مركز البحوث
   
أبحاث الإيمان
   
براهين الإيمان
   
براهين الإيمان.. الحلقة (1)
براهين الإيمان.. الحلقة (1)
السبت 19 يناير 2013

براهين الإيمان.. الحلقة (1)

مقدمة لسلسة حلقات براهين الإيمان

الحمد لله وأصلي وأسلم على رسول الله، وبعد:

أين كنا قبل 100 عام؟ رؤسائنا وملوكنا وزعمائنا وقياداتنا وممثلينا؟ وأين سنكون بعد 100 عام كذلك؟

كل هذا الجيل كان في عالم الغيب وسينتقل إلى عالم الغيب ومهلته على هذه الأرض 100 عام تقريباً فهو مسافر، وأنا وأنت من هؤلاء المسافرين.

ولماذا أتينا إلى هذه الدنيا؟ ولماذا خلقنا؟ ومن الذي خلقنا؟ وماذا يريد منا؟ ولماذا نموت؟ وما الذي ينتظرنا بعد موتنا؟

أسئلة تتعلق بالوجود الإنساني ولكي لا نبقى في تيه وتخبط وجهالة؛ علمنا الله الأجوبة على هذه الأسئلة، علمنا الذي خلقنا سبحانه وتعالى، وجعل لنا أدوات للعلم من سمع وبصر وفؤاد، وجعل لنا مصادر لهذا العلم من هذا الكون والمخلوقات، وجعل لنا أيضاً رسلاً أرسلهم إلينا وأعطاهم البينات والمعجزات وقدم الأدلة المشاهدة التي تكفي بتحقيق اليقين والإيمان.

ولماذا أرسل هؤلاء الرسل؟ وما هي معجزاتهم وبيناتهم؟ وما هي الشبهات التي واجههم بها الكفار قديماً وحديثاً؟

واليوم الآخر ما هي أدلته؟ وما هي حجج خبرائه؟ وما هي حقائق النعيم الذي فيه؟ وما هي حقيقة العقاب؟

كل هذا سوف نعرض له بأذن الله في هذه الحلقات التي نقدمها عن براهين الإيمان ومعجزاته.

هذا الإيمان الذي جعله الله سبحانه وتعالى أفضل الإعمال، فقد أخرج مسلم وابن حبان وأبوداود عن النعمان بن بشير أن ثلاثة كانوا يتجادلون حول أفضل الإعمال حتى ارتفعت أصواتهم، فمنهم من قال في حديثه ما يدل على أن أفضل الإعمال عنده هو سقاية الحاج، فقال الآخر: لا بل الأفضل عمارة المسجد الحرام، فقال الثالث: لا بل الجهاد في سبيل الله، فنهرهم عمر، وقال لهم: سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الجواب: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19].

الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، فأفضل الأعمال في القرآن الإيمان بالله جل وعلا كما دلت الآية.

وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل قال: الإيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله»(1).

فلماذا كان الإيمان هو أفضل الأعمال؟

إن الإيمان هو الذي يحقق الارتباط بين العبد وخالقه سبحانه وتعالى وبدون هذا الارتباط يبقى هذا الإنسان متخبطاً كصاروخ انطلق في الفضاء وأخذ يتفكر حتى فقد الاتصال بقاعدة انطلاقه، ما مصير هذا الصاروخ؟!!

إن مصير هذا الإنسان الذي فقد صلته بربه أخطر وأعظم، إنه بالنهاية سيهوي إلى نار وقودها الناس والحجارة.

إن الإيمان هو أساس قبول الأعمال عند الله فإن أعمال الكافرين لا قبول لها كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

والإيمان هو السبب الحقيقي في إصلاح الناس اليوم، وفي إصلاح المؤمنين والمسلمين؛ إصلاح أخلاقهم وأخلاق سلوكهم، فكيف يتكون ذلك؟

إذا قلت لشخص لا تقتل لا تسرق لا تنهب لا تزني لا تظلم لا تفجر لا تكذب؛ فإنه سيطيعك إذا كان يخاف العقاب، أو إذا كان يطمع في هواك، وليس هناك خطراً أعظم من النار، وليس هناك مصلحة أعظم من الجنة؛ لكنه لا يمكنه أن يندفع فيفعل كل الصالحات، ويجتنب كل الحرمات، ويقاوم أهواء نفسه إلا إذا كان موقناً بأن الجنة حق وأن النار حق، وأن وعد الله حق؛ فلذلك إذا قدمنا براهين الإيمان ومعجزات الإيمان وحقائقه، وعرَّفنها الناس أثمرت علماً ومعرفة ويقيناً، وأثمرت خوفاً من الله جل وعلا.

وقد بين الله لنا في مثال هذه الحقيقة فضرب مثلاً لكلمة توحيد كلمة الإيمان لا إله إلا الله، ضربها لنا مثلاً بشجرة، هذه الشجرة تثمر وتأتي ثمارها في كل حين بأذن خالقها سبحانه وتعالى وهذه الشجرة هي تلك الكلمة لا إله إلا الله، وثمارها الأعمال الصالحة، واجتناب الذنوب والمعاصي والمفاسد، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 24-25].

هذا الصراع الذي نشتكي منه ما سببه؟

سببه أن الناس لا يعرفون إلا هذه الدنيا، ولا يعرفون من هذه الدنيا إلا ملذاتهم وشهواتهم ومصالحهم.

أنت تريد هذه المدينة أن تكون كلها لك!، وأنا أريدها لي! والثالث يريدها له!، فلو قلنا لشخص ملَّكناك نصف الأرض، هل يقبل؟ لا يقبل؛ لأنه يريد النصف الثاني، وإلا ستكون الحرب؟!

ما السبب؟ إنها الأطماع الواسعة في قلوب الناس التي لا تقنع ولا تشبع، فكيف تعالج؟.

علاجها أن تعرف أن الله قد أعد للمؤمنين جنة عرضها السموات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، أقل شخص فيها يملك مثل هذه الأرض بعشر مرات، له فيها الخلود الأبدي، بعد أن يعلم أنه لن يفوز بهذه الجنة ولن ينجو من النار وعقابها إلا على استقامته على العمل الصالح، إلا بالإيثار، إلا بالتواضع، إلا بالعدل، إلا بالأخوة، فعندئذٍ تستقر الحياة.

أرأيتم لو أن شركة من الشركات قد نجحت في صناعة جهاز وُضِعَ بالجيب هنا، وأن هذا الجهاز يدفع صاحبه إلى فعل كل خير، ويمنع صاحبه من فعل كل شر، فهل يبقى شخص بعد ذلك إذا وزع هذا الجهاز للناس جميعاً للكبار والصغار كل الناس يلمسون أن هذا الذي نتكلم عنه -هذا الجهاز- إنه التقوى، إنه خوف الله الذي يكون ثمرة للإيمان ونتيجة للإيمان، والإيمان ليس قضية فلسفية بل هو قضية علمية حقيقية تتضبط في واقع الحياة، ويشاهد الناس أثارها كما حدث ذلك في تاريخ الصحابة الكرام الذين كانوا رعاة غنم وحولهم الله رعاة أمم سبحانه وتعالى بفضله وبنصره وبتأييده، ووعد المؤمنين بوعود عظيمة، وربط تلك الوعود بالإيمان، ومعنى ذلك إذا حققنا هذه الصفة صفة الإيمان، وتمكنت من نفوسنا؛ تحقق لنا ما وعدنا الله به قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].

أدرسوا تاريخ الأمة، أدرسوا تاريخ الإسلام، تجدون النصر كان مع فيالق المؤمنين المجاهدين الصادقين كان فتحاً عظيماً ونصراً عظيماً حتى وحدوا الأرض من أطراف الصين شرقاً إلى أطراف فرنسا غرباً في دولة واحدة وأمة واحدة، الله سبحانه وتعالى أعطاهم العزة، ولله العزة ورسوله وللمؤمنين، وإذا تحقق الإيمان تحقق النصر وتحققت العزة، ثم تكفل الله بالدفاع عن المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38].

كيف لو قال لك ملك من الملوك أو أمير من الأمراء: اذهب في هذه البلاد وافعل ما شئت، فأنت ستشعر بالعزة؛ وكذلك يشعر المؤمن الصادق بالعزة، ويتحقق ذلك الأمر، وذلك الدفاع الإلهي، وقد وقع في تاريخنا، وتولى الله أمرنا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257].

ويمكِّن الله للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55].

وجعل الله الايمان طريق إلى الهداية، وطريق إلى الصراط المستقيم، في حين أن الناس يتخبطون شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً يبحثون عن الحق قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141].

فالحياة في ظل رحمة الله جل وعلا كلها وعود ستتحقق كما تحققت من قبل إذا حققنا هذا الإيمان ومكَّناه من نفوسنا، ولكن ما نشاهده اليوم يحتاج منا إلى أن نراجع حقائق الإيمان في نفوسنا.

هذا بعض ما وعد الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: 57]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾ [الكهف: 107- 108]، أي: لا يريدون تحول منها وخير الدنيا وخير الآخرة قد جمعه الله للمؤمنين؛ فحققوا الإيمان يا عباد الله، حققوا الإيمان أيها المسلمون، ومكنوه في نفوسكم، ولا نكون مثل هؤلاء الأعراب الذين قال الله عنهم: ﴿قَالَتْ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].

بعض الأعراب انطبق عليهم الأذى، وقال الله فيهم هذا: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: من الآية14]، والإيمان لا يدخل في القلوب إلا بالحجة، والعلم والبرهان، ولذلك قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19].

، وقال الله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19].

هذا الإيمان ما هو؟ وما حقيقته؟ ومن أين نجده؟ وكيف نحصل عليه؟ هل يباع بالمعلبات مثلاً؟ أو موجود بالأسواق؟ أو يعطى بإبر؟

إن الإيمان يتكون من ثلاث حقائق: حقيقة بالقلب وهي اليقين والاطمئنان كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75]، وهذا اليقين لا يكون إلا بالعلم، ولا يكون إلا بالحجة والبرهان، قال تعالى عن قوم موسى بعد أن رأوا الآيات ورأوا المعجزات واستيقنوا أن هذا الحق، ودخل اليقين إلى قلوبهم فاستكبروا وكذبوا وجحدوا قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وقال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]، ما بقي في قلوبهم ريب، ولا بقي فيهم شك، ولا بقي عندهم شبهاً، بل يقين، حتى قال أحد الصحابة رضوان الله عليهم انه لو كشف الحجاب ما زادني في إيماني شيء.

هذا هو الأمر الأول أي أن يتحقق اليقين بالقلب، وأن يتمكن في النفس، وهذا هو موضوع حلقاتنا هذه التي سنقدمها إن شاء الله.

ما هي الأدلة؟ وما هي البراهين التي توجد هذا اليقين؟ وتوجد هذا الاطمئنان في القلب حتى نكون على يقين واطمئنان.

والثاني أن ينفعل القلب بهذه الحقائق التي تمكنت بالنفس، ويستجيب لها ثم ينطق بها اللسان ويشهد، كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

وهذه الحقيقة الثانية التي تظهر على اللسان، وهي الشهادة، وقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»(2).

والثالثة: العمل: أي العمل بما استقر في القلب، ونطق به اللسان، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].

والجهاد عمل من الأعمال، وفي حديث ابن عباس عند البخاري ومسلم وغيرهما عندما جاء وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان»(3) فهذه كما جاء في هذا الحديث المتفق عليه أنها من حقائق الإيمان.

فالعمل إذاً حقيقة من حقائق الإيمان؛ لكن جميع علماء المسلمين في كل فرقهم اتفقوا على أن اليقين الذي يكون بالقلب هو الأساس لقبول ذلك الإيمان، وهو أساس الإيمان بأكمله، فإذا جئنا لنتفكر في حالنا نحن المسلمون اليوم! ونتساءل ما هي حقيقة القين في قلوبنا؟ هل يقوم على علم؟ هل يقوم على بينة؟

قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]، فجعل الذي يعلم بأن الذي جاء من عند الله هو الحق مبصر، والذي لا يعلم جعله أعمى، والأعمى يقوده خصمه إلى حيث شاء، ولا حول ولا قوه إلا بالله، نرى الإيمان اليوم عند كثير من المسلمين يقوم على التقليد، إيمان جغرافي، إسلام جغرافي يقوم على التقليد للآباء وللأمهات وللمجتمع وللناس، فلذلك فهو إيمان لا يقوم على علم، ولا يقوم على برهان، فيحتاج هذا الإيمان إلى أن يتمكن إلى العلم والبرهان والدليل.

وأما القضية ما هي أقوالنا؟ ما هي ثقافتنا؟ ما هي اهتماماتنا؟

ترى الاهتمامات كلها بالدنيا في الصباح وفي المساء، اهتمامات بالأعمال الدنيوية في كل مكان، اهتمام وانشغال في هذه الدنيا، ولا نعرف حقيقة هذه الدنيا إلا إذا جاء الموت، فإذا جاء الموت خرجنا من غفلتنا وانتبهنا واستيقظنا، وعلمنا أننا كنا نمر في ذات الممر، وأننا كنا من المسافرين في ذلك النهار.

فالغفلة التي أحاطت ما سببها؟

سببها كذلك ضعف الإيمان، الغفلة والإخلاد إلى الدنيا، أما العمل فما العمل؟ أين هي أركان الإسلام؟ وكيف حقيقتها؟ الصلاة كيف حقيقتها في مجتمعاتنا اليوم؟ الزكاة والصوم؟ الحمد الله لا نقصر...، الحج؟ الأخلاق الإسلامية، السلوك الإسلامي؟

مجموع هذه الثلاثة اليقين الذي في القلب والقول الذي في اللسان يمثل الاهتمامات ويمثل ما يسعى إليه الإنسان والعمل المصدق للذي بالقلب وللذي باللسان، مجموع هذه الثلاثة هو الإيمان لذا فإننا بحاجة إلى أن نجدد إيماننا سوف نموت، وسوف تنكشف حقيقة هذه الدنيا، تذكر الآن عمرك الذي مضى وانقضى؟ كل واحد منا يتذكر الآن في هذه اللحظة كل الذي انقضى من عمرك ما قيمته كأنه حلم، وكذلك الحياة الدنيا حقيقتها ستكون كذلك، عندما تأتي لحظة الموت ويغرغر أحدنا بالموت وينظر إلى الدنيا التي مضت سيرى أنها لا شيء، وسيعرف أن الحقيقة الكبرى التي سيقدم عليها وما منا من أحد إلا سيكون له هذا الحال سواء من الرؤساء أو من الزعماء أو من كبار القادة أو من عامة الناس أو الأطباء الذين يعالجون الناس، أو من الأغنياء أو من الفقراء، كلنا سنموت، وستنكشف لنا حقيقة هذه الدنيا، وسنتمنى لو أننا أعددنا العدة واستعدينا لما بعد الموت، وأول استعداد في ذلك بالإيمان الصحيح الذي يجعل أعمالنا مقبولة، ويجعلنا من الفائزين عند الله سبحانه وتعالى.

هي أحوالنا التي ساءت، والسلوك الذي فسد، والخلق الذي تضاعف، كل هذا يحتاج إلى دفعة إيمان جديدة، تنبعث في قلوبنا، وتجدد صلتنا بربنا، وتقوي دافع الخوف بالقلوب، وتمسك أنفسنا من الاندفاع إلى الشرور، وإلى المفاسد، ويجعلها تسارع إلى فعل الخيرات، إننا في حال من الضعف كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها»، قلنا: أمن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله، قال: «لا أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل»(4).

هذه الغثائية التي أصبحنا نراها بكثير من أخبار المسلمين؛ علاجها تجديد الإيمان وتقويته، وعلاجها تجديد اليقين، وهذه الحلقات من دروسنا بأذن الله سوف نعالج فيها هذا الأمر قضية، قضية، سنستعرض أدلة الإيمان بالله جل وعلا وحججها وبراهينها، وسنستعرضها في استجابة الدعاء، ونستعرضها في معجزات الرسل، ونستعرض معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي آمن عليها الناس في عهده، وآمن عليها من جاء بعده، ونستعرض المعجزات التي تجلت في عصرنا اليوم، وظهرت اليوم بما يسمى بالإعجاز العلمي، وسنتعرف لذلك كله، وسنتعرف إلى تلك الشبهات التي شاعت في عصرنا والتي تزاحم حقائق الإيمان، ونرد عليها بأذن الله جل وعلا، وكذلك سنتطرق بالحديث إلى الإيمان باليوم الآخر وأدلته وبراهينه وحججه، ونرد على الشبهات التي تعارض ذلك اليقين، وتعارض الإيمان باليوم الآخر، ونستعرض لوعد الله جل وعلا لعباده بالجنة بعلم ويقين، وبما توعد الله للكافرين من عذاب أليم.

نميز هذا الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر إذا ثبت وتمكن بالقلب وبنيت عليه بقية أركان الإيمان وبقية شعب الإيمان، وعلى هذه الحقائق الثلاث تبنى بقية الحقائق وعندئذٍ سنرى إذا اندب الإيمان بالقلوب، ونطقت به الألسن، وتحركت به الجوارح، سنرى تغير في حياتنا، وفي بيوتنا، وفي تجارتنا، وفي وظائفنا، وفي صناعتنا، وفي اقتصادنا، وفي كل شيء من حولنا، سنرى الصحة والعافية تدب في أجسامنا، وتدب في سلوكنا وأخلاقنا، وسنرى السلوك القوي؛ لأن اليقين يدفع إلى خوف الله جل وعلا، ويدفع إلى الفوز بمرضاة الله سبحانه وتعالى، عندئذٍ تصلح الأعمال، وتستقيم الأحوال، ويصلح حال الناس جميعاً رجالاً ونساءً وشباباً وشيوخاً وقادةً ومقودين وحكاماً وشعوباً، ونرى المحبة والأخوة، ونرى السعي إلى طلب الرزق من العمل الحلال، ونرى كذلك الرحمة من المسؤولين برعيتهم، والذلة على المؤمنين، والاستقامة على طريق رب العالمين، هذه الحلقات نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبلها منا جميعاً، وأن يحقق لنا أجرها.

والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مراجعة وتحقيق: علي عمر بلعجم.

24/ 3/ 2007م.

____________________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 18، برقم: 26، وأحمد في المسند 4/ 204، برقم: 17847.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 63، برقم: 35، وأيضاً في مسلم 1/ 63، برقم: 35، والنسائي في سننه 8/ 110، برقم: 5005.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 29، برقم: 53.

(4) أخرجه أبو داود في السنن 2/ 514، برقم: 4297، وأحمد في المسند 5/ 278، برقم: 22450، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2/ 647، برقم: 958.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: