركتها وكثرة نسلها مندوبتان؛ لأن القصد بهما ليس إلا التقرب إلى الله، بالتصدق بلحمهما على المحتاجين، فلا تثبت لهما أحكام الأضحية، كما هو ظاهر"(49).
الدليل على كراهة العتيرة:
وأما القائلون بالكراهة(50) وهم المالكية، وهو قول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة، فقد استدلوا بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا فرع، ولا عتيرة»، وقد تقدم.
الدليل على أن العتيرة مباحة:
استدل الشافعية والحنابلة، القائلين بالإباحة، على عدم الاستحباب بالآتي:
1. حديث أبي هريرة: «لا فرع، ولا عتيرة» وقد تقدم.
2. ولأن العتيرة كان فعلهما أمراً متقدماً على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له.(51)
واستدلوا على عدم الكراهة بالآتي:
1. بأن الأصل الإباحة.
2. لأن المراد بالخبر نفي كونهما سنة، لا تحريم فعلهما ولا كراهته، ولكن إذا لم يكن على وجه التشبيه بما كان في الجاهلية، وهذا واضح لحديث: «من تشبه بقوم، فهو منهم»(52).
وقد أجاب من قال بعدم الكراهة، عن حديث «لا فرع» بثلاثة أوجه:
1. أن المراد لا عتيرة واجبة.
2. إن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.
3. إن المراد أنهما ليستا كالأضحية في الاستحباب، أو ثواب إراقة الدم.(53)
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: "والمنع راجع إلى ما كانوا يفعلونه من الذبح لآلهتهم، أو أن المقصود نفي الوجوب، أو أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب، أو في ثواب إراقة الدم"(54).
الخلاصة والترجيح:
للعلماء في حكم العتيرة ثلاثة أقوال، وهي كالآتي:
1. الاستحباب: وهو قول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة.
2. الكراهة: وهو ما ذهب إليه المالكية، وهو قول عند كلٍ من الشافعية، والحنابلة.
3. الإباحة: وهو قولٌ للشافعية، وقولٌ الحنابلة أيضا.
والظاهر لي من جميع ما تقدم، أنه لا تعارض بين النصوص المتقدمة، وأنه لا يقال بالنسخ هنا؛ لا سيما وقد تقدم في رواية الحارث بن عمرو -والذي فيه الأمر بالعتيرة- أنه كان في حجة الوداع، وهي بعد إسلام أبي هريرة قطعاً، كما أن الأحاديث الدالة على النهي عن العتيرة، ليس فيها ما يرشد إلى زمن وقوع ذلك النهي من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وما دام وقد جُهِل التاريخ، فلا يقال بالنسخ؛ لأنه لا يصار إليه، إلا عند العلم بالتاريخ.
كما أن النسخ لا يُصار إليه، إلا عند التعارض بين النصوص الشرعية، ولا تعارض هنا؛ لأنه يمكن أن يجمع بين الأحاديث، بأن تحمل الأحاديث الدالة على النهي، على من كان قصده الذبح للصنم، أو الذبح لغير الله تعالى، أو كان بقصد النياحة -على الخلاف المتقدم في تفسير العتيرة- وهذا محرم، ولا إشكال فيه.
وأما من كان قصده بالعتيرة، هو التقرب إلى الله تعالى، أو إطعام الفقير والمسكين، أو كان قد نذر بذلك إرضاءً لله تعالى، فالظاهر هنا أن ذلك جائز، بل ومندوب إليه.
والله تعالى أعلى وأعلم. وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل, والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
الاثنين - 30 من شهر الله المحرم رجب 1428هـ، 13/ 8/ 2007م.
راجعه: يونس بن عبد الرب الطلول.
_________________________
(1) الصحاح في اللغة 1/ 444.
(2) المحيط في اللغة 1/ 79.
(3) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 10/ 272.
(4) انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 16/ 288.
(5) انظر: المجموع 8/ 443.
(6) انظر: البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 22/ 46.
(7) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي 9/ 67.
(8) انظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4/ 82.
(9) انظر: كشاف القناع عن متـن الإقناع 7/ 482.
(10) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 3/ 591.
(11) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 10/ 272.
(12) شرح مختصر خليل للخرشي 9/ 66.
(13) الصحاح في اللغة 1/ 243.
(14) سنن الترمذي 5/ 485، برقم: 1438، سنن أبي داود 7/ 448، برقم: 2406. الألباني: صحيح. انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي 4/ 18، برقم: 1518. وقال: ضعيف. في صحيح وضعيف الجامع الصغير 30/ 22، برقم: 14522.
(15) سنن أبي داود 7/ 448، برقم: 2406.
(16) سنن النسائي 13/ 149، برقم: 4155. سنن أبي داود 8/ 8، برقم: 2447. قال الألباني: صحيح. انظر: صحيح وضعيف سنن النسائي 9/ 300، برقم: 4228.
(17) أسنى المطالب 7/ 49.
(18) سنن النسائي 13/ 146، برقم: 4153. مسند أحمد 13/ 464، برقم: 6426. قال الألباني: حسن. انظر: صحيح وضعيف سنن النسائي 9/ 297، برقم: 4225. قال السندي: "تولّه -بتشديد اللام- أي تفجعها بولدها" انظر: شرح سنن النسائي 6/ 9.
(19) مسند أحمد 13/ 464، برقم: 6426.
(20) سنن النسائي 13/ 147، برقم: 4154. قال الألباني: ضعيف. انظر: صحيح وضعيف سنن النسائي 9/ 298، برقم: 4226.
(21) انظر: صحيح البخاري 17/ 126، برقم: 5052، صحيح مسلم 10/ 167، برقم: 3652.
(22) سنن أبي داود 8/ 10، برقم: 2449. قال الألباني: صحيح مقطوع. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 6/ 332، برقم: 2832.
(23) غريب الحديث لأبي عبيد 1/ 194.
(24) الجوهرة النيرة 5/ 286.
(25) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 10/ 272.
(26) البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 22/ 46.
(27) شرح مختصر خليل للخرشي 9/ 66، ومعنى يتبررون: أي يتقربون.
(28) شرح مختصر خليل للخرشي 9/ 66.
(29) حاشية الصاوي على الشرح الصغير 4/ 82.
(30) مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل 9/ 115.
(31) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي 9/ 66.
(32) حواشي الشرواني 9/ 377.
(33) المجموع 8/ 446.
(34) المجموع 8/ 445.
(35) أسنى المطالب 7/ 49 بتصرف.
(36) الفروع لابن مفلح 6/ 198.
(37) الفروع لابن مفلح 6/ 198. وانظر: الإنصاف 7/ 8.
(38) الإنصاف 7/ 8.
(39) المصدر السابق.
(40) الشرح الكبير لابن قدامة 3/ 590.
(41) الشرح الكبير لابن قدامة 3/ 591. ويريد بالخبر، حديث: «لا فرع، ولا عتيرة» المتقدم.
(42) شرح منتهى الإرادات 4/ 147.
(43) انظر: كشاف القناع عن متـن الإقناع 7/ 482.
(44) المجموع 8/ 446.
(45) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 10/ 272.
(46) السنن الكبرى للبيهقي 9/ 262 وذكر أن فيه المسيب بن شريك وحكم عليه بالضعف، وقال: متروك، سنن الدارقطني 11/ 45، برقم: 4809.
(47) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 10/ 272.
(48) الشرح الكبير لابن قدامة 3/ 591. ويريد بالخبر، حديث: «لا فرع، ولا عتيرة» المتقدم.
(49) تحفة المحتاج في شرح المنهاج 41/ 209.
(50) الشرح الكبير لابن قدامة 3/ 591.
(51) كشاف القناع عن متـن الإقناع 7/ 482.
(52) كشاف القناع عن متـن الإقناع 7/ 482.
(53) انظر: المجموع 8/ 445.
(54) أسنى المطالب 7/ 49.