براهين الإيمان.. الحلقة (26)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فما هي الحكمة من خلق الإنسان؟ يسأل ذلك الشاعر:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامـي طريقــا فمشيت
وسأبقي سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري
ولماذا لست أدري؟ لست أدري
سبحان ربي! تظهر حقيقة هذه الحياة عند الموت فإذا جاء الموت انكشفت حقيقتها، ينظر إلى ما مضى من عمره فلا يجد لها قيمة، ويعرف عندئذ أن الحقيقة الباقية هي التي سيقدم عليها، وعندئذ يتساءل لماذا خلقت في الدنيا؟
يسأل لماذا دخل إلى الدنيا؟ لكن متى يسأل ذلك؟ عند خروجه.
أي غفلة كان فيها هذا الإنسان فعلاً، وليعلم كل عاقل أننا قد خلقنا لحكمة وليس كما يظن الجاهلون أننا خلقنا عبثاً، تأمل إلى كل جزء من أجزاء جسمك ستراه محكما، وستر شهادة علماء الطب يعرفونك عن علم وظائف الأعضاء فما من عضو إلا وله حكمه؟، وسيحدثك الأطباء أن كل عضو من أعضاء جسم الإنسان مرتبط بالكل، فما أحكمت المعدة، ولا أحكمت الأمعاء إلا من أجل أن توجد جهازاً كاملا هو الجهاز الهضمي، وما أحكم خلق الجهاز الهضمي إلا ليقوم بوظيفته ضمن هذا الإنسان، ضمن هذا الكيان بأكمله، وهكذا كل عضو، أفيكون الجزاء محكماً وله وظيفة ثم يكون الكل بدون إحكام وبدون وظيفة سبحان ربي.
فهناك حكمه لاشك في ذلك لأن كل شيء من خلقنا محكم، ولكن هذه الحكمة غابت عنا لماذا غابت عنا؟ لأنها تختفي في نفس الخالق سبحانه وتعالى، أرأيت لو جئت بجهاز الكتروني معقد غاية التعقيد، وأردت أن تعلم الحكمة منه كيف السبيل لكي تعرف الحكمة من هذا الجهاز المعقد الثمين الغالي، أن تتصل بالذي صنعه أو بمندوبه الذي أرسله فعندئذ تعلم الحكمة من هذا الجهاز، وإلا فستفسده والإنسان لم يتمكن بعد أن يعرف أسرار تركيبه فهو يسأل نفسه هذه الروح ما هي ما حقيقتها؟، العقل ما حقيقته كيف أعي كيف أفهم أسرار كثيرة يجهلها من نفسه، فأنى له أن يعرف الحكمة من خلقه ووجوده فلا سبيل إلا أن يتصل بالذي خلقه وأن يعرف خالقه.
بعض الناس يتعجل ويحدد لنفسه هدفا، هذا يقول أنا أكون زعيما، وهذا يقول أنا أكون قائدا عسكريا، وهذا يقول الحكمة من خلقي أني أجمع الأموال، وهذا يجعل هدفه في حسبانه أن يكون صاحب درجات عالية في الجامعات، ويكون مشهوراً ويكون... أحقا هي هكذا الحكمة هي هكذا متعددة ومتنوعة، إن حكمتنا ترتبط بخلقنا وخلقتنا واحدة.
جسمك وجسمي وجسم الملك، والزعيم، والوزير،والقائد، والطبيب، والضابط تركيب واحد، نفوسنا بسنن واحدة كلنا نحب ونكره، وكلنا نخاف،ونطمع التركيب النفسي والتركيب البدني واحد.
فالحكمة يجب أن تكون واحدة، فلا ينفع أن نصطنع لها أهدافا، وأن نقضي حياتنا من أجل تلك الأهداف المصطنعة المزورة غير الحقيقة وإلا لماذا نموت؟ هذا قد أصبح زعيماً لماذا يموت؟ وهذا قد أصبح علما من كبار العلماء لكن لماذا يموت؟ لو كان خلق من أجل أن يكون عالما ومن أجل أن يكون زعيما ومن أجل أن يكون... لماذا؟ لأنه حقق حكمة وجوده.
- إننا قد خلقنا لحكمة ولا بد أن تكون هذه الحكمة واحدة من خلق كل إنسان على وجه الأرض لأن التركيب واحد؟، وكذلك لا تتغير هذه الحكمة من جيل إلى جيل.
فالبشرية كلها تخضع لحكمة واحدة،حكمة واحدة الجميع مخلقين لها، وخِلقتك هي نفس خلقت الذين عاشو قبل مائة سنة، وقبل ألف سنة، وقبل آلاف السنين لان التركيب ما تغير،والخلقة ما تبدلت لذلك يجب أن تكون حكمة واحدة مهما حاول الناس أن يبحثوا فالطريق الوحيد لمعرفة هذه الحكمة هي أن يتصلوا بالذي خلقهم.
- وفي الحقيقة مع أنها في غاية التعقيد على من يريد أن يبحث عنها في غير الطريق الصحيح لمعرفتها، ومع ذلك فهي في غاية البساطة، الحكمة من القلم يحددها الذي صنع القلم، الحكمة من السيارة يحددها الذي صنع السيارة، من الطائرة من الغواصة من أي شيء من أي آله الحكمة منها من الذي يحددها؟ الذي صنعها.
- والسؤال الثاني: وهل تعمل وفق مراد الذي صنعها؟
إذا الحكمة من القلم أن يعمل على مراد الذي صنعه، ومن السيارة أن تعمل على مراد الذي صنعها، ومن الطائرة وهكذا.
إذاً الحكمة من نفسك وخلقك هي أن تعمل أنا وأنت وهو وهم على مراد الذي خلقنا وأوجدنا هذه هي الحكمة، معقول يخلقنا لنعمل على مراد غير مراده سبحانه الحكمة واضحة، هي أننا خلقنا في هذا الوجود وجئنا إلى هذه الدنيا من اجل أن نعمل على مراده جل وعلا، علمنا على مراده اسمه العبادة قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57] هذه الحكمة غير قالبة للتعديل غير قابلة للتغيير.
تأمل هل يمكن أن تغير الحكمة من عينك؟ أحدهم يقول أنا ما أريد أن تكون العين للنظر أنا أريد أن أغير الحكمة منها، نقول له لا تستطيع هي ركبت من اجل أن تنظر، لا تستطيع أن تغيرها تجعلها فم تأكل منها،ولا أحد يستطيع أن يغير الحكمة من أذنه يقول أنا أغير الحكمة من أذني أريد أن اجعلها أنف.
يا أخي: هي منذ خلقت، خلقت لغاية حددها الذي خلقها، والذي صنعها هكذا أنت بأكملك أنت بأكملك خلقت لغاية حددها الذي خلقك لا تستطيع أن تغيرها ولا تستطيع أن تبدلها، لا تستطيع إلا أن تسير فيها، وتحققها وهي أن تعمل على مراده جل وعلا وقد بين الله ذلك فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57] والذين يبلغون لنا أحكام تفاصيل هذه العبادة هم الرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أيدهم الله بالبينات وبالمعجزات، وقد مر بنا بينات رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ولذلك نحن نتلقى منه التوجيه، ونحن على ثقة واطمئنان بأنه الرسول الذي بعثه الله إلينا، فرسل الله إذاً هم الذين يبلغون ما يريد الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. اجتنبوا الطاغوت،كل من يصنع له فكرة في رأسه تخضع لغير الله جل وعلا إنما هو يطغى بفكرته أو يطغى بصنمه ووثنه، أو يطغى بمعبوده الجديد لأن كل غير الله معبود لله، فإن تعبده وتترك عبادة الله فقد رفعت هذا المعبود من مقام العبودية إلى مقام الألوهية فهذا طغيان وتجاوز للحد، وهذا طاغوت والإيمان الكامل هو أن نكفر بالطاغوت وأن نعبد الله جل وعلا.
كل من أراد أن يعبد من دون الله نكفر به، ونعبد الله وحده لا شريك له.
- هذه الدنيا سننها وقوانينها، أو بلغة المهندسين، قد صممت لتتناسب مع وظيفة خلقتنا فيها، وهي أنها دار ابتلاء وامتحان لموضوع العبادة.
الآن جئنا المطلوب أن نعبد الله ولكن هذه العبادة ما الغاية منها؟ رتب الله عليها جزاءً وثوابا، إذا هي دار الابتلاء، هذه العبادة سنن الله جلا وعلا في هذه الدنيا قد هيئت لتحقيق وظيفة وجودنا عليها، جئنا إلى هذه الدنيا من أجل أن نبتلى ونمتحن فيها؟ في موضوع العبادة فالله يقول إن أطعتموني أو أطعتم رسلي وحققتم العبادة أعطيكم الجنة وأثيبكم حياة أبدية، وإن عصيتم فإن هناك دار أخرى، وهناك منزلة أخرى هي نار جهنم هي معدة للكافرين، ولكن تفضلوا أدخلوا هذه الدنيا إنها دار ابتلاء وامتحان واختبار هل تعبدون أم تعصون؟ ثم زين لنا هذه الدنيا وجملها في أنظارنا، وزين لنا الآخرة، وجعل هناك طرقا للفوز بزينة الدنيا هي دين الله، ولكن الذي لا يريد أن يسلك هذا الطريق وتشغله بهارج الدنيا، وشهواتها وزينتها، يريد أن يصل إليها على غير مراد الله فالدنيا مزينة،والإنسان طماع يريد أن يحقق أكبر قدر من ذلك لكن الشريعة التي تقول له لا، خذ وفق هذا الطريق وفق هذا النهج، ولك الدار الآخرة، وهي أعظم فزين الله الآخرة في أنظار المؤمنين، زين الله الآخرة في كتابة، والوحي الذي جاء من عنده، وزين الدنيا أمام أعيننا وأنظارنا، وهنا الابتلاء فإن كان الإيمان قوي أكثر من ذكر الله جل وعلا،وأطاع الله وصبر على تلك الطاعة.
وإن كان الإيمان ضعيفا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].
فهي دار ابتلاء وامتحان، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: 7]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور﴾ [الملك: 1-2](1).
زين للناس هذا التزيين الذي أشرت إليه قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].
ثم تأمل كيف أن هذه الدنيا جعلت للابتلاء والامتحان، عندما ندخل إلى الدنيا أنا وأنت، والملوك والرؤساء، والكل ندخل إلى الدنيا عرايا لا نملك شيء.
ثم نعطى بعضاً من المتاع، ومن العلم، ومن الجاه، ومن القوة، واستخلف ما شاء الله أن يستخلفنا فإذا ما تصرفنا فيها أربعين، خمسين، سبعين، ثمانين، مائة سنة جاء الوعد، سلم الودائع، أخرج من الدنيا، فنخرج عرايا لا نملك شيئاً كما دخلنا إليها، دخلنا لا نملك شيئا وخرجنا لا نملك شيئا: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94].
إذاً ينشأ هنا سؤالان:
لماذا أعطانا الله جل وعلا؟وهو سيأخذها منا، وما قصد أن يمكنا تمكينا أبديا أعطانا لتمليك مؤقت لأنه سيأخذها بعد ذلك، ثم لماذا أخذها منا وقد أعطانا؟ الجواب واحد فقط هو أعطاك يبتليك كيف تتصرف عندما يعطيك وليس القصد الإعطاء والتمليك ويسلب منك، وليس القصد إظهار القوة لأنه أصلا ما كان معك شيء،وهو الذي أعطاك فهو أعطاك ولا يقصد التمليك، وسلب منك ولا يقصد السلب فالمقصود منه الابتلاء والامتحان، ترى أن الطالب يدخل الامتحان وخاصة في الكليات العملية فيعطى الأجهزة، ويعطى الأوراق ويعطى كذلك..، وهو يتصرف ثم يضع كل ما معه، ويمشي هكذا هي الدنيا، ولكي يتحقق هذا الابتلاء والامتحان الله يقلب القلوب على أحوال متعددة لتكشف حقائقها فيبتلينا في الخير والشر، فمن الناس من يثبت عند الشدائد لأنه عنده، شكيمة وبطولة وحمية لكن من الناس من لا يثبت، إذا تبدلت هذه الشدائد إلى رخاء ومال وصحة وقوة وشهوات وأهواء فكذلك الله سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى يبتلي الناس بالشدائد: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. ثم يبدل الله فيمكنه ويستخلف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور: 55].
والى هذا تشير الآية: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]، والآية: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان: 20]. هذا أضعف من هذا،وهذا أقوى من هذا أنت تحتاج لهذا وأنت تحتاج إليه.
وللابتلاء سنن، الحياة كلها من أجل تحقيق ذلك الابتلاء، ثم هذا الابتلاء أخذ صور استخلاف وتمكين في هذه الأرض، وترى هذا الإنسان يتصرف وكأنه سيد وكأنه المالك وكأن كل شيء بيده، ولكن في الحقيقة ليس هو المالك الحقيقي هل تملك شحما أو لحما أو عظما أو دماً؟ هل تملك سمعك وبصرك؟ هل تملك أولادك؟ هل أنت أوجدت ماءك وهواك أو أرضك وسماءك؟ أنت لا تملك شيئا ولكنك تتصرف وكأنك المالك إذن مثالك كمثل صاحب عمل في مصنع أو مزرعة أو في متجر، وليس المالك لهذا المتجر وليس المالك لهذا المصنع ولكنه يتصرف وكأنه المالك يأتي يبرم الاتفاقيات،ويبيع ويشتري ويصدر الأوامر للعمال نسأله هل أنت المالك قال لا: لكنك تتصرف كما تريد معنى ذلك أنت مستخلف من قبل المالك الحقيقي.
هذا الإنسان يتصرف وكأنه سيد على هذه الدنيا إذن هو مستخلف لأنه ليس المالك، لأنه ليس هو الذي أوجد هذه الأشياء فهو إذن مستخلف في هذه الدنيا،ولكن هل المستخلف يتصرف كما يشاء في نفسه لا، مدير المصنع مدير المزرعة مدير المتجر له الحق أن يتصرف فيما وضع تحت يده لكن هو يخضع لأوامر الذي استخلفه، وكذلك هذا الإنسان يتصرف في هذا الملكوت وكأنه السيد فيما بين يديه، وهو يجب أن يخضع لأوامر الذي استخلفه ومكنه يقول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: 65]. ويقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13]. منه سبحانه وتعالى لماذا قال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129]. هو يستخلفكم لينظر كيف تعملون هذه هي الحقيقة ثم يأتي الموت تفضل اخرج، أنا رئيس أخرج أنا ملك أخرج، نحن شعب عندنا الصناعات عندنا كذا فجرنا الذرة غزونا، وصلنا المريخ أخرج أنت عبد أنت تقضي فترة امتحان واختبار أجب: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 83-87]. فلولا إن كنتم غير مدينين، أي إذا كنتم لن تحاسبوا،ولن تسألوا على ما أعطيتم من مسؤوليات، لأن الاستخلاف وراءه مسئولية لكنك أعطيت صلاحيات لازم تسأل إذا كنت لا تدان ولا تسأل عن ذلك بالله لا تموت أمنع لا تموت، امنع عن نفسك الموت: ﴿فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 86-87] ياالله ياالله ارجع إلى هذه الدنيا أن كنت صادق، أمنع عن نفسك الموت أنت عبد دخلت إلى الدنيا بدون إرادتك، وبقيت فيها بدون إرادتك فأنت تنمو من ضعف إلى قوة إلى ضعف مرة ثانية، وتنام وتخاف وتعطش وتحتاج الهواء، وتحتاج الضروريات التي هي محكوم عليك بها فلا تملك إلا أن تستسلم غير ممتلك ثم تخرج متى ما شاء ربك سبحانه وتعالى، ولا تملك أن تتأخر عن شيء من ذلك إلى أين؟ تفضل عملت فما بقي إلا الحساب،هذه الدنيا الغاية فيها العمل، وإلا كل شيء يفنى إلا العمل أنظر لو أنك أسأت إلى شخص قبل خمس سنوات ولقيته اليوم، وقال لك يا أخي أنت أسأت إلي قبل خمس سنوات،تقول له يا أخي تغير كل شيء من خمس سنوات،نعم تغير كل شيء لكن العمل ما ضاع الإحسان وكذلك الإساءة لا تضيع، هذا صحيح كم أجيال راحت لكن العمل ما ضاع، فهذه الدنيا يبقى فيها العمل لأنها مركبة ومصممة وسننها قائمة على أن يعمل فيها الإنسان، ثم الخروج منها الاستعداد لدار الجزاء والتوجه لكي يجد الإنسان حسابه وجزاءه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [آل عمران: 185]. حقيرة لا تكتشف أنها غرتك إلا عندما تنتهي انظر إلى عمرك الذي مضى إلى الآن؟ سل نفسك الآن؟ عمرك الذي مضى ما قيمته لديك؟ هكذا قيمة الحياة كلها عند الموت متاع الغرور فلا تنخدع، ثم إلى أين؟ لن تترك سدى، إن كل شيء محكم في هذا الوجود من الذرة إلى المجرة،إن خلقك محكم من أصغر جزء فيك إلى أكبر جزء إليك بأكملك، كيانك بأجمعه والعقلاء لا يعبثون إن العبث من أمر المجانين، فكيف بمن خلق العقلاء والحكماء فكيف بمن أحكم خلق الأرض والسماء إذن لا يمكن أن يكون الموت عبثاً،وأن تذهب سدى يقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 36-40]. يعني لو أني أردت أن أضيعه أضيعه وهو نطفة، إذا سألت الأطباء بداية خلقنا ما هو؟ الجواب نطفة صغيرة زيجوت -الأمشاج- هذه الأمشاج إذا أردت أن تراها بعينيك لا تراها بالعين المجردة، إذا أردت أن ترى الملك في أول نطفة يكون فيها لا ترى الملك ولا ترى الزعيم، ولا ترى أحد هذه بدايتك وبدايتي، فلو أردا أن يضيعك سدى يضيعك وأنت نطفة، يضيعك وأنت علقة يحفظك في أصغر شيء لا يرى بالعين ثم يضيعك بعد كمال عمل وسعي وتصرف لا والله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 36-40]. يعني إنه على كل شيء قدير سبحانه، إذن ما خلقنا عبث ولا نموت فنذهب سدى وهذه الحياة الغاية منها هي أن تعبد الله، وهي موضوع الامتحان على هذه الدنيا فما هي العبادة؟ العبادة قال بعض العلماء هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه،والعبادة باختصار أن تعمل وفق ما أراد لك هذه الخلاصة، خلقت لماذا؟
الجواب: لتعمل وفق ما أراد الذي خلقك بيديه،من البديهيات جميع المصنوعات تعمل وفق مراد صانعها وأنت يا أخي تعمل وفق مراد الذي خلقك وأوجدك إنك ما خلقت نفسك إذن لك خالق، إذن حكمة ربك أن تعمل وفق مراده، وهناك أمور خاصة بك يجب أن تسلم أمرك لخالقك في كل شؤونك الخاصة يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. وكذلك في الأمر العام، وديننا دين الإسلام هو الدين الكامل الشامل الذي ما ترك جانباً من جوانب الحياة إلا ونظّمه ووجّهه في كل شؤون الحياة، في السياسة في الاقتصاد، في الإدارة،في الاجتماع،في الأخلاق في العلاقات الدولية، في القضايا الشخصية في كل صغيرة وكبيرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 3] وكما أنه يجب على الفرد أن يطيع يجب على الأمة أن تطيع الله جل وعلا،وأن تخضع لأمره وأن تحقق عبادتها له،في هذا الزمان حدث فيه تطور حدث فيه تقدم، والشريعة الإسلامية التي نزلت قبل 1400 عام لا تتناسب مع هذا الزمان، قالها لي أحد سفراء بعض الدول الغربية في صنعاء قال الدين كامل اكتمل قلت نعم قال الحياة اكتملت قلت لا قال كيف تقول إن الذي اكتمل كيف يستجيب لمتطلبات الحياة التي لم تكتمل؟! قلت له الحكمة من عينك هي نفس الحكمة من عين الذي كان يعيش في زمن المسيح وفي زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم حكمة واحدة قلت الأنف والأذن والقلب واليدين والكبد والرجل والبدن بأكمله قال نعم تركيب واحد ما تغير قلت له، والتركيب النفسي أنت تحب وتكره وهم كانوا يحبون ويكرهون، قال نعم تراكيب نفس واحدة، إذن نحن أمام شخصية بشرية تركيبها واحد، التركيب البدني واحد والتركيب النفسي واحد ما تغيرت ما تبدلت قلت، إذاً الدين جاء من أجل هذه الفطرة التي لم تتبدل ولم تتغير وهو كامل لأن الفطرة اكتملت أيضا خلقها فطرة كاملة، والدين كامل والدين جاء وفق هذه الفطرة، أضرب لك مثال الآن هذه سيارة تصنع، هذه السيارة التي تصنع وفق خطة هندسية سيارة يرسمها مهندس ويبين كيف تعمل هذه السيارة وهذه اسمها الكتالوج فإذا كان عندنا مليون سيارة من نفس الطقم والموديل ووزعناها في الأرض، وأخرجناها على فترات زمنية مختلفة فإن الكتالوج لا يزال صالح لها جميعها مهما كان الموقع الجغرافي، ومهما كان وقتها الزمني لأن التركيب في هذه السيارة ما تغير وما تبدل، كذلك أنت أيها الإنسان خلقتك وفطرتك ما تبدلت وما تغيرت، ولذلك الذي أصلح الناس في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يصلحهم اليوم، وسيصلحهم غداً لأن الفطرة ما تغيرت ولان فطرتنا جاءت وفق هذا الدين كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، ففطرتي وفطرتك واحدة، وغايتي وغايتك هي أن نعبد الله سبحانه وتعالى فنفوز،ونكون من الفائزين، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الفائزين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مراجعة: خالد حسن البعداني.
علي عمر بلعجم.
_______________________
(1) بداية الجهة الثانية من الشريط، يظهر حصول سقط من المصدر.