مركز البحوث
   
الفقه
   
أخرى
   
من أسباب التمزق الخروج بالسلاح
من أسباب التمزق الخروج بالسلاح
محمد نعمان البعداني
الأربعاء 16 يناير 2013

من أسباب التمزق الخروج بالسلاح

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيلـ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد سبق في الثلاثة البحوث الأولى ذكر الأسباب السبعة الأولى من أسباب التمزق، وهي: مخالفة الشريعة، والذنوب والمعاصي، والإعراض عن شكر النعمة، وانتشار الجهل، والظلم، وتفرق جماعة المسلمين، وإثارة المناطقية العصبية، ونتحدث في هذا البحث عن السبب الثامن من هذه الأسباب وهو:

الخروج بالسلاح:

لقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج بالسلاح؛ لأن الخروج بالسلاح يشعل ويثير فتيل الفتنة والضرر المترتب على الفتنة كبير جداً وذو مفسدة عظيمة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا»(1)، وفي رواية: «من شهر علينا السلاح فليس منا»(2)، وفي رواية: «من سل علينا السلاح فليس منا»(3) وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعاً»(4)، وعن الأحنف بن قيس قال: «ذهبت لأنصر هذا الرجل -علي بن أبي طالب رضي الله عنه- فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»(5)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار»(6)، وفي رواية: «لا يمشين أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من نار»(7)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديده فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه»(8)، وعن ابن الزبير قال: "من رفع السلاح ثم وضعه فدمه هدر"(9).

فهذه الأحاديث تنهى عن حمل السلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حق كالقتال للعصبية والقبيلة والمناطقية ونحو ذلك من أمور الدنيا؛ لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم ونزغ الشيطان بينهم، وكأنه كنى بالحمل عن المقاتلة، أو القتل للملازمة الغالبة، قال ابن دقيق العيد: "يحتمل أن يراد بالحمل ما يضاد الوضع ويكون كناية عن القتال به، ويحتمل أن يراد بالحمل حمله لإرادة القتال به لقرينه قوله: «علينا»، ويحتمل أن يكون المراد حمله للضرب به وعلى كل حال ففيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه"(10)؛ لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله.

قال ابن حجر: "وقد أخرج البزار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تبين المراد وهي: «إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار» ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: «لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل فقيل كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار»(11).

قال القرطبي: "فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله القاتل والمقتول في النار"(12)، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر الناس أن يستنيموا للظلم الواقع عليهم ويتركوا مجاهدة الظلم والظلمة والفساق بوسائل أخرى غير الخروج بالسلاح(13)، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه»(14).

إن مسألة الخروج بالسلاح من الفقه السياسي، وهي من المسائل الشائكة إلى حد كبير، فقد كان لها دورها الخطير في انقسام الأمة الإسلامية وجماعتها ونشأة الفرق والأحزاب، وهى في هذه الأيام بالذات أشد خطرا؛ لأن الأوضاع في أكثر الدول الإسلامية لا تحكمها الشريعة حكما كاملا، سواء أكان ذلك في طريقة تولى الإمامة، أم في الدستور الذي تحكم به، وبيان حكم الشرع في فرع يكون أصله الأساسي غير شرعي هو ترقيع، أو على الأقل لا يكون له أثر عملي في تغيير الواقع، ذلك أن القوانين المستمدة من دستور وضعي ترى ما يخالفها خروجاً على نظام الدولة، وفيه إخلال بالأمن أو خيانة للوطن، والعقوبة قد تكون الإعدام.(15)

إفراط وتفريط:

إن النظرات السياسية قديماً وحديثاً كان لها أثرها البارز في تأويل النصوص، وحملها على ما يؤيدها، بل كان لها أثرها أيضا في وضع أحاديث وافترائها على النبي صلى الله عليه وسلم، وبالأولى إلصاق أقوال وآراء بأئمة هم براء منها، وكذلك أنكر المختلفون أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تعارض رأيهم السياسي، وقبلوا أحاديث تؤيد مذاهبهم بغض النظر عن صدق نسبتها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فالناس في معاملة الحكام الظلمة على طرفي نقيض:

الطرف الأول:

يوافقونهم على بعض ظلمهم ويعاونونهم على الإثم والعدوان ويداهنونهم في ظلمهم، ويزينون ذلك لهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].

قال الإمام الرازي في هذه الآية: "قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم، وتحسين تلك الطريقة وتزيينها عندهم وعند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون... واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن إلى الظلمة لا بد وأن تمسه النار، وإذا كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه"(16).

وقال الإمام البيضاوي: "ولا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم واستدامته... فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي: الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم كل الميل، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه"(17).

وقال الإمام الجصاص: "والركون إلى الشيء هو السكون إليه بالأنس والمحبة، فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين، ومؤانستهم، والإنصات إليهم"(18).

الطرف الثاني:

يقابلون ظلمهم بظلم آخر، فيخرجون عليهم ويقاتلونهم بالسلاح وهو قتال الفتنة.

أهل الحق:

وإنما الحق في أن لا يُوافق المبطل على باطل أصلا، ولا يُدفع باطله بباطل أصلا، فيلزم المؤمن الحق وهو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج عنه إلى باطل يخالفه، لا موافقة لمن قاله، ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلا، وكلا الأمرين يستلزم معارضة نصوص الكتاب والسنة بما يناقض ذلك، وإن كان لا يظهر ذلك في بادئ الرأي(19)، ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته، والله تعالى لم يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان، ولا أمر بقتال الباغين ابتداء بل قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء فكيف يأمر بقتال ولاة الأمر ابتداء!(20)، وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا»(21).

وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة»(22)، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتالهم والمنابذة لهم -العزل وطرح العهد والمحاربة لهم ونزغ البيعة- مع إخباره أنهم يأتون أمورا منكرة، فدل على أنه لا يجوز الإنكار عليهم بالسيف كما يراه من يقاتل ولاة الأمر من الخوارج والزيدية والمعتزلة وطائفة من الفقهاء وغيرهم.(23)

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية»(24)، والمراد بالمِيتة الجاهلية حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن هو جاهليا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد.(25)

وعن حذيفة بن اليمان: «قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: هل من وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل من وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»(26).

إن هذا الحديث نص واضح في وجوب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولا سيما وقت ظهور دعاة الفتن، فإن في الالتزام بذلك نجاة من هؤلاء الدعاة، حتى لو كان الأئمة عندهم نقص في التمسك بالدين وجور على عباد الله المؤمنين، وفيه أيضاً رد على من يزعم أن مفارقة جماعة المسلمين والخروج بالسلاح وقت الفتن وسيلة لإصلاح الأمة، وهذا فهم معكوس بعيد كل البعد عن مراد الله ورسوله من الحرص على جماعة المسلمين.(27)

وعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»(28).

قال ابن الأمير بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي تنهى عن تفريق أمر هذه الأمة: "دلت هذه الألفاظ على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، والمراد أهل قطر كما قلناه، فإنه قد استحق القتل لإدخاله الضرر على العباد، وظاهره سواء كان جائراً أو عادلاً، وقد جاء في أحاديث تقييد ذلك بما أقاموا الصلاة"(29).

فهذه النصوص تدل على منع الخروج بالسلاح على الحكام ولو كان الحاكم مرتكبا لما لا يجوز إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على أنه كفر بواح أي: ظاهر صريح بين بادٍ لا لبس فيه ولا يقبل التأويل(30)، فعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»(31).

لقد استنتج العلماء من هذا الحديث أنه لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر الواضح -في القول أو الفعل أو الاعتقاد- الذي ليس له فيه شبهة مع قيام الحجة، كإنكار الألوهية أو الطعن في أن القرآن من عند الله، أو أنه غير صالح للحكم، أو اعتقاد حل ما أجمع على تحريمه كالربا والزنا وشرب الخمر، فهو بهذا الاعتقاد يكون كافرا، أما ارتكاب المحرمات بغير اعتقاد حلها فهو عصيان لا يخرج به إلى الكفر، بل يكون فاسقاً، فالمبرر للخروج عليه هو الكفر لا العصيان المجرد، واستنتجوا من حديث أم سلمة: «قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا» وحديث عوف بن مالك: «أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة» بأنه لا يجوز منابذة الأئمة والخروج عليهم ما داموا يقيمون الصلاة، وليس المراد أنهم يصلون بالناس كما كان أئمة السلف، بل المراد أنهم يسمحون بإقامتها، ولا يضعون العراقيل في سبيلها(32)، ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا؛ لأن قوله: «لا ما صلوا» أي: لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون، فما مصدرية ظرفية مع أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث عبادة: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»، فحديث أم سلمة وحديث عوف بن مالك يدلان على قتال من لم يصل، وبضم حديث عبادة بن الصامت إلى ذلك يظهر الدليل على الكفر بترك الصلاة.(33)

قال الإمام النووي: "قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة، قال: وقال بعض البصريين تنعقد له وتستدام له؛ لأنه متأول، قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب أمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه، قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداء فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك"(34).

إن ارتباط الخروج بالكفر يجب فيه الدقة في الحكم بالكفر على المسلم؛ لأن تكفير المسلم خطير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء به أحدهما»(35)، وفي رواية: «أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه»(36)، فليس كل تصرف منه يبرر الحكم عليه بالكفر، فقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة فأبطل المحنة وأمر بإظهار السنة.(37)

قد يعترض بأن النووي قال: "المراد بالكفر هنا المعصية"(38)، وقال غيره: المراد بالإثم في بعض الروايات ما يشمل المعصية والكفر، قال ابن حجر: "والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ومحل ذلك إذا كان قادرا"(39)، وعلى ضوء ما قاله ابن حجر إن فسق الإمام ولم يكفر وجب نصحه بالأسلوب الذي يُرجى منه الخير ولا يؤدي إلى فتنة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، ولتوضيح كلام النووي نسوق النص بتمامه، قال رحمه الله تعالى: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» هكذا هو لمعظم الرواة، وفي معظم النسخ «بواحاً» بالواو وفي بعضها «براحاً» والباء مفتوحة فيهما ومعناهما كفراً ظاهراً، والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى: «عندكم من الله فيه برهان» أي: تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضاً فغلط من قائله مخالف للإجماع.(40)

قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه.(41)

اعترض بخروج عبد الله بن الزبير والحسن بن علي رضي الله عنهم جميعاً وأهل المدينة وغيرهم من صالحي السلف على بني أمية، وقامت جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: "أن لا ننازع الأمر أهله" في أئمة العدل.

رد الجمهور بالآتي:

أولاً: بأن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غير من الشرع وظاهر من الكفر.

ثانياً: بأن هذا الخلاف كان أولاً ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم.(42)

ثالثاً: الحجة فيما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأما ما انفرد به بعض أهل العلم والفضل من الصحابة أو غيرهم لا يقبل منهم؛ لأن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم مقدم على كل قول، والصحابة أو غيرهم ليسوا بمعصومين من الخطأ.

رابعاً: أن الصحابة وأئمة التابعين أنكروا على من خرج من إخوانهم، ولم يقروهم على ذلك لا في عصرهم ولا في العصور التالية لهم.

خامساً: ذكر العلماء أن من خرج من أهل الفضل فإن الاجتهاد الخاطئ هو الذي دفعه إلى ذلك، وذكروا بأنه لا يجوز متابعة المجتهد المخطئ إذا تبين خطؤه.(43)

لقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة ومنابذتهم السيف ومكافحتهم بالقتال بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التي سبق ذكرها أخص من تلك العمومات مطلقاً، وهي متواترة متوافرة المعنى كما يعرف ذلك من له خبرة بالسنة، ولكنه لا ينبغي لمسلم أن يحط من قدر من خرج من السلف الصالح على غيرهم من أئمة الجور فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أتقى لله تعالى وأطوع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم.(44)

إن نظرة العلماء في الخروج على الإمام الجائر، مع اعتمادها على النصوص، مبنية على اعتبار الظروف وواقع المسلمين في عهود بعض الفقهاء، وعلى كل حال فنظرتهم ترشدنا إلى أن نكون على بصيرة عند إصدارنا للأحكام الخطيرة بالذات، وإلى العمل على إصلاح النفوس وتغييرها من الداخل فإن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

لقد كان للسابقين أسلوب في الإنكار يتناسب مع الظروف القائمة إذ ذاك، مع مراعاة أن روح التدين كانت موجودة بقوة في الحاكمين والمحكومين، وهو ما أطمع بعض المعارضين في القسوة أحيانا عند النصح، وما جعل الحكام يصغون إلى ما يقولون، فهم نواب الشعوب ومفاتيح السيطرة عليها، ومن الحكمة قبول ما يوجهونهم به وإن كان في بعض الأساليب عنف فسببه شدة الغيرة على الحق.

إن من الأساليب السليمة اليوم في توجيه الحاكم والتي تقرها القوانين الوضعية الحالية: الخطابة، والصحافة، وإثارة الموضوع في مجالس النيابة، والتنظيمات المشروعة، والخير مرجو إذا كان ذوو اللسان والقلم مخلصين لوجه الله تعالى، وكان الذين يمثلون الأمة يختارون على أساس ديني سليم، وكانوا مؤدين لأمانتهم على الوجه المطلوب.

إن الخروج بالسلاح لتغيير المنكر غير مجد في أكثر الدول الإسلامية التي تضع مهمة التغيير والإصلاح على عاتق ممثلي الأمة، والتي تحرم حمل السلاح، وتمنع التظاهر العنيف، وتضع له أقسى العقوبات، لا يجدي هذا الخروج بالسلاح بوجه خاص إذا كان التسلح غير كاف وقوى المواجهة غير متكافئة، فإن القضاء على الثائرين بغير حكمة سهل والنتيجة أخطر مما كانوا يتوقعون.

ولو تحققت المنعة وتوافر السلاح المتكافئ فالطريق السليم هو التفاوض والحوار حيث يكون حواراً فيه تكافؤ قد يؤدى إلى الحل المعقول، وذلك كله من أجل منع الفتنة ووقوع الحرب الأهلية من جراء المواجهة بالسلاح وإراقة الدماء، وقد يذهب ضحيتها أبرياء، فشرط تغيير المنكر -كما قال العلماء- ألا يؤدى إلى منكر أشد.

فإن لم يتوصل إلى حل بالحوار والنصح فإن الأحاديث لا تجيز المواجهة المسلحة، وليكن الواجب هو الإنكار باللسان ما أمكن، وإلا فالإنكار بالقلب، والاجتهاد في تربية النفوس وإصلاحها وتوجه الناس وإرشادهم لاختيار ممثلين صالحين يتولون دستوريا تغيير المنكر.

إن من الواجب العمل على تقدير الظروف المحيطة بنا الآن، وأن العدو المتربص بنا لا يترك فرصة ثورية إلا انتهزها لنفسه، وإلى أن ارتباط بعض الحكام ببعض الدول الكبرى يسهل القضاء على مثل هذه الحركات بسهولة؛ لأن صحوة الدين تضرهم، وبخاصة دين الإسلام، فالواجب أن تكون جميع خططنا لإصلاح الأوضاع وتغييرها مدروسة دراسة وافية؛ لتكون حركات التغيير مرجوة النجاح بأقل تضحيات.(45)

طاعة في غير معصية:

اعلم أنه قد أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله تعالى، وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»(46)، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف»(47)، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12].

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59]: والتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر ما يشمل الأمراء والعلماء؛ لأن العلماء مبلغون عن الله وعن رسوله، والأمراء منفذون ولا تجوز طاعة أحد منهم إلا فيما أذن الله فيه؛ لأن ما أمر به أولو الأمر لا يخلو من أحد أمرين:

أحدهما: أن يكون طاعة لله ولرسوله من غير نزاع، وطاعة أولي الأمر في مثل هذا من طاعة الله ورسوله.

والثاني: أن يحصل فيه نزاع هل هو من طاعة الله ورسوله أو لا، وفي هذه الحالة لا تجوز الطاعة العمياء لأولي الأمر ولا التقليد الأعمى كما صرح الله تعالى بذلك في نفس الآية؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ أتبع ذلك: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، فالآية صريحة في رد كل نزاع إلى الله ورسوله، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حياته والرد إلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.(48)

الصدع بالحق ليس من الخروج:

بعد ما سبق ذكره أو الإشارة إلية من الأحاديث والتي فيها النهي عن الخروج على الحكام، فإن البعض جمد في فهمها وظن أن الصدع بالحق في وجوه الظلمة والطواغيت والنهي عن المنكر من الخروج عليهم وهذا الفهم من أعجب العجيب، وقد سمعنا من يقول بذلك، بل وينشره في الناس من باب النصح، وهذا خطأ من قائله؛ لأن الصدع بالحق في وجوه الظلمة والطواغيت وإنكار المنكر ليس من الخروج عليهم، ويدل لذلك ما جاء في بعض روايات حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم»(49)، فانظر إلى الحديث كيف جمع بين النهي عن الخروج عليهم، والقيام أو القول بالحق على كل حال وفي كل مكان، مع ترك الخوف الذي يمنع من الصدع بالحق ويسبب المداهنة والسكوت على الباطل، ومن الذين يُخاف من الصدع بالحق في وجوههم إلا الحكام وأصحاب النفوذ والأمر، فكيف يعد الصدع بالحق وإنكار الباطل والظلم والفساد من الخروج؟؟!! إنه من الخروج عن طاعة الله تعالى القائل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، والقائل: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113]، ومن الخروج عن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم القائل: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(50)، والقائل: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم»(51) وليس الصدع بالحق وإنكار المنكر خروجاًَ على الظلمة والمفسدين.

قال الإمام النووي: "معناه نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان، الكبار والصغار لا نداهن فيه أحدا، ولا نخافه هو(52)، ولا نلتفت إلى الأئمة، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية"(53).

إن الصدع بالحق وردع الظالم وإيقافه عند حده واجب على الأمة جمعاء، تأثم بتركه، وتتعرض بسببه للهلاك، ففي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه»(54)، وفي رواية: «إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه»(55)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم، أن تقول له إنك أنت ظالم فقد تودع منهم»(56).

ويدل لذلك أيضاً حديث: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»(57)، وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم، وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً»(58)، وفي رواية: «مثل القائم على حدود الله تعالى والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة...»(59).

فقوله: «مثل القائم على حدود الله» أي: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الصادع بالحق، وقوله: «والمدهن فيها» أي: من يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر، والمدهن والمداهن واحد، وقوله: «وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» المعنى بأن الناس إن منعوا الفاسق عن الفسق، والظالم عن الظلم، والطاغية عن الطغيان، ونهوه عن ذلك، نجا ونجوا من عذاب الله تعالى، وإن تركوه على فعل المعصية، والظلم والطغيان والفساد، ولم ينصحوه ويمنعوه من ذلك، ويرشدوه إلى إعادة الحقوق، وإقامة الحدود، ومنع المنكرات، حل بهم العذاب وهلكوا بشؤمه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] أي: بل تصيبكم عامة بسبب مداهنتكم، والمداهنة المنهية في الشريعة أن يرى منكراً ويقدر على دفعه ولم يدفعه؛ حفظاً لجانب مرتكبه أو جانب غيره لخوف أو طمع أو لاستحياء منه أو قلة مبالاة في الدين.(60)

فالحل بترك الخروج بالسلاح مع لزوم المناصحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقنا الله لطاعته، وجنبا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وحفظ لنا ديننا، وأمتنا، وبلدنا، وأخوتنا، وأمننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

إعداد/ محمد نعمان البعداني.

19/ رجب/ 1430هـ - 11/ 7/ 2009م.

مراجعة الدكتور/ قسطاس إبراهيم.

_______________________

(1) رواه البخاري (6/ 2520) برقم: (6480)، ومسلم (1/ 98) برقم: (98).

(2) رواه ابن ماجه (2/ 860) برقم: (2577) عن أبي موسى، صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (2/ 85) برقم: (2090).

(3) رواه الدارمي (2/ 315) برقم: (2520)، قال حسين سليم أسد: "إسناده صحيح".

(4) رواه مسلم (4/ 2213) برقم: (2888).

(5) رواه البخاري (6/ 2520) برقم: (6481)، ومسلم (4/ 2213) برقم: (2888).

(6) رواه البخاري (6/ 2592) برقم: (6661)، ومسلم (4/ 2020) برقم: (2617).

(7) رواه أحمد (2/ 317) برقم: (8197)، قال شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

(8) رواه مسلم (4/ 2020) برقم: (2616).

(9) رواه النسائي (7/ 117) برقم: (4099)، قال الشيخ الألباني: "صحيح موقوف".

(10) فتح الباري (13/ 24)، وشرح النووي على صحيح مسلم (11/ 174).

(11) رواه مسلم (4/ 2231) برقم: (2908).

(12) فتح الباري (13/ 34).

(13) قضية التنوير (1/ 24).

(14) رواه الترمذي (4/ 467) برقم: (2168)، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (4/ 88) برقم: (1564).

(15) الشيخ صقر عطية، انظر: فتاوى الأزهر (10/ 187).

(16) التفسير الكبير (18/ 58).

(17) تفسير البيضاوي (3/ 266).

(18) أحكام القرآن للجصاص (4/ 379).

(19) فتاوى الأزهر (10/ 187)، ودرء التعارض بين العقل والنقل (7/ 292)، ومفهوم أهل السنة والجماعة بين شيخ الإسلام ابن تيمية وأهل الإفراط والتفريط (1/ 378).

(20) منهاج السنة النبوية (3/ 391).

(21) وفي الحديث رواه مسلم (3/ 1480) برقم: (1854).

(22) رواه مسلم (3/ 1481) برقم: (1855).

(23) منهاج السنة النبوية (3/ 392)، وفتاوى الأزهر (10/ 187)، ومرقاة المفاتيح (7/ 230).

(24) رواه البخاري (6/ 2588) برقم: (6646)، ومسلم (3/ 1477) برقم: (1849).

(25) فتح الباري (13/ 7).

(26) رواه مسلم (3/ 1475) برقم: (1847).

(27) الإلمام بمنهج السلف في التعامل مع الحكام (1/ 31) بتصرف.

(28) رواه مسلم (3/ 1479) برقم: (1852).

(29) سبل السلام (3/ 261).

(30) أضواء البيان (1/ 29، 30)، ومرقاة المفاتيح (7/ 227).

(31) رواه البخاري (6/ 2588) برقم: (6647)، وصحيح مسلم (3/ 1469) برقم: (1709).

(32) الشيخ عطية صقر، انظر: فتاوى الأزهر (10/ 187).

(33) أضواء البيان (3/ 450).

(34) شرح صحيح مسلم (12/ 229).

(35) رواه البخاري (5/ 2263) برقم: (5752).

(36) رواه مسلم (1/ 79) برقم: (60).

(37) أضواء البيان (1/ 30).

(38) شرح صحيح مسلم (12/ 229).

(39) فتح الباري (13/ 8).

(40) شرح صحيح مسلم (12/ 228، 229).

(41) المصدر نفسه (12/ 229).

(42) المصدر نفسه (12/ 229).

(43) وصيتي للإخوان في منهج أهل السنة في نصيحة السلطان (1/ 15، 16)، لبدر بن علي بن طامي العتيبي.

(44) نيل الأوطار (7/ 361، 362).

(45) فتاوى الأزهر فتوى للمفتي عطية صقر في مايو 1997م (10/ 187) بتصرف.

(46) رواه البخاري (6/ 2612) برقم: (6725)، ومسلم (3/ 1469) برقم: (1839).

(47) رواه البخاري (6/ 2612) برقم: (6726)، وصحيح مسلم (3/ 1469) برقم: (1840).

(48) أضواء البيان (7/ 329).

(49) رواه البخاري (6/ 2633) برقم: (6774)، ومسلم (3/ 1469) برقم: (1709).

(50) رواه مسلم (1/ 69) برقم: (49).

(51) رواه ابن ماجه (2/ 1327) برقم: (4004)، حسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (2/ 367) برقم: (3235).

(52) لعل الصواب لا نخافه إلا هو أي الله تعالى.

(53) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 230).

(54) رواه الترمذي (4/ 467) برقم: (2168)، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (4/ 88) برقم: (1564).

(55) رواه ابن ماجه (2/ 1327) برقم: (4005)، صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (2/ 367) برقم: (3236).

(56) رواه أحمد (2/ 163) برقم: (6521)، قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار بإسنادين ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح وكذلك رجال أحمد إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط فلهذا لم أذكره" مجمع الزوائد (7/ 518) برقم: (1211).

(57) رواه الحاكم في المستدرك (3/ 215) برقم: (4884)، والطبراني في الأوسط (4/ 238)، قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (1/ 716) برقم: (374).

(58) رواه البخاري (2/ 882) برقم: (2361).

(59) رواه أحمد (4/ 268) برقم: (18387)، قال شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

(60) تحفة الأحوذي (6/ 328، 329) بتصرف.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: