مركز البحوث
   
الفقه
   
أحوال شخصية
   
لعبة الشطرنج في ميزان الشريعة
لعبة الشطرنج في ميزان الشريعة
عبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي
الثلاثاء 15 يناير 2013

لعبة الشطرنج في ميزان الشريعة

المقدمة:

سنة الله في هذه الحياة العمل فيها وفق المنهج الشرعي المنزل من الله العلي القرير، والمسلم يسير في هذه الحياة وفق هداه جل وعلى، فما حكم عليه بالوجوب أتبعه وسار فيه، وما حكم عليه بالحرمة أمتنع منه وهجره، وما تسبب في ضرر أو كان سبباً لتفويت واجب أو تضييع حق صغيراً أو كبيراً ينزل فيه حكم الله بقدره ودرجته، فما كان الإلتهاء به قليلا يكون مكروهاً وما كان فيه ضرر كبير يكون محرماً وحيث كان فيه فائدة فيستعمل بالقدر المطلوب وبأوقات لا تزيد عن قدر الحاجة، وإذا نظرنا في لعبة الشطرنج نجد أن أقوال العلماء تضاربت في حله وتحريمه وسأقف على دراسته وتبين أقوال العلماء حتى يتضح الحكم فيه جليا.

المطلب الأول: التعريف بلعبة الشطرنج:

في اللغة: الشطرنج فارسي معرب مأخوذ من المشاطرة وهي المقاسمة وقيل: إن أول من وضع الشطرنج صيصة بن داهر الهندي أحد حكماء الهند.

في الاصطلاح: هو لعبة تلعب على رقعة مقسمة أربعة وستين مربعا ذات لونين مختلفين أحدهما لون فاتح أبيض والأخر أسود تتكون من: اثنين وثلاثين قطعه ملكان، ووزيران، وأربعة ضباط، وأربعة خيول، وأربعة قلاع، وستة عشر جنديا، تمثل دولتين الهدف منها إخراج الملك أو محاصرته.

كيفية اللعب بلعبة الشطرنج:

توزع القطع بين اثنين بالتساوي لكل لاعب ستة عشر قطعه، ترص صفين بمربعات مخصوصة على جهة من الرقعة، ويبدأ اللعب بالتقدم وفق قواعد، والغرض من اللعبة إخراج الملك وإذا اخرج الملك أو حوصر تم الفوز وانتهى اللعب.(1)

 

المطلب الثاني: أقوال العلماء فيمن يلعب الشطرنج:

أولا: أقوال العلماء في اللعب بالشطرنج على مال:

القول بالتحريم: اتفق الجمهور على تحريم اللعب بالشطرنج على وجه القمار(2)، قال ابن قدامة في المغني: فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم إلا أن النرد آكد لورود النص في تحريمه(3)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: والمقصود أن الشطرنج متى شغل عما يجب باطنا أو ظاهرا حرام باتفاق العلماء، ويقول أيضاً: قد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام عند الأئمة الأربعة، سواء كان بعوض أو بغيره، وجمهور أصحاب مالك واحمد وأبي حنيفة حرموه(4)، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة آية: 3]، يقول ابن جرير الطبري: إنها الشطرنج وكذا قال وكيع وسفيان: هذه الآية في الشطرنج.(5)

ويقول القرطبي في تفسيره: تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار، ولما كان تحريم النرد لأنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن سبيل الله ويشغل فكذا الشطرنج يحرم لشبهه بالميسر.(6)

ويقول ابن القيم: أجمعت الأمة التي لا يجور عليها الخطأ فيما نقلته مجموعة علي أن الميسر الذي حرمه الله هو القمار ومن ذلك ملاعبة الرجل صاحبه على أن من غلب منهما أخذ من المغلوب قمرته التي جعلها بينهما، كالمتصارعين يتصارعان والراكبان يتراكبان على أن من غلب منهما فللغالب على المغلوب كذا وكذا خطارا وقمارا فان ذلك هو الميسر الذي حرمه الله.(7)

ثانيا: أقوال العلماء في اللعب بالشطرنج على غير مال:

القول الأول: القول بالتحريم:

القول بالتحريم قول جمهور المالكية، والقرطبي(8) وقول بعض الشافعية(9) كالحليمي(10)، وقول جمهور الحنابلة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (11)، ومن المعاصرين محمد صالح العثيمين(12)، والشيخ أبو بكر الجزائري.(13)

وارد نصوص لأقوال بعض العلماء وأبدأ يقول الإمام الكاساني: (من يلعب بالشطرنج ويعتاده فلا عدالة له وإن أباحه بعض الناس لشحذ الخاطر وتعليم أمر الحرب فإنه حرام عندنا لكونه لعباً قال عليه الصلاة والسلام: «كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه ورميه بقوسه»(14)، وقال في إكمال الإكمال: وأما حكم اللعب بالنرد والشطرنج فمالك ينهى عنه قل أو كثر بقمار أو بغير قمار لأن القليل يوقع في الكثير والشطرنج عنده أشد لأنه ألهى عن ذكر الله،ولأنهما شاغلان موقعان في القمار والتشاجر عند التغالب، وقال الهيثمي: الكبيرة الخامسة والأربعون بعد الأربعمائة، اللعب بالشطرنج عند من قال بتحريمه وهم أكثر العلماء وكذا عند من قال بحله إذا كان على قمار ولم يخرج الصلاة عن وقتها.(15)

القول الثاني: القول بالكراهة:

وقد ورد عن مالك في قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ﴾ [يونس: 32]، قال: اللَّعِب بالشِّطْرَنْج والنَّرْدِ من الضلال،ولقد سئل مالك عن اللّعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه، وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل، ورأى بعض المالكية: في الشطرنج أن من لم يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستتراً به مرة في الشهر أو العام، لا يُطَّلعُ عليه ولا يُعلم به أنه مَعْفُوٌّ عنه غير محرم عليه ولا مكروه له، وأنه إن تَخَلّق به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته ورُدّت شهادته، وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو، فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم.(16)، وقال النووي: اللعب بالشطرنج مكروه.(17) وقال: مذهبنا أنه مكروه وليس بحرام.(18)

القول الثالث: القول بالإباحة بشروط:

ممن قال بالإباحة بعض الحنفية: ومنهم أبو يوسف(19)، وبعض الشافعية كالإمام الغزالي بشرط عدم المواظبة عليها وإلا كره كراهة شديدة (20)، ومن المعاصرين الدكتور يوسف القرضاوي بشرط عدم إفضائها إلي المحرمات كالمقامرات وغيرها(21) وذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: أن قوما ذهبوا لإباحته على ثلاثة شروط:

الأول: أن لا يؤخر بسببه صلاة عن وقتها.

الثاني: أن لا يكون فيه قمار.

الثالث: أن يحفظ لسانه حال اللعب عن الفحش والخناء في الكلام فمن لعب بها أو فعل شيئا من هذه الأمور كان ساقط المروءة مردود الشهادة.(22)

وذهب الشافعي إلى إباحته وحكي ذلك أصحابه واحتجوا بأن الأصل الإباحة ولم يرد بتحريمها نص ولا هي في معنى المنصوص عليه فتبقى على الإباحة(23)، وممن أجاز اللعب بالشطرنج على غير قمار سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير وابنه هشام وسليمان بن يسار والشعبي والحسن البصري وربيعة وعطاء(24) وابن حزم الظاهري.(25)

المطلب الثالث: علة التحريم:

اختلف العلماء في العلة المحرمة للشطرنج هل لأجل ما فيه من المقامرة وأكل الباطل أم حرمته منصبة على ما يشتمل عليه من المفاسد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأجمع العلماء على أن اللعب بها قمار لا يجوز، وكذلك لو اشتمل اللعب بها على ترك واجب أو فعل محرم،مثل أن يتضمن تأخير الصلاة عن وقتها، أوترك ما يجب فيها من أعمالها الواجبة باطنا أو ظاهرا، فإنها تكون حينئذٍ حرامٌ باتفاق، فقد ثبت في الصحيح:«عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال تلك صلاة المنافق: يرقب الشمس حتى إذا صارت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله إلا قليلا»(26) وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5].

وقد فسر السلف السهو عنها، بتأخيرها عن وقتها، وبترك ما يؤمر به فيها،وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً﴾ [مريم: 59]، قال إضاعتها تأخيرها عن وقتها وإضاعة حقوقها ثم يقول: متى شغل الشطرنج عما يجب باطنا أو ظاهرا حرام باتفاق العلماء وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة،من مصلحة النفس، أو الأهل أو الأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر، أو صلة الرحم، أو بر الوالدين، أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور، وقل عبد اشتغل بها إلا شغلته عن واجب فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصور متفق عليه وكذلك إذا اشتمل على محرم أو استلزم محرما مثل اشتمالها على الكذب، والأيمان الفاجرة، أو الخيانة.(27)

وقال ابن قتيبة: بعد أن ذكر الميسر الذي حرمه الله في الكتاب ضرب القداح على الجزور قمارا، ثم يقال النرد ميسر على التشبيه، لأنه يضرب عليها بفصين كما يضرب على الجزور بالقداح،ولأنه قمارٌ كما أن الميسر قمارٌ ثم قال ولا يقال للشطرنج ميسر ولا من الميسر، لأنها فاقت تلك الصفة وتلك الهيئة إنما هي رفق واحتيال.(28)

المطلب الرابع: أدلة القائلين بالحرمة:

أولا: الأدلة من القرآن:

أولا: استدلوا بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

يقول القرطبي: هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنّرد والشِّطْرَنج قماراً أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها ثم قال: فكل لهوٍ دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراماً مثله، فإن قيل: إنً شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج هذا المعنى؛ قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدّان عن ذكر الله وعن الصلاة؛ ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله افتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما ٱشتركا فيه من المعاني، وأيضاً فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج لا يسكر ثم كان حراماً مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج حراماً مثل الخمر وإن كان لا يسكر. وأيضاً فإن ٱبتداء اللعب يورث الغَفْلة، فتقوم تلك الغَفْلة المستولية على القلب مكان السكر؛ فإن كانت الخمر إنما حرّمت لأنها تسكر فتصدّ بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنْج لأنه يُغفِل ويُلهي فيصدّ بذلك عن الصلاة.

ثانيا: في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: 91]. ثم ذكر قول القاسم بن محمد(29) عن الشِّطْرَنج عندما سئل أهي ميسر؟ وعن النّرد أهو ميسر؟ فقال: كلّ ما صدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.

ثالثا: قال الإمام مالك في قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ﴾ [يونس: 32]، قال: اللَّعِب بالشِّطْرَنْج والنَّرْدِ من الضلال.

رابعا: وذكر القرطبي أن من معاني الأنصاب الشطرنج فقال: وأما ٱلأنصاب فقيل: هي الأصنام. وقيل: هي النَّرْد والشَّطْرَنْج.(30)

وجه الدلالة:

الضلال والزيغ عن الطريق المستقيم وعكسه الحق فإذا كان الشطرنج من الضلال فيجب تركه والاشتغال بمرضاة الله العلي القدير -والله اعلم-.

ثانيا: الأدلة من السنة:

الدليل الأول: قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «كل لهو يلهو به الإنسان المسلم باطل إلا رميه بقوسه».

وجه الدلالة في الحديث:

أن اللعب بالشطرنج من الباطل الذي هو ضد الحق لأن جميع الملاهي باطلة ما عدى الثلاثة المذكورة في الحديث وفي هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة.

ثالثا: استدلالهم بأحاديث ضعيفة لم يثبت منها شيء:

منها حديث من لعب بالشطرنج فكأنما غمس يده في دم خنزير ولحمه وغيرها من الأحاديث موضوعة وضعيفة قال الحافظ المنذري وقد ورد ذكر أحاديث لا أعلم لشيءٍ منها إسناداً صحيحاً ولا حسناً. وقال ابن حجر العسقلاني: لم يثبت في الشطرنج عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء، وقال السخاوي بعد ذكر الأحاديث وليس في هذا الباب حديث صحيح بل ولا حسن(31). قال ابن كثير: والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء.(32)

رابعا: آثار عن بعض الصحابة:

وردت آثار عن بعض الصحابة أصح ما فيها ما ورد عن علي، والبقية متكلم فيها نذكرها على النحو التالي:

1- آثار عن عليّ -رضي الله عنه-: منها أنه مَرّ على مجلس من مجالس بني تميم وهم يلعبون بالشطرنج فوقف عليهم فقال: أمَا والله لغير هذا خلقتم! أمَا والله لولا أن تكون سُنّة لضربت به وجوهكم، وعنه أيضا -رضي الله عنه- أنه مَرّ بقوم يلعبون بالشطرنج: فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يَمَسّ أحدكم جمراً حتى يطفأ خَيْر من أن يمسها(33) وقال -عليه الرضوان-: النرد أو الشطرنج من الميسر، وعنه-أيضاً-: اللاعب بالشطرنج أكذب الناس؛ يقول قتلت والله ما قتل.

2- آثار عن ابن عمر: ولما سئل ابن عمر -رضي الله عنهما- عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد وعنه-أيضاً-: أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بها ضربه و كسرها.

3- أثر عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ.

4- أثر عن مالك بن أنس قال: (الشطرنج من النرد).

5- وروي أثر عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها.

المطلب الخامس: أدلة القائلين بالكراهة:

أولا: الأدلة من القرآن:

الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32]، فقد كان الإمام مالك يقرا الآية ويعد النرد والشطرنج من الباطل، ويندب إلى تركه.

الدليل الثاني: حديث: «كل لهو يلهو به الرجل المسلم فهو باطل إلا رميه بقوسه،أو تأديبه فرسه أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق».

وجه الدلالة في الحديث: الحديث يدل على الكراهة بالاشتغال باللهو ولا يدل على التحريم وأن الاشتغال بها مجرد لهو وعبث لا فائدة فيه، والله تعالى قد ذم اللعب،فكان تركه أولى.

الدليل الثالث: مبني على قاعدة أن الشريعة جاءت لتكثير المصالح وإيجادها وتقليل المفاسد وتضيقها:

ولما فيه من تضيع الأوقات الكثيرة بدون فائدة، وما ينتج عنه من تضيع الأعمال الصالحة(34) وما روي عن الراغب الأصفهاني(35)، أن أهل المدينة كانوا إذا خطب إليهم من يلعب الشطرنج لم يزوجوه.(36)

المطلب السادس: أدلة القائلين بالإباحة:

الدليل الأول: آثار منسوبه إلى الصحابة:

1- عمر بن الخطاب: فقد ورد في الحاوي، كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يمر بنا ونحن نلعب بالشطرنج فيسلم علينا ولا ينهانا عن هذا.(37)

2- أن أبا هريرة رأى غلاما فلاعبه بالشطرنج.(38)

3- أن الحسن بن على بن أبي طالب -رضي الله عنهما- مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال ارفع ذا وضع ذا(39).

الدليل الثاني: أن الأصل إباحتها، لعدم وجود النص فيها والاستدلال على القاعدة على أن الأصل في الأشياء الإباحة

الدليل الثالث: أن فيها تنمية للعقل والتفكير وترويضاً للذهن على سلامة التفكير.

المطلب السابع: المناقشة والترجيح:

أولا: مناقشة استدلالات المحرِّمين:

القول بأنه من الميسر المحرم بدون مال قول يجانب الصواب كون الشطرنج قائما على الذكاء وليس قائما على التخمين، وهذه من علل تحريم الميسر ومنتفية في الشطرنج والقول بأنه يشبه الأزلام فمحمول على أدوات الشطرنج لمشابهتها التماثيل في الشكل، والقول بأنها من الضلال فالضلال يكون بالحرام وبالمكروه وحمله على الكراهة أولى لعدم وجود نص يدل دلالة واضحة على التحريم وما استدلوا به من أنه من الباطل فدلالة غير واضحة وقد يكون من المكروه، وبالنسبة للأحاديث الواردة فلم يثبت منها شيء.

مناقشة المجيزين:

أولاً: نلاحظ أن عمدة المجيزين في إباحة الشطرنج قائمة على أن بعض الصحابة لعبها؛ ونورد مناقشات الأئمة الأعلام لهذه المسألة.

يقول ابن القيم: (ولا أعلم أحداً من الصحابة أحلها ولا لعب بها وقد أعاذهم الله من ذلك، وكل ما نسب إلى أحد منهم من أنه لعب بها كأبي هريرة افتراء وبهتان على الصحابة ينكره كل عالم وكل عارف بالآثار، كيف وهم خير القرون وخير الخلق بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يبيح اللعب بشيء يصده عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من صد الخمر إذا استغرق فيه لاعبه والواقع شاهد بذلك)(40).، ويناقش ابن قدامة هذا فيقول: (ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه سئل عن الشطرنج؟ فقال: وما الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان لها ابن وكان ملِكاً فأُصيب في حرب دون أصحابه؛ فقالت: كيف يكون هذا أَرُونيه عِياناً؛ فعُمل لها الشطرنج، فلما رأته تسلت بذلك، ووصفوا الشطرنج لعمر -رضي الله عنه- فقال: لا بأس بما كان من آلة الحرب؛ قيل له: هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب، وإنما قال هذا لأنه شُبّه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب، فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال: لا بأس بما كان من آلة الحرب-أي- إن كان كما تقولون فلا بأس به، وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه، فإن ذلك محمول منه على أنه ظنّ أن ذلك ليس يُتَلَهّى به، وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه، أو على أن الخبر المسنَد لم يبلغهم. فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم إلا أن النرد آكد منه في التحريم لورود النص لكن هذا في معناه، فيثبت فيه حكمه قياسا عليه(41)، وبين الإمام ابن تيمية: أن ما نقل عن الشعبي وسعيد بن جبير من اللعب به، إنما كان بقصد منهما ليقدح ذلك فيهما فلا يوليان القضاء عند الحجاج، أما ما ورد عن السلف من القول بالإباحة فإنه على فرض صحته فهو بمثابة زلات العلماء ولا يجوز لأحد إتباعها، بل يجب إتباع أهل العلم فيما هم أهله وقد عفي الله عن زلاتهم، فقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286]، قال الله قد فعلت.(42)

ويرد الإمام القرافي: على من قال بأن بعض التابعين لعب بها، بأن ذلك لا يصح عنهم.(43)

ثانيا: القول بأن الأصل الإباحة في اللعب بالشطرنج قول ضعيف لتحقق المفاسد المترتبة من اللعب به.

ثالثا: وبالنسبة لما استدل به المبيحون من أن الشطرنج لعبة تنمية للعقل يرد الزيلعي على من قال بأن اللعب بالشطرنج تنمية العقل والتفكير: بأن هذه المنفعة تابعة مغلوبة والعبرة للغالب في التحريم كما قال تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219], في تحريم ما كان ضرره ومفاسده غالبة على منافعه، فان قيل إن اللاعب بها قد لا يكون تارك صلاة أو جماعة بسببها، فيرد عليه بان قلبه عند الصلاة يكون متعلقا بها، وذلك مذموم،بل إن ادعاء تعلم تدبير الحرب بلعب الشطرنج فيه إثم اشد لأن اللاعب يرتكب معصية مدعيا أنه يريد طاعة.(44)

والذي يظهر لي أن أصل الشطرنج من الملاهي وعندما أضيف إليه أكل المال بالباطل أخرجه من كونه ملهياً إلى كونه محرماً لوضوح هذه العلة في تحريم الميسر، فيكون من الميسر لتحقق العلة الأصلية فيه وبالنظر إلى العلل الأخرى في تحريم الميسر نجد أنه حرم لعلل وأسباب وحكم أخرى، وبالنظر إلى أصل الشطرنج نجد أنه لعبة تقوم على الذكاء غير أنه يشبه الميسر في إهدار وقت كبير بقليل فائدة وبالقياس فإن لعبة الشطرنج يخالف الميسر من كونه لا يقوم على الحظ والمصادفة ويشبه الميسر بكونه إنفاقاً لكثير من الوقت بدون كبير فائدة غير أن فيه فائدة تقوي كونه مكروهاً غير محرم وبالنظر إلى الشطرنج نجد انه يتجاذبه طرفان طرف اللهو المحرم كونه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة من طرف، ومن طرف آخر كونه فيه حذق ومهارة وتدرب والذي أميل إليه أن الغالب فيه اللهو، وعليه فإن اللعب بالشطرنج مكروه وهو المترجح لي من حيث الأصل، وإذا تسبب في ضياع واجب أو قضي فيه وقت كبير بدون فائدة أغلب فيه جانب التحريم لتفويت واجب قطعاً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: والمقصود أن الشطرنج متى شغل عما يجب باطناً أو ظاهراً حرام باتفاق العلماء، وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة؛ من مصلحة النفس، أو الأهل أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو صلة الرحم، أو بر الوالدين، أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور، وقل عبد اشتغل بها إلا شغلته عن واجب، فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصورة متفق عليه، وكذلك إذا اشتملت على محرم، أو استلزمت محرما،فإنها تحرم بالاتفاق: مثل اشتمالها على كذب، واليمين الفاجرة، أو الخيانة أو على ظلم، أو الإعانة عليه، فان ذلك حرام باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك في المسابقة والمناضلة، فكيف إذا كان بالشطرنج، والنرد، ونحو ذلك وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فساداً غيرَ ذلك: مثل اجتماع مقدمات الفواحش، أو التعاون على العدوان، أو غير ذلك، أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم: فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق على تحريمها.(45)

المطلب الثامن: شواهد من أقوال السلف تدل على كراهته:

أولا: مسألة حكم السلام على لاعب الشطرنج:

ذهب جمع من الفقهاء إلى عدم مشروعية السلام على لاعب النرد والشطرنج، وسئل مالك عن الرجل يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج والنرد؟ فقال: لا يسلم عليهم هذا من اللهو واللعب والله تعالى خلق الخلق ليعبدوه ويشتغلوا بطاعته وينزهون أنفسهم عن اللهو أما سمعت، قول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].

وقال البخاري: باب لا يسلم على فاسق ثم ساق قوله بعدم السلام عليه لا تسلموا على من لعب بها وهي من الميسر(46)، وذهب أبو حنيفة وإسحاق بن راهويه كما تقدم إلى السلام عليه إلا أن إسحاق بن راهويه قالا بشرط أن يأمر وينهى كان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النرد لم يسلم عليهم.(47)

ثانيا: مسألة شهادة اللاعب بالشطرنج:

ومن الشواهد على كراهة اللعب بالشطرنج أن جمع من العلماء رد شهادته من يشتهر باللعب بها، يقو بن قدامة: (فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته سواء لعب به قمارا أو بغير قمار وهذا قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي قال مالك من لعب بالنرد والشطرنج فلا أرى شهادته طائلة لأن الله تعالى قال: ﴿فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾، وهذا ليس من الحق فيكون من الضلال)(48).

الخاتمة:

وفي الختام أسال الله العلي العظيم أن يرينا الحق حقا ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

تأليف: عبد الوهاب بن مهيوب الشرعبي.

_________________

(1) الموسوعة العربية الميسرة 1084،الألعاب الرياضية أحكامها وضوابطها في الفقه الإسلامي، على حسن أمين يونس ص260.

(2) الزواجر للهيثمي 1/ 113،و الكبائر للذهبي ص97.

(3) انظر: المغني لابن قدامة 10/ 170.

(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية 32/ 2115.

(5) كف الرعاع لابن حجر الهيتمي ص104.

(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 291.

(7) الفروسية ابن القيم ص225.

(8) الاستذكار لابن عبد البر، ج8/ 462، القرطبي في تفسيره 6/ 291.

(9) روضة الطالبين للنووي 8/ 204.

(10) الحسن بن الحسين بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، القاضي العلامة رئيس المحدثين، من أصحاب الوجوه سير أعلام النبلاء، 11/ 13.

(11) المغني لابن قدامة ج10/ 171، الفتاوى الكبرى لابن تيمية 2/.11.

(12) الفتاوى الشرعية في المسائل العصرية ص875ـ877.

(13) منهج المسلم ص463.

(14) أخرجه النسائي سنن النسائي 6/ 222، برقم 8938، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته 2/ 832، برقم 4534.

(15) الزواجر للهيثمي 2/ 200.

(16) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 238.

(17) روضة الطالبين 11/ 225.

(18) شرح صحيح مسلم للإمام النووي 15/ 15.

(19) فتح القدير 8/ 498.

(20) الإحياء للغزالي 2/ 283، روضة الطالبين للنووي 8/ 203.

(21) الحلال والحرام في الإسلام القرضاوي ص288.

(22) صحيح الترغيب للألباني 3/ 180.

(23) المغني،لابن قدامة 10/ 172.

(24) التاج والإكليل لمختصر الخليل، محمد بن يوسف ج2/ 680.

(25) علي بن احمد بن سعيد بن حزم الأندلسي أبو محمد ولد سنة384هـ في قرطبة فقيه أصولي حافظ متكلم توفي سنة 456هـ له مصنفات كثرة أشهرها المحلى، الأعلام الزركلي.

(26) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 434،برقم 622، و مالك في الموطأ 1/ 221، والنسائي في السنن 1/ 254.

(27) الفتاوى الكبرى لابن تيمية 2/ 8.

(28) الميسر والقداح لابن قتيبة ص36.

(29) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،ثقة حافظ أحد الفقهاء السبعة من كبار الثالثة مات بالمدينة 106 التقريب 2/ 120.

(30) الجامع لأحكام القران للقرطبي 6/ 286.

(31) ذكره عنه ابن حجر الهيتمي في ص105.

(32) نيل الأوطار للإمام الشوكاني 8/ 59.

(33) أخرجه الآجري في تحريم النرد والشطرنج ص135، برقم 24.

(34) الألعاب الرياضية أحكامها وضوابطها، على حسن أمين يونس،ص263.

(35) الحسن بن محمد بن الفضل الأصفهاني الملقب بالراغب الأصفهاني العلامة الماهر المحقق،انظر سير أعلام النبلاء 12/ 190.

(36) الميسر والأزلام لعبد السلام هارون ص16.

(37) هذا اثر باطل، لان الخصيب قال السخاوي، هو ابن جحدر: متروك،ذكره السخاوي في ميزان الاعتدال 1/ 653، وقال عنه النسائي في الضعفاء المتروكين وذكره الذهبي في المغني 1/ 209، وقال عنه ابن حبان في المجروحين.

(38) العمدة للسخاوي ق/ 17/ أسنده محمد بن يحي الصولي وأشار إليه الماوردي وصاحب المهذب والرافعي وهذا الراوي كان من ابرع الناس في الشطرنج ثم ولا أبراه من انه قد يكون وضع الحديث لاشتهاره به.

(39) قال السخاوي الضحاك أن وثق فروايته عن الصحابة تكلم فيها،وقال ابن حبان لقي جماعة من التابعين ولم يشافه أحدا من الصحابة، وقال ابن عدي عرف في التفسير أما روايته عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنهم ففيها نظر، تهذيب التهذيب 4/ 453.

(40) الفروسية ابن القيم ص311.

(41) المغني،ابن قدامة 10/ 171.

(42) الفتاوى الكبرى لابن تيمية 2/ 22.

(43) الذخيرة للقرافي 13/ 283.

(44) تبين الحقائق للزيلعي، 15/ 71.

(45) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج2/ 4.

(46) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص139.

(47) أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف 5/ 289 برقم 26173.

(48) المغني لابن قدامة 10/ 171.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: