مركز البحوث
   
الفقه
   
أحوال شخصية
   
حضور الدعوة المشتملة على بعض المعاصي
حضور الدعوة المشتملة على بعض المعاصي
علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس
الثلاثاء 15 يناير 2013

حضور الدعوة المشتملة على بعض المعاصي

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فلقد كثر الناس في هذا الزمان، واتسعت المدن، وتشعبت الحياة بأهلها، وانفتحت المجتمعات على بعضها، وأصبح البعيد قريباً، والقريب بعيداً، وأصبح العالم كله كقرية واحدة، يمكن لأي فرد فيه، أن يتصل بأي فرد، في أي مكان، في طرفة عين، وقد أدى هذا الانفتاح إلى تأثر المسلمين بالغرب من اليهود والنصارى وغيرهم، في ثقافتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، حتى وُجِد من المسلمين من يفعل فِعل اليهود والنصارى، ويتشبه بهم في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم... ومن هذه المسائل التي غزا الغرب بها المسلمين، ما غزونا به في ولائم أعراسنا خاصة، وفي سائر الولائم عامة، حيث وُجِد في مثل هذه الولائم التشبه باليهود والنصارى في: التبرج، والاختلاط، وربما في بعض الأحيان: السفور، والرقص المختلط، ولبس الملابس الفاضحة والخليعة، والاستماع إلى الأغاني والمزامير... وربما دُعِي بعض الصالحين إلى هذه الولائم، بل ربما كان صاحب هذه الوليمة أخاً، أو أختاً، أو قريباً أو جاراً... مما أوقع الصالحين في الحرج، وربما تردد بعضهم بين الحضور وعدمه، بل ربما حضر بعضهم واعتذر بأنه كاره لهذا المنكر ولا يرضى به؛ ولذا فقد أحببت أن أتكلم عن هذه المسألة، وأن أبيِّن حكم الشرع فيها؛ عسى الله أن ينفع بما سأكتبه.

وسيجري خط سير هذا البحث على النحو الآتي:

1. تعريف الدعوة.

2. أنواع الدعوات.

3. حكم إجابة الدعوة.

4. حكم حضور الدعوة المشتملة على بعض المعاصي.

5. الأدلة الدالة على تحريم إجابة الدعوة التي فيها منكر.

6. الخلاصة.

تعريف الدعوة:

قال الجوهري: "دعا الدَعْوَةُ إلى الطعام بالفتح. يقال: كنا في دَعْوَةِ فلان، ومَدْعاةِ فلان، وهو في الأصل مصدرٌ، يريدون الدُعَاءَ إلى الطعام"(1). وقال الفيروزآبادي: "والدُّعاءُ: الرَّغْبَةُ إلى الله تعالى، دَعا دُعاءً ودَعْوَى... والدَّعْوَةُ: الحَلِفُ، والدُّعاءُ إلى الطَّعامِ، ويُضَمُّ، كالمَدْعاةِ"(2). وقال زين الدين الرازي: "الدَّعْوة إلى الطَّعَام بالفتح. يقال كُنَّا في دَعْوة فلان ومَدْعاة فلان، وهو مصدر، والمراد بهما الدعاء إلى الطَّعام. والدِّعْوة بالكسر في النَّسَب، والدَّعوى أيضاً، هذا أكثر كلام العرب. وعَدِيُّ الرِّبَاب، يَفتحون الدَّالَ في النَّسب ويكسرونها في الطَّعَام"(3).

فعُلِم مما تقدم: أن الدعوة مصدر دعا، وأنها بمعنى الدعاء إلى الطعام.

أنواع الدعوات:

ذكر العلماء أنواع كثيرة للدعوات، منها:

1. طعام الختان، ويقال له: إعذار.

2. طعام القادم من سفر، ويقال له: نقيعة.

3. طعام النفاس، ويقال له: خُرْس.

4. الطعام الذي يعمل للجيران والأصحاب؛ لأجل المودة، ويقال له، مأدُبَة.

5. طعام بناء الدور، ويقال له: وكيرة.

6. الطعام الذي يصنع في سابع الولادة، ويقال له: عقيقة.

7. الطعام الذي يصنع عند حفظ القرآن، ويقال له: حذاقة.(4)

زاد الشيرازي من الشافعية:

8. الوليمة للعرس.(5)

وزاد النووي الشافعي:

9. الوضيمة: لما يتخذ للمصيبة.(6)

وزاد المرداوي الحنبلي:

10. التحفة: لقدوم الغائب.

11. والشدخية، ويقال الشندخية: لطعام الإملاك على الزوجة.

12. والشداخ، ويقال المشداخ: لمأكول في ختمة القارئ.(7)

حكم إجابة الدعوة:

وقع خلاف بين الفقهاء -على الجملة- في حكم إجابة الدعوة:

1. فقال بعضهم: واجب، لا يسع تركها.(8)

2. وقال بعضهم: هي سنة.(9)

3. وقيل: يستحب الإجابة إلى العقيقة.(10)

4. وقيل: يستحب الإجابة إلى سائر الولائم مما سوى وليمة العرس.)11)

وأما إجابة دعوة وليمة العرس ففيها ثلاثة أقوال:

فقيل: يجب الإجابة إلى وليمة العرس، وهو ما نص عليه ابن عابدين من الحنفية(12)، والدسوقي من المالكية(13)، وهو المنصوص عليه عند الشافعية(14)، وهو الأشهر عند الحنابلة(15). وقيل: الإجابة إلى وليمة العرس مستحبة، وهو ما نص عليه الحطاب الرعيني المالكي(16)، وهو قول عند الشافعية، والحنابلة(17). وقيل عن الشافعية، والحنابلة في إجابة وليمة العرس: فرض كفاية.(18)

حكم حضور الدعوة المشتملة على بعض المعاصي:

سيكون بيان حكم حضور الدعوة المشتملة على بعض المعاصي، مرتباً على المذاهب الإسلامية الأربعة، على النحو الآتي:

- مذهب الحنفية:

نص الحنفية أن المرء إن علم ابتداء أنه سيكون هناك معصية، أنه لا يجوز له الحضور أصلاً. قال في الدر المختار: "وإن علم أولاً باللعب، لا يحضر أصلاً، سواء كان ممن يقتدى به أو لا"(19). وقد نقل ابن عابدين أن الإجابة للدعوة واجبة، إلا إن كان هناك معصية أو بدعة. قال -رحمه الله-:"وفي التتارخانية عن الينابيع: لو دُعي إلى دعوة، فالواجب الإجابة، إن لم يكن هناك معصية ولا بدعة، والامتناع أسلم في زماننا، إلا إذا علم يقيناً أن لا بدعة ولا معصية"(20).

وقد فصل المسألة في الدر المختار بشكل أكثر، فقال:"دُعِي إلى وليمة وثمة لعب أو غناء، قعد وأكل، لو كان المنكر في المنـزل، فلو كان على المائدة، لا ينبغي أن يقعد، بل يخرج معرضاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]، فإن قدر على المنع فعل، وإلا يقدر، صبر إن لم يكن ممن يقتدى به، فإن كان مقتدى، ولم يقدر على المنع، خرج، ولم يقعد؛ لأن فيه شين الدين، والمحكي عن الإمام: كان قبل أن يصير مقتدى به. وإن علم أولاً باللعب، لا يحضر أصلاً، سواء كان ممن يقتدى به أو لا؛ لأن حق الدعوة إنما يلزمه بعد الحضور لا قبله... ويدخل عليهم بلا إذنهم؛ لإنكار المنكر"(21).

قلت: الظاهر أنه يقال: إن من لم يقدر على إزالة المنكر، فإنه يجب عليه أن ينصرف، حتى ولو لم يكن ممن يُقتدى به؛ لعموم الآية المتقدمة.

وذكر ابن عابدين أيضاً أنه إن حضر، ثم وجد المعصية، فلا يجوز له أن يقعد، بل عليه أن ينصرف. قال رحمه الله:"وكذا إذا كان على المائدة قوم يغتابون، لا يقعد، فالغيبة أشد من اللهو واللعب"(22). وقال في الجامع الصغير:"فأما لو كان مقتدى به، فليخرج، إن لم يقدر على النهي، في الوجهين جميعاً؛ لأن فيه شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين"(23).

