مركز البحوث
   
الفقه
   
أخرى
   
من أسباب التمزق التآمر الخارجي
من أسباب التمزق التآمر الخارجي
محمد نعمان البعداني
الأربعاء 16 يناير 2013

من أسباب التمزق التآمر الخارجي

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد سبق في الأبحاث الأربعة الأولى ذكر الأسباب الثمانية الأولى من أسباب التمزق والتفرق وهي: مخالفة الشريعة، والذنوب والمعاصي، والإعراض عن شكر النعمة، وانتشار الجهل، والظلم، وتفرق جماعة المسلمين، وإثارة العصبية، والخروج بالسلاح، وسأتحدث في هذا البحث عن السبب التاسع والأخير من هذه الأسباب وهو:

التآمر الخارجي:

لقد سبق وأن أشرت في المقدمة إلى أن جمع الكلمة ووحدة الصف وتأليف القلوب وتوحيد المسلمين من أسمى المطالب وأغلاها وأجلها وأعلاها وأشرفها وأثمنها؛ لما ينتج عن ذلك من قوة ضاربة للمجتمع المسلم لا يجرؤ أعداؤه من التسلط عليه، وأشرت إلى أن حبيبنا محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام قد أدرك هذا الأمر وأهميته فبادر في أول تأسيسه للدولة الإسلامية إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وجمع كلمتهم وتوحيد صفهم وإزالة الفخر بالأنساب والعشائر والعصبة، فجمعت هذه الأخوة في صدرها الرحب والواسع بين علي القرشي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، فتكون مجتمع واحد، صفه واحد، فقويت بذلك شوكتهم، واستعصوا على عدوهم، فما استطاع مد أقوى وأعظم إمبراطوريتين -فارس والروم- من الوقوف أمام زحفهم لنشر نور الحق والهداية لجميع الخلائق بل سقطت تلك الإمبراطوريتان أمام هذا المجتمع الموحد القوي، وأشرت إلى أن الأعداء نظروا إلى مصدر قوة الدولة الإسلامية، فوجدوا أن وحدتها وجمع كلمتها وصفها هو السبب الرئيس لذلك، فجعلوا يكيدون المؤامرات لتفريقهم وتمزيقهم، ونجحوا عندما أسقطوا الخلافة العثمانية، ومزقوا دولة الإسلام إلى دويلات صغيرة لكل دولة حدودها التي تفصلها عن غيرها، ومن ثم وردوا لنا كل سبل وطرق الفتنة والشتات والخلاف تحت مسمى الديمقراطية المكذوبة بدليل أن الغلبة إذا كانت في كفة الصالحين تكالب عليهم العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه كما حدث في فلسطين، وإن كانت الغلبة للعملاء والظالمين المستبدين بارك العالم هذه العملية الديمقراطية المأثومة، ولا زالوا يمارسون الضغط على الحكومات العربية لتنفيذ كل الطرق والسبل والوسائل التي تمزق هذه الممزقات، ولا يزالون كلما وجدوا سبباً للفرقة والفتنة صدروه لنا، وجعلوا له شعاراً منمقاً وأوجدوا لهم عملاء يروجون لذلك تحت شعارات ومسميات زائفة خادعة.

إن اليهود والنصارى وأعوانهم وعملاءهم في العالم يدركون ما الذي تعنيه وحدة أبناء هذه الممزقات الإسلامية، ولهذا كلما وجدوا باباً يجمع هذه الأمة كسروه وأزالوه، وساعدهم على تسهيل ذلك عمالة مجموعة من حكام وأبناء هذه الممزقات، وإلا فلماذا لم تطبق فكرة إنشاء سوق إسلامية؟!! ولماذا لم تطبق فكرة إنشاء محكمة عدل إسلامية تنظر في القضايا الدولية المقدمة ضد الدول الإسلامية وأفرادها؟!! الجواب هو أن في قيام السوق الإسلامية تمهيد لقيام اتحاد إسلامي، وهذا الاتحاد يعني أن دول الاتحاد تدخل في اتفاقية تنص على أن أي اعتداء على أي دولة من دول هذا الاتحاد يعني اعتداء على كل دول الاتحاد وبالتالي لا بد أن يتخذ الاتحاد قراراً حازماً حيال هذا الاعتداء، وهذا ما لا يريدوه أعداء الإسلام، ولهذا لما طرحت أمثال هذه المقترحات أعقبها ضغط خارجي على الحكام لإفشال تنفيذ هذه الأفكار التي تنهض بهذه الأمة وتعيد لها مكانتها بين أمم العالم، ولهذا لما رأوا أن تحقيق الوحدة اليمنية أوجد الأمل في توحيد جميع الممزقات الإسلامية، بادروا الآن إلى بذل جهود قوية مادية ومعنوية وبثوا لهم مجموعة من العملاء الذين يتقاضون مقابل أعمالهم يقومون بتحريض الناس وإثارة الفتن فيهم والدعوة إلى التمزق والانفصال وقد أثر هؤلاء في الناس تأثيراً بالغاً، وأشعلوا في قلوبهم العصبية والمناطقية، ووجدوا لهم تأييداً شعبياً قوياً؛ لأنهم استغلوا وتعلقوا في تحقيق هذا الهدف الخسيس بالواقع والظروف السيئة والمتردية التي يعيشها هؤلاء بل تعيشها البلاد برمتها من ظلم وسلب ونهب للثروات والممتلكات العامة والخاصة من قبل المتنفذين، وزاد الطين بلة والأمر علة عدم استقلالية القضاء؛ نظراً لتسلط هؤلاء المتنفذين عليه، ومما زاد الأمر سوءً الحالة الاقتصادية المتردية والمتدهورة والمنهارة التي تنذر بمزيد من التدهور، وفشو وانتشار الوساطة والمحسوبية والرشوة مما أدى إلى ضياع الحقوق وانتشار الفساد والظلم وزيادة البطالة وانتشار الفقر، كل ذلك هيأ بيئة خصبة للدعوة إلى تمزيق وتشطير البلاد وسهل انتشار هذه الدعوى والتفاف الكثير من حولها رجاء التخلص من هذا الواقع الأليم والمرير الذي أصبح الفرد يرى نفسه فيه مهانا، فتكون حراك يدعو إلى الانفصال، أفراده من أبناء هذا البلد نواياهم ومقاصدهم حسنة إلا أنهم لا يدركون تماماً أن ما قاموا إليه ويقومون به وراءه قوى خارجية تسعى من وراء تأييد هذا الحراك ودعمه إلى تشطير البلاد وتمزيقها؛ لتضعيفها لا لإزالة الظلم الواقع عليهم، وإلا فلماذا لا تصرخ هذه القوى الخارجية في وجه الحكومة وتدعوها صراحة أمام كل العالم إلى إصلاح وضع البلاد ورفع الظلم والفساد؟!! لماذا تدعم هذه القوى الحراك ليقوم ضد الحكومة وفي نفس الوقت تدعم الحكومة لتطوير فسادها وتبرم معها الصفقات الغير قانونية التي تسلب وتنهب فيها أموال وثروات هذا الشعب؟!! لماذا لا يتركون التعاون مع هذا النظام الفاسد ويقاطعونه ويقفون عن إبرام الصفقات معه حتى يسوي من وضعة؟!!

الجواب بكل بساطة هو أن هذه القوى لا تهدف إلى رفع الظلم عن هؤلاء المظلومين بل تريد تمزيق وحدة هذا الشعب والتي جعلت من هذا البلد قوة ليس من السهل تفكيكها، إذاً لابد من التنبه والحذر من السير في طريق الهبوط والمشاركة في تمزيق الصف، والحذر من أن نجعل الحماسة والغضب يعميان عن الأخذ بالحق، ولا يعني هذا الخنوع للظلم بل نطالب الحكومة بإصلاح الأوضاع، ورفع الظلم والفساد، مطالبة ليس معها قتل وسلب، وحرق للممتلكات العامة والخاصة، ولو وقف أبناء اليمن جميعاً يدعون إلى رفع الظلم وإعادة الحقوق، لوجدت الدولة نفسها مضطرة للخضوع للمطالب، وعلى الدولة أن تحذر من السير وراء مخططات الأعداء لتمزيق اقتصاد البلاد تحت مسمى الإصلاحات الاقتصادية، فهي إفسادات اقتصادية تحطم الاقتصاد وتقضي عليه تنفيذاً للمخطط الرأسمالي الساعي إلى نزع الأموال من الشعوب وجعلها في يد فئة قليلة من الناس لا تزيد عن 20% هم الثلة الرأسمالية؛ يهدفون من وراء ذلك إلى إذلال الشعوب وإهانتها وعولمتها لتكون لهم السيادة والكلمة وشعارهم في ذلك جوع كلبك يتبعك، ومن لا يملك قوته لا يملك قراره، وقد انجرت الحكومة وراء هذا المخطط وأبرمت الاتفاقية على ذلك مع ما يسمى بالبنك الدولي بعد عام تسعين تحت شعار ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب وهو شعار النهوض بالاقتصاد وتطويره والسعي لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية والرقي باليمن، هذه هي الكذبة التي لعب فيها البنك الدولي وأسياده على الحكومة اليمنية بعد عام تسعين لتمزيق وحدته بنفس بارد من خلال تحطيم اقتصاده، والمؤسف أن الدولة أهملت نداء أهل الخبرة والاختصاص وأصحاب النظر الثاقب من العلماء والمختصين آن ذاك عندما نهضوا ووقفوا في وجه هذه الإفسادات الاقتصادية التي خدع بها الكثير وبينوا حقيقتها بكل وضوح لكبار مسئولي الدولة، وها هي النتيجة الحقيقية لهذه الاتفاقيات الخبيثة تظهر في الواقع، وما سياسات التجريع والتجويع والإهانة والإذلال لهذا الشعب، ووهم السياسات الاقتصادية التي الدولة ماضية في تطبيقها؛ لتنفذ هذه المؤامرة والمكيدة اللعينة على أبناء هذه الوطن للقضاء على وحدته، وما ارتفاع المحروقات من بترول وديزل وغاز إلا لتحقيق ذلك؛ إذ بارتفاعها خصوصاً الديزل يكثر الفقر وتنتشر البطالة وترتفع السلع وتقل الزراعة الداخلية وتتحجم وتكاد تختفي ويصبح قوت الشعوب المسلمة يأتيها من الغرب فإذا ما رفضت هذه الشعوب أن تستجيب للمقررات الرأسمالية العالمية فرض عليها الحضر الاقتصادي الذي يركعها ويذلها، والمحزن في هذا الأمر كما أشرت سابقاً أن الحكام والمسؤولين يدركون هذا تماماً ويعلمون يقيناً أن هذه الجرعات تهلك البلاد والعباد وتنفذ مخططات اليهود والنصارى، فإلى متى يا مسئولي البلاد؟!! ولماذا تسمون المكر والخديعة والأكاذيب الفظيعة سياسات حكيمة؟!!! فالحذر الحذر من الاغترار بالإمهال: «فإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»(1)، وكفاكم سيراً وراء مخططات اليهود والنصارى والأمم المتحدة والبنك الدولي المنتن برباه الذي يضغط عليكم لممارسة الفساد الاقتصادي ورفع الأسعار؛ ليزيد من إشعال فتيل الفتنة، فالحذر الحذر من مكرهم وكيدهم بكم وبشعوبكم فإنهم يكيدون بالجميع ويستعملونكم أداة لتحقيق أغراضهم وأهدافهم، فإذا ما حققوها تخلصوا منكم إن لم تقضي عليكم هذه الأغراض التي استخدمتم فيها، أما لكم في القادة والحكومات التي قدمت كل الولاء لليهود والنصارى ثم تركوا ولم تتشرف أي دولة منهم أن تعطي أحدهم حتى اللجوء السياسي، فالحذر الحذر من أعداء الإسلام فإن من عادتهم منذ بزغ فجر الرسالة التآمر على أهل الإسلام والكيد والمكر للإسلام والمسلمين، وإثارة الفتن بينهم، والحرص كل الحرص على تمزيق كلمتهم وتشتيت صفهم؛ ليصبحوا لقمة سائغة لهم، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: «مر شاس بن قيس اليهودي -وكان شيخاً قد عسا(2) في الجاهلية عظيم الكفر شديد الطعن في المسلمين شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شاباً من اليهود كان معه -وأمثاله عملاء اليهود اليوم- قال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار وكان بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب: أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، وحيان بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددتها الآن جذعة وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد جعلنا السلاح موعدكم الظاهرة -وهي حرة- وخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها على بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم إليه كفاراً الله الله. فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، وأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع»: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 99](3)، والأحاديث في مكر اليهود والنصارى بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين والتآمر عليهم لا تكاد تحصر منها حديث الإفك، وحديث زينب بنت الحارث التي سمت النبي صلى الله عليه وسلم، ومحاولة قتله عندما ذهب لإحضار دية الرجلين وغير هذا الكثير، فكل ما يظهر فيه جمع كلمة المسلمين فإنه يغيض الشيطان وإخوانه وأعوانه من حفدة القردة والخنازير ولهذا جاء في الحديث عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين»(4)، لما في إفشاء السلام من حصول المحبة والألفة والأنس وصفاء القلوب والدلالة على اجتماع الكلمة، ولما في التأمين من موافقة تأمين الملائكة وغفران الذنوب بذلك، وصدورها من المصلين بصوت واحد تهز قلوب السامعين وتشعر هذه القوة في الصوت الظاهرة؛ لوحدتهم في نطق هذه الكلمة بأن القوة في الصف تحصل بالوحدة كما حصلت قوة الكلمة بها، وتظهر قوة هذه الأبدان والقلوب والنفوس إذا اجتمعت في صف وخندق واحد، وهكذا كل ما من شأنه جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم.

مجالات التآمر الخارجي:

إن التآمر الخارجي على الدول الإسلامية لم يقف عند مجال معين ويقتصر عليه بل امتد ليشمل جميع نواحي الحياة وكافة المجالات، ولن يتوقف هذا التآمر عند حد حتى يروا كفرنا بالله مثلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

إن على الأمة الإسلامية وحكامهما الانصياع لأمر الله تعالى الذي بين لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بأن اليهود والنصارى لم ولن يرضوا عنه وعن أمته حتى يتبعوا ملتهم بالموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول ولأمته، قال الإمام ابن كثير: "فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة -عياذاً بالله من ذلك- فإن الخطاب مع الرسول والأمر لأمته"(5).

فلتحذر الأمة من الركون إلى شيء مما يمليه الغرب عليها، قال الإمام السمرقندي: "فأخبره الله تعالى أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم فنهاه الله عن الركون إلى شيء مما يدعون إليه"(6)، وقال الإمام الطبري: "فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم"(7).

فإلى صور من مجالات هذا التآمر على هذه الأمة:

المجال العسكري:

أولاً: موقف الأمم المتحدة(8) من المسألة الاستعمارية:

لم تتطرق مواد ميثاق الأمم المتحدة إلى الحديث عن الاستعمار إلا في تسع عشرة مادة من إجمالي مواد الميثاق البالغة مائة وإحدى عشرة مادة بالرغم من أن الحركة الاستعمارية كانت لا تزال طاغية في وقت صدور هذا الميثاق، مما يدل دلالة واضحة على أن تلك المنظمة الدولية لم تتخذ موقفا جاداً تجاه المسألة الاستعمارية منذ البداية، والواقع يدل على أن دور عصبة الأمم(9) بل عصابة الأمم الملحدة لم يختلف عن دور وريثتها هيئة الأمم في موقفيهما من الاستعمار على الأقل في الفترة التي سبقت احتدام الحرب الباردة، فعصبة الأمم كانت قد ابتدعت نظام الانتداب؛ لمعالجة الأوضاع القانونية للمستعمرات التي كانت خاضعة للدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى خاصة تركيا وما كان يتبعها من بلاد الإسلام، ثم أدخلت الأمم المتحدة بعض التعديلات على نظام الانتداب وأسمته نظام الوصاية، وقررت أن يسري هذا النظام على المستعمرات التي كانت خاضعة للدول المهزومة في الحرب العالمية الثانية، ورجح ميثاقها كفة المصالح الاستعمارية على كفة الشعوب المستعمرة، وتمثل ذلك عملياً في تمكين القوى الاستعمارية من استغلال الفرصة كاملة في تثبيت أقدامها وضمان مصالحها في المناطق المستعمرة تحت زعم تهيئة الشعوب وإعدادها لتكون قادرة على حكم نفسها بنفسها، وكانت هذه فرصة ذهبية للدول الاستعمارية، استغلتها أبشع الاستغلال حيث أثبت الواقع بعد ذلك أن تلك الدول لم تغادر تلك المناطق إلا بعساكرها تاركة الشعوب المستعمرة في حالة من التبعية الذليلة، أو الفوضى المستمرة التي تسمح بالتدخل كلما لاحت فرصة، وساعد على هذا الموقف أن بريطانيا زعيمة الاستعمار القديم كانت لا تزال قوية، بل كانت شريكة للولايات المتحدة وروسيا في تحقيق انتصار الحلفاء الذي توج بإنشاء الأمم المتحدة، وقد أدت عوامل كثيرة بعد ذلك -ليس منها ميثاق المنظمة- إلى تحول في شكل الاستعمار ومضمونه، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية عزمت على وراثة وتحديث الاستعمار القديم الذي كانت تقوم عليه دول عدة كإنجلترا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وجنوب أفريقيا، ونجحت أمريكا في إلهاب المشاعر ضد الاستعمار القديم، وعمل الاتحاد السوفييتي في المجال نفسه، وسار على الضرب ذاته كجزء من استراتيجيته لإضعاف المعسكر الأوروبي الغربي وتفتيته وحرمانه من عمقه الاستراتيجي والاقتصادي، وكذلك أراد أن يخطب ود الشعوب المستعمرة على أمل أن تصبح جسراً لبناء النفوذ خارج منطقة حلف وارسو ثم ألقت كلا القوتين -الاتحاد السوفييتي وأمريكا- بثقلهما في الأمم المتحدة لتشجيع حركة التحرر من الاستعمار القديم؛ لتقتسم القوتان بعد ذلك العالم كله وتقسمه إلى معسكرين متقابلين: المعسكر الشيوعي الشرقي، والمعسكر الرأسمالي الغربي، فرد الله كيدهم في نحورهم فما مضى إلا زمن على هذا المخطط حتى سقط أحد المعسكرين الحديثين، وتفردت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم عند قيادتها للأمم المتحدة والأمم غير المتحدة، وها هي الآن بطريقها إلى الانهيار كسابقتها، نسأل الله تعالى أن يعجل ذلك آمين.

ثانياً: موقف الأمم المتحدة من مسألة التسلح:

اهتمت الفقرات التي تناولت الحديث عن نزع السلاح في ميثاق الأمم المتحدة بالكلام عن تنظيم التسلح بين الدول الكبرى؛ لأن للدول المبرمة للميثاق أوثق الصلات بالسلاح وبقوة السلاح وجاء في المادة الحادية عشر للميثاق: "إن للجمعية العامة أن تنظر في التعاون لحفظ السلم والأمن الدوليين فيما يتعلق بنزع السلاح وتنظيم التسليح"، وبعد التوقيع بالأحرف الأولى على هذا الميثاق، وبعد أقل من شهرين على إبرامه قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإلقاء قنبلتين ذريتين: إحداهما على مدينة هيروشيما اليابانية في 6 أغسطس1945م، والثانية على مدينة نجازاكي في 9 أغسطس 1945م، ويبدو أن الولايات المتحدة أرادت بذلك أن تطبق عملياً ما فهمته من دعوى الأمم المتحدة إلى نشر السلم والأمن الدوليين! وبعد عام -أي سنة 1946م- شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة تابعة لها أطلقت عليها لجنة الطاقة النووية تدعو إلى ضمان استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية، ولكن بعد دخول بقية الدول الكبرى النادي النووي لم تطبق دعوة الأمم المتحدة بحزم إلا على الدول غير الكبرى وبخاصة الدول الإسلامية، بل إن العديد من الدول غير الكبرى سمح لها بتملك السلاح النووي؛ لأنها غير إسلامية مثل الهند وجنوب إفريقيا وإسرائيل!

إن سبب السماح لهؤلاء بتملك السلاح النووي في الوقت الذي لا يسمح فيه أبداً للدول المسلمة هو الإصرار الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة على إبقاء المسلمين بمجموعهم رهن الإذلال النووي في قارات العالم؛ ليتنقل المسلمون من تهديد اليهود إلى تهديد النصارى إلى الوثنيين وهكذا، والويل ثم الويل لمن أقدم أو أعلن أو نوى السعي إلى تملك هذا السلاح من القادة المسلمين، أو حتى المتسمين منهم بأسماء المسلمين؛ لأن الأمم المتحدة ستكون له بالمرصاد، بينما التهديدات اليهودية والنصرانية النووية التي تنموا وتترعرع تحت سمع وبصر ما يسمى الشرعية الدولية، فهذه إسرائيل وفرنسا في زمن متقارب في أوائل الخمسينات توحدان مساعيهما نحو برنامج للتسلح النووي، هذه بالتجسس وسرقة الأسرار، وتلك بالتقنية ورصد الأموال، وبلغ التعاون بينهما ذروته قبل حرب السويس عام 1956م، ولما حدثت الحرب واحتل اليهود أجزاء من سيناء، أرادت الأمم المتحدة التدخل بإرسال قوات تشرف على الانسحاب بعد وقف القتال، فاشترط رئيس وزراء إسرائيل أن يسمح لإسرائيل ببناء مفاعل نووي في أراضيها، وبالفعل استمر التعاون بين فرنسا وإسرائيل بعلم الولايات المتحدة، ومن ثم بإقرار ضمني من الأمم المتحدة، ثم جاءت الثمرة بمفاعل نووي إسرائيلي في ديمونة بمنطقة النقب هو كالتوأم للمفاعل النووي الفرنسي، ثم انتقل بعد ذلك التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى طلبوا منها أن تمد مظلتها النووية فوق إسرائيل، ولم يأت عام 73 -الذي حدثت فيه حرب أكتوبر- إلا والمفاعل النووي الإسرائيلي قد أنتج أكثر من عشرين قنبلة نووية، ومن المعروف أن هذه الحرب لم تنتهِ إلا بعد تهديد إسرائيلي باستخدام القنابل النووية موجهة الإنذار إلى العرب وأمريكا إذا لم تسارع بإقامة جسر جوي لإمداد إسرائيل بالأسلحة والذخائر التي تحتاج إليها لخوض حرب شاملة طويلة المدى، وعندما استخدم صدام حسين صواريخ سكود ضد إسرائيل في مظاهرة دعائية نصبت إسرائيل على الفور منصات صواريخ متحركة مزودة بأسلحة نووية ومصوبة نحو العراق ظناً منها بأن صواريخ صدام قد تكون مزودة بأسلحة كيمائية سامة وأعطى شامير أوامره حسب ما ذكر سيمور هرش في كتابه (الخيار شمشون) باستخدام السلاح النووي إذا دعت الضرورة، ولما انتهت الحرب ووضعت أوزارها في مدريد لم ينس شامير أن يصطحب في جعبته ورقة التهديد النووي ضد العرب.

إن اليهود لا يزالون يواصلون أبحاثهم المكثفة لإنتاج أجيال جديدة من القنابل النووية التي تعمل بأشعة الليزر، والتي تمثل قفزة نوعية أخرى في مجال الإرهاب الرسمي على مستوى الدول، فهل لا تزال الأمم المتحدة لا تعرف شيئاً عن ترسانة اليهود النووية والكيميائية التي لم تشر إليها في جمعيتها أو مجلسها أو محكمتها ولو بقرار شجب أو إدانة أو حتى مشاعر قلق.(10)

ولنرصد من الواقع مجموعة من مظاهر التآمر العسكري في عدة بقاع من أمتنا العربية والإسلامية:

فلسطين: وقصة التآمر عليها قديمة ومريرة ومعروفة للقاصي والداني حيث سعت القوى الاستعمارية إلى جعلها نقطة ارتكاز للمشروع الصهيوني الغربي ليشق الكيان الإسلامي والعربي فلا يلتئم له شمل ولا تقوم له قائمة، وقد ظهر التآمر الخارجي والدولي على هذه القضية واضحاً جلياً في أحداث معركة الفرقان في غزة، وللأسف التآمر الخارجي العربي الذي نبرأ إلى الله تعالى منه ومن كل من أقدم عليه.

العراق: الذي وقع فريسة لقوى الاستكبار العالمي، وعلى رأسها أمريكا وتابعتها بريطانيا وباقي العملاء بمبررات باطلة ودعاوى كاذبة صرح بها الخسيس بوش أذله الله إذ أعلن أسفه لفشل استخباراته العسكرية في العراق عن وجود أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي وضعوها، وعلى فرض أن العراق كان يمتلكها أفلا يحق للعراق أن يمتلك سلاحا نوويا كما يحق ذلك لإسرائيل؟!! وليت العراق كان يمتلكه ليدافع عن نفسه، ولو كان يمتلكه لما تجرؤ أن يقتربوا منه كما هو الحال مع كوريا الشمالية وإيران، لقد أبادوا أبناءه ودمروا مقوماته ونهبوا خيراته ومزقوا كيانه ونشروا الفوضى في أرجاءه ثم يقول خطأ استخباراتي كذب قبحه الله وإنه ليعلم ذلك من أول الأمر حين وضع هو وخنازيره هذه الأكذوبة؛ ليصلوا من خلالها إلى منابع الثروة في العالم وتقاريرهم تقول بأن بغداد تسبح فوق بحيرة من النفط، وتشير التقارير إلى أن العراق تمتلك أكبر مخزون نفطي في العالم، مع ما في كتب اليهود المحرفة من زعم بأن دولتهم لن تقوم حتى يذل أهل بابل -أي العراق-، فالحرب حرب عقيدة من جهة، وحرب ثروة من جهة أخرى فأمريكا نفسها التي احتلت العراق وسفكت فيه الدماء وهتكت فيه الأعراض بِحجة سلاح الدمار الشامل هي نفسها التي ترسل لإسرائيل على مرأى ومسمع من العالم كله هذا السلاح لقتل إخواننا المسلمين في أرض فلسطين عموماً وأرض غزة خصوصا، بل إنها قتلت أبناء العراق بسلاح دمار شامل محرم دولياً، فمن الأولى بالاحتلال وإسقاط نظامه العراق أم أمريكا وإسرائيل؟!! فمتى يستيقظ حكام أمة الإسلام؟!!

أفغانستان: الذي صُب فوق رأسه الحميم، ويعاني ويلات الجحيم من قوى شيطانية، لا ترحم طفلاً، ولا امرأة ولا شيخا ولا مريضا؛ لأنها منطقة غنية بالثروة المعدنية، ولأن ثلة مؤمنة قامت فيها تريد أن تحكم بشرع الله، وتسعى للحصول على القوة لمواجهة عدو الله.

لبنان: حيث تجري محاولات انتزاعه من هويته العربية، وتخضيد(11) شوكة المقاومة لديه في مواجهة الكيان الصهيوني، خاصةً بعد أن مُنِي بالفشل الذريع والهزيمة المريرة من المقاومة الباسلة لحزب الله.

السودان: حيث تحاول القوى الانتهازية الخارجية استغلال النزاع المحلي في دارفور؛ لاستجلاب القوات الدولية لتمزيقه، ونهب ثرواته، وتهديد العمق الاستراتيجي للأمن القومي المصري.

اليمن: حيث تحاول القوى الانتهازية الخارجية استغلال الفتنة المحلية التي سعوا لإشعالها؛ لاستجلاب القوات الدولية لتمزيقه، ونهب ثرواته، فها هي الأساطيل الأمريكية على السواحل بحجة مكافحة القرصنة وقد كشرت أنيابها للانقضاض على البلاد وهم بانتظار تقسيمها وتشطيرها لينقضوا على الساحل الكبير الممتد الذي يحوي ثروة سمكية ليست بالقليلة، وللاستيلاء على أماكن وحقول النفط، ومضيق باب المندب الواقع في الجنوب الغربي لليمن في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر ويؤدي إلى خليج عدن والذي بدوره يؤدي إلى المحيط الهندي، تقسمه جزيرة ميون اليمنية إلى قسمين وتتحكم في مداخله، ولهذا وضعوا مخططا لتمزيق اليمن إلى أربعة أقسام؛ ليسهل الاستيلاء على الثروة والقضاء على القوة.

إن إسرائيل لا زالت تسير في طريق الاهتمام الاستراتيجي بمنطقة مضيق باب المندب والذي يشكل أهمية حيوية لوصول السفن الإسرائيلية من ميناء إيلات وخليج العقبة عبر البحر الأحمر إلى نصف الكرة الجنوبي في أفريقيا وجنوب آسيا؛ حتى لا يتكرر ما حدث في حرب رمضان أكتوبر 1973م عندما نجحت البوارج والمدمرات المصرية من إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن التجارية والعسكرية الإسرائيلية، بل يزيد على ذلك أن ينقلب الحال فتصبح إسرائيل هي المسيطرة على ذلك المضيق لتضع الأمن القومي لمصر والدول العربية المطلة على البحر الأحمر وهي مصر والسودان والأردن والسعودية واليمن تحت تهديدها.

من أجل هذا الأمر أراد اليهود أن يجعلوا البحر الأحمر بحيرة يهودية، فأقاموا قواعدهم في بعض الجزر القريبة من مضيق باب المندب عن طريق التعاون بينهم وبين أثيوبيا ثم أرتيريا.

الصومال: حيث تقع على رأس القرن الأفريقي في منطقة استراتيجية تشرف على شرق القارة الأفريقية، وتطل على شبه الجزيرة العربية حيث مهبط الرسالة ومنابع النفط، ولهذا تتسابق الدول الاستعمارية على هذه المنطقة ويزداد تنافسها، فإن من الأسباب الغير المعلنة للتدخل الأمريكي السيطرة على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، كما أن قربه من المنطقة الإسلامية تساعده على تنفيذ مخططاته تجاه الأمة، وما اجتياح القوات الإثيوبية بدعمٍ من آلة البطش الأمريكية، وأعمال القرصنة التي لا يستبعد أنها من ألاعيب ومكر الشياطين إذ بسببها بثوا ونشروا قواتهم في السواحل ووضعوا فيها القواعد العسكرية تمهيدا وتسهيلاً لأي غزو بحجة القضاء على القرصنة.

لقد عمدت إسرائيل منذ عقود طويلة إلى تدعيم علاقاتها وتعزيز تواجدها في دول القرن الأفريقي والمطلة على مضيق باب المندب من خلال تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية لإثيوبيا وإريتريا وكينيا وجيبوتي، وتطمع إسرائيل في الوصول إلى بسط نفوذها في الصومال، وقد نجحت نجاحاً ملحوظاً في الحضور الدائم والتأثير الفاعل في كل دول القرن الإفريقي باستثناء الصومال لذلك فقد أصبحت الصومال هي الحلقة المفقودة الباقية لإسرائيل لتحكم قبضتها على منطقة القرن الأفريقي بالكامل وتحقق مخططاتها فيها إلى نهايتها، والرؤية الاستراتيجية لإسرائيل في ذلك الأمر أن تخترق الصومال من خلال دعم نفوذ تلك الدول الحليفة لها وخاصة إثيوبيا وكينيا في تقرير المصير الصومالي بشكل مكثف ومتزايد.(12)

المجال السياسي:

ويجري التآمر فيه تارة بالتدخل السافر المباشر من قِبَل القوى الخارجية الاستعمارية لتنصيب أنظمة تابعة لسياستها وخاضعة لإدارتها، ومنفذة لأوامرها، وخادمة لمصالحها، ومحققة لأهدافها، أو لدعم أنظمة أخرى فاسدة مستبدة، وإطلاق يدها لمواجهة القوى الوطنية الشريفة بكل إجراءات القمع والبطش من ملاحقة وتضييق وتشويه وتلفيق وسجن واعتقال وترويع وتعذيب وتكميم للأفواه ومصادرة للأموال.

وتارةً بإلقاء بذور الفرقة وإشعال نار الفتنة بين فصائل المجتمع الواحد ومكوناته؛ استغلالاً للخلافات الطائفية أو المذهبية أو العرقية، واتباعاً لسياسة فرق تسد التي بها يسيطرون على ضحاياهم، ويصلون إلى مآربهم.

وتارةً بتسخير المؤسسات الدولية لخدمة مشروعاتهم ومؤامراتهم، وذلك باستصدار القرارات منها، وفق أهوائهم مرةً لإدانة خصومهم، وثانيةً لفتح الأبواب أمام قواتهم، وثالثةً لدعم حلفائهم، أو باستخدام حق النقض الفيتو؛ للحيلولة دون مجرد الإدانة للكيان الصهيوني الغاصب مهما بلغ إجرامه وعربدته، والاحتلال الأمريكي الغاشم مهما بلغ بطشه وطيشه.

المجال الثقافي:

والتآمر هنا يهدف إلى طمس هوية الأمة، ومسخ شخصيتها، وتشويه حضارتها، وتعطيل رسالتها، والقضاء على مقوماتها؛ حتى تصبح كياناً مهلهلاً، وكماً مهملاً، وهم يسعون سعياً حثيثاً لتحقيق هدفهم بشتى الحيل والوسائل، ومنها:

العبث في مناهج التربية والتعليم بقصد إعادة تشكيل عقول أبناء الأمة، وصياغة نفوسها، وتوجيه سلوكها، بما يتماشى مع تصورات أعدائنا وأفكارهم، ويمتد هذا العبث إلى أخص خصوصياتنا، إلى ديننا وعقيدتنا وشريعتنا.

إطلاق الآلة الإعلامية الجبارة، في صورها المختلفة، وقوالبها المتنوعة، من فضائيات، وشبكة معلومات، وصحف، ومجلات، وراديو وغيرها؛ حيث يختلط فيها الحابل بالنابل والسم بالعسل؛ للغواية بالفن المبتذل الرخيص، الذي يشجع على الإباحية، والانسلاخ من صبغتنا الروحية، والتحلل من قيمنا الخلقية، وتشويه صوره الإسلام والمسلمين.

المجال الاقتصادي:

وتتنوع أساليب التآمر فيه كذلك فمرةً بمحاولة السيطرة على منابع الثروة النفطية والمعدنية وغيرها في منطقتنا العربية والإسلامية، وذلك بالحيلة والدهاء أو بالحرب والاعتداء.

ومرةً بدعاوى العولمة الاقتصادية؛ حيث يتم إنشاء الشركات العملاقة متعددة الجنسيات وعابرة القارات، ويفسحون المجال أمامها بالمؤتمرات والاتفاقيات مثل الجات(13) وغيرها؛ حتى تتمكن من التنافس المباشر مع الكيانات الاقتصادية الهزيلة في بلادنا-للأسف- فتشل حركتها ثم تبتلعها.

ومرةً بفرض الحصار الاقتصادي الظالم على الدول التي تَعتبرها قوى الاستكبار والاستعمار متمردةً على سياستها أو خارجةً عن طاعتها، كما حدث للعراق وليبيا والسودان سابقاً، وكما يحدث لفلسطين حالياً؛ عقوبةً لشعبها على اختياره النزيه لحماس.

ومرةً بالضغط على العملاء لإدخال البلاد في صفقات وقروض ومعاهدات اقتصادية تدمر اقتصاد البلاد؛ لينتشر فيه الفقر والفساد.

أعوان الداخل على تآمر الخارج:

رغم خطورة هذا التآمر الخارجي المذكور إلا أنه ما كان له أن يحقق أهدافه أو يجني ثماره إلا من خلال أعوان له بيننا، يتكلمون بلساننا، ويتسمون بأسمائنا، ويُحسبون علينا، ومع هذا فقد آثروا أن يربطوا مصيرهم بمصير المتآمرين علينا، ومصالحهم بمصالحهم، ولو على حساب دينهم وبلادهم وإخوانهم!! وهؤلاء قد سقطت عنهم أقنعتُهم، فمنهم بعض الحكام المفسدين المستبدين والطغاة الظالمين، ومنهم -أيضاً- بعض المحسوبين على النخب المثقفة من العلمانيين والليبراليين الذين تغذوا على زاد الغرب وأصبحوا مبهورين به منادين باتباعه في جده وهزله وخيره وشره، ومنهم -أخيراً- العملاء المأجورون والجواسيس الخائنون، الذين باعوا دينهم ووطنهم وأهلهم بلعاعة(14) من الدنيا رخيصة.

كيفية مواجهة التآمر:

إن الواجب على أمة الإسلام تجاه هذا التآمر بأشكاله وألوانه اليقظة والتنبه والحذر من أن يفت هذا التآمر بكل أشكاله في عضدها، أو يوهن من عزمها، أو أن تشعر حياله بالعجز أو باليأس، فأمامها الكثير من وسائل المواجهة الناجعة وأسلحتها القاطعة والتي منها:

نصرة الله تعالى: بالقيام بدينه واتباع شرعه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه ونصرة دينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته جل وعلا هي العليا وكلمة أعدائه هي السفلى، وأن يُقصد بذلك وجه الله، مع المحافظة على إقامة شعائر الدين من صلاة وصيام وحج وإيتاء زكاة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل لهم فيها الكلمة والسلطان ومع ذلك لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه ولا من أوليائه الذين وعدهم بالنصر بل هم حزب الشيطان وأولياؤه فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه ثم يطلب الأجرة ومن هذا شأنه فلا عقل له، فإذا نصرنا الله تعالى نصرنا وثبت أقدامنا بأن يربط على قلوبنا بالصبر والطمأنينة والثبات ويصبر أجسادنا على ذلك ويعيننا على أعدائنا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40] فهذا وعد من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه وييسر له أسباب النصر من الثبات وغيره(15)، فإذ استحققنا النصر سلمنا من كل تآمر خارجي وداخلي، ومن شر كل شياطين الأنس والجن.

استعادة الوعي: فلا يمكن أن يمر هذا التآمر إلا من خلال ثقوب الجهل والغفلة، ومن ثم ينبغي إعادة الوعي إلى أبناء أمتنا والحرص على إبقائه دائماً يقظاً متقداً.

الاعتزاز بهويتنا الإسلامية: فالإسلام أساس انتمائنا الأول وولائنا الأكبر، وهو مرجعيتنا العليا لعقيدتنا وقيمنا وأخلاقنا وسلوكنا، وهو الذي يحفظ كيان المجتمع ويرسم ملامح شخصيته، ويحقق تماسكه وقوته فيأبى من الذوبان في غيره أو التبعية لهذا الغير.

الحرص على الترابط والوحدة: فالتنازع والاختلاف سبب الخيبة والفشل، وإجماع الأمر وتوحيد الصف أساس الغلبة والاستعلاء، ولنتعاون جميعاً لتحقيق الترابط على كل المستويات، فتترابط مكونات المجتمع الواحد مهما اختلفت الطوائف والمذاهب والأعراق، ويسود التفاهم والتعاون بين الأنظمة والشعوب، ثم تتواصل الدول فيما بينها وتتكامل في مختلف الميادين الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية.

إصلاح المناهج التربوية: حتى تُخرِج أجيالاً سليمة العقيدة، صحيحةَ العبادة، متينة الخلُق، مثقفة الفكر، معتزةً بدينها، محبةً لأوطانها، مواكبةً لعصرها.

الجهاد الإعلامي: فلا شك أن الإعلام يُعتبر وسيلةً قويةً ومؤثرةً من وسائل الجهاد في عصرنا هذا، فبه نذبُّ عن ديننا شبهاتِ المغرضين وافتراءاتِ المبطلين، ونبيِّنُ للدنيا كلها بهاءَه، ونرسل إليها ضياءَه، ونمدُّ إليها رواءه، وذلك عبْر القنوات والإذاعات والكتابات، وينبغي أن نعمل جاهدين على إعداد الكتائب المطلوبة لهذا الجهاد العصري من الدعاة والإعلاميين الأكفاء المدرَّبين والأمناء المقتدرين.

دعم الجهاد: الذي يواجه الأعداء في ميدان الصراع مباشرةً، وهذا حق للمجاهدين -وهم من يسمون بلغة العصر المقاومين- على الأمة كبيرٌ لدعمهم معنوياً ومادياً، بإظهار الإكبار والتقدير لهم ولرجالهم والإشادة ببطولاتهم، وبالسعي لتنقية صفوفهم من المتآمرين والمتربصين، وبإخلاص الدعاء لهم في الأوقات الشريفة التي تُرجَى فيها الإجابة، وبالجهاد المالي معهم، وبمقاطعة كل ما يمتُّ للأعداء بصلة، وبكشف المرجِفين والمثبِّطين من دعاة الانبطاح والاستسلام.

دعم المقاومة النفسية: وهذا النوع من المقاومة مطلوب من أبناء الأمة كلهم؛ بقصد أن يبرَؤوا من ثقافة الجبن والهلع، التي تدفع بصاحبها إلى اليأس والاستسلام، وأن تسود فيهم ثقافة المقاومة التي تجرِّئُهم على المواجهة والصمود، وأن تشتعل في نفوسهم من جديد حمية العزة والكرامة التي تأبى على صاحبها الركون إلى الذلِّ أو الرضى بالهوان، إنها حميةُ الصحابي الجليل التي دفعته إلى قتْلِ ذلك اليهودي الخبيث الذي احتال لكشف سَوءة مسلمة، وهي -أيضًا- الحمية التي دفعت المعتصم لتجريد جيش جرار لنجدة مسلمة أخرى وقعت عليها مظلَمة في أقاصي البلاد، فاستغاثت استغاثتها الشهيرة وآآآمعتصماه.(16)

وفي الختام أسأل من الله تعالى جل في علاه أن ينفعنا جميعاً، وأن يجمع كلمة المسلمين، ويوحد صفهم، ويهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يجنبا مخالفة الشريعة، والوقوع في الذنوب والمعاصي، وأن يرفع عنا الجهل والظلم والتفرق والتمزق والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجنبنا العصبية البغيضة، وأن يعيننا على شكر نعمة الوحدة وأن يبصرنا بعيوبنا ويفقهنا في ديننا وأن يدفع عنا كل مكر وكيد وتآمر، وأن يتجاوز عما في هذا البحث من خلل أو قصور، فالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

إعداد/ محمد نعمان البعداني.

19/ رجب/ 1430هـ - 11/ 7/ 2009م.

مراجعة الدكتور/ قسطاس إبراهيم.

_____________________

(1) رواه البخاري (4/ 1726) برقم: (4409)، ومسلم (4/ 1997)، برقم: (2583).

(2) عسا أو عشا: بالسين كبر وأسن من عسا القضيب إذا يبس، وبالشين قل بصره وضعف. انظر: لسان العرب (15/ 54).

(3) تخريج الأحاديث والآثار (1/ 209) برقم: (219)، تفسير الثعلبي (3/ 158)، وفتح القدير (1/ 367).

(4) رواه ابن ماجه (1/ 278)، برقم: (856)، صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (1/ 142)، برقم: (697).

(5) تفسير ابن كثير (1/ 164).

(6) تفسير السمرقندي (1/ 116).

(7) تفسير الطبري (1/ 517).

(8) أُنشئت هيئة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945م، بعد الحرب العالمية الثانية بفترة وجيزة، فبينما كانت الحرب تقترب من نهايتها، قررت الدول التي وقفت ضد ألمانيا، وإيطاليا، واليابان ألاّ يتكررَ حدوث مثل تلك الحرب مرة أخرى، فاجتمع ممثلو تلك الدول في سان فرانسيسكو -كاليفورنيا- الولايات المتحدة في إبريل 1945م، وتوصلوا إلى خطة لإنشاء منظمة تساعد على حفظ السلام في العالم، ثم أُدرِجت تلك الخُطّة في وثيقة سُمِّيت ميثاق الأمم المتحدة قامت بالتوقيع عليه 50 دولة في يونيو 1945م، فصارت من أوائل الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، ومنذ ذلك التاريخ انضمت أكثر من 100 دولة أخرى كان معظمها لا يزال مستعمراً عند إنشاء هيئة الأمم المتحدة، وباستثناء دول صغيرة جداً فإن الدولة المستقلة الوحيدة التي لم تنضمَّ للأمم المتحدة هي سويسرا، انظر: الموسوعة العربية العالمية، ومجلة البيان (87/ 111).

(9) عُصبة الأمم: رابطة دولية أنشئت للحفاظ على السلام بين أمم العالم، صاغت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى -وتضم فرنسا وإنجلترا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة- ميثاق (دستور) العصبة في عام 1919م، وتأسست العصبة في يناير عام 1920م، واتخذت من جنيف بسويسرا مقرًا لها، كان ودرو ولسون رئيس الولايات المتحدة المخطِّط الرئيسي للعصبة، ولكنه لم يتمكن من إقناع الولايات المتحدة بالانضمام إليها، انحلت العصبة في أبريل عام 1946م، وحلّت محلها الأمم المتحدة، انظر: الموسوعة العربية العالمية.

(10) مجلة البيان (96/ 48).

(11) الخضد نزع الشوك عن الشجر، قال الله عز وجل: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ [الواقعة: 28] أي: نزع شوكه، وخضدت العود فانخضد أي انكسر من غير بينونة، انظر: العين (4/ 175)، ولسان العرب (3/ 163).

(12) انظر: التآمر على الأمة (مظاهره، ومواجهته) موقع: إخوان أون لاين:

www.ikhwanonline.com، والسلام في المشروع الصهيوني مصر نموذجا، (1/ 224)، وقضايا وهموم الأمة الإسلامية دارفور-ا لسودان - الصومال (1/ 87، 88)، والتبيين لمخاطر التطبيع على المسلمين (1/ 23)، ومجلة البحوث الإسلامية (81/ 106، 400)، ومجلة البيان (59/ 60، 70)، والاستراتيجية الإسرائيلية إزاء شبه الجزيرة العربية (32-46)، والاختراق الإسرائيلي للعالم العربي (20-25).

(13) الجات هي الاختصار الشائع للعبارة الإنجليزية (GATT) التي تعني الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة، ومن الجانب الاقتصادي هي معاهدة دولية تنظم المبادلات التجارية بين الدول التي تنضم إليها، النظام الاقتصادي العالمي الجديد (1/ 137).

في عام 1947م أسست أمريكا مع 23 دولة صناعية اتفاقية (الجات) وهي الاتفاقية العامة على الرسوم الجمركية والتجارة، وتهدف إلى تحرير تجارة السلع الزراعية والصناعية والمنسوجات والخدمات وتحرير التبادلات التجارية والتدفقات المالية الناتجة عن العقود الحكومية الضخمة، ولما أخفقت (الجات) في تحقيق ما أرادته أمريكا من إنشائها لأن الاتفاقيات والتوصيات غير ملزمة للأعضاء استعاضت عنها بـ(منظمة التجارة العالمية) التي رأت النور في مراكش عام 1994م، وبدأ العمل بها 1995م.

إن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية هذا الثالوث هو السلاح الفتاك بيد أمريكا للتفرد بالعالم، مجلة البيان (159/ 123).

(14) اللعاعة واحدة اللعاع ومنه: (إنما الدنيا ساعة ومتاعها لعاعة) أي: قليلة البقاء كالنبت الأخضر قليل البقاء، والبقية اليسيرة من كل شيء، قال أبو عمرو: "واللعاعة الكلأ الخفيف رعي أو لم يرع"، واللعاعة ما بقي في السقاء، وفي الإناء لعاعة أي: جرعة من الشراب، ولعاعة الإناء صفوته، وقال اللحياني: "بقي في الإناء لعاعة أي: قليل"، ولعاع الشمس السراب. انظر: لسان العرب (8/ 320)، والمعجم الوسيط (2/ 828).

(15) انظر: أضواء البيان (5/ 265، 266)، وتفسير السعدي (1/ 785).

(16) انظر: التآمر على الأمة (مظاهره، ومواجهته) رسالة من الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين، انظر موقع: إخوان أون لاين:

www.ikhwanonline.com

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: