مركز البحوث
   
الفتاوى
   
فتاوى الموقع
   
أحوال شخصية
الأصل في تقدير الديات
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-  أما بعد:-

فإن الحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي أمر الله بالحفاظ عليها؛ ولذا شُرع للإنسان أن يتناول الأكل والشراب اللازم لقيام بدنه، كما شرع له النكاح والبحث عن مسكن، وشرع له أيضاً التداوي من الأمراض واجتناب كل ما من شأنه أن يضره في بدنه ونفسه؛ فحرم عليه الخمر والخنزير وأكل الميتة والدم وما ولغ فيه الكلب... كل ذلك ليحافظ على نفسه من الهلاك أو ليرفع عنها المشقة والعنت أو ليُكمّل لها الراحة والطمأنينة.

ومما يحافظ على النفس – أو بعضها - من الهلاك ويحميها من الضياع: القصاص والديات والأروش؛ قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:179]، فالقيام بذلك يعني حماية النفس وصيانتها، والتفريط فيه يعني هلاكها؛ ومن هنا كان كل من القصاص والدية عقوبات رادعة لمن اعتدى على هذه النفس المصانة.

والإسلام قد قدّر هذه الديات وحددها ولم يتركها وفقاً للأمزجة والأهواء والتعسف، ولكنا نلحظ - في زماننا هذا – رخصاً واضحاً وتدنياً بيّناً في تقدير قيمة الديات، حتى نجد أن هذه التقديرات الحالية غير رادعة، مما أدى إلى استهانة الناس بدماء بعضهم البعض، وأدى ذلك أيضاً إلى كثرة الثارات التي ربما تطول لعشرات السنين.

والناس اليوم لم يعودوا يتعاملون بالإبل والدينار والدرهم، أو أنهم يربون الأغنام والأبقار ولكن - في الغالب - بكميات قليلة.

لأجل ما سبق كله كان لا بد من دراسة أصول الديات التي يُرجع إليها في التقدير مهما اختلف الزمان أو المكان؛ فأقول والله موفقي ومسددي ومعيني:

 

تعريف الدية:

الدية في اللغة (مصدر ودية القاتل المقتول أي أعطى ديته، وأعطى لوليه المال الذي هو بدل النفس؛ ثم قيل لذلك المال الدية تسميةً بالمصدر. قال في القاموس: الدِّيَةُ بالكسر: حَقُّ القَتيلِ جمعها: دِياتٌ)(1). وفي الصحاح: (وديت القتيل أديهِ ديةً إذا أعطيت ديته)(2). وفي لسان العرب: (الدِّيةُ: حَقُّ القَتـيلِ، وقد وَدَيْتُه وَدْياً. قال الـجوهري: الدِّيةُ واحدة الدِّيات، والهاءُ عوض من الواو، تقول: ودَيْتُ القَتِـيلَ أَدِيه دِيةً إِذا أَعطيت دِيَتَه، و اتَّدَيْتُ أَي أَخذتُ  دِيَتَه.. وأَصل الدِّية ودْية فحذفت الواو)(3).

قال السرخسي: (واشتقاق الدية من الأداء؛ لأنها مال مؤدى في مقابلة متلف ليس بمال وهو النفس، والأرش الواجب في الجناية على ما دون النفس مؤدى أيضاً، وكذلك القيمة الواجبة في سائر المتلفات؛ إلا أن الدية اسم خاص في بدل النفس؛ لأن أهل اللغة لا يطردون الاشتقاق في جميع مواضعه لقصد التخصيص بالتعريف)(4). وقال ابن نجيم: (وقد صار هذا الاسم علماً على بدل النفوس دون غيرها وهو الأرش)(5).

وأما معناها في الشرع؛ (فالدية عبارة عما يؤدى)(6). وعُرفت بأنها: (مقدار معلوم من المال على عاقلة القاتل في الخطأ، وعليه في العمد؛ بسبب قتل آدمي حر معصوم - ولو بالنسبة لقاتله - عوضاً عن دمه)(7). وقال الشربيني الشافعي: (وهي المال الواجب بجناية على الحر في نفس أو فيما دونها)(8)

 

أصول الديات:

·       المذهب الحنبلي:

قال ابن قدامة: (أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دلت عليه الأحاديث الواردة، منها حديث عمرو بن حزم، وحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه - في دية خطأ العمد، وحديث ابن مسعود – رضي الله عنه - في دية الخطأ) (9)، وظاهر كلام الخِرقي أن الإبل خاصة هي الأصل في الدية. قال أبو الخطاب: (هذا إحدى الروايتين عن أحمد) (10)؛ لحديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتيل السوط والعصا " مائة من الإبل "(11)؛ ولأنه فرّق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها؛ ولا يتحقق هذا إلا في الإبل؛ ولأنه بدل متلف حقاً لآدمي فكان متعيناً كعوض الأموال، وعلى هذا فإن بقية ما ذكر أبدال عنها أشبه المتيمم إذا عُدِم الماء، لأن ذلك أقل ما تُحمل عليه الأحاديث(12)، ونسب ابن قدامة هذا القول لطاووس والشافعي وابن المنذر (13). فدل هذا على أن الأصل في الدية هي الإبل. وعليه فلا يُصار إلى غيرها إلا عند الإعواز؛ قال ابن قدامة – رحمه الله -: (فإن أعوزت أولم توجد إلا بأكثر من ثمن مثلها فله الانتقال إلى أحد هذه الأنواع؛ لأنها أبدال عنها فيصار إليها عند إعوازها كالقيمة في بدل المثليات)(14)، وعليه فمن وجبت عليه الدية وجب تسليمها من الإبل، وأيهما أراد العدول إلى غيرها فللآخر منعه، لأن الحق متعين فيها كالمثل في المثليات (15).

وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم؛ فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها (16)؛ وهذا قول عمر وعطاء وطاووس وفقهاء المدينة السبعة، وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد (17)؛ لأن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن " وأن في النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار " رواه النسائي (18)، وروى ابن عباس - رضي الله عنه -  أن رجلاً من بني عدي قُتل، " فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم -  ديته اثني عشر ألفاً " رواه أبو داود والنسائي (19)، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن تقويم الإبل بالذهب والفضة كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه (فرض على أهل الذهب ألف دينار في الدية وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم)(20)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر- رضي الله عنه - قام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غلت فقوّم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة " رواه أبو داود (21)؛ وكان هذا بمحضر من الصحابة فكان إجماعا (22)، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن تقويم الإبل بالذهب والفضة لم يكن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان من عمر.

وقد دل هذا على أن الأصل في الدية هي هذه الأنواع الخمسة؛ وعليه فأي شيء أحضره من عليه الدية لزم الولي قبوله؛ لأنها أبدال عن فائت فكانت الخيرة إلى المعطي كالأعيان في الجنس الواحد(23). واختلفوا في الحلل؛ هل هي أصل سادس على روايتين (24).

وقد رُدّ على حديث ابن عباس باحتمال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الورق بدلاً عن الإبل؛ والخلاف في كونها أصلاً لا بدلاً. وأما حديث عمرو بن شعيب فيدل على أن الأصل هو الإبل فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم كان لغلاء الإبل،  ولو كانت أصولاً بنفسها لم يكن إيجابها تقويماً للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى، وقد روي أن الإبل كانت تقوم قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم (25).

والظاهر من خلال ما سبق أن الحنابلة في أصل الدية على فريقين: أنها الإبل خاصة ولا ينتقل إلى غيرها إلا عند الإعواز أو التراضي، وقيل: أنها من الأنواع الخمسة. وقد أشار إلى هذين القولين أبو الخطاب كما تقدم، وإليه أشار ابن قدامة أيضاً في الكافي (26).  

 

·       المذهب الحنفي:

قال الكاساني - رحمه الله -: (قال أبو حنيفة - رحمه الله -: الذي تجب منه الدية وتقضى منه ثلاثة أجناس: الإبل والذهب والفضة) (27) واحتج له بقوله - صلى الله عليه وسلم – في حديث ابن حزم المتقدم " في النفس مائة من الإبل " وقد تقدم فقد جعل - عليه الصلاة والسلام - الواجب (من الإبل) بالإشارة إليها؛ فظاهره يقتضي الوجوب منها على التعيين، إلا أن الواجب من الصنفين الأخيرين (وهما الذهب والفضة) ثبت بدليل آخر، فقد ذكر الشعبي عن عبيدة السلماني أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه - " لما دوّن الدواوين جعل الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم "(28)، وقضاؤه ذلك كان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع منهم (29)؛ فمن ادعى الوجوب في الأصناف الأخرى فعليه الدليل(30).

والمعنى – على هذا القول - أن للقاضي أن يقضي بالدية من الدراهم أو الدنانير (31)، وليست الدراهم والدنانير بدلاً عن الإبل بل هي أصل بذاتها. قال السرخسي: (فلو كان الأصل في الدية الإبل - وهي دَيْن - والدراهم والدنانير بدل عنها كان هذا ديناً بدين ونسيئةً بنسيئة، وذلك حرام شرعاً، يوضحه أن الآدمي - بالقيمة -كسائر الحيوانات، والأصل في القيمة: الدراهم والدنانير؛ إلا أن القضاء بالإبل كان بطريق التيسير عليهم؛ لأنهم كانوا أرباب الإبل وكانت النقود تتعسر منهم، ولأنهم كانوا يستوفون الدية على أظهر الوجوه ليندفع بها بعض الشر عنهم، وذلك في الإبل أظهر منه في النقود؛ فكانت (أي الإبل) بخلاف القياس بهذا المعنى، ولكن لا يسقط بها ما هو الأصل في قيمة المتلفات (وهو النقدين) أهـ(32)

وعند أبي يوسف ومحمد – رحمهما الله تعالى - (أصول الدية ستة أجناس: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل) واحتجا بقضية عمر - رضي الله عنه - المتقدمة (33) وبما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي – صلى الله عليه وسلم - " فرض في الدية، على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل هذه الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة " رواه أبو داود(34).

وقد رُدّ ما استدلا به من قضية عمر - رضي الله عنه - بأنه إنما قضى بذلك حين كانت الديات على العواقل فلما نقلها إلى الديوان قضى بها من الأجناس الثلاثة، وقد ذكر الكاساني أن في كتاب المعاقل ما يدل على أنه لا خلاف بينهم، فإنه قال: لو صالح الولي على أكثر من مائتي بقرة أو مائتي حلة لم يجز بالإجماع ولو لم يكن ذلك من جنس الدية لجاز (35). ورُدّ عليهما أيضاً بأن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية وهذه الأشياء مجهولة المالية؛ ولهذا لا يقدر بها ضمان المتلفات، والتقدير بالإبل عُرِف بالآثار المشهورة ولم يوجد ذلك في غيرها فلا يعدل عن القياس، والآثار التي وردت فيها تحتمل القضاء فيها بطريق الصلح فلا يلزم حجة (36).

والخلاصة:  أن للحنفية قولان في أصل الدية: هي من الثلاثة الأجناس (الإبل والذهب والفضة)، هي من الستة الأجناس (الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل)

 

·       المذهب المالكي:

نقل ابن رشد - رحمه الله - أن مذهب مالك كمذهب أبي حنيفة: أن الأصل في الدية هو الإبل والذهب والورق، قال: (ومالك وأبو حنيفة وجماعة متفقون على أن الدية لا تؤخذ إلا من الإبل أو الذهب أو الورق) أهـ(37)، وما ذاك إلا لأنه غالب كسبهم (38).

قال ابن عبد البر - رحمه الله -: (وأما أقاويل الفقهاء فإن مالكا والشافعي في أحد قوليه وأبا حنيفة وزفر ذهبوا إلى أن الدية من الإبل والدنانير والدراهم، ولم يختلفوا هم ولا غيرهم أن الإبل مائة من الإبل وكذلك لم يختلفوا أن الذهب ألف دينار) (39).

وقال محمد بن عبد الباقي الزرقاني- رحمه الله -: (قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر وأهل المغرب، وأهل الورق أهل العراق، والأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل لأنه خلاف الواجب عليهم من ذهب أو فضة، ولا من أهل العمود الذهب ولا الورق لأن المفروض عليهم الإبل، ولا من أهل الذهب الورق، ولا من أهل الورق الذهب؛ فإنما يقبل من كلٍ ما وجب عليه) (40)

والحاصل: أن الأصل في الدية عند المالكية هو من الثلاثة الأجناس (الإبل والذهب والفضة).


·       المذهب الشافعي:

قال في المهذب: (وتجب الدية من الصنف الذي يملكه من تجب عليه الدية من القاتل أو العاقلة، كما تجب الزكاة من الصنف الذي يملكه من تجب عليه الزكاة) (41).

وقال النووي - رحمه الله -: (ومن لزمته - أي الدية - وله إبل فمنها.. ثم قال: ولا يعدل إلى نوع وقيمة إلا بتراض، ولو عدمت فالقديم: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، والجديد: قيمتها بنقد بلده وإن وجد بعض أخذ وقيمة الباقي) (42)، فمفهوم كلامه أن الإبل هي الأصل وإنما الدنانير والدراهم بدل عنها عند الإعواز. وقد نقل ابن عبد البر - رحمه الله - ذلك عن الشافعية، قال: (وقال المزني: قال الشافعي: الدية الإبل، فإن أعوزت الإبل فقيمتها بالدنانير والدراهم على ما قوّمها عمر بن الخطاب ألف دينار على أهل الذهب واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق) (43)؛ وعليه فلا ينتقل إلى الذهب أو الفضة إلا برضا المجني عليه، قال في المهذب: (وإن أراد الجاني دفع العوض عن الإبل مع وجودها لم يجبر الولي على قبوله، وإن أراد الولي أخذ العوض عن الإبل مع وجودها لم يجبر الجاني على دفعه، لأن ما ضمن لحق الآدمي ببدل لم يجز الإجبار فيه على دفع العوض ولا على أخذه مع وجوده كذوات الأمثال، وإن تراضيا على العوض جاز؛ لأنه بدل متلف فجاز أخذ العوض فيه بالتراضي كالبدل في سائر المتلفات) (44).

إلا أن لهم قولين فيما إذا أعوزت الإبل أو وجدت بأكثر من ثمن المثل؛ فقال في القديم: يجب ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم؛ لما روى عمرو بن حزم، وقال في الجديد: تجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (45). (قال الشافعي: والعلم محيطٌ بأنه لم يقوّمها إلا قيمة يومها للإعواز؛ قال: ولا تقوّم بغير الدنانير والدراهم؛ قال: ولو جاز أن تقوّم بغير الدنانير والدراهم جعلنا على أهل الخيلِ الخيلُ وعلى أهل الطعامِ الطعامُ، وهذا لا يقوله أحد. قال أبو عمر – ابن عبد البر -: قد قاله بعض من شذ)(46).

والخلاصة: أن الشافعية يرون أن الأصل في الدية هي الإبل وأنه لا يُنـتقل عنها إلى غيرها إلا بالإعواز أو التراضي.

 

·       المذهب الزيدي:

ذكر الإمام المهدي في الأزهار أن الدية عندهم (مائة من الإبل ومائتا بقرة وألفا شاة ومن الذهب ألف مثقال ومن الفضة عشرة آلاف درهم)(47)؛ قال القاضي العنسي في شرحه على الأزهار: (وهذه الأصناف الأربعة عندنا كلها أصول يخير الجاني ووارثه وكذا العاقلة فيما بينها)(48). ولعله اعتبر النقدين أصلاً واحداً، وقال السيد حسن الجلال في شرحه على الأزهار: (ثبوت الذهب في حديث عمرو بن حزم والبقر والشاء والحلل في حديث جابر دليل أن كل نوع أصل على أربابه دون غيرهم) (49)، وقال ابن الأمير الصنعاني معلقاً على كلام الجلال هذا: (هذا حسن جداً ويدل له أحاديث على أهل كذا كذا وعلى أهل كذا كذا، ويدل له حديث عمرو بن شعيب..) (50) وقال الشوكاني في شرحه على الأزهار عند قوله (ويخير الجاني فيما بينها): (هذا هو الحق لأن النبي - صلى الله عليه وسلم – فرض كل نوع من أنواعها ولم يبين لنا أن هذا أصل وهذا بدل وإنما كثر ذكر الإبل لأنها غالب أموال العرب..)(51)

والخلاصة: أن الزيدية يرون أن أصناف الدية هي الإبل والبقر والشياة والذهب والفضة.

 

الترجيح:

أقول: قد جاء في هذه المسألة -كما ترى - أحاديث ظاهرها التعارض ففي بعضها أن تقدير الدية بالقيمة كان من رسول الله، وفي أخرى أن تقديرها كان من أبي بكر، عن عمرو بن شعيب قال:" قضى أبو بكر رضي الله عنه على أهل القرى حين كثر المال وغلت الإبل فأقام مائة من الإبل بستمائة دينار إلى ثمانمائة دينار (52) فقد أفاد هذا الحديث أن تقدير الذهب كان من أبي بكر، ولكن الحديث ضعيف، وفي أحاديث أخرى أن هذا التقدير كان من عمر، عن ابن عمرو قال: " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر - رحمه الله - فقام خطيباً.. (53) ففي هذا الحديث تقدير هذه الأصول، وفيه جواز أخذ القيمة عنها، وعن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أن دية المسلم الحر على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة من الإبل فقوم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تلك الدية على أهل القرى ألف دينار واثني عشر ألف درهم ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق(54)، ففيه أن تقدير الذهب كان من عمر، ولكن الحديث ضعيف. ومع ضعف بعض الأحاديث إلا أنه لا تعارض بينها - على فرض صحتها - فإن الذي قدر هذه القِيَم هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولاً ثم لما تغير سعر الإبل في عهد أبي بكر غير من قيمة الذهب والفضة الغنم والبقر ثم لما كان عمر وتغير السعر كذلك غير من قيمتها ففهم ذلك أبو بكر وعمر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع بقاء الإبل على عددها من دون تغير فأفاد ذلك أن الإبل هي الأصل.

كما أن هناك أحاديثاً أخرى تدل أن الذي قدّر الذهب والفضة والغنم.. هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كحديث عطاء بن أبي رباح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمد"(55)، فقد دل على أن تقدير هذه الأصول كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الحديث ضعيف، ومثله حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.. وفيه " وأن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار "(56)، وفيه أن تقدير الذهب كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الحديث ضعيف؛ ولكنه قد قوّاهما حديث عمرو بن شعيب وفيه " من قتل خطأ فديته مائة من الإبل.. قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع في قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق. قال " وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاة ألفى شاة..(57)، فقد أفاد أيضاً أن تقدير هذه الأصول كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه جواز أخذ القيمة عنها. وعليه فإن الذهب والفضة والغنم والبقر من أصول الديات. ولا يتعارض هذا مع قولنا: إن الإبل هي الأصل؛ فإن الجميع أصل؛ ولكن الإبل هي أصل هذه الأصول، وعليه فإن حصل تفاوت في قِيَم هذه الأصول فإن المرجع في تقدير الدية هو تقديرها بالمقارنة مع قيمة الإبل، وأما إن تقاربت قِيمها فيصح تقدير الدية - والحال هذه - بأحد الأصناف الأربعة الأخرى؛ أكد ذلك أنه لا دية مغلظة إلا في الإبل، والله تعالى أعلى وأعلم.

 

والله الهادي إلى سواء السبيل

وهو حسبنا ونعم الوكيل

وسبحان الله وبحمده؛ سبحان الله العظيم  

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي:

علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الثلاثاء - 5 ربيع الأول 1427هـ، 4 إبريل 2006م


(1) القاموس المحيط 1/1729 .

(2) مختار الصحاح 1/740 .

(3) لسان العرب 15/383 .

(4) المبسوط للسرخسي 26/59 .

(5) البحر الرائق 8/372.

(6) البحر الرائق 8/372.

(7) الفواكه الدواني 2/186.

(8) مغني المحتاج 4/53 .

(9) المغني 8/289.

(10) الكافي في فقه ابن حنبل 4/74 .

(11) انظر: سنن النسائي 14/443 ، برقم 4713، سنن ابن ماجه 8/60 برقم 2617، قال الشيخ الألباني: صحيح، انظر: إرواء الغليل 7/262 برقم 2204.

(12) المبدع 8/346 .

(13) المغني 8/289.

(14) الكافي في فقه ابن حنبل 4/75 .

(15) انظر: الكافي في فقه ابن حنبل 4/75 .

(16) المغني 8/289، وانظر المبدع 8/345، وانظر الكافي في فقه ابن حنبل 4/75.

(17) المغني 8/289 .

(18) سنن النسائي 15/13 ، برقم4770؛ قال الألباني: ضعيف الجامع الصغير وزيادته 1/609 برقم 2333 في ضعيف الجامع؛ والحديث فيه سليمان بن أرقم قال النسائي: وسليمان بن أرقم متروك؛ لكن قال الشافعي رحمه الله: لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أحمد رحمه الله: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحا، وقال يعقوب بن سفيان الفسوى: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم انتهى نصب الراية 2/237، 238 .

(19) سنن النسائي 14/453 ، برقم 4721، سنن أبي داود 12/139، برقم 3940؛ قال الألباني:ضعيف. انظر: إرواء الغليل 7/304 برقم 2245.

(20) سنن البيهقي الكبرى 8/80 .

(21) انظر: المغني 8/289، والكافي في فقه ابن حنبل 4/74، والحديث في سنن أبي داود 12/136 ، برقم 3937؛ قال الألباني: حسن. إرواء الغليل 7/305 برقم 2274.

(22) الكافي في فقه ابن حنبل 4/75، وانظر المبدع 8/345

(23) انظر: الكافي في فقه ابن حنبل 4/75

(24) انظر: الكافي في فقه ابن حنبل 4/75

(25) المغني 8/290

(26) انظر: الكافي في فقه ابن حنبل 4/75

(27) بدائع الصنائع 7/253، وانظر التمهيد لابن عبد البر 17/349

(28) في مصنف ابن أبي شيبة 6/269 ، برقم 3 من كتاب الديات عن الشعبي عن عبيدة السلماني قال: "وضع عمر الديات فوضع على أهل الذهب ألف دينار على أهل الورق عشرة آلاف وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة مسنة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة "

(29) المبسوط للسرخسي 26/75، وانظر البحر الرائق 8/374

(30) بدائع الصنائع 7/254

(31) المبسوط للسرخسي 26/75

(32) المبسوط للسرخسي 26/75 وما بعدها

(33) بدائع الصنائع 7/253، وانظر البحر الرائق 8/374، وانظر التمهيد لابن عبد البر 17/349

(34) الحديث في سنن أبي داود 12/137 ، برقم 3938، قال الألباني: ضعيف مختصر إرواء الغليل 1/446 برقم 2244 ؛ قال المنذري: لم يذكر ابن إسحاق من حدثه به عن عطاء فهو منقطع. نصب الراية 4/419، وانظر البحر الرائق 8/374

(35) بدائع الصنائع 7/254، وانظر البحر الرائق 8/374

(36) البحر الرائق 8/374

(37) بداية المجتهد 2/308، وانظر كفاية الطالب 2/388، وانظر شرح الزرقاني 3/430

(38) شرح الزرقاني 3/430

(39) التمهيد لابن عبد البر 17/345

(40) شرح الزرقاني 4/218، وانظر كفاية الطالب 2/388، وانظر التمهيد لابن عبد البر 17/345، وانظر الكافي 1/596

(41) المهذب 2/196

(42) منهاج الطالبين 1/126

(43) التمهيد لابن عبد البر 17/346

(44) المهذب 2/196

(45) المهذب 2/196

(46) التمهيد لابن عبد البر 17/346، وانظر سنن الترمذي 4/12

(47) كتاب الأزهار في فقه الأئمة الأطهار ص303.

(48) التاج المذهب لأحكام المذهب ج:4 ص:324

(49) ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار ج:4 ص:2401

(50) منحة الغفار على ضوء النهار ج:4 ص:2401

(51) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ج:4 ص:438

(52) سنن البيهقي الكبرى 8/77

(53) سنن أبي داود 12/136 ، برقم 3937. قال الألباني: حسن، وقد تقدم

(54) سنن البيهقي الكبرى 8/95؛ قال الألباني: ورجاله ثقات غير مسلم، وهو ابن خالد الزنجي وفيه ضعف. إرواء الغليل 7/306 برقم 2248.

(55) سنن أبي داود 12/137 ، برقم 3938. قال الألباني: ضعيف. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 10/43 برقم 4543.

(56) سنن النسائي 15/13 ، برقم 4770. قال الألباني: ضعيف؛ انظر حديث رقم: 2333 في ضعيف الجامع 1/609 .

(57) سنن النسائي 14/449 ، برقم 4719، سنن ابن ماجه 8/64 ، برقم 2620. قال الشيخ الألباني: حسن. إرواء الغليل 7/ 305 برقم 2248.

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الحكم للقيط بالإسلام والحرية
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

 المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:ـ

فإن الفقهاء – رحمهم الله تعالى _ وضعوا أحكاما خاصة للقيط ، وفي هذا البحث المتواضع سأذكر حكم اللقيط بالإسلام والحرية، سائلا المولى _ عز وجل- التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل .                                                  

أولا: هل يحكم للقيط بالإسلام ؟ :

إذا وجد اللقيط في دار الإسلام فهو محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة، وذلك للأمور التالية:

·       تغليبا للإسلام .

·       ولظاهر الدار.

·      ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى(1).

فمن أحكام اللقيط: أنه يحكم له بحكم الإسلام إن كان التقاطه في دار المسلمين ويحكم للطفل بالإسلام بحكم أبيه عند مالك ، وعند الشافعي بحكم من أسلم منهما، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك(2).

وقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أنه يجب غسله ودفنه في مقابر المسلمين وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين قال: وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي(3).

واختلف الفقهاء في اللقيط في قرية فيها يهود ونصارى ومسلمون:

قال بن القاسم: يجعل على دين أكثرهم عددا، وان وجد عليه زي اليهود فهو يهودي، وان وجد عليه زي النصارى فهو نصراني وإلا فهو مسلم إلا أن يكون أكثر أهل القرية على غير الإسلام.

وقال أشهب: هو مسلم أبدا لأني أجعله مسلما على كل حال كما أجعله حرا على كل حال(4).

وهذا هو الصحيح .

مسألة : دار الإسلام قسمان :

1-  ما اختطه المسلمون كبغداد والبصرة فلقيطها محكوم بإسلامه.

2- دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم حكم بإسلام لقيطها؛ ؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام، وإن لم يكن فيها مسلم بل كان أهلها أهل ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال (5).

-   وفي المغني:  ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو في دار الكفر فأما دار الإسلام فضربان أحدهما : دار اختطها المسلمون كبغداد والبصرة والكوفة فلقيط هذه محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا للإسلام ولظاهر الدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، الثاني : دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها ؛ لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام وإن لم يكن فيها مسلم بل كل أهلها ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال(6).

السبب في كونه يحكم له بالإسلام:

ذكر العلماء في كتبهم عدة أسباب أبينها كالتالي :

-       الكافي لابن حنبل:ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم ؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها(7).

-       الروض المربع:  وهو مسلم إذا وجد في دار الإسلام وإن كان فيها أهل ذمة تغليبا للإسلام والدار(8).

-   منار السبيل: ويحكم بإسلامه إن وجد بدار الإسلام إذا كان فيها مسلم أو مسلمة ؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها تغليبا للإسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه(9).

-       العدة شرح العمدة: ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم ؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها(10).

-       عمدة القاري : إذا وجد اللقيط في بلاد الإسلام كان حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ونحوها من أحكام الدين(11).

-   المبسوط : فإن كان اللقيط في يد مسلم وادعاه ذمي فالقياس لا يثبت النسب منه وهذا غير القياس الأول في دعوة اللقيط لأنا قد حكمنا بإسلام الولد هنا باعتبار الدار ولا قول للذمي في دعوة نسب الولد المسلم ولكنه استحسن(12).

-   بدائع الصنائع : وأما حاله في الإسلام و الكفر، فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم يكون مسلما حتى لو مات يغسل و يصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وإن وجده ذمي في بيعة أو كنيسة أوفي قرية ليس فيها مسلم يكون ذميا تحكيما للظاهر، وإذا وجده مسلم في بيعه أو كنيسة أو في قرية من قرى أهل الذمة يكون ذميا، ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين أوفي قرية من قراهم يكون مسلما، واللقيط الذي هو في يد المسلم و تصرفه يكون مسلما ظاهرا، والموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الإسلام وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد المسلم و تصرفه يكون مسلما ظاهرا و الموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد الذمي وتصرفه يكون ذميا ظاهرا فكان اعتبار المكان أولى فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين فبلغ كافرا يجبر على الإسلام و لكن لا يقتل ؛ لأنه لم يعرف إسلامه حقيقة وإنما حكم به تبعا للدار فلم تتحقق ردته فلا يقتل(13).

- مغني المحتاج : إذا وجد لقيط بدار الإسلام بأن سكنها المسلمون، وإن كان فيها أهل ذمة أو معاهدون، أو وجد لقيطا بدار فتحها المسلمون وأقروها قبل ملكها بيد كفار صلحا  أي على جهته،  أو أقرها المسلمون بيد كفار بعد ملكها عنوة  بجزية،  أو كانوا سيكنونها ثم جلاهم الكفار عنها وفيها مسلم  في الصور الأربع يمكن أن يولد للمسلم ذلك اللقيط ولو كان المسلم أسيرا منتشرا أو تاجرا أو مجتازا أو نفاه حكم بإسلام اللقيط في المسائل الأربع تغليبا للإسلام وفي مسند الإمام أحمد و الدار قطني الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقضية كلامه أن يحكم بإسلام اللقيط في دار الإسلام مطلقا وإن لم يكن فيها مسلم وليس مرادا كما يعلم مما قدرته أيضا، وإنما يحكم بإسلامه إذا كان في القرية مسلم أما لو كان جميع من فيها كفارا فهو كافر؛ لأن الكفار بعضهم أولياء بعض (14).

-   كفاية الأخيار : واعلم أن الحكم بإسلام اللقيط لا يختص بدار الإسلام بل لو كانت دار كفر وفيها مسلمون بل مسلم أسير أو تاجر أو وجد لقيط هناك فإنا نحكم بإسلامه على الأصح لأن الإسلام يزيد ولا ينقص، واعلم أن من حكمنا بإسلامه بالدار لو جاء ذمي وأقام بينة مقبولة بنسبه لحقه وتبعه في الكفر لأن البينة أقوى من الدار، ولو اقتصر على الدعوى فالمذهب أنه لا يتبعه في الكفر، والله أعلم(15).

مسألة : في الحكم بإسلام اللقيط: وفي الموضع الذي حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا، فهو كالثابت يقينا، و؛ لأنه يحتمل أن يكون ولد كافر فلو أقام كافر بينة أنه ولده ولد على فراشه حكمنا له به، والسبب في كونه يحكم لغير المسلم إن أقام بينة أن البينة أقوى من الدار.

مسألة: إذا بلغ اللقيط : وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته فوصف الإسلام فهو مسلم سواء كان ممن حكم بإسلامه أو كفره، وإن وصف الكفر وهو ممن حكم بإسلامه فهو مرتد لا يقر على كفره، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر القاضي وجها أنه يقر على كفره، وهو منصوص الشافعي  والسبب في ذلك :أن قوله أقوى من ظاهر الدار، وعلى القول بأنه لا يقر على كفره- وهو الصحيح- لأن ثبت حكم الإسلام واستقر فلم يجز إزالة حكمه لقوله كما لو كان ابن مسلم وقوله لا دلالة فيه أصلا، ؛ لأنه لا يعرف في الحال من كان أبوه ولا ما كان دينه، وإنما يقول هذا من تلقاء نفسه فعلى هذا إذا بلغ استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل(16).

مسألة : بلد الكفار ضربان:

1- بلد كان للمسلمين فغلب الكفار عليه كالساحل، فإن كان فيه مسلم حكم بإسلام لقيطه، وإن لم يكن فيه مسلم فهو كافر، وقال القاضي : يحكم بإسلامه أيضا ؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن يكتم إيمانه بخلاف الذي قبله فإنه لا حاجة به إلى كتم إيمانه في دار الإسلام.

2- دار لم تكن للمسلمين أصلا كبلاد الهند والروم، فإن لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر لأن الدار لهم وأهلها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتجار وغيرهم ففيه وجهان : أحدهما : يحكم بإسلامه تغليبا للإسلام- وهو الصواب-، والثاني: يحكم بكفره تغليبا للدار وللأكثر، وهذا التفصيل مذهب الشافعي(17).

الخلاصة: إن وجد اللقيط في بلد فيه كفار ولا مسلم فيه فهو كافر لأن الظاهر أنه ولد كافرين، وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون ففيه وجهان :

1- هو كافر ؛ لأنه في دارهم.

2- هو مسلم تغليبا لإسلام المسلم الذي فيه – وهو الراجح – والله أعلم .

- الكافي في فقه ابن حنبل : ومن حكمنا بإسلامه لإسلام أحد أبويه أو موته أو إسلام سابيه فحكمه حكم سائر المسلمين في حياته وموته ووجوب القود على قاتله قبل البلوغ أو بعده، وإن كفر بعد بلوغه فهو مرتد يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل ؛ لأنه محكوم بإسلامه يقينا فأشبه غيره من المسلمين،

ومن حكمنا بإسلامه للدار وهو اللقيط فكذلك ؛ لأنه محكوم بإسلامه ظاهرا فهو كالثابت يقينا وذكر القاضي وجها آخر : أنه يقر على كفره ؛ لأنه لم يثبت إسلامه يقينا(18).

- في الروض المربع : وإن وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر تبعا للدار(19).

- في الإقناع : إن وجد في بلد كفار حرب ولا مسلم فيه أو فيه مسلم : كتاجر وأسير فكافر رقيق، فان كثر المسلمون فمسلم، وإن وجد في دار الإسلام في بلد كل أهلها ذمة فكافر، وإن كان فيه مسلم فمسلم إن أمكن كونه منه(20).

- مغني المحتاج : وإن وجد  اللقيط  بدار كفار  وهي دار الحرب  فكافر  ذلك اللقيط  إن لم يسكنها مسلم  إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به، ثم إن كان أهل البقعة مللا جعل من أقربهم إلى الإسلام والثاني: كافر تغليبا للدار(21).

- الإنصاف : ويحكم بإسلامه بلا نزاع إلا أن يوجد في بلد الكفار ولا مسلم فيه فيكون كافرا

وهذا المذهب وعليه الأصحاب، وقال القاضي : يحكم بإسلامه أيضا ؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه مؤمن بكتم إيمانه، وحكى صاحب المحرر وجها بأنه مسلم اعتبارا بفقد أبويه(22).

فائدة : لو كان في دار الإسلام ولد كل أهلها أهل ذمة، ووجد فيها لقيط حكم بكفره، وإن كان فيها مسلم حكم بإسلامه .

ثانيا : الحرية للقيط:

أولا :ذكر الخلاف في هذه المسألة :

اختلف في اللقيط، فقيل:إنه حر، وقال قوم: إنه عبد، وممن قال إنه حر علي بن أبي طالب- رضي الله تعالى عنه- وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم والشعبي والحكم وحماد و مالك و الثوري و الشافعي

و إسحاق وأصحاب الرأي ومن تبعهم (23).

وقال النخعي : إن التقطه للحسبة فهو حر، وإن كان أراد أن يسترقه فذلك له، وهذا قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في النظر، لأن الأصل في الآدميين الحرية فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وإنما الرق للعارض، فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الأصل(24).

وذكر الخلاف صاحب المدونة(25)  فقال: اختلف في اللقيط على أقوال، فقيل :

1- إنه حر وولاؤه لمن التقطه .

2- إنه عبد لمن التقطه .

3- إنه حر وولاؤه للمسلمين، وهو مذهب مالك، وهو الذي تشهد له الأصول إلا أن يثبت في ذلك أثر تخصص به الأصول مثل قوله عليه الصلاة والسلام :" ترث المرأة ثلاثة : لقيطها وعتيقها وولدها الذي لا عنت عليه"(26).

ثانيا:الرواية الواردة في ذلك:

روى سعيد عن سفيان عن الزهري أنه سمع سنينا أباجميلة قال :" وجدت ملقوطا فأتيت به عمر بن الخطاب، فقال عريفي : يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر : أكذلك هو ؟ قال : نعم، فقال : اذهب به وهو حر، ولك ولاؤه وعلينا نفقته، وفي لفظ : وعلينا رضاعه " رواه سعيد في سننه(27).

وفي رواية: عن سنين أبي جميلة، قال:" وجدت منبوذا على بابي، فأتيت به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال عمر - رضي الله عنه -:" عسى الغوير أبؤسا هو حر ونفقته علينا" فمعنى قول عمر - رضي الله عنه -: عسى الغوير أبؤسا مثل معروف لما يكون باطنه بخلاف ظاهره، وأول من تكلم به الزباء الملكة حين رأت الصناديق فيها الرجال، وقد أخبرت أن فيها الأموال فلما أحست بذلك أنشأت تقول :

ما للجمال مشيها وئيدا       أجندلا تحمل أم حديدا

أم صرفانا باردا شديدا        أم الرجال جثما قعودا

ثم قالت: عسى الغوير أبؤسا، فطار كلامها مثلا، وكان عمر - رضي الله عنه - ظن أن هذا الرجل جاء إليه بولده يزعم أنه لقيط ليستوفي منه نفقته، فلهذا ذكر هذا المثل، فيكون اللقيط حرا كما قال عمر - رضي الله عنه - نفقته علينا وهو حر(28).

ثالثا : وجه الدلالة من هذه الرواية:

في هذا الحديث دليل على أن اللقيط حر مسلم، وذلك إما:

·       باعتبار الدار لأن الدار حرية وإسلام، فمن كان فيها فهو حر مسلم باعتبار الظاهر .

·       أو باعتبار الغلبة لأن الغالب فيمن يسكن دار الإسلام الأحرار المسلمون،ويكون الحكم للغالب.

·       أو باعتبار الأصل فالناس أولاد آدم وحواء - عليهما السلام-  وكانا حرين، فلهذا كان اللقيط حرا(29).

رابعا : نقل الإجماع :

 قال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، ولأن الأصل في الآدميين الحرية فيكون حرا(30).

- في شروح الحديث : وحريته: لأنها الأصل في الآدميين، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا والرق عارض والأصل عدمه، قال الخطابي: أما اللقيط فإنه في قول عامة الفقهاء حر، فإذا كان حرا فلا ولاء عليه لأحد، والميراث إنما يستحق بنسب أو ولاء وليس بين اللقيط وملتقطه واحد منهما ،وكان إسحاق بن راهويه يقول: ولاء اللقيط لملتقطه ويحتج بحديث واثلة، وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل فإذا لم يثبت الحديث لم يلزم القول به فكان ما ذهب إليه عامة العلماء أولى(31).

- في كتب المذهب الحنبلي :

اللقيط حر في جميع الأحكام، لأن الحرية هي الأصل والرق عارض، وإن اعترف اللقيط بالرق مع سبق مناف للرق من بيع ونحوه أو عدم سبقه لم يقبل ؛ لأنه يبطل حق الله من الحرية المحكوم بها سواء أقر ابتداء لإنسان أو جوابا لدعوى عليه أو قال اللقيط بعد بلوغه : إنه كافر لم يقبل منه ؛ لأنه محكوم بإسلامه ويستتاب فإن تاب وإلا قتل(32).

وفي الإنصاف :وهو حر في جميع أحكامه هذا الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب(33).

-       اللباب شرح الكتاب : وهو حر مسلم  تبعا للدار(34).

الخلاصة : الأصل هي الحرية في بني آدم لأن الناس كلهم أولاد سيدنا آدم - عليه الصلاة و السلام-  و حواء، وهما كانا حرين، والمتولد من الحرين يكون حرا، و إنما حدث الرق في البعض شرعا بعارض الاستيلاء بسبب عارض وهو الكفر ، فيجب العمل بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض، فترتب عليه أحكام الأحرار.

مسألة : هل يتبع الرق النسب عند الحكم بثبوت النسب من المملوكين:

قول محمد من الحنفية: اللقيط حر باعتبار الدار، وفي الحكم بثبوت النسب من المملوكين فيه توفير المنفعة على الولد، وفي إثبات الرق إضرار بالولد، وليس من ضرورة ثبوت النسب ثبوت الرق، فبقي على ما كان من الحرية فسقط اعتبار قولهما فيما يضر بالولد، كما لو ادعاه ذمي وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين يثبت النسب منه بالدعوة ويكون مسلما دفعا للضرر عن الولد وتوفيرا للمنفعة عليه في ثبوت نسبه.

وعند أبي يوسف : أنه لما حكمنا بثبوت النسب منهما فقد حكمنا بأنه مخلوق من ماء رقيقين، والمخلوق من ماء رقيقين لا يكون حرا لأن الولد من الأصلين فإذا كانا رقيقين وليس هنا سبب يمكن الحكم بحرية الولد بذلك السبب، ولا وجه لإثبات الحكم بدون السبب يكون الولد رقيقا يقرره أن ولد الأمة مملوك لمولاها ؛ لأنه جزء من أجزائها، فحينئذ يبقى صفة الحرية لمائه فكان الولد رقيقا(35).

مسألة : تصرف اللقيط:

يعتبر تصرف اللقيط تصرف الأحرار، إلا إذا  ثبت رقه فحكم تصرفه حكم تصرف العبيد ؛ لأنه ثبت أنه مملوك، ولكن لا يعتبر في إبطال ما يفعله من التصرفات من الهبة و الكفالة و الإعتاق و النكاح

ونحوها من التصرفات التي لا يمكنها العبد حتى لا تنفسخ و هذا عند الحنفية، وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : ينفسخ، وجه قوله : أنه لما أقر بالرق فقد ظهر انه كان رقيقا وقت التصرف فلم يصح تصرفه كما إذا قامت البينة على رقه(36)، والصحيح- والله أعلم- : أن هذا إقرار تضمن إبطال حق الغير، ؛ لأنه حريته ثابتة من حيث الظاهر، فلا يصدق في حق ذلك الغير، فإذا تضمن إبطال حقه حق الغير كان دعوى أو شهادة على غيره من ذلك الوجه فيصدق على نفسه لا على غيره .

 

مسألة:إقرار اللقيط :

 إن أقر اللقيط بالرق على نفسه بعد أن كان أقر بالحرية لم يقبل إقراره بالرق، ؛ لأنه قد لزمه بالحرية أحكام من العبادات والمعاملات فلم يملك إسقاطها، وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية وكذبه المقر له بطل إقراره ؛ لأنه لا يثبت رقه لمن لا يدعيه، فإن أقر بعده لغيره قبل كما لو أقر له بمال، ويحتمل أن لا يقبل لأن في إقراره الأول اعترافا بأنه ليس لغيره فلم يقبل رجوعه عنه كما لا يقبل رجوعه عن الحرية (37).

و إن بلغ فأقر أنه عبد فلان نظر في ذلك، إن كان لم يجر عليه شيء من أحكام الأحرار صح إقراره، ؛ لأنه لم تعرف حريته إلا بظاهر الحال، فإذا أقر بالرق فالظاهر أنه لا يقر على نفسه بالرق كاذبا فصح إقراره، فإن كان قد اعترف بالحرية لنفسه قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق بعدها، ؛ لأنه اعترف بالحرية وهي حق الله تعالى فلا يقبل رجوعه في إبطالها(38).

مسألة:ادعاء الغير بالرق للقيط :

إذا ادعى شخص رقه سواء الملتقط وغيره لا يقبل قوله، لأن الظاهر حريته، وفيه إضرار به،  فإذا ادعى رقه من هو في يده لم يقبل إلا ببينة في الأصح(39).

وإذا بلغ اللقيط فادعى عليه رجل أنه عبد فأنكره فالقول قوله لأن الأصل الحرية(40).

وعليه فلا يسمع من المدعي إلا ببينة لأن حريته من حيث الظاهر فلا يقدر على إبطال هذا الظاهر إلا بدليل، فإن ادعى أنه ابنه ثبت نسبه منه ؛ لأنه ينفعه، وكان حرا فلا تبطل الحرية الظاهرة بالشك، والحر في دعوته اللقيط أولى من العبد، والمسلم أولى من الذمي ترجيحا لما هو الأصلح في حقه(41).

قال الشافعي رحمه الله : ولو أقر اللقيط بأنه عبد لفلان، وقال الفلان ما ملكته قط ثم أقر لغيره بالرق بعد لم أقبل إقراره وكان حرا في جميع أحواله(42).

فإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه؛ لأنها ممكنة، وإن كانت مخالفة لظاهر الدار فإن لم يكن له بينة فلا شيء له لأنها دعوى تخالف الظاهر وتفارق دعوى النسب من وجهين أحدهما : أن دعوى النسب لا تخالف الظاهر ودعوى الرق تخالفه، والثاني : أن دعوى النسب يثبت بها حقا للقيط ودعوى الرق يثبت بها حقا عليه فلم تقبل بمجردها(43).

 

جمع وإعداد / يونس عبد الرب فاضل الطلول

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي



(1)نظر: الشرح الكبير 6/405 .

(2) المدونة الكبرى 4/263 .

(3) الشرح الكبير 6/405 ، المغني 6/403 .

(4)الاستذكار 7/159 بتصرف .

(5) الشرح الكبير 6/405 .

(6) المغني 6/403 .

(7) الكافي لابن حنبل 2/203.

(8) الروض المربع 1/450 .

(9) منار السبيل 1/325 .

(10) العدة شرح العمدة1/259 .

(11) انظر:عمدة القاري6/152 .

(12) انظر: المبسوط6/420 .

(13) انظر: بدائع الصنائع 5/290 .

(14) انظر: مغني المحتاج 2/422 .

(15)كفاية الأخيار 1/655 .

(16) انظر: المغني 6/405 .

(17)انظر: الشرح الكبير6/405 ، المغني 6/403 .

(18) الكافي لابن حنبل  2/203.

(19) الروض المربع 1/450 .

(20) انظر:الإقناع2/405 .

(21) مغني المحتاج 2/422 .

(22) الإنصاف6/434 بتصرف .

(23)عمدة القاري 13/237 .

(24) المغني 6/403 ، الشرح الكبير 6/403 .

(25) انظر: المدونة الكبرى 4/263 .

(26) أخرجه أبو داود ج2ص139 ، برقم 2906،وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود ج1ص287 ، برقم 623 .

(27) منار السبيل 1/325 .

(28) انظر:المبسوط 6/ 146 .

(29) انظر:المبسوط6/146 .

(30) العدة شرح العمدة 1/259 .

(31)عون المعبود 8/82 ، تحفة الأحوذي 6/249 .

(32)الروض المربع 1/450 ، زاد المستقنع 1/450 ، الإقناع 2/405 ، 4/ 423 ، الكافي ابن حنبل 2/203 .

(33) الإنصاف 6/432 .

(34) اللباب في شرح الكتاب2/55 .

(35) انظر:المبسوط 6/420 .

(36) انظر :الكافي 2/203 ، انظر :بدائع الصنائع 5/290 .

(37) انظر :الكافي 2/203 ، انظر :بدائع الصنائع 5/290 .

(38) الشرح الكبير 6/421 ، الإنصاف6/451 .

(39) كفاية الأخيار 1/431 ، المهذب3/243 .

(40) المهذب 2/312 .

(41) الهداية 1/415 .

(42) مختصر المزني 1/148 .

(43) الشرح الكبير 6/420 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
اللقيط: تعريفه، وحكم أخذه، والإشهاد عليه،وشروط الملتقط
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فإن الفقهاء – رحمهم الله تعالى _ وضعوا أحكاما خاصة للقيط ، وفي هذا البحث المتواضع سأذكر بعض هذه الأحكام، وهي : التعريف ، وحكم أخذه، وحكم الإشهاد عليه ، وشروط الملتقط، سائلا المولى _ عز وجل- التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل .

أولا: التعريف للقيط:

1- التعريف في شروح الأحاديث:

    هو من طرح صغيرا لأول ما يولد، ويقال له لقيط: إذا أخذ، ومنبوذ: ما دام مطروح(1).

    وقيل: هو طفل يوجد ملقي على الطريق لا يعرف أبواه(2).

2- التعريف في كتب الفقه:

تعاريف الفقهاء في الفقه الحنفي:

- المبسوط : اللقيط لغة: اسم لشيء موجود، فعيل بمعنى مفعول كالقتيل والجريح بمعنى المقتول والمجروح، وفي الشريعة: اسم لحي مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الريبة(3).

- اللباب شرح الكتاب :اللقيط لغة : ما يلقط أي يرفع من الأرض ثم غلب على الصبي المنبوذ باعتبار مآله؛ لأنه يلقط، وشرعا : مولود طرحه أهله خوفا من العيلة وفرارا من التهمة(4).    

- بدائع الصنائع :في اللغة : فهو فعيل من اللفظ وهو الملقوط وهو الملقي ، وأما في العرف فنقول : هو اسم للطفل المفقود و هو الملقى أو الطفل المأخوذ والمرفوع عادة فكان تسميته لقيطا باسم العاقبة لأن يلقط عادة أي يؤخذ و يرفع، وتسمية الشيء باسم عاقبته أمر شائع في اللغة قال الله تعالى جل شأنه : ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف:36] ،  وقال الله تعالى جل شأنه : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ  [الزمر:30] سمى العنب خمرا  والحي الذي يحتمل الموت ميتا باسم العاقبة كذا هذا(5).

تعاريف الفقهاء في الفقه المالكي:

واللقيط : هو الصبي الصغير غير البالغ(6).

تعاريف الفقهاء في الفقه الشافعي:

- مغني المحتاج: <span style="font-sizeمنبوذا باعتبار أنه ينبذ إذا ألقي في الطريق ونحوه ويسمى دعيا أيضا، والأصل فيه قوله تعالى: <span style=" mso-spacerun:yes'="" lang="AR-SA"> ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2]،  وقوله تعالى:  ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: 77](7).

فاللقيط: هو صغير منبوذ في شارع أو مسجد أو نحو ذلك لا كافل له معلوم ولو مميزا لحاجته إلى التعهد، وإن أفهم التعبير بالمنبوذ اختصاصه بغير المميز فإن المنبوذ هو الذي ينبذ دون التمييز ونبذه في الغالب إما لكونه من فاحشة خوفا من العار أو للعجز عن مؤنته، وخرج بالصبي البالغ لاستغنائه عن الحفظ، ويعتبر المجنون كالصبي وإنما ذكروا الصبي؛ لأنه الغالب (8).

-كفاية الأخيار: اللقيط :كل صبي ضائع لا كافل له ولا فرق بين المميز وغيره، وفي المميز احتمال للإمام ، والمعتمد الأول لاحتياجه إلى التعهد، ويقال له: دعي ومنبوذ،  فقولنا : كل صبي خرج به البالغ لأنه مستغن عن الحضانة والتعهد فلا معنى لأخذه وقولنا ضائع المراد به المنبوذ(9).

تعاريف الفقهاء في الفقه الحنبلي:

- المغني : وهو الطفل المنبوذ، واللقيط بمعنى الملقوط(10).

- زاد المستقنع : وهو طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل(11).

- الروض المربع : لغة: بمعنى ملقوط ،  واصطلاحا : طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أي طرح في شارع أو غيره أو ضل(12).

- منار السبيل: وهو طفل يوجد لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ في شارع أو غيره أو ضل الطريق ما بين ولادته إلى سن التمييز فقط - على الصحيح -(13).

- الإقناع : وهو طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل إلى سن التمييز،  وقيل: والمميز إلى البلوغ وعليه الأكثر(14).

- الإنصاف : وهو الطفل المنبوذ ،قال الحارثي : تعريف  اللقيط  بالمنبوذ يحتاج إلى إضمار لتضاد ما بين اللقط والنبذ ...لأن الطفل قد يكون ضائعا لا منبوذا، ومنهم : من عرفه بأنه الضائع وفيه ما فيه، وقوله الطفل يعني : في الواقع في الغالب وإلا فهو لقيط إلى سن التمييز فقط على الصحيح من المذهب، وقيل : والمميز أيضا إلى البلوغ قال في الفائق : وهو المشهور،قال الزركشي : هذا المذهب قال في التلخيص : والمختار عند أصحابنا : أن المميز يكون لقيطا(15).

التعريف المختار:

اللقيط: هو طفل حديث الولادة نبذه أهله ، أو صغير ضائع، سواء كان ذكرا أو أنثى .   

مسألة: عمر اللقيط:  

من التعاريف السابقة للقيط يتضح أن عمر اللقيط عند أصحاب المذاهب كالتالي:

- عند الحنفية: أن النبذ يكون بعد الولادة، وذلك لعلة: الفقر، أو تهمة الزنا.

- عند المالكية: أنه الصغير إلى وقت البلوغ .

- عند الشافعية: أن النبذ يكون للصغير سواء كان مميزا أو غير مميز، قال الرملي : يجوز التقاط الصبي المميز لأن فيه حفظا له (16). 

- عند الحنابلة: أنه الطفل إلى سن التمييز ، وقيل إلى البلوغ، وهو الصحيح عندهم حتى أنهم قالوا: إذا التقط رجل وامرأة معا من له أكثر من سبع سنين : أقرع بينهما ولم يخير بخلاف الأبوين(17).

والذي يظهر – والله أعلم – :  أن اللقيط يكون عمره ما بين ولادته إلى البلوغ .

مسألة : الفرق بين اللقيط واللقطة:

يفارق اللقيط اللقطة من حيث: التعريف ، الاختصاص ، حكم الرفع ، الإشهاد، فالتعريف قد تقدم، وأما الاختصاص: فاللقيط: اختص بالآدمي، واللقطة: بالمال، وأما حكم الرفع: فاللقطة لا يجب التقاطها بخلاف اللقيط، وأما الإشهاد: فينبغي الإشهاد على اللقيط بخلاف اللقطة(18).

ثانيا: حكم رفع اللقيط:

قال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام: ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعه، ورفع اللقيط أفضل من تركه(19).

- عند الحنفية : أن التقاطه أمر مندوب، وذلك:

·   لما في إحرازه من إحياء النفس فإنه على شرف الهلاك وإحياء الحي بدفع سبب الهلاك عنه، قال تعالى  :﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً   [المائدة:32] .

·       ولما في تركه من ترك الترحم على الصغار قال - صلى الله عليه وسلم- :" من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا"(20).

·   وفي رفعه إظهار الشفقة وهذا من أفضل الأعمال بعد الإيمان،  والدليل ما روي عن الحسن البصري :" أن رجلا التقط لقيطا فأتى به عليا - رضي الله تعالى عنه – فقال: هو حر ولأن أكون وليت من أمره مثل الذي وليت منه أحب إلى من كذا وكذا " فقد استحب علي - رضي الله عنه - مع جلالة قدره أن يكون هو الملتقط له فدل على أن رفعه أفضل من تركه.

- فإن قيل ؟ ما معنى هذا الكلام وكان متمكنا- أي الإمام علي-  من أخذه بولاية الإمامة !

والجواب أن إحياءه كان في التقاطه حين كان على شرف الهلاك ولا يحصل ذلك بالأخذ منه بعد ما ظهر له حافظ ومتعهد فلهذا استحب ذلك مع أنه لا ينبغي للإمام أن يأخذه من الملتقط إلا بسبب يوجب ذلك لأن يده سبقت إليه فهو أحق به باعتبار يده(21).

فقد رغب الإمام علي – رضي الله عنه- في الالتقاط و بالغ في الترغيب فيه حيث فضله على جملة من أعمال الخير على المبالغة في الندب إليه و لأنه نفس لا حافظ لها بل هي في مضيعة فكان التقاطها إحياء لها معنى ، فالالتقاط مندوب إلا إذا غلب على ظنه ضياعه إن لم يلتقطه فواجب(22).

- عند الجمهور(23) :أن التقاطه فرض على الكفاية، فإذا قام به واحد سقط فرضه عن الباقين ، وان لم يقم به أحد أثموا جميعا ، هذا مع علمهم به ،وان لم يعلم به إلا واحد لزمه أخذه .

- في المدونة الكبرى: أن التقاطه من فروض الكفايات (24).

- في مغني المحتاج : وأخذه فرض كفاية:

·   لقوله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً   [المائدة:32]، إذ بإحيائها يسقط الحرج عن الناس فإحياؤهم بالنجاة من العذاب.

·   ولأنه آدمي محترم فوجب حفظه كالمضطر إلى طعام غيره بل أولى لأن البالغ العاقل ربما احتال لنفسه فلو لم يعلم بالمنبوذ إلا واحد لزمه أخذه فلو لم يلتقطه حتى علم به غيره فهل يجب عليهما كما لو علما معا أو على الأول فقط أبدى ابن الرفعة فيه احتمالين قال السبكي والذي يجب القطع به أنه يجب عليهما(25).

- في متن أبي شجاع: وإذا وجد لقيط بقارعة الطريق فأخذه وتربيته وكفالته واجبة على الكفاية(26).

- في كفاية الأخيار: فأخذ اللقيط فرض كفاية لقوله تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2]، ولأنه آدمي له حرمة فوجب حفظه بالتربية وإصلاح حاله كالمضطر وهذا أولى، لأن البالغ ربما احتال لنفسه، فإن التقط من هو أهل للحضانة سقط الإثم وإلا أثم وعصى كل من علم به من أهل تلك الناحية بإضاعة نفس محترمة(27).

وفي كتب المذهب الحنبلي: أن التقاطه فرض كفاية، لقول الله تعالى : ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2]، ولأن فيه إحياء نفسه فكان واجبا كإطعامه إذا اضطر وإنجائه من الغرق، ووجوبه على الكفاية إذا قام به واحد سقط عن الباقين فإن تركه الجماعة أثموا كلهم إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه(28).

ثالثا: الإشهاد على اللقيط:

ينبغي للملتقط أن يشهد على التقاطه، وأن يعلن عن ذلك بكل وسيلة ممكنة ، والسبب:

·       أن يصل خبره إلى أهله إن كان قد ضاع منهم، لان القصد حفظ النسب .

·       الخوف من أن يسترقه، لان الأصل الحرية . 

·       استحقاق الإنفاق عليه من مال اللقيط، أومن بيت المال،  وعدم ضمانه بدون خلاف.

ولقد اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على اللقيط إلى قولين :

القول الأول: قول للحنابلة- وهو عند الأكثر- ، وقول للمالكية :أنه مسنون ومستحب .

- في الروض المربع : ويسن الإشهاد عليه(29).

- في الإقناع : ويستحب للملتقط الإشهاد عليه وعلى ما معه(30).

- في شرح منتهى الإرادات :وكذا لقيط يسن لمن وجده إن يشهد على وجدانه لئلا يسترقه(31).

- في الكافي في فقه ابن حنبل : وفي الإشهاد عليه وجهان :

أحدهما : لا يجب كما لا يجب في اللقطة.

والثاني : يجب لأن القصد به حفظ النسب والحرية فوجب كالإشهاد في النكاح(32).

- في الشرح الكبير : وهل يجب الإشهاد عليه ؟ فيه وجهان : أحدهما : لا يجب كما لا يجب الإشهاد في اللقطة، والثاني : يجب لأن القصد بالإشهاد حفظ النسب والحرية فاختص بوجوب الشهادة كالنكاح وفارق اللقطة فإن المقصود منها حفظ المال فلم يجب الإشهاد فيها كالبيع(33). 

- في المدونة الكبرى: وفي وجوب الإشهاد عليه خيفة الاسترقاق خلاف، والخلاف فيه مبني على الاختلاف في الإشهاد على اللقطة(34) .

- في عمدة القاري: يجوز الالتقاط وإن لم يشهد(35).

القول الثاني: الشافعية وقول للمالكية وقول للحنابلة: أن الإشهاد واجب لأنه يحفظ به النسب، ولخشية الاسترقاق(36).

- في المهذب: و يجب الإشهاد على اللقيط لأنه يحفظ به النسب فوجب الإشهاد عليه كالنكاح(37).

- في مغني المحتاج: ويجب الإشهاد عليه أي التقاطه في الأصح وإن كان ظاهر العدالة خوفا من أن يسترقه، والثاني لا يجب اعتمادا على الأمانة كاللقطة، وأجاب الأول بأن الغرض منها: المال والإشهاد في التصرف المالي مستحب، ومن اللقيط: حريته ونسبه فوجب الإشهاد كما في النكاح، وبأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريف في اللقيط، ويجب الإشهاد أيضا على ما معه تبعا له، وقيد الماوردي وجوب الإشهاد عليه وعلى ما معه بالملتقط بنفسه أما من سلمه الحاكم له فالإشهاد مستحب له فقط قال شيخنا وهو ظاهر(38).

- في كفاية الأخيار:أن عليه أن يأتي باللقيط إلى الإمام، ولو لم يكن حاكم فليشهد فإذا أنفق بلا إشهاد ضمن لتركه الاحتياط، وقيل: لا يضمن فإن  أشهد لم يضمن على الأصح(39).   

وتقدم كلام المالكية والحنابلة في القول بوجوب الإشهاد على اللقيط، والذي يظهر - والله أعلم- : هو القول الثاني القائل بالوجوب، وذلك: لحفظ النسب ، ولخشية الاسترقاق، مع ضرورة الإعلان عنه حتى يسمع أهله به إن كان قد ضاع منهم .

رابعا: شروط الملتقط:

1- مسلما(40) :

فلا ولاية لكافر على مسلم ، فإن كان الملتقط كافرا واللقيط محكوم بإسلامه فينزع من الكافر ويسلم إلى يد مسلم حافظ أمين، فلا يلتقط الكافر الصبي المسلم لأن الالتقاط ولاية، فللكافر أن يلتقط الطفل الكافر لأن الكفار بعضهم أولياء بعض ، وأما المسلم فله التقاط الطفل المحكوم بكفره لأنه من أهل الولاية عليه.

2- مكلفا(41) :

أي بالغا عاقلا: فلا يصح التقاط الصبي والمجنون، وغير المكلف لا يلي أمر نفسه فغيره أولى.

3- حرا (42):

 فلا يلتقط العبد لأن الالتقاط ولاية، فإن التقط انتزع منه إلا أن يأذن السيد له أو يقره الحاكم في يده .

4- عدلا أمينا(43):

 فليس للفاسق الالتقاط، فلو التقط انتزع من يده لأنه لا يؤمن أن يسترقه، فالفاسق لا يقر في يده، أما مستور الحال فيقر في يده ، وحكمه حكم العدل الأمين ، ولأن الأصل العدالة، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- :" المسلمون عدول بعضهم على بعض" (44) ، لكن لو أراد السفر به : فهل يقر بيده ؟ فيه وجهان(45).

5- رشيدا(46) :  

فالمبذر المحجور عليه لا يقر في يده.

مسألة: في بقية الشروط: ولا يشترط في الالتقاط الذكورة بلا خلاف، ولا الغني على الصحيح لأنه لا يلزمه نفقته، نعم يجب عليه رعايته بما يحفظه(47).

تأكيد هذه الشروط عند أصحاب المذاهب:

-       في المدونة الكبرى :والملتقط : هو كل حر عدل رشيد وليس العبد والمكاتب بملتقط وينزع من يد الفاسق والمبذر(48).

    -  في المذهب الحنبلي : فإن كان الملتقط أمينا حرا مسلما أقر في يده لحديث عمر -رضي الله عنه- ولأنه لا بد له من كافل والملتقط أحق للسبق(49)، وأولى الناس بحضانته : واجده الأمين(50)، والأحق بحضانته واجده لما تقدم عن عمر ولسبقه إليه فكان أولى به إن كان حرا مكلفا رشيدا لأن منافع القن مستحقة لسيده فلا يذهبها في غير نفعه إلا بإذنه وكذا السفيه أمينا عدلا ولو ظاهرا كولاية النكاح(51)، وأولى الناس بحضانته وحفظ ماله واجده أن كان أمينا مكلفا رشيدا حرا عدلا ولو ظاهرا(52)، وحضانته لواجده الأمين لأن عمر أقر اللقيط في يد أبي جميلة حين قال له عريفه : إنه رجل صالح(53)، ولا يقر بيد صبي ومجنون وسفيه وفاسق ولا بيد رقيق بلا إذن سيده، وليس له التقاطه بغير إذن سيده إلا أن يجد من يلتقطه لأنه تخليص له من الهلكة، فإن إذن له سيده فهو نائبه والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه والمكاتب ومن بعضه حر كالقن(54) ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به "(55)، قال في الفائق : وتشترط العدالة في أصح الروايتين، وجزم باشتراط الأمانة في الملتقط في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة، وقطع في الوجيز و المحرر : أنه لا يقرر بيد فاسق(56) .

مسألة: الملتقط أحق من غيره بإمساك اللقيط :

الملتقط الذي توفرت فيه الشروط أحق من غيره بإمساك اللقيط، فليس لغيره الحق في انتزاعه من يده

لأنه كان سببا في إحيائه بالتقاطه حين كان على شرف الهلاك، فلا ينبغي للإمام أو غيره أن يأخذه من الملتقط إلا بسبب يوجب ذلك، ولأنه مباح والمباح يكون لمن سبقت يده إليه(57)، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :  " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" (58).  

 

 إعداد وجمع: يونس عبد الرب فاضل الطلول

مراجعة : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي


(1) فتح الباري لابن حجر 1/192 .

(2) عون المعبود 8/82 .

(3) انظر:المبسوط 6/146 .

(4) انظر:اللباب في شرح الكتاب 2/55 .

(5) انظر:بدائع الصنائع 5/290 .

(6) انظر:المدونة الكبرى 4/263 ، بداية المجتهد 1/1117 .

(7) انظر مغني المحتاج 2/417 .

(8) انظر: مغني المحتاج 2/417 .

(9) انظر: كفاية الأخيار 1/431 .

 (10)انظر: المغني 6/403 وانظر: الكافي في فقه الإمام أحمد ابن حنبل 2/203 ، وانظر: العدة شرح العمدة 1/259 .

(11) زاد المستقنع 1/450 .

(12) الروض المربع 1/450 .

(13) منار السبيل 1/325 .

(14) الإقناع 2/405 .

 (15)انظر: الإنصاف 6/432 بتصرف .

(16) نهاية المحتاج 5/8445 .

 (17)الإنصاف 6/432 .

(18) المدونة الكبرى 4/263 ، اللباب في شرح الكتاب 2/57 ، مغني المحتاج 2/417 ، المغني 6/403 ، المهذب 2/303 .

 (19)عمدة القاري 2/111 .

(20) أخرجه أبو داود 2/703، برقم 4943، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته 1 / 1149، برقم 11486.

 (21)انظر: المبسوط 6/146 .

(22)انظر: بدائع الصنائع 5/291 ، الهداية 4/417 ، الدر المختار 4/274 .

 (23)انظر: المدونة الكبرى 4/263 ، مغني المحتاج 2/417 ، متن أبي شجاع 1/192 ، اللباب في شرح الكتاب 2/57 ، كفاية الأخيار 1/431 ، المغني 6/403 ، الكافي في فقه ابن حنبل 2/203 ، زاد المستقنع 1/450 ، الروض المربع 1/450 ، منار السبيل 1/325 ، الإقناع 2/405 .

(24) المدونة الكبرى 4/263 .

(25) مغني المحتاج 2/417 .

(26) متن أبي شجاع 1/192 .

(27) كفاية الأخيار 1/431 .

(28)انظر: المغني 6/403 ، الكافي في فقه ابن حنبل 2/203 ، زاد المستقنع 1/450 ، الروض المربع 1/450 ، منار السبيل 1/325 ، الإقناع 2/405 .

(29) الروض المربع 1/450 .

(30) الإقناع 2/405 .

(31) شرح منتهى الإرادات 2/383 .

(32) الكافي في فقه ابن حنبل 2/203 .

(33) الشرح الكبير 6/407 .

(34) المدونة الكبرى 4/263 .

(35) عمدة القاري 13/237 .

(36) المهذب 2/303 ، مغني المحتاج 2/417 ، كفاية الأخيار 1/431 ، المدونة الكبرى 4/263 ، الكافي في فقه ابن حنبل 2/203 ، الشرح الكبير 6/407 .

(37) المهذب 2/303 بتصرف .

(38) مغني المحتاج 2/417 .

(39) كفاية الأخيار 1/431 .

(40) انظر: كفاية الأخيار 1/431 ، المدونة الكبرى 4/263 ، الإقناع 2/405 .

(41) انظر: منار السبيل 1/235 ، كفاية الأخيار 1/431 ، الإقناع 2/405 .

 (42)انظر:كفاية الأخيار 1/431 ، المدونة الكبرى 4/263 ، الإقناع 2/405 .

 (43)انظر: كفاية الأخيار 1/431 ، الإقناع 2/405، المدونة الكبرى 4/263، الكافي في فقه ابن حنبل 2/203 ، الإنصاف 6/438.

(44) انظر: المغني 5/688 ، مغني المحتاج 2/418 .

(45) الإنصاف 6/438 .

(46) انظر: كفاية الأخيار 1/431 ، المدونة الكبرى 4/263 ، منار السبيل 1/235 .

(47) كفاية الأخيار 1/431 ، المدونة الكبرى 4/263 .

(48) المدونة الكبرى 4/263 .

(49) الكافي في فقه ابن حنبل 2/203 .

(50) الإنصاف 6/438 .

(51) انظر: الشرح الكبير 6/407 ، منار السبيل 1/235 .

(52) الإقناع 2/405 .

(53) الروض المربع 1/450 .

(54) انظر: الإقناع 2/405 ، الإنصاف 6/439 .

(55) أخرجه أبو داود  2/ 194، برقم 3071، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود 1/310 برقم 672.

(56) الإنصاف 6/438

(57) انظر: المفصل في أحكام المرأة، للدكتور/ عبد الكريم زيدان- حفظه الله  9/420 .

(58) تقدم تخريجه .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم الخلوة بالأجنبية والأحكام الفقهية في ذلك
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد:

لقد جاء الإسلام لحفظ الضروريات الخمس ومنها حفظ النسل فصان العرض وحماه بمنع اختلاط الأنساب ومنع الفاحشة المؤدية إلى ذلك فقال سبحانه: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ [الإسراء:32] .

ولما كان للزنا وسائله وذرائعه فقد حرم كل وسيلة موصلة إليه باعتبار أن المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها فالطرق والأسباب نقد تابعة لها في الحرمة فوسائل الحرمات والمعاصي يكون حكمه في المنع والكراهية بحسب إفضائها إلى غاياتها فإذا حرم الله تعالى شيئاً فإنه يحرم طرقه ووسائله التي تفضي إليه وذلك سداً للذرائع المفضية إلى المحارم ومن هذه الذرائع ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، من تحريم الخلوة بالأجنبية ومن في حكمها ولو في إقرار القرآن والسفر بها ولون في الحج وذلك سداً لذريعة ما يخشى منه من الوقوع في الفتنة وحسماً لمادة وسائل الفساد ودفعاً لها متى ما كان الفعل وسيلة للمفسدة وإن كان فيها سالماً من فترة من الفترات.

ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم لرأينا أن النساء المصاحبات لمحارمهن أكثر حشمة ووقاراً، بل تمتنع نظرات الغير من متابعتهن فضلاً عن ملاحقتهن ومطاردتهن، بخلاف النساء اللاتي يتجولن في الأسواق بدون محارم .

ومن أجل ذلك فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خروج المرأة أو سفرها بدون محرم بقوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها"  (1) .

فالمحافظة على أعراض المسلمين من الأمور التي جاءت الشريعة لتحقيقها ولقد سد باب الذرائع الموصلة لانتهاكها، فالوسيلة الموصلة إلى الحرام تعتبر حراماً، إذ للوسائل حكم الغايات، والخلوة بالمرأة الأجنبية هو ومن في حكمها يعد من الأمور المحرمة: لأنها تفضي إلى الوقوع في الحرام.

ولقد تحدثت في الفصل الأول : عن أحكام الخلوة بالمرأة الأجنبية وأنها تشمل الخلوة لغرض التعليم، والعلاج، وبينت المراد بالمرأة الأجنبية، وهل المرأة الكبيرة تعد في حكم الأجنبية؟ وبينت الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالأجنبية، وحكم خلو الرجل بأكثر من امرأة أو العكس.

وتحدثت في الفصل الثاني: عن أنواع الخلوات وأنها تشمل ، خلوة المرأة بمملوكها والسفر معه، وبينت حكم الخلوة بإماء الغير، وهل تصح الخلوة بالمرأة المطلقة ثلاثاً، وبينت حكم الخلوة بالخنثى المشكل والسفر معه بعد أن ذكرت آراء العلماء في ذلك وسند كل منهم .وتحدثت في الفصل الثالث: عن حكم السفر بالمرأة الأجنبية وبينت الأدلة الشرعية الصحيحة على حرمة الخلوة وأن هذه الحرمة تشمل السفر والحضر ولا فرق بين ذلك في حج وغيره.

وتحدثت في الفصل الرابع: أن الخلوة مشروعة بالزوجة وذوات المحارم فتصح الخلوة والسفر بأي منهم، وأوضحت أثر الخلوة بالزوجة على استحقاق المهر والعدة وكما بينت حرمة الخلوة بالمطلقة ثلاثاً لأنها تعتبر في حكم الأجنبية 

خطة البحث :قد قسمت البحث إلى مقدمة و أربعة فصول وخاتمة

الفصل الأول : أحكام الخلوة بالمرأة الأجنبية وأدلتها الشرعية .

البحث الأول : تعريف الخلوة بالمرأة الأجنبية .

المبحث الثاني: الخلوة بالأجنبية   

المطلب الأول: المراد بالمرأة الأجنبية .

المطلب الثاني: حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية .

المطلب الثالث: الخلوة لغرض التعليم والعلاج.

المطلب الرابع: الخلوة بالمرأة الكبيرة.

المطلب الخامس: خلوة الرجل بأكثر من امرأة أو العكس.

المبحث الثالث : الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالأجنبية.

الفصل الثاني : الخلوات وأنواعها

المبحث الأول : خلوة المرأة بمملوكها والسفر معه

المبحث الثاني: الخلوة بإماء الغير.

المبحث الثالث: الخلوة بالمرأة المطلقة ثلاثاً.

المبحث الرابع: الخلوة بالخنثى المشكل والسفر معه.

الفصل الثالث: حكم السفر بالمرأة الأجنبية .

الفصل الرابع: الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

المبحث الأول : حكم الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

المبحث الثاني : حكم مباشرة  الزوجة من غير خلوة .

المبحث الثالث: أثر الخلوة بالزوجة على المهر والعدة.

المبحث الرابع: أثر الخلوة بالمطلقة طلاقاً رجعياً على الرجعة.

الخاتمة: أهم محتويات البحث.

 

الفصل الأول

أحكام الخلوة بالمرأة الأجنبية

المبحث الأول

تعريف الخلوة بالمرأة الأجنبية

 

الخلوة في اللغة: يقال خلا المكان والشيء إذا لم يكن فيه أحد  ، ويقال: خلا الرجل إذا وقع في موضع لا يزاحم فيه ، كما يقال: أخل بأمرك أي تفرد به وتفرغ له، وخلا الرجل بصاحبه وإليه ومعه ، والخلوة الاجتماع معه في خلوة قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ [البقرة:14]، ويقول الرجل للرجل: أخل معي حتى أكلمك أي كن معي خالي(2)  والخلوة مكان الانفراد بالنفس أو بغيره(3) .

والخلوة الصحيحة في الفقه: إغلاق الرجل الباب على زوجته وانفراده بها: (الخلوة هي التي تكون في البيوت أما الخلوة في الطرقات فلا تعد من ذلك) (4). ويدخل في ذلك حكم البيوت كل مكان فيه مانع لدخول الغير .

 

المبحث الثاني

الخلوة بالأجنبية

المطلب الأول

المراد بالمرأة الأجنبية

 

المرأة الأجنبية : هي من ليست بزوجة ولا ذات قرابة محرمة للنكاح بسبب مباح أو نسب. ولذلك نرى العلماء جعلوا زوجة الأخ في حكم الأجنبية(5). وكذلك بنت الزنا سواء كانت من مائه أو من ماء غيره، والمخطوبة تعد هي الأخرى في حكم الأجنبية، فلا تصح الخلوة بهن لعدم المحرمية، والمخطوبة لم يرد الشرع إلا بحل النظر إليها. أما الخلوة بها فبقيت على التحريم، لأنه لا يؤمن مع الخلوة وقوع المحظور، لاسيما في زمن يقل فيه وازع الإيمان والدين ، ويكثر فيه الفساد. ولقد حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليست معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان"(6).

ومما يعد أيضا في حكم الأجنبيات بنات العم، وبنات الخال، فلا يحل لأي مما مضى الخلوة بهن، أو الدخول عليهن، إلا إذا دخل مع غيره من المحارم من غير خلوة ولا ريبة(7).

 

المطلب الثاني

حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية  

 

اتفق جميع الفقهاء على حرمة خلو الرجل بمرأة ليست له زوجة، ولا ذات رحم محرم، وهذه الحرمة على الإطلاق، سواء أمنت الفتنة أم لم تؤمن، وسواء وجدت العدالة أو لم توجد(8). (ويحتسب على الرجل والمرأة إذا كانا في خلوة وكانا أجنبيين:.. إلا إذا كان له على المرأة حق، فله أن يلازمها ويجلس معها، ويقبض على ثيابها، وهذا ليس بحرام، فإن هربت، ودخلت الخربة فأراد الرجل أن يدخل تلك الخربة لا بأس به، إذا كان الرجل يأمن على نفسه من ذلك، فيكون بعيداً عنها يحفظها بعينه، لأن هذه الخلوة ضرورة) وقد أوجب العلماء نهي النساء عن اجتماعهن مع الرجال اجتماع ملاصقة، لأن ذلك كله محرم  ، وأطلقوا حرمة الخلوة مع الشهوة فحرموا الخلوة بكل حيوان يشتهي المرأة وتشتهيه كالقرد) والخلوة بشهوة لرجل مع رجل أو امرأة مع امرأة (9).ومن ذلك حرموا خلوة النساء بعضهن ببعض إذا خيف عليهن المساحقة(10).   

 

المطلب الثالث

الخلوة لغرض التعليم والعلاج

 

طلب العلم يعد من الأمور المشروعة لكن إذا صاحبة أمر محرم، لا لذاته، وإنما للأمر المحرم المصاحب له. ولذا نرى العلماء من المالكية يرون حرمة مباشرة الرجال للنساء لغرض تعليمهن، وقالوا: إن مسئولية تعليم البنت على أبيها ثم على زوجها ولا يجوز لهما إنابة الأجنبي في ذلك، لأن مثل هذه الإنابة لا تصح مطلقاً، ولا يعني هذا منعهن من سؤال العلماء فالسؤال جائز لكن من وراء حجاب كما أمر الله تعالى، فالعالم لا بأس أن تأتيه الأجنبية إلى منزله، فتسأله بمحضر زوجته أو ابنته فيجيبها بما عنده، وهو يكف بصره عن النظر إليها بشرط أن لا يسمع منها إلا ما لسماعه ضرورة من حديثها، ويرى الشافعية حرمة الخلوة بالأجنبية لغرض التعليم مع الشهوة مطلقاً وإن وجد محرم وأجازوها بوجود محرم إذا أمنت الفتنة(11).

أما الخلوة للعلاج فحرم عندهم، إذ قالوا بعدم جواز الخلوة بالمرأة للعلاج إلا بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة على القول الراجح عندهم بجواز الخلوة بالأجنبي بمرأتين(12).

والحنابلة، منعوا الخلوة بالمرأة لغرض التعليم أو العلاج إلا بحضور محرم أو زوج لأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور لما ورد مرفوعاً من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم فإن ثالثهما الشيطان"  ومما مضى نعلم أن الفقهاء قرروا حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية لغرض التعليم والعلاج غير أن الشافعية أجازوا الخلوة لأجل التعليم لأكثر من امرأة إذا أمنت الفتنة.

  

 

المطلب الرابع

الخلوة بالمرأة الكبيرة

 

ذهب الحنفية إلى أن العجوز الشوهاء تعد في حكم الأجنبية فيحرم على الرجل الشاب الخلو بها كما يحرم على غيره(13).

وبهذا قال الشافعية فلم يعتبروا الجمال، لأن الطبع يميل إليها فضبط التحريم بالأنوثة(14) ، وهو القول الصحيح عند الحنابلة. إذ قالوا بحرمة الخلوة بالأجنبية ولو كانت عجوز شوهاء(15)

أما المالكية فيرون خلوة الشيخ الهرم بالمرأة الشابة أو المتجالة(16) ، وكذلك خلوة الشاب بالمرأة المتجالة(17) وهذا هو القول الثاني عند الحنابلة(18).

وضبط حرمة الخلوة بالأجنبية أولى لانضباط العلة فهي لا تختلف باختلاف محالها، ومن السهل التحقق من وجودها، أما الجمال فلا يمكن ضبطه لاختلافه باختلاف الأحوال والأشخاص بل ويختلف في نظرة الناس، باعتبار هذا إجمالاً أو ليس بجمال فالجميل قد يكون عند البعض قبيحاً ، والقبيح قد يكون عند الآخر جميلاً ، وكما يقال لكل ساقطة من الحي لاقطة.

 

المطلب الخامس

خلوة المرأة بأكثر من رجل والعكس

 

ذهب الحنفية إلى حرمة خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية وإن كان معها أخرى.

وفي إمامة البحر عن الإسيجاتي (ويكره أن يؤم النساء في بيت وليس معهن رجل ولا محرم، ولا امرأة هو محرم لها) فعلة الكراهة التحريمية هي الخلوة وهذا النص يفيد أن الخلوة لا تنتفي بوجود امرأة أخرى ولا تعتبر من محارم الرجل مما يدل على عدم صحة خلوة الرجل بالمرأة إذا لم يوجد معها امرأة ثقة(19) ، ومنع الشافعية الخلوة بالمرأة إذا لم يوجد معها امرأة ثقة(20) ، وعند الحنابلة يحرم خلوة الرجل مع عدد من النساء ، وأجاز المالكية خلوة الرجل بالمرأتين .

وقيد الشافعية الجواز يكون مع الرجل امرأة ثقة فقالوا بجواز الخلوة للعلاج ونحوه لأن المرأة تستحي من الأخرى، فلا تمكن من نفسها بحضرة غيرها، فاستحياؤها أكثر من استحياء الرجل، بشرط أن تكون المرأة ثقة، فالمرأة قد لا تستحي من غير الثقة فإذا لم يكن ثقات فلا تصح الخلوة.

والجواز قول عند الحنفية إذا وجدت امرأة ثقة، وعلى القول باشتراط المرأة الثقة لإباحة الخلوة لابد من شرطين آخرين:

أ ـ الحاجة لهذه الخلوة فإن لم توجد حاجة فلا تصح.

ب ـ تعذر وجود المحرم بسبب مشروع وإلا فالقول بالحرمة المطلقة أولى.

 

المبحث الثالث

الأدلة الشرعية لتحريم الخلوة بالأجنبية

 

ومما سبق يتبين تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية باتفاق المسلمين وقد دلت على ذلك النصوص الشرعية ومنها:

1 ـ ما ورد عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس لها محرم فإن ثالثهما الشيطان"   في هذا الحديث بيان أن من مقتضى الإيمان عدم الخلوة بالأجنبية، لاسيما وأن في الخلوة مشاركة للشيطان في هذا الاجتماع، وهو لا يوجد إلا ليوقع في الحرام، مما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية.

2 ـ عن جابر رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا لا يبتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم" (21) ففي هذا الحديث نهى عن المبيت عند امرأة أجنبية والمبيت يقتضي الخلوة مما يدل على حرمة الخلوة بالأجنبية.

3 ـ عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والدخول على النساء ،فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت"(22)  

ففي هذا الحديث نهي عن الدخول عن النساء والدخول يعني الخلوة بهن والنهي يقتضي التحريم، ومما يدل على حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية ، دخول الحمو (23)  عليها يفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه فقد بالغ الإمام مالك في هذا الباب حتى منع ما يجر إلى التهم كخلوة امرأة بابن زوجها، وإن كانت جائزة، والخوف من الحمو بهذا النهي جاء لأن الخوف من الحمو أكثر من غيره والشر يتوقع منه؛ ولأن الأصل كلما كان سبباً للفتنة ينبغي حسم مادته، وسد ذريعته ودفع ما يفضي إليه إذا لم يكن منه مصلحة راجحة(24).

 

 

الفصل الثاني

أنواع الخلوات

المبحث الأول

خلوة المرأة بمملوكها والسفر معه

 

ذهبت الحنفية والحنابلة إلى أن المملوك لا يصح أن يكون محرماً لها في السفر (25) ، ولا يعد من المحارم في ذلك (26) ، سواء كان فحلاً أو مجبوباً أو خصياً (27) ، وذهب الشافعية إلى أن مملوك المرأة يصح أن يكون محرماً لها على الأصح عند الأكثرين  فله الخلوة بها والمسافرة بها (28)  إن كان ثقة وممسوحاً لم يبق فيه شهوة للنساء والمقصود بذلك الملكية التامة.

واستدل الشافعية بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: ﴿ ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ [النور:31]،  ففي هذه الآية ذكر سبحانه المملوك مع ذوي المحارم والأرحام في إباحة النظر مما يدل على أنه يأخذ حكمهم في الخلوة أيضاً (29) .

2 ـ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها  فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك"  (30).

ففي هذا الحديث السابق دلالة على إباحة النظر مما يدل على حل الخلوة والمسافرة بها ويجاب على الاستدلالين السابقين:

بأن إباحة النظر لا تكفي لحل الخلوة والسفر، لأن النظر أجتيز للحاجة كالشاهد والخاطب وكفيف أولي الإربة فلهم النظر وليس لهم السفر والمحرمية (31).

3 ـ إن المملوك يحرم عليه الزواج بسيدته فكان محرماً كالأقارب (32) ، ويجاب عن ذلك بأن الحرمة المؤقتة هذه لا تقتضي النظرة الطبيعية بدليل السيد مع أمته وبالتالي فلا يؤمن عليها مما يدل على عدم صحة القياس على الأقارب.

واستدل الحنفية والحنابلة بما يلي:

1 ـ بما روى عنه ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سفر المرأة مع عبدها ضيعة" (33) .

ففي هذا الحديث بيان بأن بيان بأن سفر المرأة مع عبدها ضياغ للمرأة، وما يؤدي إلى ضياعها لا يجوز، فإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك دليل على تحريم سفر العبد بسيدته وخلوته بها.

2 ـ أنه لا يحل له أن يستمتع بها كما يفعل السيد وأمته، فزوج الأخت لا يعد لها محرماً فكذلك العبد مع سيدته.

3 ـ أنه لا يعد محرماً لها على التأبيد فله أن يتزوج بها إذا أعتق.

4 ـ أنه غير مأمون عليها لعدم وفرة المحرمية كما هو مع المحارم (34) .

 

المبحث الثاني

الخلوة بإماء الغير

 

ذهبت الحنابلة إلى حرمة خلوة الرجل غير المحرم بأمة غيره، لأنه لا يؤمن عليها، وبهذا قال الحنفية في المختار عنهم (35) .

أما المالكية فجعلوا مدار الحل والحرمة في خلو الرجل بخادم زوجته حسب الأشخاص فإن وثق بنفسه جاز (36) .

وذهبت الحنفية في قول آخر لهم إلى إباحة الخلوة والمسافرة بهن كما في ذوات المحارم واستدلوا لهذه الرواية بما يلي(37):

1ـ أن المولى قد يبعثها في حاجته من بلد إلى بلد ولا تجد محرماً ليسافر معها  ، ويجاب على ذلك بأن بعث المولى ليس حجة شرعية والواجب أن يتقيد بالأحكام الشرعية ولا يبعثها إن كان سيترتب على هذا الكلام محظور.

2 ـ أن جارية المرأة قد تخلوا بزوجها ولا يمنع أحد ذلك  .

ويجاب عن ذلك بأن الأصل كون الخادمة مصاحبة لسيدتها وبالتالي قد لا تتصور خلوة الأمة مع زوج السيدة، لكن أفعال الناس لا تعد حجة شرعية، ولذا الأولى أن لا يكون الرجل في خلوة مع خادمة زوجته .

3 ـ أن سائر الناس لها كذوي المحارم للحرائر ولذا جاز لهم السفر بهن (38)  ويجاب عن ذلك بأن دعوى السفر منازع فيها وسائر الناس ليسوا محارم لهن وتنزيلهم هذه المنزلة بني على غير دليل شرعي.

واستدل الجمهور فيما ذهبوا إليه بما يلي:

1 ـ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم"  .

ففي هذا الحديث نفي حل سفر المرأة بدون محرم والأمة امرأة ونفي الحل يقتضي التحريم مما يدل على حرمة سفر المرأة دون محرم مطلقاً سواء كانت حرة أو أمة.

2 ـ عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان"    

ففي هذا الحديث نهي عن الخلوة بالمرأة مطلقاً، سواء كانت حرة أم أمة. والنهي يقتضي التحريم، مما يدل على حرمة الخلوة بالأمة.

3 ـ أن علة النهي عن الخلوة واحدة سواء في الحرة أم في الأمة وبالتالي لن يؤمن عليها (39) .

4 ـ أن الفسقة الإرواء فسقهم لمن يتورعوا عن ارتكاب الحرام لا سيما إذا كانت الأمة جميلة فاتنة فيبعث الشيطان النفس الأمارة بالسوء لذلك، ولذلك فإن القول المحرم بالخلوة بإماء الغير أو السفر بهن هو الراجح والله أعلم.

 

المبحث الثالث

الخلوة بالمرأة المطلقة ثلاثاً

 

لا يصح  للمطلق طلاقاً بائناً أن يختلي بمطلقته لأنها بمنزلة الأجنبية عنده (40) وفي حالة سكناها عند من يوجبها على الزوج:

فيرى الحنفية أن يكون بينهما سترة واكتفى بالحائل لاعتراف الزوج بالحرمة وإن كان فاسقاً يخاف عليها منه.

وإن جعل القاضي بينهما امرأة ثقة تقدر على الحيلولة فهو حسن لبقاء إمكانية استحياء الرجل من العشيرة، ولإمكان الاستعانة بجماعة المسلمين إذا اعتدى الزوج المطلق (41) .

قال ابن عابدين ومرادهم بالثقة (أن تكون عجوزاً لا يجامع مثلها مع كونها قدرة على الدفع عنها وعن المطلقة)  .

والشافعية يقولون: ليس للزوج مساكنتها ولا مداخلتها، لكن يجوز له مساكنتها إذا كان في الدار محرم لها مميز ذكر أو عند الرجل زوجة أو أنثى أخرى، أو أمة، أو امرأة أجنبية ثقة حذراً من الخلوة .

ويجوز مساكنتها ولو بدون محرم إن كانت المرافق غير متحدة والممر غير مشترك، لأنها والحال هذه في حكم الدارين المتجاوزين    .

والمطلقة ثلاثاً هي في حكم الأجنبية فلا ينبغي لها مساكنة الزوج في داره وإن وجد محرم مميز أو أنثى على ما ذكر وإن اضطرت إلى السكنى عنده لعدم تخصيص سكن محدد لها ولا محرم لها موجود فتعامل كمعاملة الأجنبيات وتسكن مع غيرها من النساء الثقات على أن يمنع الرجل من الدخول عليها في الحالة هذه.

 

المبحث الرابع

الخلوة بالخنثى المشكل والسفر معه

 

ذهبت الحنفية إلى كراهية الخلوة به ممن ليس بمحرم له وهي كراهة تحريم وإلى هذا ذهبت الشافعية (42)  والحنابلة (43) .

قال الحنفية: وإذا خلا الخنثى برجل، فمن الجائز أنه امرأة فتكون هذه خلوة رجل لمرأة أجنبية ، وإذا خلا بامرأة فمن الجائز أنه ذكر خلا بأجنبية، والمراهقة في المنع من هذه الخلوة كالبالغة، لأن المنع لخوف الفتنة.

وقال الشافعية ولا يجوز أن يخلو به أجنبي ولا أجنبية، ولو كان مملوكاً لمرأة (44) .

وقال الحنابلة تحرم الخلوة بالخنثى المشكل لغير محرم من رجل أو امرأة تغليباً لجانب الحظر في أي من الحالتين واستدلوا على حرمة الخلوة به بالحديث الذي روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلو بامرأة ليس معها ذو محرم فإن ثالثهما الشيطان  .

والاحتمال أنه امرأة فحرم خلوة الرجل به والعكس بالعكس.

أما السفر به فعاملوه معاملة المرأة (الأجنبية) فقال الحنفية: لا بأس أن يسافر الخنثى مع محرم من الرجال.

أما الشافعية فقالوا بجواز سفره لحج مع امرأتين، لأنه إذا جاز ذلك للرجل فالخنثى المحتمل للرجولة أو لا ، وليس سفره معهن مضنة الخلوة، بأي منهن على حدة.

أما الحنابلة فسبق أن منعوا السفر للأجنبية بدون محرم ولو مع عدد من النساء ولاحتمال كون الخنثى امرأة فلا يصح سفره بدون محرم .

والأولى منع الخلوة والسفر به بدون محرم وهذا أحوط من القول بالجواز إلا إذا ظهرت علامات تغليب جانب المذكورة فيجوز له السفر بدون محرم.

 

الفصل الثالث

حكم السفر بالمرأة الأجنبية

 

سفر المرأة بدون محرم لها لابد أن يقتضي خلوة الغير بها إما أثناء السفر أو بعده فالسفر مظنة الخلوة وإن سافرت مع عدد من النساء أو الرجال في الطائرة أو القطار أو السيارة لذا يحسن بنا أن نعرف مدى حكم سفر المرأة بدون محرم لها.

ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز للحرة أن تسافر بدون محرم، فسفرها مع غير محرم خلوة محرمة وبهذا قال المالكية (45)  وقيدوا التحريم بالمرأة الشابة أما المتجالة فيجوز لها السفر بدون محرم ومنع الشافعية سفر المرأة بدون محرم لها وبذلك قال الحنابلة (46)  حتى مع الأمن فقالوا يحرم على الجرل بالسفر بأخت زوجته ولو كانت أختها برفقتها مع زوجها ويرى الحنفية لسفر المرأة ثلاثة أيام فما فوقها بدون محرم واختلفت الروايات عندهم فيما دون ذلك.

قال أبو يوسف رحمه الله: أكره لها أن تسافر يوماً بغير محرم وهكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله ، وقال الفقيه أبو جعفر واتفقت الروايات في الثلاث أما دون الثلاث فهو أهون من ذلك (47).

والأولى منع السفر بدون محرم ولو دون الثلاث، لأن الأزمان تتغير فيكثر الفساق وتنتشر الذئاب الآدمية، والمرأة لا بد لها من حصن يحفضها وكيف لها ذلك بدون محرم يمنع عنها الردى وتعدى الفساق.

ولذلك قال الحنفية : لا يجوز للمرأة أن تسافر مع نساء ثقات لخشية وقوع الفتنة معهن لعدم إمكان استعانتهن بالمفازة بأحد من جماعة المسلمين فما دون الثلاث مفازة.

أما سفر المرأة للحج بدون محرم فبعض الحنفية يرى جواز سفر المرأة للحج مع رجال صالحين وأجاز المالكية سفرها بدون محرم للحج خاصة وقالوا إذا لم يكن لها محرم تخرج مع جماعات النساء وقيد بعضهم الجواز أن تكون الرفقة مأمونة وإلا لم يجوز.

وبهذا قال الشافعية فيصح للمرأة أن تسافر للحج مع نساء ثقات بأن بلغت وجمعت صفات العدالة وإن كن إماء، بانقطاع الأطماع باجتماعهن، فلا تكفي مراهقات إلا أن جعل معهن الأمن، وغير الثقات لا يصح أن تسافر معهن للحج لأن الفاسقة لا تألف من منع محرمها بخلاف الرجل وقيل لابد من ثلاث نسوة وقيل يكفي اثنتان غيرها   .

والقول الأخير لا يصح إذ أنه بذهاب واحدة منهن يخشى على الباقية (48) .

وقرر الشافعية أن الواجب عليها الخروج مع واحدة لغرض الحج والعمرة، بل أجازوا خروجها لوحدها إذا تيقنت الأمن وهو محمل الأخبار الدالة على حل سفرها.

أما سفرها لغير فرض الحج فحرام مع النسوة مطلقاً، وإن قصر السفر وإن كانت شوها، إذ لا واجب هنا حتى يفتقر لمصلحة تحصيله الاكتفاء بأدنى مراتب الأمن  .

وأما الحنابلة فيرون حرمة سفر المرأة مع محرمها مطلقاً للحج أو لغيره، فلا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم (49) .

ومن يرى أن المرأة يجوز لها السفر للحج بلا محرم فقد استدل بما يلي:

أولاً: بما روى عن ابن عمر رضي الله عنه (50)  قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما يوجب الحج قال:  الزاد والراحلة" .

قالوا فإذا قدرت المرأة على الاستطاعة وجب أن يلزمها الحج ولو بدون محرم ويتأولون خبر النهي على الأسفار التي هي مقطوعة بها دون السفر الواجب إذ لا يشترط له محرم.

ويجاب عنه ذلك بما يلي:

1-   هذا الحديث قد تكلم فيه فإبراهيم الخوزي ـ وهو أحد رواته متروك الحديث وقد روى ذلك عن طريق الحسن مرسلاً وهو لا يتحجج به عند الشافعي وهو ممن لا يرى اشتراط المحرمية في الحج(51).

2-   أن الحديث في اشتراط الزاد والراحلة خاص بالرجل دون المرأة إذ يشترط للمرأة خروج غيرها معها وهذا لا يشترط في الرجل فجعل ذلك الغير محرماً للمرأة وبينه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المشترطة للمحرمية.

3-   يحتمل أنه أراد اشتراط الزاد والراحلة لوجوب الحج مع كمال بقية الشروط الأخرى، ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان السير وقضاء الدين ونفقة العيال.

واشترط المالكية إمكان الثبوت على الراحلة وهو غير مذكور في الحديث وهذه الشروط ليست واردة لا في الكتاب لا في السنة وإنما شرط المحرمية وارد في السنة فهو أولى بالاشتراط.

4-   لو قدر التعارض فاشتراط الزاد والراحلة عام بما خصص من اشتراط المحرمية.

ثانياً: بما روى عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتوشكن الضعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخالف إلا الله"   .

ففي الحديث هذا إخبار بأن المرأة تسافر للحج من الحيرة إلى البيت ولا محرم معها مما يدل على عدم اشتراطه للحج.

ويجاب عن ذلك: بأن حديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه، ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض ولم يذكر فيه خروج غيرها معها ، وقد اشترطوا هاهنا خروج غيرها معها .

ثالثاً: أنه سفر واجب فلم يشترط له المحرمية كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار وكذا الكافرة إذا أسلمت في دار الحرب فإنه يجب السفر إلى بلاد الإسلام بلا محرم فكذلك الحج .

ويجاب عن ذلك : بأن السفر المسلمة والكافرة إذا أسلمت في بلاد الكفر سفر ضرورة لا يقاس عليها حالة الاختيار ولذلك تخرج منه وحدها ولأنها تدفع ضرراً متيقناً يتحمل الضرر المتوهم، لذا لا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلاً (52) .

ثم لو سلمنا بمساواة جواز سفرها للحج بما ذكروه لجاز لها أن تحج وحدها كما تفعل المسلمة والأسيرة، فإذن لم اشترطوا وجود امرأة ثقة للحج أو جماعة صالحة؟ فلما لم يبح لها في الحج أن تخرج وحدها لا في حج ولا في غيره (53) .

ومما سبق يتبين أن سفر المرأة لوحدها عرضة لفساد دينها خلقها بما قد تتعرض له أثناء الطريق أو الإقامة في البلدان التي تمر عليها ففي السفر مظنة حصول الخلوة فالطائرة قد يحصل بها بعض العطل فتضطر للنزول ومن هنا لا محرم مما قد يجبر الرجل إلى الخلوة بها في الفندق المهيأ للانتظار للركاب.

وفي السفينة قد يدعوها قبطانها أو أحد الركاب في غرفته فتحصل الخلوة لهذا فإن عين المحرمية متابعة ومراقبة دائمة ، والذئب إنما أكل القاصية من الغنم التي لا حارس لها يحرسها ولا حامي يحميها.

وإذا سقط الحج عن المريض والعاجز عن الزاد والراحلة فلئن يسقط عن المرأة التي لم تجد محرماً من باب أولى.

ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم لرأينا أن النساء المصاحبات لمحارمهن أكثر حشمة ووقاراً، بل تتبع نظرات الغير من متابعتهن، فضلاً عن ملاحقتهن ومطاردتهن بخلاف النساء اللاتي يتجولن في الأسواق والشوارع بدون محارم أو مع سائقين من أصحاب الشهوات والقلوب المريضة.

واجتماع النسوة لا يمنع الغير من مضايقتهن ومحاولة تدنيس خلقهن وإيقاعهن فيما منعن منه وإذا كان هذا في الحضر فكيف بالسفر لوحدهن مما يؤكد عدم حل سفر المرأة مع غيرها محرمها من زوج أو قريب مهما كان نوع السفر ومدته.

ويؤيد ما ذهب إليه الحنابلة من الحرمة المطلقة عموم الأدلة الواردة في منع سفر المرأة وحدها سواء أكان لحج أم غيره.

ومنها:

1-   عن أبي سعيد الخدر رضي الله عنه  قال سمعت أربعاً من النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبني قال: " لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم"  (54)  .

2-   عن ابن عباس رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"  (55).

3-  عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر بسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم"   .

4-   عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوماً وليلة إلا مع ذي محرم من أهلها" . 

ففي هذه الأدلة نهي عن سفر المرأة بدون محرم والنهي يقتضي التحريم مما يدل على عدم حل سفر المرأة وحدها مهما كانت مدة السفر ، قال النووي (56) قوله لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم وفي رواية لأبي داود ولا تسافر بريداً والبريد مسيرة نصف يوم.

قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس في النهي عنه عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد.

ولا ينبغي التفريق بين نوع السفر فالحرمة واحدة سواء كان السفر للحج أم لغيره، فالمرأة إذا لم تجد المحرم سقط عنها الحج، لأنه من السيل الذي ذكره الله تعالى.

في قوله ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران:97] ، فإذا لم يكن لها محرم، فلا تستطيع إلى هذا السبيل  .

قال الإمام مالك وأرى أنه يكره خروج المرأة للحج مع ابن زوجها وإن كان ذا محرم منها (57) .

وإذا كان مالك يكره ذلك مع ابن الزوج وهو محرم، فالقول بالحرمة مع الغير مع غير المحرم أولى.

ولا وجه للتفريق بين المرأة الشابة والمتجاهلة لأن مناط النهي للتحريم كما في الأحاديث كونها امرأة وهو وصف منضبط يصلح لأن يكون علة للتحريم بخلاف كونها شابة أو متجاهلة، خاصة وأن بعض النفوس قد تتعلق بالمرأة المتجالة أيضاً فكل ساقطة في الحي لها لاقطة .

ومما يؤيد حرمة سفر المرأة بدون محرم للحج ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما   قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة قال ارجع وحج مع امرأتك" (58).

ففي هذا الحديث دلالة على تقديم الأهم من الأمور المتعارضة، لأنه لما تعارض سفره في الغزو وفي الحج معها رجح الحج معها، لأن الغزو يقوم غيره مقامه بخلاف الحج معها وهذا يدل على أن المحرم لا ينوب عنه جماعة المسلمين الصالحين أو النساء الثقات، وإلا لما أمره صلى الله عليه وسلم بالرجوع عن الجهاد والتخلف عنه لاسيما وأن من يتخلف عنه منافق معلوم النفاق.

 

 

الفصل الرابع

الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

المبحث الأول

حكم الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم

 

يصح للرجل أن يخلو ويسافر بزوجته وذوات محارمه ولهذا قال جميع العلماء   فيصح خلوة الرجل بأي امرأة من وذات محارمه بنسب كالأمهات والجدات وبنات الأخ وبنات الأخت وكل امرأة محرمة عليه بالقرابة على التأبيد والمحرمة بالرضاع أو بالمصاهرة وأن يسافر بهن  (59)  ، وفي الدر المختار: (والخلوة بالمحرم مباحة إلا الأخت رضاعاً والصهرة الشابة) ، وفي حاشية ابن عابدين: (وينبغي لأخ من الرضاع أن لا يخلو بأخته من الرضاع، لأن الغالب هناك الوقوع في الجماع ، قال العلامة البيري: (أن ينبغي معناه الوجوب) (60) ، والمالكية يرون أن لا بأس للرجل أن يسافر بأخته من الرضاع وحكمها حكم ذوي المحارم(61) وهو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ، والصحيح أن الأخت من الرضاع تعد من المحارم لما روي عن عائشة رضي الله عنها  قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"  (62)    

ففي والحديث السابق دلالة على أن القرابة من الرضاع تأخذ حكم القرابة من النسب مما يدل على حل الخلوة والسفر بالأخت من الرضاع غير أنه إن خاف الرجل على نفسه من الخلوة بامرأة ذات محرم ينسب أو نكاح فلا يحل له أن يسافر بها أو يخلو فيها ولا ينبغي للمرأة إن خافت ذلك منة أن تخلو معه في بيت ولا تسافر معه.

قال محمد صاحب أبي حنيفة : (وإن أمن على نفسه فلا بأس أن يسافر بها ويكون محرماً لها وتسافر معه ولا محرم معها غيره، فإن كان يخاف على نفسه فلا يسافرون معها ولا يخلون معها ولا ينبغي لها إن خافت ذلك منه أن يخلو به في بيت ولا تسافر معه، فأما إذا أمنا ذلك أو كان عليه أكبر رأيهما فلا بأس بالخلوة معها والسفر بها).

والبنت المنفية باللعان محرم على نافيها الزواج منها عند الشافعية وتتعدى الحرمة إلى سائر محارمه، ولكن هذا لا يعني حل الخلوة بها فالخلوة محرمة احتياطاً  وقيل يصح عندهم الخلوة والسفر بها (63) .

أما الحنابلة فقالوا: ليست من محارم الرجل وألحقوا بها في الحرمة أم المزنى بها وابنتها وبنت الموطوءة بشبهة وأمنها  .

وكذا قال الشافعية في الموطوءة بشبهة فتحرم على الواطئ أمهاتها وبناتها وتحرم على آبائه وأبنائه تحريماً مؤبداً بالإجماع لتنزيله منزلة عقد النكاح غير أن هذا التحريم لا يحل الخلوة بهن أو المسافرة بهن (64) .

والشافعية يحرمون أي خلوة ولو كانت مع ذي محرم متضمنة وجود الشهوة من أي منهما سواء رجل مع رجل، أو امرأة مع امرأة (65) . 

ودليل مشروعية جواز الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحرم ما يلي:

1-  عن جابر رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان" ، ففي هذا الحديث نهي عن الخلوة بالمرأة من غير ذوات المحارم مما يدل على إباحته في ذوات المحارم.

2-  عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلى ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها" ، ففي هذا الحديث نهي عن سفر المرأة أو أخوها بدون محرم. والنهي يقتضي التحريم مما يدل على جواز سفر المرأة مع محرمها، وبدلالة الاستثناء الوارد في الحديث.

3-  عن جابر رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ببيت إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم" ، ففي الحديث هذا نهي عن المبيت عند الأجنبية لغير الناكح، والمحرم، والإذن لهما يدل على حل خلوتهما، أو أحدهما بها.

فمما سبق نعلم أن الخلوة والسفر بالزوجة وذات المحارم أمر جائز بضوابطه الشرعية كخوف مواقعة المحظور.

 

المبحث الثاني

حكم مباشرة الزوجة من غير خلوة

 

يحرم على الرجل أن جامع أهله في مرأى الغير، بل يتعين عليهما الخلوة (66) وكره المالكية الوطء في ليل في البيت ومعه صغير أو كبير  غير أنه يجوز نوم الرجل مع امرأته بالإجماع بحضرة آخر غير أنه يشترط أن يكون من محارمها (67) .

وقال الحنفية: (لا بأس أن يدخل على الزوجين محارمهما وهما في الفراش من غير وطء باستئذان، ولا يدخلون بغير إذن) وكذا الخادم حين يخلو الرجل بأهله، وكذا الأمة (68)  ، واستدلوا بذلك بما روى عن ابن عباس رضي الله عنه  : " أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها" (69) ، ففي هذا دلالة على إباحة نوم الغير من المحارم مع الزوجين في غير حالة الجماع.

 

المبحث الثالث

أثر الخلوة بالزوجة على المهر والعدة

 

ذهب الحنفية ورواية عن الحنابلة أن الخلوة بالمرأة بعد عقد النكاح عليها يجوز وبعده المهر وحد الخلوة الموجبة لذلك عند الحنفية أن لا يكون هناك مانع يمنع من الوطء طبعاً ولا شرعاً كالمرض وصيام رمضان والحيض فإن وجد فلا خلوة لقيام المانع طبعاً وشرعاً .

وعند الحنابلة كل امرأة فارقت زوجها في الحياة قبل المسيس والخلوة فلا عدة عليها، وإن خلا بها وهو عالم بها وهي مطاوعة فعليها العدة، سواء كان بهما أو بأحدهما مانع من الوطء كالإحرام والصيام والحيض والنفاس والمرض والجب والعنة أو لم يكن ، وهذا هو المذهب مطلقاً سواء كان المانع حسياً أم شرعياً .

وقيل: لا عدة بخلوة مطلقاً وعنه لا عدة بخلوة مع وجود مانع شرعي كالإحرام والصيام والحيض والنفاس   والظهار والإيلاء والاعتكاف.

وحكي عن الإمام الشافعي أن الخلوة بدون مسيس لا توجب المهر والعدة لقوله تعالى:  ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [ البقرة: 237]والمراد بالمسيس الجماع ولأن هذه خلوة خلت عن الإصابة فلا توجب المهر والعدة كالخلوة الفاسدة .

ـ ويستقر المهر كاملاً إذا خلا الرجل بامرأته بشرطين يكون عالماً بوجودها عنده وأن يكون الزوج ممن يطأ مثله وليس عندهما مميز، وهذا هو المذهب.

ـ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ النساء:21]

ـ ففي الآية نهى عن استرداد بشيء من الصداق بعد الخلوة فإن الإقضاء عبارة عن الخلوة، ومنه يسمى المكان الخالي فضاء. وروى الإمام أحمد والأثرم عن زرارة بن أوفى، قال (قضى الخلفاء الراشدون والمهديون أن من أغلق باباً أو أرض شر فقد وجب المهر ووجبت العدة) ولأنها سلمت نفسها التسليم الواجب عليها فاستقر لها المهر والصداق.

 

المبحث الرابع

أثر الخلوة بالمطلقة طلاقاً رجعياً على الرجعة

 

 يرى الحنفية أن الخلوة والمسافرة بالمطلقة طلاقاً رجعياً لا تكون رجعة إلا عند زفر وأبي يوسف ، ويرى المالكية أن المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً يكره للزوج أن يخلو بها أو أن يدخل عليها إلا بإذنها وإن كان لغرض الرجعة، لأن الرجعة لا تكون إلا بالقول (70) ، وذهب الحنابلة إلى أن الرجعية مباحة لزوجها فله السافر بها والخلوة معها غير أن الخلوة لا تعد رجعة وإن كان معها شهوة، لأن تحريم المصاهرة لا يثبت بها وهذا هو الصحيح من المذهب  ، ويرى بعضهم أن الخلوة مع الشهوة تكون رجعة، لأنه محرم من غير الزوجة فأشبه الاستمتاع (71) .

 

 

الخاتمة :

 

ختام هذا البحث اسأل الله العلي القدير أن يكون قد وفقت في هذا البحث والله أسال التوفيق والسداد في عملي ، واطلب من المولى أن يكتب اجر من علمني  ومن ساعدني في أتمامه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.  

 

تأليف : عبد الله محمد عبد الله محمد السادة

مراجعة وتعليق: عبد الوهاب الشرعبي



(1)    أخرجه مسلم ،ج2/977، برقم 1340 .

(2)   لسان العرب ج14/ 237 مادة "خلا" .

(3)   المعجم الوسيط: مادة خلو .

(4)   انظر : الفروع لابن مفلح ج5 /153 .

(5)   انظر : مجموع فتاوى ابن تيمية ج32/9 .

(6)  أخرجه أحمد في مسنده 3/399 ،برقم 14692. 

(7)  انظر: المغني لابن قدامة 6/553 ومجموع فتاوى ابن تيمية ج11/505 .

(8)   انظر: بدائع الصنائع، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ج 32/11 .

(9)   انظر: الإقناع في حل ألفاظ ابن شجاع ج2/121 .

(10)  انظر: إعلام الموقعين ج4/338 . 

(11)   انظر: الإقناع في حل ألفاظ بن شجاع ج2/121 .

(12)   انظر: الإقناع ج2/120 .

(13)   انظر: الإنصاف : 9/314 .

(14)  انظر: فتح الجواد ج 2/71 .

(15)  انظر: الإنصاف ج 9/314 .

(16)   المتجالة هي المرأة المسنة   .

(17)  انظر: الإنصاف ج 9/314 .

(18)   انظر: الإنصاف ج 9/314 .

(19)  انظر: حاشية ابن عابدين ج 6/368 .

(20)  انظر : مغني المحتاج ج3 /133 .

(21)  أخرجه مسلم شرح النووي ج2/ 1086، برقم 715 .

(22)  أخرجه مسلم ج4/1711،برقم 2172.

(23)  الحمو : هو أخو الزوج.

(24)  انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28/380 .

(25)  انظر: مسائل الإمام أحمد ج1/139 مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/111 .

(26)  انظر: الكافي ج3/6  .

(27)  انظر: فيض القدير ج6/150 .

(28)  انظر: مغني المحتاج ج6/190 .

(29)  مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/111 .

(30)  أخرجه أبو داود ج2/ 460، برقم 4106 وصححه الألباني في الإرواء ،ج6/ 206.

(31)  مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/111 .

 (32)انظر: المغني لابن قدامة ج6/557 .

(33)   أخرجه الطبراني ج6/ 368 وضعفه الألباني ،ج1/702،برقم 7012.

(34)  انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ج22/112 .

(35)  انظر: حاشية ابن عابدين ج6/368 .

(36)  انظر: حاشية العدوي ج2/422 .

(37)  انظر: بدائع الصنائع ج5/122 .

(38)  انظر: حاشية ابن العابدين ج6/368 .

(39)  انظر: بداية المجتهد ج2/85 ، مجموع فتاوى ابن تيمية ج32/11 .

(40)  انظر: بداية المجتهد ج2/85   .

(41)  انظر: حاشية ابن عابدين ج6/368 .

(42)  انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج2/122 .

(43)  انظر: الكشاف القناع 5/15 .

(44)  انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج2/122 .

(45)  انظر: الكافي ج2/134 . 

(46)  انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ج28/373 .

(47) انظر: حاشية ابن عابدين ج 6/368 .

(48)  انظر: إعانة الطالبين ج 2/283 .

(49)  انظر: مسائل الإمام أحمد ج1/142 .

(50)  أخرجه الترمذي ،ج5/225، برقم 2998 وضعفه الباني في ضعيف الترمذي ، ج3/ 93، رقم  133.

(51)  انظر: معالم السنن 2/144 .

(52)  انظر: المغني لابن قدامة ج 3/237 -238 .

(53) انظر:  معالم السنن ج2/145 .

(54)  أخرجه البخاري في كتاب الصوم ج 20/249 ومسلم في كتاب الحج.

(55)  أخرجه مسلم في كتاب الحج صحيح مسلم بشرح النووي.

(56)  انظر: النووي في شرحه على صحيح مسلم ج9/103 .

(57)   انظر: شرح الزرقاني على موطأ مالك ج2/402 .

(58)   أخرجه البخاري ، ج3/1114، برقم 2896  .

(59)  انظر: والمبسوط للسرخسي ج30 /49  وبدائع الصنائع ج5/120 .

(60)  انظر: ابن عابدين ج 6/369 .

(61)   انظر: هامش مواهب الجليل ج 1/500 .

(62)   أخرجه البخاري ج2/935، برقم 2502  .

(63)  انظر: الإمتاع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/130 .

(64)  انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/131 .

(65) انظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 2/130 .

(66)  انظر: القوانين الفقهية ص141 والفروع ج 5/324 .

(67)  انظر: الفروع ج5/324 .

(68)  انظر: الفتاوى العقدية ج 5/328 .

(69)  أخرجه البخاري 1/78، برقم 181 .

(70)  انظر: فتح القدير ج 4/16 .

(71)  انظر: الكافي لابن قدامه ج 3/229  والمقنع ج 3/222 ، ومنتهى الإرادات ج  2/313 .

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
حكم النظر إلى الأجنبيات المتبرجات في الوسائل الحديثة
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : -

فقد ظهرت الفتن في زماننا هذا وعمت وانتشرت حتى أصبح الدين غريباً بين أهله ،وساد الجهل وطغى على الناس ، ورغب الناس في الأموال والعيال ، وانصرفوا عن العلم والعلماء ، وتكلم الحمقاء ، وأُسكت الفقهاء ، وتصدر الجهلاء، وضاع الناس في الظلمات والنورُ بين أيديهم، وتسلط الكافرون وتخاذل المسلمون، ورفع النصارى لواء الحرب الصليبية من جديد، ورفع أذنابهم رايات الاستسلام ، وتبعوهم في كل صغيرة وكبيرة حذو القُذة بالقُذة؛ فلا يلِغُون في جيفة إلا وزاحموهم عليها، ولا يتمرغون في قذرة إلا ونافسوهم فيها ، ولا يلِجون في جحور الحيوان إلا ولَجوا وراءهم حتى وصل الحال بالكافرين أنهم يتسافدون تسافد الحيوان في الطرقات ، وسارعوا إلى التبرج والتعري مسارعتهم إلى المأكولات والمشروبات ، وأصبحوا يتسابقون في نشر آخر الصور الثابتة منها والمتحركة بشتى الوسائل والأساليب ؛ سواء كان ذلك عن طريق الصور الفوتغرافية أو الصحف والمجلات أو الفيديو كليب أو القنوات الفضائية أو الديجيتال أو الانترنت أو غيرها من الوسائل الحديثة أو القديمة وتبعهم في ذلك كله أذنابهم من المنافقين ممن لا خلاق له ، ولقد وصل الأمر ببعضهم إلى التجسس على عورة أخيه المسلم وتراه يتصيد غفلته ليقوم بتصوير عوراته ونشرها في هذه الوسائل للنكاية به أو فضيحته أو تشويهه بل ربما لغرض إمتاع المشاهدين بهذه الصور .

وأمر هذه الصور وإن كان واضحاً في حرمتها عند القاصي والداني إلا أني أحببت أن أذكر حكمها ، وأدلة تحريمها خشيةً من أن يطول بالناس الزمان وهم على هذه الحال ؛ فيأتي إليهم شياطينهم فيُفتونهم بأن هذه الصور مباحة ، وأنها جائزة شرعاً ؛ فأقول مستعيناً بالله ، وهو حسبي ونعم الوكيل :

سعى الإسلام في تشريعه إلى الحفاظ على الضروريات الخمس ، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، وشرع لذلك تشريعاً عظيماً مداره على الحفاظ على هذه الخمس لدوام حياة الفرد والجماعة ، وعلى تحسينها وتجميلها لتحقيق الرفاهية ولجريانها على السهولة واليسر بعيداً عن العنت والمشقة ؛ ولذا فإنه حرّم على المرء كل ما يضره وأمره بفعل كل ما ينفعه . ومع ذلك فليس كل ضرر معتبرٌ ، وليست كل مصلحة معتبرةٌ ؛ بل إن المصلحة المعتبرة هي التي حددها الشارع الحكيم وكذلك المفسدة ، حتى لا تكون المصالح والمفاسد مبنية على الأمزجة والأهواء ، وإلا لساد الهرج والمرج ولدبّ الصراع بين الناس ، ومن هنا كان لا بد على العبد إن أراد تحقيق مصلحته أن تكون موافقة لمراد الشارع الحكيم ، ولا بد في درء المفسدة عنه أن تكون موافقة لمراد الشارع أيضاً .

والنظر إلى عورة الأجنبية عموماً - سواء كان مباشرة أو في الوسائل الحديثة من تلفاز أو صور فوتوغرافية أو فيديو كليب أو تصوير حصري أو غيرها من وسائل – هذا النظر لا يخلو من أن يحقق مصلحة أو لا .

فأما أن هذه النظرة قد حققت مصلحة ، فهو غير وارد لأن هذه المصلحة المتوهمة ملغاة ؛ لأنها مصلحة عاجلة حققت نفعاً مؤقتاً للمكلف من إشباع شهوته وإمتاع نظره ولكنها قد عارضتها مفسدة أكبر منها ؛ وهي المعصية التي لحقت العبد بهذه النظرة التي نهى الله عنها ؛ مع ما يعقب ذلك من حسرة وندامة وألم معنوي بالغ يلحقه بسبب تعديه على حدود الله ، قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق :1] ، وقد عُلِم عند من له أدنى معرفة بالشريعة أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، وإذا تعارضت مفسدة في الدنيا مع مفسدة في الآخرة قُدِم درء مفسدة الآخرة .

وأما أن هذه النظرة قد جلبت مفسدة على المكلف فهو أمر واضح لأن الله قد حرمها ، والله لا يحرم إلا ما فيه مفسدة على العبد ، قال القرطبي : (البصر هو الباب الأكبر إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه ، وغضه واجب عن جميع المحرمات ، وكل ما يخشى الفتنة من أجله ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - " إياكم والجلوس على الطرقات " فقالوا : يا رسول الله مالنا من مجالسنا بُدٌ نتحدث فيها . فقال " فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه " قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله . قال " غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " رواه أبو سعيد الخدري خرجه البخاري ومسلم (1)، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعلي " لا تتبع النظرةَ النظرةَ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية )(2)، وقال ابن كثير :( ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب كما قال بعض السلف: النظر سهم سم إلى القلب ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] أهـ)(3)

ومن الأدلة على تحريم هذه الصور وعلى تحريم النظر إليها ما يلي :

أولاً الأدلة من القرآن الكريم :

1-     قوله تعالى :﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ[النور:30،31] ، فقد دلت على حرمت النظر إلى العورات من الرجال والنساء على حد سواء على العموم سواء كان ذلك نظراً مباشراً أو نظراً بواسطة ، وفي البخاري  وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن : إن نساء العجم يكشفن صدورهم ورءوسهن . قال : اصرف بصرك ، يقول الله تعالى :﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] ،  قال قتادة : عما لا يحل لهم، قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [ النور:31] ، ويقول تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ[غافر: 19] ، من النظر إلى ما نهي عنه )(4).  قال ابن كثير :( هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حُرِّم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم )(5). وقد ذكر الطبري عن ابن زيد قال :( يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه )(6) . قال القرطبي : ( ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويُحفظ ؛ لأن ذلك معلوم بالعادة وأن المراد منه المحرم دون المحلل )(7).

2-     قوله تعالى : ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [ النور :30 ] ،وقوله تعالى : ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ[النور :31] ، والأمر بحفظ الفروج دليل على حرمة النظر إليها . قال القرطبي :( أي يستروها عن أن يراها من لا يحل ، وقيل : ويحفظوا فروجهم أي عن الزنا .. قال : والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام ،وقد روى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال : قلت يا رسول الله : عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " قال : الرجل يكون مع الرجل ؟ قال " إن استطعت ألا يراها فافعل " قلت : فالرجل يكون خالياً ؟ فقال : " الله أحق أن يستحيا منه من الناس " (8)، والنساء مثل الرجال في هذا ، ولا شك أن الأمر بحفظ الفروج إنما كان لئلا يراها أحد ؛ بصرف النظر عن وسيلة الرؤية ، ولا شك أن النظر إلى هذه الصور داخل في مسمى الرؤية والنظر الوارد في هذه الآية ؛ فالتحريم على هذا شامل له .

كما أن الآية قد بيّنت أن الأمر بغض البصر وحفظ الفروج إنما هو لطلب زكاة النفوس ، ولا شك أن النظر إلى هذه الصور الخليعة – التي تُبَث في الوسائل الحديثة بكل أشكالها - لا يحقق هذه التزكية المنشودة فالنظر إليها محرم إذاً كالنظر إلى الخلاعة مباشرة لاشتراكهما في العلة .

كما أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ..[النور:31] يدل على أن الأصل هو أن تُخفي المرأة زينتها عن الأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه عنهم لتعذره ؛ فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، أو لعدم الفتنة في إظهاره - كالوجه واليدين - على الخلاف في اعتبارهما من الزينة أم لا .

والآية أيضاً قد نهت النساء عن ضرب الأرض بأقدامهن ليُعلَم ما يُخفين من زينتهن وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[النور:31]، فإذا كان هذا لئلا يُعلم ما يُخفين من زينتهن فكيف إذا أظهرن هذا المخفي بالصور أو غيرها ؟! فهو بالتحريم أولى.

3-     الأمر بخفض الصوت وعدم إِلانة الحديث عند التخاطب مع الرجال، قال تعالى : ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب:32] ، (أي لا تُلِنَّ القول ؛ أمرهن الله أن يكون قولهن جزلاً وكلامهن فصلاً، ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا )(9)، ( قال السدي وغيره : يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]، أي دَغَل، وقال  تعالى : ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً [الأحزاب: 32] قال ابن زيد : قولاً حسناً جميلاً معروفاً في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم ، أي لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها )(10)، قال الطبري : ( يقول فلا تَلِنَّ بالقول للرجال فيما يبتغيه أهل الفاحشة منكن )(11) .

وهذه الآية قد بيَّنت حرمة التأسي بالمومسات وأهل الفاحشة في إِلانة الحديث وترخيمه، ومثله أيضاً التأسي بهن في تبرجهن وسفورهن، وكذا تصويرهن في هذه الوسائل وهُنَّ على هذه الحال المزرية ؛ فإذا حرُم تصويرهن وهُنَّ على هذه الحال فكذا النظر إليهن ؛ لأن ما يتم الحرام به فهو حرام .

4-     قوله تعالى : ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ[الأحزاب:60] ، فإذا كان الكبيرات في السن قد أُمِرن بعدم التبرج فبالأولى والأحرى الشابات منهن ، والمعنى : ( غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة ليُنظر إليهن ؛ فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق ، والتبرج : التكشف والظهور للعيون )(12)، وقال الطبري :( التبرج : هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره )(13).

5-      قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ[الأحزاب:59)،  أي لتنقطع الأطماع عنهن ؛ لأنه إذا كان زيُّهن حسناً لم يطمع فيهن المنافقون ولا من في قلبه مرض . قال القرطبي :(أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها؛ إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت ؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء)(14) ( والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد ، وهو بمنزلة الإزار، قال الجوهري : الجلباب المِلحفة )(15) .

6-     قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[النور:19] ، (والفاحشة : الفعل القبيح المفرط القبح ، وقيل : الفاحشة في هذه الآية : القول السيئ )(16)، ولا شك أن مثل هذه الصور الخليعة ونشرها داخل في معنى إشاعة الفاحشة ؛ فإن مثل هذا الفعل من القبح بمكان ؛ هذا على القول بأن الفاحشة هي الفعل القبيح ، وأما على القول الثاني فإن هذه الصور تستوي في تحريمها مع القول السيئ في الحرمة ؛ لأن ما يفتن المرء عن طريق آذانهم مثلُ الذي يفتنهم عن طريق أبصارهم .

كما لا يوجد شك أيضاً أن هذه الصور ونشرها من طرائق الشيطان ومسالكه وخطواته ،وهو من الفحشاء والمنكر، والله يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ[النور: 21] ، وعليه فالنظر إلى هذه الصور حرام ؛ لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد .

7-     قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ[البروج :10) ، وقد قيل أن الآية عامة في كل من آذى المؤمنين ليفتنهم عن دينهم ويردهم عنه بأي أنواع الفتنة والتعذيب(17).

ثانياً الأدلة من السنة النبوية :

1-     عن أم الدرداء – رضي الله عنها - قالت : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خرجت من الحمام فقال " من أين يا أم الدرداء ؟ " فقالت : من الحمام . فقال " والذي نفسي بيده ، ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن عز وجل" (18) ، وعن عائشة – رضي الله عنها -قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول " ما من امرأة تضع أثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها" (19) فقد دل الحديثان على حرمة أن تخلع المرأة ثيابها في غير بيت زوجها أو أهلها، وهذا في الخلع المجرد فضلاً عن أن يصحب ذلك تصويراً لمفاتنها فإن هذا بالتحريم أولى .

2-     وعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- " أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية " (20) والحديث قد دل على حرمة استمالة الرجال بحاسة الشم ، ومثل ذلك في الحرمة استمالتهم بحاسة البصر. ويلزم من هذا التحريم أيضاً تحريم النظر إليها على العموم سواء كان ذلك بواسطة – كهذه الوسائل الحديثة - أو بدون واسطة .

3-     وعن أبي هريرة  رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" (21) وهذا الحديث قد دل على حرمة النظر إلى المحرمات على العموم ، ومن لازم ذلك حرمة تصوير مفاتن المرأة عبر الوسائل الحديثة .

4-     وعن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا "(22)، وإنما استحق هؤلاء النسوة دخول النار للتعري المجرد فكيف باللواتي يصورن منهن وهن على هذه الحال ؟ ، ولا شك أنهن قد وقعن في هذا الوعيد بسبب أنهن يستملن الرجال إليهن ، ولا شك أن هذا التصوير الذي نتحدث عنه مما يستميل الرجال .

5-     وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم – " لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتُها لزوجها كأنه ينظر إليها "(23) ، وهذا الحديث قد دل على حرمة أن تصف المرأةُ محاسنَ المرأةِ ومفاتنَها لزوجها أو غيره وقد اعتبر الحديث وصفها هذا مشبهاً بالنظر إليها ، وبالأولى منه في الحكم أن تصورها له أو لغيره في هذه الوسائل الحديثة فهو بذلك ينظر إليها ويراها رأي العين ، وإذا كان الحديث قد ذكر مجرد التخيل المحدود بوقت قصير فكيف بالتخيل المصحوب بالمشاهدة ولوقت أطول غالباً ؟ .

ثالثاً الاستقراء :

قد عُلِم من خلال استقراء نصوص الشريعة – إضافةً إلى ما سبق - أنها لا تجد باباً للفتنة إلا أغلقته ولا طريقاً للشر إلا قطعته ؛ ولذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم – عن سفر المرأة بغير محرم لئلا تتعرض للفتنة ، ونهى عن الاختلاط ومزاحمة الرجال للنساء ومزاحمة النساء للرجال ، كما نهى أيضاً عن تشبه النساء بالرجال وعن تشبه الرجال بالنساء ، واعتبر الإسلام الحمو : الموت ؛ لأن دخوله إلى بيت أخيه لا ريبة فيه مع كونه من الأجانب، ونهى الإسلامُ المرأةَ أن تأذن لأحد بدخول بيت زوجها إلا بإذنه ، ونهى المؤمنَ أن ينكح الزانية كما نهى المؤمنةَ أن تنكح الزاني ، كما نهى الإسلام عن مصافحة المرأة للأجانب والعكس ، ونجد الإسلام قد رغَّب المرأة في الصلاة في بيتها وجعل صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ؛ لأن خروجها إلى المسجد يعرِّضها للرجال ، وجعل مع ذلك صفوف النساء في الصلاة متأخرة عن صفوف الرجال ، وجعل خير صفوف الرجال أولها؛ لأنها بعيدة عن صفوف النساء ، وخير صفوف النساء آخرها ؛ لأنها بعيدة عن صفوف الرجال ، كما نجد الإسلام قد اعتبر خروج المرأة من بيتها متعطرة مظنة ودليلاً على فسادها ؛ ولذلك نهى عن هذا الفعل كما تقدم ، كما نهى الإسلام المرأة أن تنظر إلى الرجل حتى ولو كان أعمى لا يبصرها.

بل إن من حِكَم مشروعية الجهاد رد الفتنة عن الناس قال تعالى : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة :193]،  وقد قيل إن المراد بالفتنة في الآية (المحنة التي تنـزل بالإنسان في نفسه أو أهله أو ماله أو عرضه)(24)،وكشف العورات وتصويرها من الفتن التي تلحق الناس في أعراضهم ولا يكاد يجادل في هذا إلا من أنكر عقله ، بل إن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قد أعلن الحرب على يهود بني قينقاع لأنهم أرادوا فتنة المسلمين بكشف عوراتهم ، ولا شك أن من ستتصور وهي متعرية في هذه الوسائل لا شك أنها ستكشف عوراتها .

كما لا شك فيه أيضاً أن من صوّر عوراته ونشرها أنه قد آذى المسلمين بفعله هذا ، والله يقول : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب: 58] ، فإذا كان المسلم قد مُنِع من أذية المسلمين في أمور دنياهم ومعاشهم فبالأولى والأحرى أن يؤذيهم في دينهم وفي أعراضهم ، وقد علم من نصوص الشريعة التشديد في الحفاظ على الأعراض عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول - صلى الله عليه وآله وسلم – خطب الناس يوم النحر فقال :" يا أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا : يومٌ حرام، قال : فأي بلد هذا ؟ قالوا : بلدٌ حرام . قال : فأي شهر هذا ؟ قالوا : شهرٌ حرام . قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ؛ فأعادها مراراً ؛ ثم رفع رأسه فقال : اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ "  قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته .(25) ، ولأجل الحفاظ على الأعراض شُرِع الزواج حتى لا يتطلَّع المسلم إلى أعراض الغير ، وحُرِّم الزنا وجعل له حد قاسٍ يصل إلى القتل رجماً على المحصن أو الجلد على غير المحصن ، بل حتى لو حصل هذا الزنا فإن الإسلام حرص على الستر، فجعل نصاب الشهود فيه أربعة شهود بما لم يجعله في غيره من الشهادات ،كما حرم الإسلام القدح في أعراض المسلمين بغير برهان فأوجب حد القذف واعتبره من السبع الموبقات . قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم – " اجتنبوا السبع الموبقات . قيل : يا رسول الله وما هن ؟ قال :" الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.."(26) واستحق فاعله بذلك اللّعنة في الدنيا والآخرة ، والعذاب العظيم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 23] ، واعتبر الإسلام سباب المسلم فسوقاً ومن الحِكَم في ذلك ألا يتعود الناس سماع الكلام البذيء والفاحش فيؤدي ذلك إلى الاستهانة بالأعراض فتشيع الفاحشة ، واعتَبر أنَّ من تمام إسلام العبد أن يكفَّ أذاه عن المسلمين كما قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم –: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (27)، وإذا كان المسلم مطالبٌ ألا يُعرِّض نفسه للفتنة فكيف له أن يُعرِّض غيره ، ولا شك أن هذه الصور تناقض ما تقدم من الحفاظ على الأعراض ، بل أنها مما يساعد على الاعتداء على الأعراض وقد علم أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد .

ومن خلال ما سبق كله يتبين لنا أن تصوير هذه الصور ونشرها والترويج لها من المحرمات التي لاشك في حرمتها لما تقدم من النصوص الشرعية الكثيرة المتضافرة على ذلك ، ولأنها لا تتفق ومقاصد الشريعة من الحفاظ على النسل والعرض وسد باب الفتن عن الناس ؛ والله أعلم .

 

 

والحمد لله رب العالمين

وهو الهادي إلى سواء السبيل ، وهو حسبنا ونعم الوكيل

وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس

الثلاثاء – 11ربيع الآخر 1427هـ ، 9/5/2006م  



(1)  صحيح البخاري ( جزء 2   صفحة 870 ) ، صحيح مسلم ( جزء 3   صفحة 1675 ).

(2)  تفسير القرطبي ج: 12 ص: 223 ، والحديث في سنن أبي داود ( جزء 1   صفحة 652 ) قال الألباني : حسن .

(3)  تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 283 .

(4)  تفسير القرطبي ج: 12 ص: 222 ، وانظر صحيح البخاري ( جزء 5   صفحة 2299 ).

(5)  تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 282 .

(6)  تفسير الطبري ج: 18 ص: 117 .

(7)  تفسير القرطبي ج: 12 ص: 222 .

(8)  تفسير القرطبي ج: 12 ص: 223 ، وبنحوه في تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 283 ، والحديث في سنن الترمذي ( جزء 5   صفحة 97 ) ، سنن أبي داود ( جزء 2   صفحة 437 ) قال الألباني : حسن .

(9)  تفسير القرطبي ج: 14 ص: 177

(10)  تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 483 .

(11)  تفسير الطبري ج: 22 ص: 2.

(12)  تفسير القرطبي ج: 12 ص: 309.

(13)  تفسير الطبري ج: 18 ص: 167.

(14)  تفسير القرطبي ج: 14 ص: 243.

(15)  انظر تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 519.

(16)  تفسير القرطبي ج: 12 ص: 206.

(17)  انظر أضواء البيان ج:9 ص:147

(18)  مسند أحمد ج: 6 ص: 361 ،  قال الألباني : صحيح ، انظر: صحيح الترغيب والترهيب    ( جزء 1 -  صفحة 40 ) 

(19)  سنن الترمذي ج: 5 ص: 114، سنن أبي داود ج: 4 ص: 39 ، سنن ابن ماجه ج: 2 ص: 1234 ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ، ج1/40.

(20)  سنن النسائي ج: 8 ص: 153 ، مسند أحمد ج: 4 ص: 413  ، وبنحوه في سنن الترمذي ج: 5 ص: 106، وصححه الألباني في الصحيح الجامع  ، ج1/33 .

(21)  صحيح البخاري ج: 5 ص: 2304 ، وبنحوه في صحيح مسلم ج: 4 ص: 2046

(22)  صحيح مسلم ج: 3 ص: 1680 ، وبنحوه في مسند أحمد ج: 2 ص: 355

(23)  صحيح البخاري ج: 5 ص: 2007 ، وبنحوه في سنن الترمذي ج: 5 ص: 109

(24)  فتح القدير 1/ 293

(25)  صحيح البخاري ج: 2 ص: 619 ، وبنحوه في صحيح مسلم ج: 3 ص: 1306

(26)  صحيح البخاري ج: 3 ص: 1017 ، صحيح مسلم ج: 1 ص: 92

(27)  صحيح البخاري ج: 1 ص: 13 ، صحيح مسلم ج: 1 ص: 65

 

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
هل يرث الأخ من الرضاعة؟
الأثنين 12 نوفمبر 2012

بسم الله الرحمن الرحيم

هل يرث الأخ من الرضاعة؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

لا يرث الأخ من الرضاعة، وكذلك جميع الأقارب بسبب الرضاعة لا يرثون، والأقارب إما بسبب النسب: كالأب والابن والأخ والعم، أو بسبب المصاهرة [النكاح]: كالزوجة وأمها وبنت الزوجة، أو بسبب الرضاع: كالأم والأخ والأخت من الرضاعة، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وليس الرضاع كالنسب والنكاح سبباً من أسباب الميراث بالنسبة للزوجة، إلا أن المحرمات من الرضاع هن المحرمات من النسب، والتحريم ليس علة الميراث، فإن أم الزوجة -ولو بمجرد العقد- وبنت الزوجة التي دخل عليها هن من المحرمات تحريماً مؤبداً لا يرثن إجماعاً، وقد حصر القرآن الكريم والسنة النبوية من يستحق الإرث إما فرضاً أو تعصيباً، وليس في ذلك أقارب الشخص بسبب الرضاع، ولم يقل بذلك أحدٌ من العلماء، فدل على عدم إرثه القرآن والسنة والإجماع.

وفقنا الله والسائل لما يحبه ويرضاه، إنه سميع قريب يجيب من دعاه.

مرفق ناجي مصلح ياسين

26/ 10/ 1429هـ

25/ 10/ 2008م

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: