براهين الإيمان.. الحلقة (18)
غزوة الأحزاب
الحمد لله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأصلي وأسلم على رسول الله، وبعد:
فهذا الدعاء الذي تكرره أجيال هذه الأمة في شتى بقاع الأرض عبر القرون هو استجابة لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9].
هذه هي معركة الأحزاب التي حسم الله بها المعركة بين هؤلاء الأحزاب المتجمعين على الرسول صلى الله عليه وسلم، والذين أرادوا قتله في المدينة، وفي موطنه صلى الله عليه وسلم، قلت يوماً لأحد الخبراء من سويسرا وكنا نتناقش عن معجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم- قلت له: لو كنت حاضراً تشاهد بعينيك الرسول، وقد أحاط به أعدائه من كل مكان، وجاءاه عشرة آلاف مقاتل، وهو ليس معه سوى ثلاثة آلف مقاتل، وطوقوه، وحاصروه قرابة شهر، ثم أقنعوا الجهة التي كانت لم تحصن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي منطقة بني قريظة، وهي قبيلة من اليهود، وكانت بحلف مع الرسول صلى الله عليه وسلم، انضمت إليها أحزاب، وخانت العهد فأتفق الجيش القادم لغزو النبي صلى الله عليه وسلم، مع هؤلاء اليهود أن يفتحوا الطريق، ليهجموا عليه إلى المدينة في هذه اللحظة، وفي تلك الليلة أخبر الله رسوله بأنه سيأتي النصر الليلة، وفي تلك الليلة ماذا حدث؟
أرسل الله رياحاً، وجنوداً كانت تكفئ عليهم قدورهم، وتطفئ نيرانهم، وتقلع خيامهم، وتجرجرهم في الأرض، حتى لم يستطيعوا البقاء، وقد جاءوا من مسافات بعيدة، ودام الحصار قبالة شهر، فطردتهم الرياح، والجنود التي لا ترى، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم في الصباح ليرى، وإذا الأحزاب وقد انصرفوا، وقد خابوا، ورجعوا خائبين، فقال: «الحمد لله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده»(1).
فقلت له: من يملك الرياح يسلطها على أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، والخندق كان فاصلاً بين المسلمين والكافرين، لكن هذه الرياح، والجنود تهجم على صفوف الكافرين، وتترك المؤمنين، فلو أنك شاهدت ذلك، هل تشك بعد ذلك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟
قال: لا أشك.
لو كنت حاضراً، وشاهدت ذلك، لا أشك به، ولكن ألست ترى أن بيني، وبين هذا 1400 عام.
وقال لي: كما قال ذلك الروسي الذي ناقشناه، وبينا له أن الخبر وقع، وأن هناك الآلاف يسمعون ما سجل القرآن من تلك المعركة، فلما سمع الكفار ما سجل القرآن ما كذبوا، ولما سمع المسلمون ازدادوا أيماناً، ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما وقع، وجاء الخبر في كتاب الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 10-11].
جاءهم هذا الزلزال عندما قررت يهود بني قريضة أن يفتحوا الطريق لهؤلاء المحاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين وهناك قال المنافقون كما قال الله تعالى عنهم: ﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].
وذلك أن في أول المعركة كان الرسول صلى الله عليه وسلم عند حفره للخندق اعترضته صخرة، فضربها ثلاث ضربات، فتطاير الشرر عند كل ضربة، وبشر المسلمين بأنه رأى اليمن، يدخلها الإسلام، ورأى أرض كسرى تفتح له، ورأى أرض الروم تفتح له(2)، فانقلبت معنوية المسلمين من معنوية الذي ينتظر الهجوم من عدوه، من عقب داره، إلى معنوية الذي سيفتح البلاد.
وتذكر هؤلاء المنافقون عندما اشتدت الوطأة، وخان اليهود، وانكشف ظهر المسلمين قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13].
فكما نرى (صورة) هذا هو ميدان المعركة، هذه صورة للمدينة المنورة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته، عندما جاء الأحزاب، يوجد هناك حرتان، كما نرى حرة الوبرة، وحرة واقن، وهي عبارة عن صخور نارية الأحجار، بها كالإبر، لا تسمح بمرور الناس، فضلاً عن الخيول، والجيوش، فكانت حصناً من الحصون يمنع الأعداء من الهجوم من هذه الجهة، فحفر المسلمون الخندق من هذه الحرة إلى تلك الحرة، كما نرى. (صورة)
والخندق يحيط بمساكن المسلمين من الحرة إلى الحرة،ثم بقي الجزء المفتوح، وهو الجزء الذي فيه بنو قريظة، ووافق بنو قريظة أن يفتحوا للأحزاب الطريق من جهتهم، ووقع هذا الأمر وانتهت المعركة.
كيف انتهت المعركة؟
وماذا حدث بعد؟
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة ابن اليمان، أن يتسلل في القوم، ليرى ما هو كائن، فقال: إنه كائن فيهم الليلة كائن، فأذهب، وعد، وأخبرنا بما وقع، فتسلل حذيفة رضي الله عنه، ورأى بعينيه ماذا يجري، وإذا بالنيران تنطفئ، والخيام تقلع، والخيول تطرد، والإبل كذلك، ولا يقر لهم قرار، وأخذ كل زعيم قوم ينادي قومه، ويقول لهم: لا بقاء لكم، لا بقاء لكم.(3)
فرجعوا خائبين، منسحبين.
هذا سجله القرآن في حينه، وأجمع المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن من الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، على أن هذا هو القرآن الذي أخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم، وسلموه إلى الأمم الإسلامية، رغم تعدد لغاتها، وأجمعت أمم الإسلام أن هذا القرآن الذي استلموه من العرب، ومن الصحابة رضوان الله عليهم، وفي هذا المصحف، كان هذا التسجيل لهذه الحادثة، لو أن القرآن سجل شيء لم يقع، لقال المؤمنون: كيف نصدق القرآن، وهو يروي عنا أشياء ما وقعت، ونحن حضور؟
ولقال الكافرون: كيف يقول القرآن أنه طردنا، وجاءت رياح، وجنود لا ترى، ونحن كنا حضور؟
فكان ذلك سيكون سبب للتكذيب، لكن ما كذب الكفار أبداً، بل أقروا.
والسؤال الآن:
من الذي أيد الرسول بهذه الرياح، والجنود التي لا ترى، الذي سجل ذلك بالكتاب، وأسمعها للحضور جميعاً، وحفظه لنا، إلى يومنا؟
لا يكون هذا إلا من الله سبحانه وتعالى.
إن هذا من الأمور الخارقة للعادة أن تقاتل الرياح مع جيش من الجيوش ضد جيش آخر، وإن تنزل جنود لا ترى، ولكن يرى أثرها في طرد هؤلاء المحاصرين، وتشريدهم، وردهم خائبين، وهذا الذي وقع، وهذا الذي أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم هزيمة الأحزاب: «الحمد لله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده»(4).
فهذا من الشهادات للنبي صلى الله عليه وسلم أنك يا محمد رسول صلى الله عليه وسلم، من عندي وأنا أؤيدك، بما لا يقدر عليه أحد إلا الله، أؤيدك بالرياح، وبالملائكة، وبجنود لا ترى.
وخوارق العادات للرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، سجلها القرآن، وسجلت في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبعد فتح مكة، وهزيمة قريش، وطوقها الرسول صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف مقاتل.
وخرج مع من انضم إليه من قريش، انضم إليه ألفي مقاتل من قريش، فبلغ عدد جيش الرسول صلى الله عليه وسلم اثنا عشرة ألف.
فقال أحد المسلمين: وهو يرى هذا الجيش الضخم، «لا نهزم اليوم من قلة»(5)، فكره الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة، لأن النصر من عند الله، لا من الكثرة.
وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم لمواجهة خصومه الذين قدموا من الطائف، وفيهم قبيلة هوازن، وكانوا قد جمعوا جمعاً كثيراً، وسبقوا إلى وادي حنين،وفي الصباح، ومع ظلام الصباح دخل جيش المسلمين إلى ذلك الوادي، فانهالت السهام، وكانت هوازن تجيد الرمي، فلما هجم المسلمون، فر القوم من هوازن(6)، فأخذ المسلمون الغنائم، فرموا بالسهام، فحدث بعد ذلك الهزيمة للجيش الذي كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وانطلقوا عائدين كل واحد منهم يرد الذي أمامه، والرسول ينادي أنا الرسول، أنا عبد الله ورسوله، وفي هذه الدهشة الهائلة انصرف كثير من الناس، وعبروا الجيش، وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعه قرابة ثمانين إلى مائة، وكان يرتجز ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ويتجه إلى القوم، وأخذ تراباً، ورماه في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه»(7).
فبعد ذلك أخبر هؤلاء، وأخبرت هوازن، وأخبر من كان معها، قالوا ما بقي منا أحد إلا ودخل التراب في عينيه، وفمه، وشغله عن المعركة، وانطلق الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن معه، وجنود أنزلت من السماء، تؤيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بهذا الجيش الذي هزم جيش المسلمين الذي بلغ اثنا عشرة ألف، إذا بهم ينكفؤن، وما هو إلا وقت يسير فإذا بالأسرى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصل عددهم إلى ستة آلاف أسير، وفي ذلك نزل القرآن يسجل تلك الحادثة، ويسمع الحضور جميعاً، ويسمع جيش المسلمين، ويسمع الذين رجعوا، أن الرسول قد نادى فيهم يا أهل بيعة الرضوان، يا أهل الشجرة، أمر عمه العباس أن ينادي بهذا النداء، فرجع معه المسلمون، وانضموا إليه شيء فشيء، وكان الذي جمله لا يرجع يترك جمله وينزل، ويستجيب إلى نداء الرسول صلى الله عليه وسلم.
حتى اجتمع معه جيش لا بئس به، ثم كان النصر الهائل للمسلمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 25-26].
الله أكبر، النصر من عند الله في هذا الوقت الذي الجيش ينهزم، ويبقى الرسول صلى الله عليه وسلم مع ثمانين إلى مائة، يأتي النصر، وتنزل الملائكة، وتنزل الجنود، وتنزل السكينة على الرسول صلى الله عليه وسلم.
هذا الذي يؤيد بهذا كله ألا يشهد ذلك بأنه رسول من عند الله، والشهادة الإلهية بصدق رسالته صلى الله عليه وسلم، هذا شيء من ما سجله القرآن، وفي الجيل الأول من الصحابة كان الحضور يتكلمون، ويتكلم المتكلم، ويتحدث عن الذي جرى للرسول صلى الله عليه وسلم، والناس يسمعون لأنهم حضور، وكانت الرقابة قوية.
ومن ذلك ما روى لنا مسلم عن عبد الله بن رباح أنه يروي عن قتادة رضي الله عنه أنهم كانوا في سفرٍ فأشتد عليهم العطش، «فجاءوا بالميضأة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ يصب منها بعد أن دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، فسقى القوم من تلك الميضأة، -وهي عبارة عن وعاء صغير-، كان يتوضأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا به يتصبب حتى يكفي الجيش بأكمله»(8)، قليل من الماء يكفي كل الحاضرين.
وعمران ابن حصين يسمع كلام عبد الله ابن رباح الذي يروي القصة فقال له: "لقد كنت في ذلك الركن قال إذن أنت أولى أن تقص".
قال: "لا لقد حفظتها كأحسن ما يكون".
كانت الرقابة موجودة من الصحابة رضوان الله عليهم، ثم بعد ذلك وجد من يتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتبوا، فقام علماء الحديث في أسفارهم وقواعدهم، وضوابطهم، فضبطوا هذا الأمر ضبطاً دقيقاً كما ذكرنا ذلك من قبل، وفي هذه الأحاديث روية لنا أشياء كثيرة من خوارق العادات.
نطق الجمادات:
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يستند في خطبة الجمعة إلى جذع من النخل، فلما بني له المنبر، وصعد المنبر حن الجذع ذلك حنيناً، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمسك به، وسكّنه فسكن.(9)
قصة جمل جابر:
وتروي لنا كتب الحديث أن جابر ابن عبد الله كان له جمل، وكان يتأخر فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم له فكان من أنشط الجمال(10).
تكثير الطعام:
والرسول صلى الله عليه وسلم وهو في تلك البيئة القليلة الطعام، وهو كثير الجهاد، والسفر، والخروج، مرت به أحوال كثيرة، والطعام يقل عليه، وعلى أصحابه سواء كانوا بسفر، أو كانوا بالمدينة، فكانوا يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء من الطعام، فيدعوا الله فيبارك الله فيه، فإذا بذلك الطعام يكفي الحاضرين سبعين إلى مائة إلى ألف، وكما حدث في غزوة تبوك، وقد وصل عدد الجيش إلى ثلاثين ألف، وقد قل عليهم الطعام، وليس هنالك مصادر للطعام، وهم في العراء، فجاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بفضل أزوادهم، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمر الجيش أن يأخذ من ذلك ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم بالبركة عليه، فملئ العسكر كلهم أوعيتهم، وفاض، وقال بعد ذلك: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله صلى الله عليه وسلم»(11).
قصة شاة جابر:
ذبح جابر رضي الله عنه شاة، وصنع طعاماً قليلاً، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم في وقت الخندق قال: أدعوك لتأتي، لأني رأيت بأنك بحاجة إلى الطعام، فنادى الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الخندق هلا حيا هلا حيا، ثم ذهب ودعا على ذلك الطعام، وإذا هذا الطعام يكفي أهل الخندق، وكانوا قرابة آلف، ويقولون من شاة، وبقي منها فضل.(12)
وتخبرنا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهي مملوءة بالكثير من هذا، وهم في بيئة صحراوية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج ومعه القوم، ويخرجون إلى أماكن كثيرة.
نبع الماء، وتكثيره:
وتروي كتب الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسافر مع الجيش فتنقطع عليهم الأمطار، ولا يوجد لديهم ماء يشربون منه، فيأتون بقليل الماء، فيدعون الرسول صلى الله عليه وسلم فيدعوا له بالبركة.(13)
ومنه عندما كانوا في تبوك، وقل عليهم الماء فوجد بئر فيها قليل من الماء، فأعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم سهم، وقال لهم: أغرزوه في تلك البئر التي جف
مائها فإذا بالماء ينبع.(14)
كذلك وهم في صلح الحديبية الرسول يدعوا الله في تكثير ذلك الماء، فيكثر الله لهم الماء الذي كاد ينضب، ونضب بالفعل من البئر، لكن بعد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ووضوءه فيه، يعود، ويفيض على الناس.(15)
ويخرجون في سفر، ثم يشتد عطشهم، وهم جيش، وينتظرون أن يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يأتي مع الضعفاء، والمتأخرين، ثم يدعوا الله،ويضع يده في الإناء فينبع الماء من بين أصابعه، وكأنه نهر، فيشرب الناس.(16) وهذا كله بتأييد من الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم.
الدعاء:
وكم جاء الناس يطلبون من الرسول الدعاء سواء في استسقاء مطرٍ، أو شخص يأتي وقد فقأت عينه، فيطلب من الرسول الدعاء، فيدعو الله جل وعلا، فتعود عينه كما كانت.
وهذا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يندبه الرسول بحمل الراية في فتح خيبر، فإذا به وقد أصيب بالرمد فيدعوا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فيبرأ فوراً من الرمد، ثم يحمل الراية، ويتجه إلى قتال اليهود.(17)
وقصة عبد الله ابن عتيك الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل على عدوا من أعداء الإسلام، وهو أبو رافع اليهودي، الذي كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم، فتسلل إليه عبد الله حتى تمكن من قتله، وعند خروجه فانكسرت رجله، فدعا له الرسول فبرأت، وكأنها ما أصيبت.(18)
وساق سلمة يوم خيبر أيضاً، انكسرت فبرأت، وسلمت.(19)
وكم من هذه المعجزات، وكم من هذه الكرامات التي أجراها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، إنها شيء كثير، وكتب الحديث تطفح بها.
فالقرآن يخبرنا، والحديث يخبرنا، والسيرة تخبرنا، وهي مصادر ليست كمصادر التاريخ التي يتكلم عنها الناس، ويكتبها المؤرخون عن تاريخ الأمم، أو تاريخ الشعوب.
كيف يكتبون المؤرخون التاريخ؟
يكتبونه بروايات فردية، أو بسماع لقضية من القضايا انتشرت، فيكتبونها كما وصلت، إلى تلك الأجيال وإلى ألئك المؤرخين، لكن القرآن يروى القصة، ويسمعها للحاضرين، فكأنه محضر جلسة، يوقع عليها الذين حضروا تلك الجلسة، فيسمعه الكفار، ويسمعه المؤمنون، فلا يستطيع أي كافر أن يكذب شيء أخبر به القرآن، ويزداد المؤمنون إيماناً، بل ويتحول الكفار من كفرهم إلى الإسلام، فهؤلاء الذين جاءوا في جيش الأحزاب هم جيوش الفتح الإسلامي، وهم الذين إذا قرأوا في صلواتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9]، قالوا نحن هؤلاء، ويقول الواحد منهم: أنا كنت في ذلك الجيش، وكنت بالمكان الفلاني، وجاءت الرياح، وجاءت الجنود، وشردت بي، وما انتهى أمري إلا بمكان كذا، وكذا، وهم يعرفون ما جرى، ويعرفون ما وقع.
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك، فكل كلمة يقولها الرسول صلى الله عليه وسلم هي دين، يُقرب أصحاب من يحفظ ذلك الكلام، ومن يبلغ ذلك الكلام يجعله من أهل العلم، وأهل الدرجات العالية، ومن يستمع ذلك تجعله مأجورا، ومن يسمع ذلك، ويحرص على تنفيذه، وتطبيقه، لأنه دين، به يدخل الجنة، و به ينجو من النار. ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتحرك، وعيون الصحابة تراقب كل شيء يقوم به، تراقب أفعاله، وتصرفاته، وأقواله، وتسجلها ذاكرتهم، وتحفظها، لأنه دين يتقربون به إلى الله جل وعلا.
ولو سألنا أنفسنا هل هناك شخصية مفهومة، معلومة، أوضح من شخصية رسولنا صلى الله عليه وسلم؟
لو أخذنا أكبر زعيم في عصرنا اليوم، وسألنا أنفسنا ما اسم أبيه؟ ما اسم أمه؟ ماذا يعجبه من الطعام؟ كيف تربى؟ كيف نشأ؟
سنجد معلومات نجهلها، فربما لا يعرفها أهله، ولا أقاربه المحيطين به؛ لكن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم سيرته مكشوفة، ومعلومة، وواضحة، منذ بداية ولادته، والمسلمون يعرفون صفاته، الخَلقِية، والخُلُقية، وسيرته، ويعرفون اسم أبيه، واسم أمه، وأجداده، ونسبه، وبناته، وأن أبنائه قد ماتوا صغاراً، ونعرف ماذا يحب من الطعام، وماذا يكره، ونعرف كل سيرته صلى الله عليه وسلم.
لماذا؟
لأنه كان تحت المراقبة، والمشاهدة يراقبه الناس ليأخذوا عنه الدين، فهم يحرصون على ذلك لكي ينقلوا إلى من ورآهم الذي شاهدوه، وسمعوه؛ ولهذا حفظت هذه المعجزات، وحفظت هذه البينات ضمن ما حفظ من دين الله جل وعلا، فالذين يشاهدون الرسول صلى الله عليه وسلم كأن عيونهم تلك الكاميرات، وآذانهم تلك المسجلات.
ثم بعد ذلك جاء وقت التدوين، فدونوا وضبطوا عن من نقلوا، حتى جاء لنا هذا السجل العظيم، الذي يحفظ لنا فيه الخوارق الكثيرة، والعظيمة، التي تحدثنا عنها التي لا يقدر عليها بشر، ولا يقدر عليها إلا الله فتكون كل تلك الخوارق التي ذكرها القرآن وذكرتها السنة، وذكرتها السيرة النبوية، هي من الشهادات، والدلائل، والبراهين التي تثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أساسها كان يؤمن الناس.
هذا هو الطريق الذي كان يؤمن به الصحابة رضوان الله عليهم لما شاهدوا، ولما رأوا ذلك، فإذا أردنا أن نجدد إيماننا فعلينا أن نقوي هذا العلم، وأن ننشره في الأمة، وأن نحييه بين صفوف المسلمين، فنسأل الله رب العرش العظيم أن يوفق المسلمين إلى تجديد إيمانهم، وإحيائه، ونشر حقائق الإيمان في الأرض.
والحمد لله رب العالمين وأصلى وأسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
مراجعة: عبد الرحمن الصبري.
علي عمر بلعجم 23/ 7/ 2007م.
_____________________
(1) أخرجه النسائي في سننه 8/ 42، برقم: 4799، وابن ماجة في سننه 2/ 878، برقم: 2628، وأبو داود في سننه2/ 593، برقم: 4547، وكلهم يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله يوم فتح مكه ولم أجده من يروي أنه قيل يوم الخندق، وهو في صحيح البخاري 2/ 637، برقم: 1703 بلفظ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده».
(2) أخرجه أحمد 4/ 303، تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لضعف ميمون أبي عبد الله، البداية والنهاية 6/ 287، وفي بمعناه أخرجه البخاري 4/ 1505، برقم: 3875.
(3) أخرجه مسلم 3/ 1414، برقم: 1788، و أخرجه الشافعي في المسند ترتيب السندي 537.
(4) سبق تخريجه ص2.
(5) أخرجه البخاري 4/ 1567.
(6) أخرجه البخاري 3/ 1054، برقم: 2719.
(7) أخرجه البخاري 3/ 1051، برقم: 1706.
(8) أخرجه مسلم 1/ 472، برقم: 681.
(9) أخرجه البخاري 3/ 1313، برقم: 3390.
(10) أخرجه البخاري 2/ 739، برقم: 1991، وأخرجه مسلم 1/ 495، برقم: 715.
(11) أخرجه البخاري 2/ 879، برقم: 2352، أخرجه مسلم1/ 55، برقم: 27.
(12) أخرجه البخاري 3/ 1117، برقم: 2905، وأخرجه البخاري 4/ 1505، برقم: 3876، وأخرجه مسلم 3/ 1610، برقم: 2039.
(13) أخرجه البخاري 2/ 974، برقم: 2581.
(14) الحديث السابق.
(15) أخرجه البخاري 3/ 1310، برقم: 3383.
(16) أخرجه أبو يعلى في المسند 5/ 276، برقم: 2895، قال حسين سليم أسد: إسناده صحيح.
(17) أخرجه البخاري 3/ 1096، برقم: 2847.
(18) أخرجه البخاري 4/ 1484، برقم: 3814، البداية والنهاية 4/ 139.
(19) أخرجه البخاري 4/ 1541، برقم: 3969.