الزواج السياحي (الزواج بنية عدم الاستدامة)
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد بدأ يظهر في بلادنا اليمن ما يسمى بالنكاح السياحي، حيث يقوم بعض الداخلين إلى البلاد بقصد السياحة، بنكاح بعض النساء، ومقصده في ذلك هو البقاء معها إلى حين انتهاء سياحته، ثم يطلقها، ولكنه يخفي هذه النية ولا يتكلم بها، وقد وجد من بعضهم من يكذب في اسمه أو عنوانه أو دولته التي ينتمي إليها؛ حتى لا تتمكن المرأة التي تزوجها من الوصول إليه، والتي ربما تكون قد حملت منه، أو ولدت منه بولد، فيفر ويتركها ويترك ولده، وربما أن بعضهم لا يترك نفقة لولده ولا لزوجته التي سافر عنها -ولم يطلقها- فيتركها معلقة، وربما كان يكون هرب عن بنتٍ، لا تجد من يتولى عقد نكاحها...
وقد ساعد على ظهور هذا النوع من النكاح تساهل بعض الناس في السؤال الدقيق عن الزوج بسبب عنوسة ابنته، والتي تأخر بها السن عن النكاح، فلا يكاد يجد رجلاً يتقدم لابنته، حتى يتم الموافقة عليه سريعاً، وربما يكون السبب في ذلك هو الطمع وحب المال، إذا كان المتقدم للزواج غنياً، وأسرة المرأة فقراء، وربما يكون السبب غلاء الأسعار الذي يمر بالمجتمع مع الطمع في حياة رغيدة...
ولذا فقد أحببت أن أبحث حكم هذا النوع من النكاح، وذلك كالآتي:
1. تعريف النكاح.
2. حكم النكاح.
3. أركان النكاح وشروطه.
4. التوقيت في النكاح.
5. نكاح المتعة.
6. تكييف نكاح المتعة.
7. الأدلة على حرمة نكاح المتعة.
8. معنى التوقيت في نكاح المتعة.
9. نكاح التحليل.
10. حكم نكاح التحليل.
11. أدلة من قال بكراهة نكاح التحليل.
12. أدلة من قال بفساد نكاح التحليل.
13. أدلة من قال بجواز نكاح التحليل، مع عدم حلها للأول به.
14. التوقيت في النكاح بالنية.
15. الزواج السياحي.
16. الخلاصة.
فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:
تعريف النكاح:
قال في حاشية رد المحتار: "هو عند الفقهاء: عقد يفيد ملك المتعة، أي حل استمتاع الرجل... وفي البدائع: أن من أحكامه ملك المتعة، وهو اختصاص الزوج بمنافع بعضها، وسائر أعضائها استمتاعاً، أو ملك الذات والنفس في حق التمتع على اختلاف مشايخنا في ذلك..."(1).
حكم النكاح:
يختلف حكم النكاح بحسب اختلاف الناكحين. قال في الاختيار: "النكاح (في) حالة الاعتدال سنة مؤكدة مرغوبة، وحالة التوقان واجب، وحالة الخوف من الجور مكروه"(2).
أركان النكاح وشروطه:
قال في الاختيار من كتب الحنفية: "وركنه الإيجاب والقبول... ولا ينعقد نكاح المسلمين إلا بحضور رجلين أو رجل وامرأتين"(3).
وقال الشربيني من الشافعية: "وأركانه خمسة: صيغة، وزوجة، وشاهدان، وزوج، وولي، وهما العاقدان"(4).
وقال ابن قدامة الحنبلي: "أركانه: الإيجاب والقبول"(5).
وأما شروط النكاح، فقد ذكر ابن قدامة الحنبلي خمسة شروط(6) هي:
1. تعيين الزوجين.
2. رضا الزوجين.
3. الولي.
4. الشهادة.
5. كون الرجل كفؤاً لها.
وهناك خلاف في اشتراط بعضها.
التوقيت في النكاح:
التوقيت في النكاح واقع على نوعين هما:
1. التوقيت المذكور باللفظ أو النص في عقد النكاح، وهو ما يعبر عنه الفقهاء في الغالب بالنكاح المؤقت، وهذا توقيت لفظي. وهو إما توقيت بزمن، وهذا ما عُرِف باسم نكاح المتعة، وإما توقيت بزمن أو بفعل الجماع وهو نكاح التحليل.
2. نية التوقيت عند إيقاع عقد النكاح أو قبله، من دون ذكر لذلك حال العقد، وهذا توقيت حكمي. وهو ما عُرِف باسم النكاح المؤقت بالنية.
وكلاهما قد تكلم عنهما الفقهاء، وذلك كالآتي:
أولاً: نكاح المتعة:
تعريفه:
قال في العناية من كتب الحنفية: "معنى المتعة هو: الاستمتاع بالمرأة، لا لقصد مقاصد النكاح"(7).
قال الشافعي: "وجماع نكاح المتعة المنهي عنه: كل نكاح كان إلى أجل من الآجال، قرب أو بَعُد"(8). وقال في المجموع: "ونكاح المتعة هو النكاح المؤقت في العقد"(9).
وقال الدردير المالكي: "وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ أبداً أن يقع العقد، مع ذكر الأجل للمرأة أو وليها"(10).
وقال ابن قدامة الحنبلي: "وهو أن يتزوجها إلى مدة"(11).
تكييف نكاح المتعة:
ونكاح المتعة في الواقع هو نكاح مؤقت، والنكاح المؤقت نكاح باطل. قال في العناية: "والنكاح المؤقت باطل، مثل: أن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين إلى عشرة أيام... وقال: زفر هو صحيح لازم؛ لأن التوقيت شرط فاسد؛ لكونه مخالفاً لمقتضى عقد النكاح، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ولنا أنه أتى بمعنى المتعة بلفظ النكاح؛ لأن معنى المتعة هو الاستمتاع بالمرأة، لا لقصد مقاصد النكاح، وهو موجود فيما نحن فيه؛ لأنها لا تحصل في مدة قليلة"(12)، وقال ابن مودود الموصلي:"والنكاح المؤقت باطل"(13).
وقد أوضح الحنفية أن قول الرجل: تزوجتك، مقتضاه التأبيد؛ لأنه لم يوضع شرعاً إلا لذلك، ولكنه يحتمل المتعة؛ فإذا قال: إلى مدة كذا، فقد عيَّن التوقيت جهة كونه متعة، من جهة المعنى(14).
وقال النووي الشافعي: "النكاح المؤقت باطل، سواء قيده بمدة مجهولة أو معلومة، وهو نكاح المتعة"(15).
وقال ابن قدامة الحنبلي: "نكاح المتعة، وهو أن يتزوجها إلى مدة، مثل: أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً أو سنة، أو إلى انقضاه الموسم وقدوم الحاج وشبهه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، فهو باطل؛ نص عليه أحمد، فقال: نكاح المتعة حرام، وقال أبو بكر: فيها رواية أخرى، أنها مكروهة، غير حرام؛ لأن ابن منصور سأل أحمد عنها، فقال: تجتنبها أحب إلي، قال: فظاهر هذا الكراهة دون التحريم، وغير أبي بكر من أصحابنا يمنع هذا، ويقول: المسألة رواية واحدة في تحريمها، وهذا قول عامة الصحابة والفقهاء"(16). وقال المرداوي عن أحمد: "وعنه: يكره ويصح. ذكرها أبو بكر في الخلاف، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وقال: رجع عنها الإمام أحمد رحمه الله... وغير أبي بكر يمنع هذا، ويقول: المسألة رواية واحدة، وقال في المحرر: ويتخرج أن يصح، ويلغو التوقيت"(17).
هذا وقد اعتبر الحنفية أن نكاح المتعة واقع على نوعين، تكلم عنهما الكاساني في البدائع، حيث اعتبر أن التأبيد من شرائط جواز النكاح ونفاذه، وأن نكاح المتعة نوعان:
أحدهما: أن يكون بلفظ التمتع، نحو أن تقول: أمتعت نفسي منك شهر رمضان بألف درهم.
والثاني: أن يكون بلفظ النكاح والتزويج وما يقوم مقامهما، نحو أن يقول: أتزوجك عشرة أيام ونحو ذلك، وكلا الصورتين نكاح متعة باطل عند الحنفية، ولم يخالف في ذلك أحد منهم إلا زفر في الصورة الثانية، فإنه صحح النكاح، وأبطل الشرط.(18)
الأدلة على حرمة نكاح المتعة:
وردت أدلة كثيرة تدل على حرمة نكاح المتعة، منها:
1. عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-«نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية»(19).
2. عن سبرة بن معبد -رضي الله عنه- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- عام فتح مكة: «أمر أصحابه بالتمتع من النساء، قال: فخرجت أنا وصاحب لي من بني سليم، حتى وجدنا جارية من بني عامر، كأنها بكرة عيطاء، فخطبناها إلى نفسها، وعرضنا عليها بردينا، فجعلت تنظر فتراني أجمل من صاحبي، وترى برد صاحبي أحسن من بردي، فآمرت نفسها ساعة، ثم اختارتني على صاحبي، فكن معنا ثلاثاً، ثم أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفراقهن»(20)، وفي رواية: «فقال: إن بُرد هذا خلِق وبُردي جديد غض، فتقول: برد هذا لا بأس به، ثلاث مرار أو مرتين، ثم استمتعت منها، فلم أخرج حتى حرمها رسول الله، صلى الله عليه وسلم»(21).
3. وعنه -رضي الله عنه- أيضاً: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى يوم الفتح عن متعة النساء»(22).
4. وعن علي -رضي الله عنه- أنه سمع ابن عباس -رضي الله عنهما- يلين في متعة النساء، فقال: مهلاً يا ابن عباس! فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية»(23).
5. وعن الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء: فقال له رجل، يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عنها في حجة الوداع»(24).
6. وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيب»(25).
7. وعنه أيضاً -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر عن متعة النساء»، قال ابن المثنى: «يوم حنين»(26).
8. وعن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: «رخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها»(27). قال القاضي عياض:"وليس في هذه الأحاديث كلها أنها كانت في الحضر، وإنما كانت في أسفارهم في الغزو، عند ضرورتهم وعدم النساء، مع أن بلادهم حارة، وصبرهم عنهن قليل، وقد ذكر في حديث ابن أبي عمر أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة ونحوها، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- نحوه"(28).
وأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الروايات هنا قد اختلفت في تحديد زمن نسخ نكاح المتعة، ففي بعضها: «في حجة الوداع»، وفي أخرى: «عام الفتح»، وفي أخرى: «يوم خيب»، وقد اختلف أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات، فقال قوم: في حديث علي تقديم وتأخير، وتقديره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ونهي عن متعة النساء، ولم يذكر ميقات النهي عنها، وقد بينه الربيع بن سبرة في حديثه أنه كان في حجة الوداع، حكاه الإمام أحمد عن قوم، وذكره ابن عبد البر، وقال الشافعي: لا أعلم شيئاً أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة، فحمل الأمر على ظاهره، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمها يوم خيبر ثم أحلها في حجة الوداع ثلاثة أيام ثم حرمها(29). وقد نقل النووي عن القاضي عياض قوله: "فتحتمل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أباحها لهم للضرورة بعد التحريم، ثم حرمها تحريماً مؤبداً، فيكون حرمها يوم خيبر وفي عمرة القضاء، ثم أباحها يوم الفتح للضرورة، ثم حرمها يوم الفتح أيضا تحريماً مؤبداً، وتسقط رواية إباحتها يوم حجة الوداع؛ لأنها مروية عن سبرة الجهني، وإنما روى الثقات الأثبات عنه الإباحة يوم فتح مكة، والذي في حجة الوداع إنما هو التحريم، فيؤخذ من حديثه ما اتفق عليه جمهور الرواة، ووافقه عليه غيره من الصحابة -رضي الله عنهم- من النهي عنها يوم الفتح، ويكون تحريمها يوم حجة الوداع تأكيداً وإشاعة له، كما سبق"(30). ونقل النووي أيضاً عن المازري قوله:"فإن تعلق بهذا من أجاز نكاح المتعة، وزعم أن الأحاديث تعارضت، وأن هذا الاختلاف قادح فيها، قلنا: هذا الزعم خطأ، وليس هذا تناقضاً؛ لأنه يصح أن ينهى عنه في زمن، ثم ينهى عنه في زمن آخر توكيداً، أو ليشتهر النهي ويسمعه من لم يكن سمعه أولاً، فسمع بعض الرواة النهي في زمن، وسمعه آخرون في زمن آخر، فنقل كل منهم ما سمعه وأضافه إلى زمان سماعه"(31). ثم قال رحمه الله تعالى:"والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالاً قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس، لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة، واستمر التحريم. ولا يجوز أن يقال: إن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح، كما اختاره المازري والقاضي، لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة يوم الفتح صريحة في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، ولا مانع يمنع تكرير الإباحة"(32).
9. ومن الأدلة على تحريم نكاح المتعة انعقاد إجماع من يعتد به على ذلك. قال المازري كما نقله عنه النووي: "ثبت أن نكاح المتعة كان جائزاً في أول الإسلام، ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة المذكورة هنا أنه نسخ، وانعقد الإجماع على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة"(33). ونقل أيضاً عن القاضي عياض قوله:"وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه، سواء كان قبل الدخول أو بعده، إلا ما سبق عن زفر"(34).
معنى التوقيت في نكاح المتعة:
قال الكاساني في بدائع الصنائع: "والتوقيت في نكاح المتعة معناه: أن ينفسخ النكاح بمجرد مرور الوقت المتفق عليه، ويرتفع هذا النكاح من غير حاجة إلى طلاق أو فرقة، ولذا لا يجري التوارث بينهما، إن مات أحدهما فيه"(35). وقال القاضي عياض: "واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحاً إلى أجل، لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه"(36). وقال في أسنى المطالب: "لو نكحها على أن النكاح ينتهي بالوطء بطل؛ لأنه ضرب من نكاح المتعة"(37).
ومن خلال كلام العلماء عن نكاح المتعة، يتبين أن انفساخ هذا النكاح بمجرد مرور الوقت المتفق عليه، من غير حاجة إلى طلاق أو فرقة، ويفهم من كلامهم أن هذا في المتعة المشترطة بالقول، وأما نية المتعة من دون قول فلا ينطبق هذا الكلام عليها، كما هو واضح.
ثانياً: نكاح التحليل:
نكاح التحليل هو النوع الثاني من نوعي التوقيت اللفظي، الذي ورد في السنة النبوية، والذي تكلم عنه الفقهاء، وهو توقيت بزمن أو بفعل معين، هو الجماع. قال محمد قلعجي: "التحليل: الإباحة، ورفع الحظر... وتحليل المطلقة لزوجها: يكون بزواج ثان منها، والدخول بها، ثم طلاقها"(38).
والمحلل، بضم الميم وكسر اللام الأولى مع التشديد: اسم فاعل من حلل الشيء: جعله حلالاً: الذي ينكح المطلقة ثلاثاً، بشرط التحليل لمن طلقها، والزوج المطلق ثلاثاً هو المحلل له"(39).
حكم نكاح التحليل:
سيكون الحديث عن حكم هذا النوع من الأنكحة من خلال المذاهب الإسلامية المشهورة، وذلك كالآتي:
- مذهب الحنفية:
وقع خلاف بين الحنفية في حكم نكاح التحليل على أقوال، كالآتي:
1. النكاح صحيح، مع كراهة اشتراط التحليل، وهذا ما قاله أبو حنيفة وزفر.
2. النكاح جائز، ولكن لا تحل به للأول، وقد نقل السرخسي هذا القول عن أبي يوسف، كما نقله الكاساني عن محمد بن الحسن.
3. النكاح فاسد، وقد نقل السرخسي هذا القول عن محمد بن الحسن، كما نقله الكاساني عن أبي يوسف.
قال السرخسي: "فإن تزوج بها الثاني على قصد أن يحللها للزوج الأول، من غير أن يشترط ذلك في العقد صح النكاح، ويثبت الحل للأول إذا دخل بها الثاني وفارقها، فإن شرط أن يحللها للأول؛ فعند أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- الجواب كذلك، ويكره هذا الشرط، وعند أبي يوسف -رحمه الله تعالى- النكاح جائز، ولكن لا تحل به للأول، وعند محمد -رحمه الله تعالى- النكاح فاسد"(40). وقال الكاساني: "فإن تزوجت بزوج آخر ومن نيتها التحليل، فإن لم يشرطا ذلك بالقول، وإنما نويا، ودخل بها على هذه النية حلت للأول في قولهم جميعاً؛ لأن مجرد النية في المعاملات غير معتبر، فوقع النكاح صحيحاً؛ لاستجماع شرائط الصحة، فتحل للأول كما لو نويا التوقيت، وسائر المعاني المفسدة. وإن شرط الإحلال بالقول، وأنه يتزوجها لذلك، وكان الشرط منها فهو نكاح صحيح عند أبي حنيفة، وزفر، وتحل للأول، ويكره للثاني، والأول. وقال أبو يوسف: النكاح الثاني فاسد، وإن وطئها لم تحل للأول، وقال محمد: النكاح الثاني صحيح، ولا تحل للأول.(41) وقال ابن الهمام:"قوله: بشرط التحليل، أي: بأن يقول: تزوجتك على أن أحلك له، أو تقول: هي ذلك، فهو مكروه، كراهة التحريم المنتهضة سبباً للعقاب؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله المحلل والمحلل له»، أما لو نوياه ولم يقولاه، فلا عبرة به، ويكون الرجل مأجوراً لقصده الإصلاح(42)". وقال أيضاً:"وإذا تزوجها بشرط التحليل، فالنكاح مكروه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلل والمحلل له» وهذا هو محمله، فإن طلقها بعدما وطئها حلت للأول؛ لوجود الدخول في نكاح صحيح، إذ النكاح لا يبطل بالشرط، وعن أبي يوسف أنه يفسد النكاح؛ لأنه في معنى المؤقت فيه ولا يحلها على الأول لفساده. وعن محمد أنه يصح النكاح؛ لما بينا، ولا يحلها على الأول؛ لأنه استعجل ما أخره الشرع، فيجازى بمنع مقصوده كما في قتل المورث"(43).
- مذهب المالكية:
نكاح التحليل عند مالك فاسد، ويفسخ قبل الدخول وبعده، والشرط فاسد، ولا تحل به للزوج الأول. قال ابن رشد: "وأما نكاح المحلل: أعني الذي يقصد بنكاحه تحليل المطلقة ثلاثاً، فإن مالكاً قال: هو نكاح مفسوخ"(44). وقال أيضاً: "واختلفوا من هذا الباب في نكاح المحلل: أعني إذا تزوجها على شرط أن يحللها لزوجها الأول، فقال مالك: النكاح فاسد، يفسخ قبل الدخول وبعده، والشرط فاسد لا تحل به، ولا يعتبر في ذلك "(45). وقال العدوي: "ولا يجوز أن يتزوج رجل امرأة ليحلها، أي: يقصد أن يحلها لمن طلقها ثلاثاً، إن كان حراً، أو ثنتين إن كان عبداً... ولا يحلها ذلك التزويج مع الوطء لمن طلقها البتات، وإذا عثر على هذا النكاح فسخ قبل البناء، وبعده بطلقة"(46). وقال الدردير:"ثم مَثَّل للفاسد الذي لا يثبت بالدخول بقوله: كمحلل، وهو من قصد التحليل لغيره، وإن نوى التحليل مع نية إمساكها مع الإعجاب؛ لانتفاء نية الإمساك على الدوام المقصودة من النكاح، ويفرق بينهما قبل البناء وبعده بطلقة بائنة، ونية المطلق التحليل ونيتها، أي المرأة التحليل، ولو اتفقا على ذلك لغو، لا أثر لها، فهي غير مضرة في التحليل، إذا لم يقصده المحلل"(47).
- مذهب الشافعية:
يقول الشافعية: إن النص على التحليل يُبطِل النكاح، كما أن الاتفاق على ذلك قبل النكاح مكروه. قال الشربيني: "(ولو نكح) الزوج الثاني (بشرط) أنه (إذا وطئ طلقها) قبل الوطء أو بعده (أو بانت) منه (أو فلا نكاح) بينهما، وشرط ذلك في صلب العقد (بطل) أي: لم يصح النكاح؛ لأنه شرط يمنع دوام النكاح فأشبه التأقيت، فإن تواطأ العاقدان على شيء من ذلك قبل العقد ثم عقدا بذلك القصد بلا شرط كره؛ خروجاً من خلاف من أبطله، ولأن كل ما لو صرح به أبطل إذا أضمر كره، ومثله لو تزوجها بلا شرط وفي عزمه أن يطلقها إذا وطئها، ولو تزوجها على أن يحللها للأول صح كما جزم به الماوردي؛ لأنه لم يشرط الفرقة بل شرط مقتضى العقد"(48). وقال الزركشي: ولو تزوجها على أن يحلها للأول، ففي الاستذكار للدارمي: فيه وجهان، وجزم الماوردي بالصحة؛ لأنه لم يشترط الفرقة، بل شرط مقتضى العقد (فلو تواطآ) أي: العاقدان على شيء من ذلك قبل العقد ثم عقدا بذلك القصد (بلا شرط كُرِه) خروجاً من خلاف من أبطله، ولأن كل ما صرح به أبطل إذا أضمره كره، ومثله لو تزوجها بلا شرط وفي عزمه أن يطلقها إذا وطئها، وبه صرح الأصل(49). ومعنى كلام الزركشي هنا أن البطلان في النص على التحليل هو أحد الأوجه في المسألة، وأن هناك وجه آخر بالصحة.
وأما إذا كان التحليل منوي فقط، فهذا غير مؤثر في صحة النكاح. قال الشافعي:"وإن قدم رجل بلداً وأحب أن ينكح امرأة، ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد أو يوماً أو اثنين أو ثلاثة، كانت على هذا نيته دون نيتها، أو نيتها دون نيته أو نيتهما معاً، ونية الولي غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقاً -لا شرط فيه- فالنكاح ثابت، ولا تُفسد النية من النكاح شيئاً؛ لأن النية حديث نفس، وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم، وقد ينوى الشيء ولا يفعله، وينويه ويفعله، فيكون الفعل حادثاً غير النية، وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدها دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدراً يصيبها فيحللها لزوجها، ثبت النكاح، وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه ولا غيره، والوالي والولي في هذا لا معنى له أن يفسد شيئاً، ما لم يقع النكاح بشرط يفسده"(50).
- مذهب الحنابلة:
ذكر ابن مفلح عن أحمد روايتين في حكم نكاح التحليل، كالآتي:
1. النكاح باطل.
2. النكاح صحيح.
قال رحمه الله تعالى: "وإن تزوجها بشرط أنه متى أحلها للأول طلقها، أو فلا نكاح بينهما، لم يصح العقد، كشرطه، وعنه: بلى، وكذا نيته أو اتفقا قبله، على الأصح"(51).
وقال ابن قدامة: "نكاح المحلل باطل حرام، في قول عامة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعي، وقتادة، ومالك، والليث، والثوري، وابن المبارك، والشافعي"(52).
أدلة من قال بكراهة نكاح التحليل:
استدل من قال بجواز نكاح التحليل مع الكراهة، بأدلة منها:
1. أن شرط التحليل شرط فاسد، وهو خارج عن أركان العقد، فلا يؤثر في صحته. قال السرخسي: "وأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يقول: هذا الشرط وراء ما يتم به العقد، فأكثر ما فيه أنه شرط فاسد، والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ثم النهي عن هذا الشرط لمعنى في غير النكاح، فإن هذا النكاح شرعاً موجب حلها للأول، فعرفنا أن النهي لمعنى في غير المنهي عنه، وذلك لا يؤثر في النكاح، فلهذا ثبت الحل للأول إذا دخل بها الثاني، بحكم هذا النكاح الصحيح(53).
2. واستدل أيضاً بأن عمومات النكاح تقتضي الجواز، من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الإحلال أو لا، فكان النكاح بهذا الشرط نكاحاً صحيحاً، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فتنتهي الحرمة عند وجوده إلا أنه كره النكاح بهذا الشرط لغيره، وهو أنه شرط ينافي المقصود من النكاح، وهو السكن، والتوالد، والتعفف؛ لأن ذلك يقف على البقاء، والدوام على النكاح، وهذا -والله أعلم- وعلى هذا حمل معنى إلحاق اللعن بالمحلل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله المحلل، والمحلل له»(54).
أدلة من قال بفساد نكاح التحليل:
استدل من قال بفساد نكاح التحليل، وهو قولٌ عند الحنفية والحنابلة، وهو قولُ المالكية، بأدلة منها:
1. عن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله المحلل والمحلل له»(55). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المحلل والمحلل له»(56). قال ابن قدامة:"والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين وروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس"(57). وقال السرخسي :"وعقد النكاح سنة ونعمة، فما يستحق به المرء اللعن لا يكون نكاحاً صحيحاً"(58).
2. واستدلوا أيضاً بأن شرط التحليل في معنى شرط التوقيت. قال السرخسي:"ولأن هذا في معنى شرط التوقيت، وشرط التوقيت مبطل للنكاح"(59).
3. واستدلوا أيضاً بأن النكاح عقد مؤبد، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى؛ لغرض الحل، فيبطل الشرط، ويبقى النكاح صحيحاً، لكن لا يحصل به الغرض، كمن قتل مورثه فإنه يحرم الميراث؛ لأنه استعجل الشيء قبل أوانه فيعاقب بحرمانه، وكذا هذا.(60)
ورُدَّ قولهم بأنه استعجال ما أجّله الله تعالى، بأن هذا ممنوع، فإن استعجال ما أجَّله الله تعالى لا يُتصور؛ لأن الله تعالى إذا ضرب لأمر أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر، فإذا طلقها الزوج الثاني تبين أن الله تعالى أجل هذا النكاح إليه، ولهذا يقول أهل السنة: إن المقتول ميت بأجله.(61)
أدلة من قال بجواز نكاح التحليل، مع عدم حلها للأول به:
لم أجد للقائلين بهذا القول أدلة استدلوا بها على قولهم هذا، إلا أن يكونوا قد استدلوا بأن النكاح قد استوفى الأركان والشروط، فقالوا بجوازه، وأما قولهم بعد حلها للأول به، فلعله كان لأجل معاملة الرجل بنقيض قصده.
ثالثاً: التوقيت في النكاح بالنية:
وقع خلاف بين العلماء فيمن نوى وقت النكاح طلاق زوجته في وقتٍ ما، ولم يتلفظ بهذه النية، وذلك كالآتي:
1. النكاح صحيح، إن كان ذلك التوقيت منوياً فقط من دون تلفظ به. وهذا ما ورد النص به عن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. قال ابن الهمام الحنفي: "أما لو نوياه (أي التحليل) ولم يقولاه، فلا عبرة به، ويكون الرجل مأجوراً لقصده الإصلاح"(62). قال الدردير المالكي: "وحقيقة نكاح المتعة -الذي يفسخ أبداً- أن يقع العقد مع ذكر الأجل للمرأة أو وليها، وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، ولم يعلمها الزوج بذلك، وإنما قصده في نفسه وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة، فإنه لا يضر"(63). وقال أيضاً: "ونية المطلق التحليل ونيتها، أي المرأة التحليل، ولو اتفقا على ذلك لغو، لا أثر لها، فهي غير مضرة في التحليل، إذا لم يقصده المحلل"(64). وقال العدوي: وظاهر كلامه أن قصد المطلق أو الزوجة التحليل بنكاح الثاني لا يضر وتحل به، وهو كذلك"(65). وقال القاضي عياض:"وأجمعوا على أن من نكح نكاحاً مطلقاً، ونيته ألا يمكث معها إلا مدة نواها، فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة، وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور، ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس، وشذ الأوزاعي، فقال: هو نكاح متعة، ولا خير فيه"(66). وقال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: "فإن تزوجها من غير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم"(67). وقد نص الشافعية على أن النكاح في هذه الحالة مكروه. قال الزركشي: "ولو تزوجها على أن يحلها للأول ففي الاستذكار للدارمي فيه وجهان، وجزم الماوردي بالصحة؛ لأنه لم يشترط الفرقة، بل شرط مقتضى العقد (فلو تواطآ) أي: العاقدان على شيء من ذلك قبل العقد، ثم عقدا بذلك القصد (بلا شرط كُرِه) خروجاً من خلاف من أبطله، ولأن كل ما صرح به أبطل، إذا أضمره كره، ومثله لو تزوجها بلا شرط وفي عزمه أن يطلقها إذا وطئها، وبه صرح الأصل"(68). وقال الشربيني في مغني المحتاج بمثله.(69)
2. من نكح نكاحاً مطلقاً، ونيته ألا يمكث معها إلا مدة نواها، فنكاحه نكاح متعة، وبه قال الأوزاعي. قال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: "فإن تزوجها من غير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته، فالنكا ح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي، قال: هو نكاح متعة، والصحيح أنه لا بأس به، ولا تضر نيته"(70). ونقل ابن مفلح هذا القول عن أبي داود في النكاح بنية الطلاق، حيث اعتبر أنه شبيه بالمتعة، وقال: لا، حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حييت.(71) وقال في موضع آخر: "وإن تزوجها بشرط أنه متى أحلها للأول طلقها، أو فلا نكاح بينهما، لم يصح العقد، كشرطه، وعنه: بلى، وكذا نيته أو اتفقا قبله، على الأصح"(72). ونقل المرداوي من الحنابلة ما يدل على أن هذا قولٌ لأحمد. قال رحمه الله تعالى: "لو نوى بقلبه، فهو كما لو شرطه، على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه الأصحاب. قال في الفروع: وقطع الشيخ فيها بصحته مع النية. ونصه: والأصحاب على خلافه، وقيل: يصح"(73). وبمثل هذا قال منصور بن يونس البهوتي، حيث قال رحمه الله تعالى: "نكاح المتعة: وهو أن يتزوجها إلى مدة أو يشرط طلاقها فيه بوقت، فيبطل نصاً، أو ينويه: أي ينوي الزوج طلاقها بوقت (بقلبه أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج) ليعود إلى وطنه؛ لأنه شبيه بالمتعة"(74).
الزواج السياحي:
صورته:
يقوم بعض الناس الذين يسافرون في أيام الأجازات للسياحة -أو لأي غرض آخر- لمدة محدودة كشهر أو شهرين، بالزواج من الدولة التي سيسافر إليها، فيتزوج وهو ينوي طلاق زوجته عند انتهاء الإجازة، فيترك زوجته في بلدها ويعود إلى بلده، وربما تكون قد حملت منه، وربما يذهب خفيةً، فلا يعلم الناس مكانه.
حكمه:
إن الناظر في عقد النكاح وحيثياته وشروطه وأركانه، يرى أن دوام النكاح حتى الموت ليس شرطاً في صحة النكاح؛ لأن الدوام ليس ركناً من أركان النكاح، ولا شرطاً لصحة عقد النكاح، وإلا لأدى ذلك إلى إبطال حكم الطلاق، وهذا باطل، وما أدى إلى باطل فهو باطل مثله، فالمرء يمكنه أن يتزوج وينوي الدوام، ولكنه إن بدا له أن يطلق لسببٍ ما، فله ذلك، فنيته الدوام لا تبطل حقه في الطلاق، حتى لو شرطت المرأة على الزوج ألا يطلق، فليس لها ذلك؛ لأن كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وكل شرطٍ يحرم ما أحله الله فهو باطل.
وعلى ذلك يقال: إن نية المرء عدم الطلاق غير مؤثرة في العقد، والعكس بالعكس؛ لأن نية الدوام ليست ركناً من أركان العقد ولا شرطاً، وكذلك نية الطلاق غير مؤثرة في العقد أيضاً، وإن المرء إذا نوى الطلاق في وقت وقوع العقد، فذلك لا يعني أن زوجته قد طلقت بهذه النية المجردة، حتى لو تراجع في مستقبل أيامه عن هذه النية فله ذلك، ولا تطلق زوجته بتلك النية المتقدمة؛ فالطلاق لا يقع بمجرد النية، والنكاح أيضاً لا يقع بمجرد النية، وإنما يقع النكاح والطلاق باللفظ والصيغة، فما دام الطلاق منوياً غير ملفوظ به فالنكاح صحيح، هذا من جهة صحة النكاح أو بطلانه.
هذا وإن حديثي عن هذه الجزئية -أعني صحة النكاح- لا يفهم منه أن هذا الفعل مطلوب، بل هو مستقبح عرفاً من الإنسان، فالذي ينكح وهو ينوي الطلاق -ابتداءً- عابث، قد فوت مقاصد النكاح العظيمة.
لكن قد يترتب على هذا النكاح ضرر كبير بأولاد هذا الزوج أو بزوجته...، وذلك كمن نوى الطلاق عند نكاحه بعد شهر أو شهرين مثلاً، ثم هرب واختفى وترك زوجَهُ حاملاً، فلم يُعْلَم مكانُه، وربما يكون قد دلًس على زوجته، بأنه من مكان كذا، وأنه ولد في مكان كذا، أو يسكن في مكان كذا، ثم يتبين خلاف ذلك، حتى يتهرب من مسؤوليته ونفقته على زوجته وولده، وربما يعيش ولده ويشب وهو لا يعرف عن والده الحي إلا اسمه، ويزداد الأمر سوءاً وتعقيداً إذا هرب هذا الرجل ويترك بنتاً له منها، لا تجد من يعقد لها عند بلوغها سن النكاح، وربما يبلغ الأمر ببعضهم إلى الهروب ويترك زوجَهُ معلقةً، طِوال عمرها، فلا يطلقها، ولا يبقى معها، فيكون زوجاً وفياً لها، والله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: 19]، ويقول: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2]، ويقول: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً﴾ [البقرة: 231].
فلا شك أن مثل هذا الضرر ممنوع شرعاً، وفاعله واقع في معصية كبيرة جداً، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته»(75). وعنه أيضاً قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت»(76).
فإذا أمكن لولي الأمر أن يرفع هذه الضرر وجب عليه ذلك، وهذا واقع بأن يجعل قانوناً أو أمراً لقضاة المحاكم ينص فيه على عدم العقد لأي رجل من خارج البلد بامرأة من بلدته، إلا بما يرشده إلى جميع التفاصيل الكافية التي تدل على اسم هذا الزوج ومكانه، أو أن يأمر بألا يكون النكاح إلا بعد أن يحضر الزوج جواز سفره أو إقامته، ويمكنه أن يقرر عدم العقد إلا بورقة من ولي أمر الزوج، تدل على موافقته على هذا النكاح، وتكون هذه الورقة معمّدة من سفارة الدولة التي ينتمي إليها هذا الزوج.
كما يمكن للقاضي الشرعي إن وصل إليه مثل هذه الحالات أن يعاقب هذا العابث بأشد عقوبة.
وإذا لم يتمكن ولي الأمر من رفع هذا الضرر، أو شق عليه ذلك، أو تعذر، فيمكنه أن يحكم ببطلان هذا النكاح؛ وذلك ترجيحاً لقول أحمد في رواية عنه ولقول الأوزاعي أيضاً، ولشبهه بنكاح المتعة المحرم، وقد ذكر الشافعية في سياق تعليلاتهم على حرمة نكاح المتعة، أن الغرض منه هو مجرد التمتع دون التوالد، وهذا مما يخالف مقاصد النكاح من التوالد، وتكثير النسل. قال في فتح الوهاب: "سمي (نكاح المتعة) بذلك؛ لأن الغرض منه مجرد التمتع دون التوالد، وغيره من أغراض النكاح"(77).
وبطلان النكاح هنا ليس لذات النكاح؛ لعدم اختلال شرط أو ركن فيه؛ ولكنه لأمر خارجي؛ هو أن هذا النكاح قد أصبح ضرراً، والضرر يزال، ولأن المنفعة الشرعية والمقصد الشرعي من هذا النكاح قد انتفت.
والقول ببطلان هذا النكاح يعني أن يُلزِم القاضي جميع من يتولى العقود الشرعية بعدم إيقاعه العقد في مثل هذه الحالات، هذا إن ظهرت عنده قرينة تدل على أن النكاح نكاح سياحي.
الخلاصة:
من خلال ما سبق يتلخص هذا البحث في الآتي:
1. التوقيت في النكاح إما أن يكون توقيتاً لفظياً، أو توقيتاً منوياً؛ فأما الأول فهو المنصوص عليه في عقد النكاح، وهو إما توقيت بزمن، وهو ما عُرِف باسم نكاح المتعة، وإما توقيت بزمن أو بفعل الجماع وهو نكاح التحليل. وأما الثاني فهو نية التوقيت عند إيقاع عقد النكاح أو قبله، من دون ذكر لذلك حال العقد، وهو ما عُرِف باسم النكاح المؤقت بالنية.
2. نكاح المتعة هو نكاح مؤقت، والنكاح المؤقت نكاح باطل، والتوقيت في نكاح المتعة معناه: أن ينفسخ النكاح بمجرد مرور الوقت المتفق عليه، ويرتفع هذا النكاح من غير حاجة إلى طلاق أو فرقة.
3. اختلف العلماء في حكم نكاح التحليل على أقوال كالآتي:
أ- النكاح صحيح، مع كراهة اشتراط التحليل، وهذا ما قاله أبو حنيفة وزفر.
ب- النكاح جائز، ولكن لا تحل به للأول، وهو قول لبعض الحنفية.
ج- النكاح فاسد، وهو قول مالك والشافعية، وهو رواية عن أحمد، وقول لبعض الحنفية.
د- النكاح صحيح، وهو رواية عن أحمد.
4. وقع خلاف بين العلماء فيمن نوى وقت النكاح طلاق زوجته في وقتٍ ما، ولم يتلفظ بهذه النية، وذلك كالآتي:
أ- النكاح صحيح، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
ب- النكاح نكاح متعة، وبه قال الأوزاعي، ونقل ابن مفلح هذا القول عن أبي داود في النكاح بنية الطلاق، واعتبره شبيهاً بالمتعة، ونقل المرداوي من الحنابلة ما يدل على أن هذا قولٌ لأحمد.
5. صورة النكاح السياحي هي الزواج بنية الطلاق بعد فترة من النكاح، من دون اتفاق على ذلك، ولا تلفُّظٍ به.
6. إذا ترتب على النكاح السياحي ضرر، فيجب على ولي الأمر رفع هذا الضرر بكل وسيلة ممكنة؛ وذلك بتشريع التشريعات، وتقنين القوانين، وإنزال العقوبات الرادعة بالمتجاوزين.
7. إذا لم يتمكن ولي الأمر من رفع هذا الضرر، أو شق عليه ذلك، أو تعذر، فيمكنه أن يحكم ببطلان هذا النكاح؛ لشبهه بنكاح المتعة المحرم، ولدفع الضرر عمن يتضرر به.
والله تعالى أعلى وأعلم، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونِعم الوكيل
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
الثلاثاء - 23 ربيع الآخر 1429هـ، 26/ 4/ 2008م.
راجعه: قسطاس إبراهيم.
علي عمر بلعجم 6/ 5/ 2008م.
___________________
(1) حاشية رد المحتار 3/ 3.
(2) الاختيار لتعليل المختار 1/ 32.
(3) الاختيار لتعليل المختار 1/ 32.
(4) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ج 12/ 92.
(5) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 370.
(6) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 378 وما بعدها.
(7) العناية شرح الهداية 4/ 394.
(8) الأم 5/ 85.
(9) المجموع 16/ 253.
(10) الشرح الكبير للشيخ الدردير 2/ 239.
(11) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 536.
(12) العناية شرح الهداية 4/ 394.
(13) الاختيار لتعليل المختار 1/ 32.
(14) العناية شرح الهداية 4/ 394.
(15) روضة الطالبين وعمدة المفتين 2/ 461.
(16) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 536.
(17) الإنصاف 12/ 423.
(18) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 5/ 460 وما بعدها.
(19) صحيح البخاري 13/ 116، برقم: 3894، صحيح مسلم 7/ 200، برقم: 2510.
(20) صحيح مسلم 7/ 194، برقم: 2504.
(21) صحيح مسلم 7/ 191، برقم: 2501.
قال النووي: "أما البكرة: فهي الفتية من الإبل أي الشابة القوية، وأما العيطاء: فبفتح العين المهملة وإسكان الياء المثناة تحت وبطاء مهملة وبالمد، وهي: الطويلة العنق في اعتدال، وحسن قوام، والعيط: بفتح العين والياء طول العنق. انظر: شرح النووي على مسلم 5/ 84.
(22) صحيح مسلم 7/ 196، برقم: 2506.
(23) صحيح مسلم 7/ 202، برقم: 2512.
(24) سنن أبي داود 5/ 461، برقم: 1774.
(25) سنن الترمذي 4/ 321، برقم: 1040.
(26) سنن النسائي 11/ 25، برقم: 3314.
(27) شرح النووي على مسلم 5/ 83، برقم: 2499، مسند أحمد 33/ 317، برقم: 15956.
(28) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(29) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 537، 538.
(30) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(31) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(32) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(33) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(34) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(35) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 5/ 460 وما بعدها.
(36) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(37) أسنى المطالب 15/ 41.
(38) معجم لغة الفقهاء 1/ 124.
(39) معجم لغة الفقهاء 1/ 413.
(40) المبسوط 7/ 142.
(41) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 7/ 370.
(42) فتح القدير 8/ 449.
(43) فتح القدير 8/ 448.
(44) بداية المجتهد 2/ 47.
(45) بداية المجتهد 2/ 70.
(46) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 5/ 199.
(47) الشرح الكبير للشيخ الدردير 2/ 258. وانظر: منح الجليل شرح مختصر خليل 6/ 405.
(48) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 12/ 267.
(49) أسنى المطالب 15/ 41.
(50) الأم 5/ 86.
(51) الفروع لابن مفلح 9/ 177.
(52) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 532.
(53) المبسوط 7/ 142.
(54) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 7/ 371. والحديث سيأتي تخريجه.
(55) سنن أبي داود 5/ 467، برقم: 1778. قال الألباني: صحيح. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 5/ 76، برقم: 2076.
(56) سنن ابن ماجه 6/ 59 برقم: 1924، قال الألباني: صحيح. انظر: صحيح وضعيف سنن ابن ماجة 4/ 434، برقم: 1934.
(57) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 532.
(58) المبسوط 7/ 142.
(59) المبسوط 7/ 142.
(60) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 7/ 370.
(61) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 7/ 370.
(62) فتح القدير 8/ 449.
(63) الشرح الكبير للشيخ الدردير 2/ 239.
(64) الشرح الكبير للشيخ الدردير 2/ 258.
(65) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني 5/ 199،200.
(66) شرح النووي على مسلم 5/ 76.
(67) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 538.
(68) أسنى المطالب 15/ 41.
(69) مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج 12/ 267.
(70) الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 538.
(71) الفروع لابن مفلح 9/ 178.
(72) الفروع لابن مفلح 9/ 177.
(73) الإنصاف 12/ 423.
(74) شرح منتهى الإرادات 8/ 435 بتصرف.
(75) صحيح مسلم 5/ 161، برقم: 1662.
(76) سنن أبي داود 5/ 12، برقم: 1442، قال الألباني: حسن. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 4/ 192، برقم: 1692.
(77) فتح الوهاب 2/ 58.