- مذهب المالكية:

نص المالكية على أن وجود المعصية -أيُّ معصية كانت- في الدعوة، سببٌ مسقط لوجوب الحضور إلى هذه الدعوة. قال الدسوقي:"فتسقط الإجابة مع ما ذُكِر، أي من حضور من يتأذى به، ووجود منكر في المجلس، وصور حيوان كاملة ذات ظل"(24). وقال خليل في مختصره:"الوليمة مندوبة بعد البناء يوماً، وتجب إجابة من عُيِّن، وإن صائماً، إن لم يحضر من يتأذى به، ومنكر، كفرش حرير، وصور على كجدار، لا مع لعب مباح -ولو في ذي هيئة على الأصح- وكثرة زحام، وإغلاق باب دونه"(25). وقد ذكر في الشرح الكبير(26) عدم وجوب إجابة الدعوة في مواضع، وهي:

1. إن حضر من يتأذى به المدعو لأمر ديني، كمن شأنهم الوقوع في إعراض الناس.

2. إن كان هناك منكر، كفرش حرير يجلس هو أو غيره عليه بحضرته، أو استعمال آنية فضة أو ذهب، أو سماع ما يحرم استماعه من غوان وآلة، ولو بمكان الجلوس، إن سمع أو رأى، أو كان هناك صور تماثيل مجسدة كاملة لها ظل.

3. إن كان هناك كثرة زحام.

4. إن علم أنّ الباب سيغلق دونه.

5. إن بعُدَ المكان جداً على المدعو، مما يشق الذهاب إليه عادة.

6. إن كان بالمدعو مرض، أو كان يمرِّض قريب له.

7. إن كان شدة وحل أو مطر أو خوف على مالٍ.

8. إن كان على رؤوس الآكلين من ينظر إليهم.

قلت: في هذا نظر؛ لعدم وجود الدليل على ذلك.

9. إن فُعِل الطعام لقصد المباهاة والفخر.

كما إن المالكية قد نصوا على أن حضوره لو كان سيفضي إلى محرم، فلا تجب إجابة الدعوة. قال الدسوقي: "ومن جملة ما يسقط الإجابة: علمُه بفوات الجمعة إذا ذهب، وكون الطريق أو البيت فيه نساء واقفات يتفرجن على الداخل، وكون الداعي جميلاً، أو عنده جميلٌ، ويعلم المدعو أنه إذا حضر يحصل له منه لذة، وكون الداعي امرأة غير محرم أو خنثى، وكون المدعو جميلاً، يعلم أنه إذا ذهب يخشى منه الافتتان، فلا تجب عليه الإجابة"(27).

بل قد نقلوا عن القرطبي منهم، حرمة الإجابة للدعوة التي فيها محرم، وأنه لا خلاف في ذلك عندهم. قال الحطاب الرعيني: "وقال القرطبي في شرح مسلم: وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة، أو تلحق فيه مِنَّة، أو رؤية منكر، فلا يجوز الحضور، ولا الأكل، ولا يختلف فيه"(28).

- مذهب الشافعية:

أما الشافعية، فلهم تفصيل في إجابة الدعوة التي فيها منكرات: خلاصته كالآتي:

1. يلزمه الحضور، إن قدر على إزالة هذا المنكر، واللزوم هنا واقع عليه من جهتين: من جهة إجابة الدعوة، ومن جهة إزالة المنكر.

2. لا يلزمه الحضور، بل يحرم، إن لم يقدر على إزالة المنكر. وهذا على قول عند الشافعية، وهو ما رجحه النووي في الروضة. وقيل يحضر، ولا يستمع، ويكفي أن يُنكِر بقلبه. وعلق النووي على هذا بأنه خطأ.(29)

قال الشيرازي في المهذب: "فإن دعي إلى موضع فيه منكر من زَمْر أو خمر، فإن قدر على إزالته، لزمه أن يحضر؛ لوجوب الإجابة، ولإزالة المنكر، وإن لم يقدر على إزالته، لم يحضر"(30).

وقال أيضاً: "وإن حضر في موضع فيه تماثيل، فإن كانت كالشجر جلس، وإن كانت على صورة حيوان، فإن كانت على بساط يداس، أو مخدة يتكأ عليها، جلس، وإن كانت على ستر معلق، لم يجلس"(31).

وقد ذكر الشربيني في الإقناع، الحالات التي لا يشرع فيها إجابة الدعوة، وأوصلها إلى تسعة عشر حالة، ذكر منها الآتي:

1. أن يخص بالدعوة الأغنياء لغناهم.

2. أن يدعوه لخوف منه، لو لم يحضر، أو طمعاً في جاهه، أو إعانته على باطل.

3. أن يكون الداعي امرأة أجنبية، وليس في موضع الدعوة مَحرم لها، ولا للمدعو، وإن لم يخل بها.

4. أن يكون الداعي ظالماً، أو فاسقاً، أو شريراً، أو متكلفاً؛ طالباً للمباهاة والفخر.

5. أن يكون المدعو أمرد، يخاف من حضوره ريبة أو تهمة أو قالة.

6. أن يكون هناك منكر، لا يزول بحضوره، كشرب الخمر، والضرب بالملاهي، فإن كان يزول بحضوره، وجب حضوره للدعوة، وإزالة المنكر.

7. أن يكون هناك صورة حيوان.(32)

ثم قال الشربيني: "وقياس ما مر عن الأذرعي في الأمرد، أن المرأة إذا خافت من حضورها ريبة أو تهمة أو قالة، لا تجب عليها الإجابة، وإن أذن الزوج، والأولى عدم حضورها، خصوصاً في هذا الزمان، الذي كثر فيه اختلاط الأجانب من الرجال والنساء في مثل ذلك، من غير مبالاة بكشف ما هو عورة، كما هو معلوم مشاهد "(33).

والرابط الذي يجمع الحالات المتقدمة جميعاً هو: أنها إما معاصي، أو تفضي إلى المعاصي.

- مذهب الحنابلة:

وأما الحنابلة، فلهم تفصيل في المسألة كتفصيل الشافعية، وهو مشروعية الإجابة عند القدرة على إزالة المنكر، وعدم الإجابة عند عدم القدرة على إزالة المنكر. قال ابن ضويان: "وإن علم أن في الدعوى منكراً، كزمر وخمر وآلة لهو، وأمكنه الإنكار حضر وأنكر؛ لأنه يجمع بين واجبين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر، وإن لم يمكنه الإنكار، لم يحضر"(34)، وقال في المبدع:"وإن علم أن في الدعوة منكراً، كالزمر والخمر، وأمكنه الإنكار حضر وأنكر؛ لأنه يؤدي فرضين إجابة الدعوة وإزالة المنكر، وإلا إذا لم يمكنه الإنكار، لم يحضر"(35).

وقد ذكروا من شروط إجابة الدعوة: أن لا يكون هناك منكر. ذكر ذلك صاحب المبدع(36)، وقال ابن ضويان: "والإجابة إليها في المرة الأولى واجبة، إن كان لا عذر، ولا منكر. قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة، لمن دعي إليها، إذا لم يكن فيها لهو"(37). وبمثله قال ابن قدامة في المغني.(38)

بل إنهم حرَّموا إجابة الدعوة، إن كانت تفضي إلى محرم، أو كان في الحضور معنى الإقرار. قال البهوتي: "ومنع ابن الجوزي في المنهاج من إجابة: ظالم، وفاسق، ومبتدع، ومتفاخر بها. أو فيها مبتدع يتكلم ببدعته، إلا لرادٍّ عليه، وكذا إن كان فيها مُضحِكٌ بفحش أو كذب؛ لأن ذلك إقرار على معصية"(39).

قال في المبدع: "وإن حضر إلى الدعوة، ولم يكن يعلم بوجود منكر، ثم علم، أزال المنكر وجلس؛ لأن في ذلك جمعاً بين مصلحتي الإنكار ومقصود الإجابة الشرعية. فإن لم يقدر، انصرف؛ لأن الجلوس مع مشاهدة التحريم حرام، وقد خرج أحمد من وليمة فيها آنية فضة، فقال الداعي: نُحوِّلُها، فلم يرجع، نقله حنبل. وإن علم به، ولم يره ولم يسمعه، فله الجلوس؛ لأن المحرم رؤية المنكر وسماعه، ولم يوجد واحد منهما"(40).

الأدلة الدالة على تحريم إجابة الدعوة التي فيها منكر:

استدل العلماء على حرمة إجابة الدعوة التي فيها منكر بالأدلة الآتية:

1. عموم قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]، ومن وقع في المعصية، فقد ظلم نفسه، فلا ينبغي القعود معه.

2. ولحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها بالخمر»(41). والحديث قد دل على حرمة أن يقعد المسلم في مائدة يدار عليها الخمر، حتى ولو لم يكن ممن يشرب، ولأنه يحرم عليه مشاهدة ذلك.

3. ولحديث نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «سمع صوت زمارة راعٍ، فوضع إصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول: نعم. فيمضي، حتى قلت: لا. فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع صوت زمارة راعٍ، فصنع مثل هذا»(42). ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض عن سماع هذا المحرم، بل وأدخل إصبعيه في أذنيه، حتى لا يسمع، فدل على حرمة الاستماع إلى المحرم.

4. ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتاني جبريل -عليه السلام- فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت، إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُر برأس التمثال، الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع، فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، ومُر بالكلب فليخرج. ففعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإذا الكلب لحسن أو حسين، كان تحت نضد لهم، فأمر به فأُخرج»(43).

5. ولحديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: «صنعت طعاماً، فدعوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء، فرأى في البيت تصاوير، فرجع»(44). قال ابن عابدين: "مفاد الحديث: أنه يرجع، ولو بعد الحضور، وأنه لا تجب الإجابة مع المنكر أصلاً"(45).

6. ولحديث عائشة -رضي الله عنها-: «أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله، وإلى رسوله. ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما بال هذه النمرقة؟! فقلت: اشتريتها لك؛ لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وقال: "إن البيت الذي فيه الصور، لا تدخله الملائكة»(46)، فقد امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الدخول؛ لوجود هذا المحرم في بيته، وهكذا ينبغي لمن وجد المنكر في بيت الدعوة ألا يدخل.

7. ولأن عدم الدخول إلى دعوة اشتملت على المنكرات، مما جرى عليه السلف، فعن أسلم -مولى عمر- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قدم الشام، فصنع له رجل من النصارى، فقال لعمر: إني أحب أن تجيئني، وتكرمني أنت وأصحابك -وهو رجل من عظماء الشام- فقال له عمر -رضي الله عنه-: "إنا لا ندخل كنائسكم؛ من أجل الصور التي فيها"(47)، وعن أبي مسعود -عقبة بن عمرو- أن رجلاً صنع له طعاماً، فدعاه، فقال:"أفي البيت صورة؟ قال: نعم فأبى أن يدخل، حتى كسر الصورة، ثم دخل"(48).

8. ولأن حضوره فيه ضرر عليه، وهو معاينة المنكر(49).

9. ولأنه يشاهد المنكر من دون حاجة إليه، فمُنِع منه، كما لو شاهده مع القدرة على إزالته.(50)

الخلاصة:

من خلال ما سبق عرضه من أقوال فقهاء المذاهب الإسلامية الأربعة، يتبين لنا الآتي:

1. إن علم الدعو ابتداءً أنه سيكون هناك معصية، فلا يجوز له الحضور أصلاً، إن ظن أنه غير قادر على إزالة هذه المعصية، فإن ظن أنه قادر على إزالتها، لزمه الحضور، فإن لم تزُل المعصية، وجب عليه أن ينصرف.

2. جواز الحضور إلى الدعوة التي فيها معصية، إن كان ذلك بقصد إزالة المنكر.

3. وجود المعصية سببٌ شرعي يسقط مشروعية الحضور إلى هذه الدعوة.

4. حرمة إجابة الدعوة التي اشتملت على المنكر، وحرمة البقاء فيها.

5. حرمة الحضور إلى الدعوة، إن كان ذلك سيفضي إلى محرم، أو كان في حضوره معنى الإقرار على هذا المحرم.

كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.

الاثنين - 30 صفر 1428هـ، 19/ 3/ 2007م.

راجعه: يونس بن عبد الرب الطلول.

_____________________

(1) الصحاح في اللغة 1/ 206.

(2) القاموس المحيط 3/ 419.

(3) مختار الصحاح 1/ 100.

(4) انظر: حاشية الدسوقي 2/ 337، مواهب الجليل 4/ 3.

(5) المهذب 2/ 64.

(6) روضة الطالبين 7/ 332.

(7) انظر: الإنصاف للمرداوي 8/ 315، المبدع 7/ 179.

(8) انظر: حاشية ابن عابدين 6/ 347.

(9) المصدر السابق 6/ 347.

(10) حاشية الدسوقي 2/ 337.

(11) الإقناع للشربيني 2/ 427.

(12) انظر: حاشية ابن عابدين 6/ 347.

(13) انظر: حاشية الدسوقي 2/ 337.

(14) انظر: المهذب 2/ 64. الإقناع للشربيني 2/ 427.

(15) انظر: المبدع 7/ 180.

(16) انظر: مواهب الجليل 4/ 2.

(17) انظر: المبدع 7/ 181. روضة الطالبين 7/ 333.

(18) انظر: روضة الطالبين 7/ 333. المبدع 7/ 181.

(19) الدر المختار 5/ 663 وما بعدها.

(20) حاشية ابن عابدين 6/ 347.

(21) الدر المختار 5/ 663 وما بعدها، وانظر: الجامع الصغير 1/ 482.

(22) حاشية ابن عابدين 6/ 348.

(23) الجامع الصغير 1/ 482.

(24) حاشية الدسوقي 2/ 338.

(25) مختصر خليل 1/ 127، 128.

(26) انظر: الشرح الكبير 2/ 337 وما بعدها، مواهب الجليل 4/ 4 وما بعدها.

(27) حاشية الدسوقي 2/ 338.

(28) مواهب الجليل 4/ 4.

(29) انظر: روضة الطالبين 7/ 334، 335.

(30) المهذب 2/ 64.

(31) المصدر السابق 2/ 64.

(32) انظر: الإقناع للشربيني 2/ 428.

(33) المصدر السابق 2/ 428.

(34) منار السبيل 2/ 185.

(35) المبدع 7/ 184.

(36) المصدر السابق 7/ 181.

(37) منار السبيل 2/ 185.

(38) انظر: المغني 7/ 213.

(39) كشاف القناع 5/ 167.

(40) انظر: المبدع 7/ 184.

(41) سنن الترمذي 9/ 492، برقم: 2725، مسند أحمد 1/ 124، برقم: 120، وصححه الألباني في إرواء الغليل 7/ 6، برقم: 1949.

(42) مسند أحمد 9/ 343، برقم: 4307. والحديث صححه الألباني في تحريم آلات الطرب 1/ 116، برقم: 2.

(43) سنن أبي داود 11/ 206، برقم: 3627، سنن الترمذي 9/ 498، برقم: 2730. والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة - مختصرة 1/ 691، برقم: 356. قال أبو داود: والنضد: شيء توضع عليه الثياب، شبه السرير. انظر: سنن أبي داود 11/ 206.

(44) سنن ابن ماجه 10/ 121، برقم: 3350. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة 7/ 359، برقم: 3359.

(45) حاشية ابن عابدين 6/ 348.

(46) صحيح البخاري 7/ 293، برقم: 1963، صحيح مسلم 11/ 21، برقم: 3941.

(47) السنن الكبرى للبيهقي 7/ 268.

(48) المصدر السابق 7/ 268.

(49) المبدع 7/ 184.

(50) المصدر السابق 7/ 184.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
 
الاسم:  
نص التعليق: