ألعاب قائمة على الملاهي والقمار
المقدمة:
كلما مر زمن وأتى التالي منه، نرى تعدداً واختلافاً في أنواع الألعاب. والضابط لهذه الألعاب من حيث الحل والحرمة موافقة ومخالف هدي الشريعة الإسلامية الغراء، غير أنه في زماننا تفنن بعض الناس في الخوض فيما حرمه الله، ولهذا رأيت من الضرورة بمكان أن ألقي الضوء على بعض الألعاب المنتشرة في زماننا؛ رجاء أن أوفَّق في تكييفها الشرعي بنصوص من هدى الشارع الحكيم، لعل الله يكتب لمن يبحث عنها يجد مراده منها، والله الموفق.
أولا: التحريش بين الحيوانات:
تعريفه: هو إغراء الحيوانات بعضها ببعض، وتأليب بعضها على بعض، على وجه المغالبة والمسابقة؛ بغرض التسلية، أو بغرض الحصول على المال من جراء التنافس.
علة التحريم:
التحريش بين الحيوانات القابلة للتنافس، ورصد الأموال بين متراهنين، كمناطحة الكباش، ومهارشة الديكة، ومصارعة الخيول والحمير. يقول إبراهيم عبد الله المزروعي في علة تحريم التحريش بين الحيوانات: كون التحريش بين الحيوانات تعذيباً له، وإتلافاً لنفسه بدون غرض شرعي أو نظر معقول، وفيه تضييع للمال وجرآءة واستهانة بخلق الله تعالى، وهو فعل يتنافى مع مكارم الأخلاق، وهو من الظلم الذي حرم الإسلام جميع صوره(1)، وذكر صاحب الشرح الصغير على أقرب المسالك: واعلم أن المسابقة مستثناة من ثلاثة أمور كل منها يقتضي المنع: القمار وتعذيب الحيوان لغير مأكلة وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد.(2)
أقوال العلماء في التحريش بين الحيوانات على غير مال:
بعض الناس يلعب بالتحريش بين البهائم، وبين الكباش، وبين الديكة، ولقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن التحريش بين البهائم(3). قال الشيخ المطيعي: وأما السبق بنطاح الكباش ونقار الديكة، فهو أسفه أنواع السباق، وهو باطل، لا يختلف أحد من أهل العلم في عدم جوازه(4). ويقول الإمام البهوتي: وأمّا اللعب بالنرد، والشطرنج، ونطاح الكباش، ونقار الديوك، فلا يباح بحال أي: لا بعوض ولا بغيره(5)، ويقول الشافعي: أمّا ما ترد به شهادته، إذا كان اللعب بها للتطيير والمسابقة، وارتبط بعوضٍ كما تقدّم في الشطرنج، وكذلك إذا خرج باللعب إلى حدّ السفاهة، وذلك بالبذلة في أفعاله، أو الخنا في كلامه، وقيل في اتخاذه للتطيير والمسابقة: لا يكره، والصحيح: أنه مكروه، ولا تردّ الشهادة بمجرّده، فإن انضمّ إليه قمار أو بذلة، ردّت شهادته.(6)
وجه الدلالة:
إجراء التنافس والسباق بين الحيوانات من طيور وغيرها والتحريش بينهم، وما يعقب هذا من إتلاف الحيوانات، وهذا إتلاف للمال بدافع التنافس بين الحيوانات وفي بعض الأحيان يراهنون على أيهما الفائز ويرصدون مالاً للتقامر على من سيكون الفائز من الحيوانات وهذا مراهنة وقمار.
التحريش بين الحيوانات على مال:
من الأشياء التي لا يجادل أحد على أنه لا فائدة فيها، كون اللهو واللعب بالحيوانات على جهة التعذيب لها، وفي الحديث عن ابن عباس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً»(7)، وحديث«دخلت امرأة النار بهرة ربطتها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت»(8).
كونه من الميسر كما في الأثر: ثلاث من الميسر: الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب.(9)
وجه الدلالة من الأدلة:
أنه إذا كنا قد نهينا عن مؤاذات الحيوان مطلقاً، والتعذيب لها، فمن باب أولى اتخاذها وسيلة للعب في القمار والميسر، ومن هذا يتضح جريمة إهدار الحيوان في التقامر. والله أعلم.
شواهد على حرمة اللعب بالحيوانات:
مسألة رد شهادة اللعب بالحمام:
يقول الشافعي: فأما إن قامر رجل بالحمام أو بالشطرنج رددنا بذلك شهادته، وكذلك لو قامر بغيره، فقامر على أن يعادى إنساناً أو يسابقه أو يناضله، وذلك أنا لا نعلم أحداً من الناس استحل القمار، ولا تأوله، ولكنه لو جعل فيها سبقاً متأولاً، كالسبق في الرمي، وفي الخيل قيل له: قد أخطأت خطأ فاحشاً، ولا ترد شهادته بذلك، حتى يقيم عليه بعد ما يبين له، وذلك أنه لا غفلة في هذا على أحد، وأن العامة مجتمعة على أن هذا محرم(10)، وفي المدونة: يجرح الشاهد بثبوت لعبه بالحمام إذا كان يقامر عليها ومن فعله على قمار أو أدمن عليه ردّت شهادته.(11)
ثانيا: صور ملاهي الفأل:
صورته أن يتراهن اثنان على توقع شيء، بدون علم، وإنما هو التقدير والتخمين بتفاؤل قد يصدق وقد يخطئ وهذا مما نزهت الشريعة عنه، وهو قول بالغيب، وهو ضرب من ضروب القمار والميسر. قال ابن عطية: (ومن هذا القبيل هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم)(12) أي من قبيل الميسر.
وجه التحريم:
1- أنه تردد بين الربح والخسارة.
2- أنه قائم على التخمين وهي علة تحريم الميسر.
ثالثاً: ألعاب وملاهي أخرى:
أي لعب وتنافس ليس على مال ولا فيه تخمين ومصادفه، وفيه ما يقوي على الجهاد، فيكون الحكم فيه الإباحة، وإن كان على مال، فيصير قماراً محرماً، وأكلاً للمال بالباطل. جاء في المجموع شرح المهذب ما مفاده: وأما كُره الصَّولجانِ، ومداحاةُ الأحجارِ، ورفعُها من الأرضِ، والمشابكةُ، والسباحة واللَّعب بالخاتمِ، والوقوفُ على رجلٍ واحدةٍ، وغير ذلك من اللعب الذي لا يُستعانُ به على الحربِ، فلا تجوزُ المسابقةُ عليها بعوضٍ؛ لأنه لا يعدُّ للحربِ، فكان أخذُ العوضِ فيه من أكلِ المالِ بالباطل.(13)
1- لعب الصبيان بالجوز على مال:
سبق وأن وضحت أن اللعب بأي شيء على مال يأخذه الغالب من المغلوب، يعتبر من القمار المحرم، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وروي عن طاوس وعطاء.(14) قالوا: كل شيء من القمار، فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز. وعن مجاهد، وسعيد بن جبير أنهم قالوا: الميسر القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.(15)
ولقد مر ابن سيرين على غلمان يوم العيد بالمربد، وهم يتقامرون بالجوز فقال: يا غلمان! لا تقامروا؛ فإن القمار من الميسر(16)، وكان يقول: كل شيء فيه قمار، فهو من الميسر، وفي حكم الميسر جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما، حتى أدخلوا فيه لعب الصبيان بالجوز والكعاب والقرعة في غير القسمة، وجميع أنواع المخاطرة والرهان.(17)
وجه التحريم:
أنها ألعاب يلعبها الصغار والصبيان بسبب كونهم ليسوا مكلفين، غير أن التحريم يلحق هذه الألعاب؛ لكونها إتلافاً للمال على جهة التقامر المحرم، وهذا التحريم يلحق الآباء المكلفين بتربية أبنائهم على الحلال، وإبعادهم عن الحرام.
2- لعبة الكيرم:
عبارة عن لوح خشب مربع في جوانبه الأربع فتحات مدورة، واثنتا عشرة قطعة سوداء قيمة كل واحدة خمسة، واثنتا عشرة قطعة قيمة كل واحدة عشرة وحبة حمراء قيمتها خمسون، ومضرب توضع الخمسين في الوسط، وتحاط بها الخمسات والعشرات، ويبدأ اللعب بغرض إخراج هذه القطع من الثقوب بالنفط بالمضرب.
التكييف الشرعي للَّعبة:
اللعبة إذا لعب بها على مال فلا شك في تحريمها؛ لأنها من القمار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].
3- لعبة الزيرو:
عبارة عن لوح خشب دائري الشكل وعليه أرقام مقسمة وفي وسطه دائرتان متداخلة، الدائرة الصغيرة قيمتها مئة ريال، والأكبر منها قليل قيمته خمسون، وبقيتها مثلثات ممتدة مرقمة، من أسفل إلى أعلى يمثل كل جزء قيمة، وسهم صغير يرمى به للكسب والفوز.
التكييف الشرعي للَّعبة:
أي لعبة لعب بها على مال فلا شك في تحريمها، لأنها من القمار سوء كان اللاعب بها كبيراً أم صغيراً. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].
الخاتمة:
الألعاب بعضها قائم على الحظ والمصادفة والتخمين، وبعضها قائم على الحذق والمهارة، وبعضها يغلب فيه جانب التخمين أو العكس، وبعضها قائم على الملاهي والقمار، وبعضها فيها إتلاف لنفس حيوان، وكلما كانت اللعبة فيها إتلاف للحيوان، وتعذيب له، وعلى مال يتقامر به تكون من ما حرم الله من الميسر وإتلاف الأموال، وأكل أموال الناس بالباطل، والله أعلم بالصواب وهو الموفق والهادي إلى سبل الرشاد.
كتبه الفقير إلى عفو ربه: عبد الوهاب بن مهيوب الشرعبي.
راجعه: علي بن عبد الرحمن دبيس.
___________________
(1) انظر الأحكام الشرعية للملاهي والقضايا الترفيهية إبراهيم بن عبد الله المزروعي ص50.
(2) انظر الشرح الصغير على اقرب المسالك 2/ 209.
(3) أخرجه أبو يعلى التميمي في مسنده 4/ 389،برقم 2509.
(4) انظر المطيعي في تكملة المجموع 15/ 14.
(5) انظر كشاف القناع للبهوتي 3/ 291.
(6) المجموع شرح المهذب 21/ 422(6).
(7) أخرجه مسلم في صحيحه ج3/ 1549،برقم 1957.
(8) أخرجه البخاري 2/ 834، برقم 2236.
(9) انظر الدر المنثور للإمام السيوطي 3/ 155.
(10) انظر الأم، للإمام محمد بن إدريس الشافعي 7/ 54.
(11) انظر التاج الإكليل لمختصر الخليل الموقى محمد بن يوسف 2/ 680.
(12) انظر الجامع لإحكام القرآن للقرطبي 6/ 285.
(13) المجموع شرح المهذب يحيى بن شرف النووي 16/ 18.
(14) عطاء بن أبي رباح، قال قتادة أعلم الناس بالمناسك عطاء مات سنة 115وقال في تقريب التهذيب 114هـ وهو أبن 88سنة طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي ص57 وتقريب التهذيب ج3/ 13.
(15) أخرج البيهقي في السنن الكبرى 10/ 213،وابن جرير الطبري في تفسيره 2/ 359.
(16) مصنف بن أبي شيبه 5/ 288، برقم 26170.
(17) انظر روح المعاني للألوسي 2/ 114.