حكم التسعير
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعَّال لما يريد، خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فلقد تداعى اليهود والنصارى على المسلمين من كل جانب، وأصاب المسلمون الضعف في كل النواحي: الاقتصادية منها، والسياسة، والاجتماعية... وعاش المسلمون في ظلمات من الفقر والجهل وضعف الإيمان... وهبَّ الناس لدفع الفقر بشتى الوسائل: المباح منها والمحرم، مما دفع بعض الباعة إلى البيع والشراء بدون معيار، وجعل هدفه الأول هو الحصول على أكبر قدر من الأرباح؛ فتفاوتت الأسعار في السلعة الواحدة تفاوتاً بيناً، وقد صاحب ذلك ظلم الدول الإسلامية لرعاياها، وفرضها الضرائب والمكوس... لتغطية العجز في ميزانياتها؛ ففر الناس من ذلك إلى البيع والشراء بدون ضابط في الأسعار لرفع الحرج عنهم، فاحتاجت الدول والحكومات إلى التسعير لبعض السلع لرفع الحرج عن الناس، فوجد التساؤل عن مدى مشروعية هذا التسعير، وقد علم أن معاش الناس من المسائل الضرورية التي يحتاجون إليها في كل زمان ومكان، وأن المأكل والمشرب والمسكن من الاحتياجات الضرورية التي لا يستغني أي بشر، ولا شك أن الإسلام قد اهتم بهذه المسائل ونظمها ورتبها، منطلقاً من المصلحة العامة للمسلمين، وهنا تبرز أهمية هذا الموضوع؛ ولذا جاء اختياري لهذا الموضوع، وهو في الواقع موضوع قديم تحدث عنه علماء المسلمين. وعلى ضوء ذلك سيكون كلامي، ولكن قبل ذلك لا بد من معرفة معنى التسعير، إذ معرفة الشيء فرع عن تصوره، فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل:
تعريف التسعير:
مشتق من سَعرَ. قال الصاحب بن عباد: "سَعرَ أهْل السُّوْق وأسْعَروا: بمعنىً"(1). والسِعْرُ: واحد أَسعارِ الطعام. والتَسْعيرُ: تقدير السِعْرِ(2). قال الفيروز آبادي: "السِّعْرُ، بالكسر: الذي يَقومُ عليه الثَّمَنُ جمعه: أسْعارٌ. وأسْعَرُوا وسَعَّرُوا تَسْعيراً، اتَّفَقوا على سِعْرٍ"(3).
فبان بهذا أن التسعير هو: تقدير السعر.
وقد أشار الفقهاء في كتبهم إلى أن التسعير هو: أن يأمر الوالي السوقة، أن لا يبيعوا أمتعتهم، إلا بسعر محدد يحدده هو لهم.(4) وعرَّفه الحنابلة فقالوا: "وهو أن يسعر الإمام أو نائبه على الناس سعراً، ويجبرهم على التبايع به"(5). وقال الشوكاني: "التسعير: هو أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمراً، أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيُمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان؛ لمصلحة"(6).
والذي يظهر لي أن هذا التعريفَ تعريفٌ لتسعير السلع، أما تسعير العمل فلا ينطبق عليه هذا التعريف، وذلك أن التسعير واقع في أجرة العمل، وهو أيضاً واقع في المال. وقد نقل في المجموع من كتب الشافعية عن ابن القيم أن التسعير أنواع، فمنه ما يقع في الأعمال، ومنه ما يقع في الأموال، ومنه ما يقع في السلع.
فأما وقوعه في الأعمال، فذلك إذا امتنع أهل حرفة معينة من العمل، فإن الحاكم يمكن أن يجبرهم على العمل بأجرة المثل.
وأما وقوعه في الأموال، فذلك إذا امتنع الحدادون من بيع آلات الحرب في وقت الحاجة، فإنه يجبرهم على البيع بسعر المثل.
وأما وقوعه في السلع، فذلك إذا ارتفعت الأسعار.
قال في المجموع: "عقد ابن القيم فصلاً لتسعير الأجور، خلُص منه إلى أن الناس يحتاجون إلى صناعة طائفة متخصصة، كالفلاحة والنساجة والبناء، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قومٍ، أو نساجتهم، أو بنائهم، صارت هذه الأعمال مستحقَّة عليهم، يجبـرهم ولى الأمر عليها بعوض المثل... فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك"(7)، وقال أيضاً: "فإن احتاج الناس إلى سلاح؛ للجهاد، وآلات، فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل... والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال، فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه، ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير، فقوله ظاهر التناقض"(8).
وأما التسعير في السلع -وهو موضوع حديثنا- فإن للعلماء في حكمه مذاهب وآراء، وذلك كالآتي:
المذهب الحنفي:
ذهب الحنفية إلى القول بعدم التسعير. قال في الدر المختار: "ولا يسعر حاكم"(9), وقال الكاساني في بدائع الصنائع: "وكذا لا يسعر"(10)، وهذا ما نصوا عليه في كتبهم، منها: تبيين الحقائق(11)، والبحر الرائق(12)، والجوهرة النيرة(13)، وفتح القدير(14)، إلا أنه قد نص في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، وفي شرح الدر المختار من كتبهم، على أن عدم التسعير مكروه عندهم فقط، بمعنى أنه غير محرم. قال في مجمع الأنهر: "ويكره التسعير"(15)، وقال في رد المحتار: "قوله ولا يسعر حاكم، أي يكره ذلك، كما في الملتقى وغيره"(16).
وهذا هو الأصل في حكم التسعير عند الحنفية، إلا أنهم يجيزونه إذا تعدَّى التجار في قيمة السلع تعدياً فاحشاً. قال في الدر المختار: "إلا إذا تعدى الأرباب عن القيمة تعدياً فاحشاً، فيسعر بمشورة أهل الرأي"(17)، وقال في مجمع الأنهر: "إلا إذا تعدى أرباب الطعام في القيمة تعدياً فاحشاً، كالضعف وعجز الحاكم عن صيانة حقوقهم، إلا بالتسعير، فلا بأس حينئذ به، أي بالتسعير، بمشورة أهل الخبرة، أي أهل الرأي والبصارة"(18).
إلا أنه قد أشار في رد المحتار، إلى أن التسعير واجب عند التعدي، من دون أن يشترط أن يكون هذا التعدي فاحشاً. قال رحمه الله: "قوله: فيسعر إلخ. أي: لا بأس بالتسعير حينئذ، كما في الهداية. قوله: على الوالي التسعير. أي: يجب عليه ذلك، كما في غاية البيان، وأيضاً لم يشترط التعدي الفاحش، كما ذكره ابن الكمال، وبه يظهر الفرق بين المذهبين"(19).
وقد بيّن هذا التعدي الفاحش الزيلعي بأنه ضعف القيمة. قال في رد المحتار: "قوله: تعدياً فاحشاً. بيّنه الزيلعي وغيره، بالبيع بضعف القيمة"(20).
على أن الأصل عندهم أن التسعير عند الاحتياج إليه، إنما يكون في قوت البشر، وقوت البهائم فقط كما أفاده في رد المحتار.(21) قال في الدر المختار: "وأفاد أن التسعير في القوتين لا غير، وبه صرح العتابي وغيره، لكنه إذا تعدى أرباب غير القوتين، وظلموا على العامة، فيسعر عليهم الحاكم، بناء على ما قال أبو يوسف: ينبغي أن يجوز. ذكره القهستاني. فإن أبا يوسف يعتبر حقيقة الضرر كما تقرر"(22).
ومما تقدم يتبين أن الحنفية يشددون في جواز تسعير السلع على الناس، وهذا ما يظهر بجلاء في تبيين الحقائق، حيث قال: "وينبغي للقاضي أو السلطان أن لا يعجل بعقوبته (أي المخالف للسعر) إذا رفع إليه هذا الأمر، ولا بالتسعير. يأمره بأن يبيع ما فضل عن قوته، وقوت أهله على اعتبار السعة، وينهاه عن الاحتكار، ويعظه، ويزجره عنه، فإذا رفع إليه ثانياً فعل به كذلك وهدده، وإن رفع إليه ثالثاً حبسه، وعزره حتى يمتنع عنه، ويزول الضرر عن الناس، ولا يسعر إلا إذا أبوا أن يبيعوه إلا بغبن فاحش ضعف القيمة، وعجز عن صيانة حقوقهم إلا به، فلا بأس به، بمشورة أهل الرأي على ما بينَّا"(23).
والحاصل: أن الحنفية يقولون بكراهة التسعير، في الجملة، إلا أنهم يجيزونه إذا تعدى التجار في قيمة قوت البشر وقوت البهائم، تعدياً فاحشاً، وذلك بمشورة أهل الرأي، عند العجز عن صيانة حقوق الناس إلا بذلك.
أدلة الحنفية:
استدل الحنفية على الكراهة بأدلة، منها:
1. من القرآن(24) بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. ووجه الدلالة: أن التسعير أكل للمال بالباطل، تمَّ من دون تراضٍ، إذ قد يكون البائع غير راضٍ بالسعر المحدد عليه.
2. واستدلوا(25) من السنة بحديث أنس -رضي الله عنه- قال: غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله! سعر لنا. فقال: «إن الله هو المسعر، القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة، في دم ولا مال»(26).
3. واستدلوا(27) أيضاً بحديث أبى حرة الرقاشي عن عمه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل مال امرئ مسلم، إلا بطيب نفس منه»(28)، وفي رواية قال: «اسمعوا مني تعيشوا. ألا لا تظلموا. ألا لا تظلموا. ألا لا تظلموا. إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه»(29). ووجه الدلالة من الحديثين: أن التسعير إلزام للبائع بسعرٍ، قد لا تطيب به نفسه، فيكون المشتري قد أخذ ماله بغير طيب منه.
4. واستدلوا من جهة العقل: بأن الثمن حقُ البائع، فكان إليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه.(30)
قلت: أخذ الحنفية من هذه الأدلة الكراهة، مع أنها دالة على التحريم؛ لأن الأصل في النهي هو التحريم، إلا إن جاء ما يصرفه إلى الكراهة، ولم يأتوا بهذا الصارف، فكان الأولى أن يأخذوا التحريم من هذه الأدلة.
وقد استدل الحنفية على جواز التسعير عند الحاجة، بأن تقدير الثمن -وهو حق العاقد- يسقط، إذا تعلق به ضرر على عامة الناس، فعند ذلك يجوز للإمام أن يتدخل بتقدير الثمن؛ لرفع الضرر.(31)
المذهب المالكي:
نقل في التاج والإكليل عن ابن رشد الاتفاق على عدم التسعير على الجالب للسلعة إلى السوق، قال رحمه الله: "وقال ابن رشد: الجالب لا يسعر عليه اتفاقاً، وإن كان التسعير لغيره، فلا يكون إلا إذا كان الإمام عدلاً، ورآه مصلحة، بعد جمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء". ونقل ذلك عن الباجي أيضاً، حيث قال: "قال الباجي: إن كان البائع للطعام من أهل السوق، مُنِع من بيعه في داره بسعر السوق؛ ووجهه: أن ذلك بسبب غلائه. فإن كان جالباً باع في داره -إن شاء- على يده"(32).
وقد نقل ابن قدامة في الشرح الكبير عن مالك قوله: "يقال لمن يريد أن يبيع بأقل مما يبيع الناس به: بع كما يبيع الناس، وإلا فاخرج عنا"(33). هذا معناه أن مالك يقول بجواز التسعير، وهو ما نقله الشوكاني عنه، حيث قال: "وروي عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير"، وبمثله نقل الأمير الصنعاني، إلا أنه قيَّده بالقوتين، حيث قال: "وروي عن مالك: أنه يجوز التسعير، ولو في القوتين"(34).
وأما صفة التسعير، فقد نقل في المجموع عن ابن حبيب المالكي قوله: "ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم، استظهاراً على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به، ولا يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضا". قال: "وقال أبو الوليد الباجي: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه، أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس"(35).
والحاصل: أن المالكية حرموا التسعير على الجالب للسلعة إلى السوق، وأجازوا التسعير -في الجملة- على غيره، إلا أنهم اشترطوا لذلك شروطاً، وهي:
1. إذا كان الإمام عدلاً.
2. إن كان في ذلك مصلحة.
3. بعد جمع وجوه أهل سوق والتشاور معهم.
أدلة المالكية:
استُدِل للمالكية(36) على جواز التسعير، بالآتي:
1. بحديث عمر، وفيه: أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة في سوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعر له مدين بكل درهم، فقال له عمر: قد حُدِّثت بعيرٍ مقبلة من الطائف، تحمل زبيباً، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك، فتبيعه كيف شئت.(37)
2. وقالوا أيضاً إن في ذلك إضرار بالناس. إذا زاد، تبعه أصحاب المتاع، وإذا نقص، أضر بأصحاب المتاع.(38)
ورُدَّ على المالكية بمعارضة اجتهاد عمر لحديث أنس المرفوع عن رسول -صلى الله عليه وسلم- وقول رسول الله مقدم على غيره. قال الشوكاني: "وروي عن مالك أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب ترد عليه"(39).
ورُدَّ أيضاً على حديث عمر، بأن عمر لما رجع حاسب نفسه، ثم أتى حاطباً في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة منـي ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، كيف شئت.(40) فهذا رجوع من عمر عن قوله إلى عدم التسعير.(41)
ورُدَّ أيضاً عما ذكروه من الضرر، بأنه موجود فيما إذا باع في بيته، مع أنه غير ممنوع منه.(42)
المذهب الشافعي:
التسعير عند الشافعية وقت الغلاء، محرم في وجه عندهم، وهو المعتمد. قال في شرح الوجيز: "إن كان في وقت الرخص فلا، وإن كان في وقت الغلاء، فوجهان: أحدهما، وبه قال مالك: يجوز؛ رفقاً بالضعفاء. وأصحهما: أنه لا يجوز"(43)، وقال الأنصاري: "ويحرم التسعير، بأن يأمر الوالي السوقة، أن لا يبيعوا أمتعتهم، إلا بسعر كذا، ولو في وقت الغلاء"(44).
وهذا التحريم عندهم للتسعير يعمُّ الأقوات وغيرها. قال في شرح البهجة الوردية: "ويحرم التسعير في القوت وغيره، بأن يعين الإمام قدراً من الثمن لا يزاد عليه في كل زمن حتى وقت الغلاء"(45)، وقال البجيرمي: "ومما يحرم: التسعير على الحاكم، ولو في غير المطعومات"(46).
وفي القول غير المعتمد عندهم، يجوز التسعير، ولكن ذلك خاص بالأطعمة. قال في شرح الوجيز: "وحيث جوزنا التسعير، فذلك في الأطعمة، ويلتحق بها علف الدواب، في أظهر القولين"(47). ولعل سبب تخصيص ذلك بالأطعمة هو محاولة التوفيق بين الحديث، وبين مقاصد الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال المحافظة على الضرورات الخمس، والتي منها النفس، والتي لا يستقيم حالها إلا بالطعام والشراب، ولكن كان يلزم على هذا إدخال سائر الضرورات، وكذا الحاجيات التي لا تستقيم الحياة إلا بها، كالأدوية والملابس...
ونقل عن الشافعية قول ثالث هو: حرمة التسعير إن كان الطعام يجلب إلى البلد، والجواز إن كان يزرع فيها. قال في شرح الوجيز: "وعن أبي إسحاق: أنه لو كان يجلب الطعام إلى البلد، فالتسعير حرام، وإن كان يزرع بها، وهو عند الغلاء فيها، فلا يحرم"(48). وهذا القول موافق لقول المالكية المتقدم.
ولعل سبب هذا التفريق بين الطعام المجلوب وبين المزروع، هو النظر إلى المصالح والمفاسد، فحاولوا التوفيق بين مصلحة البائع، وبين مصلحة المشتري بهذا القول.
والحاصل: أن للشافعية ثلاثة أقوال في حكم التسعير:
1. حرمة التسعير وقت الغلاء وهو المعتمد.
2. جواز التسعير في القوتين.
3. حرمة التسعير إن كان الطعام يجلب إلى البلد.
أدلة الشافعية:
استدل الشافعية القائلين بالتحريم على المعتمد، بأدلة منها:
1. من السنة حديث أنس المتقدم.(49)
2. ومن جهة العقل قالوا: إن التسعير فيه تضييق على الناس في أموالهم، وليس المشتري بأولى من البائع بالنظر في مصلحته، فإذا تقابلت المصلحتان، فليمكَّنا من الاجتهاد لأنفسهما.(50)
المذهب الحنبلي:
مذهب الحنابلة كالشافعية في حرمة التسعير. قال ابن قدامة: "وليس للإمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون"(51)، وقال البهوتي: "ويحرم التسعير على الناس، بل يبيعون أموالهم على ما يختارون"(52).
وعلى ذلك فلو هدد المشتري من خالف السعر المحدد أن يشكوه للإمام، فإن البيع محرم، وهو باطل في المعتمد عندهم. قال البهوتي: "وإن هدد المشتري من خالف التسعير، حرم البيع، وبطل (في الأصح)؛ لأن الوعيد إكراه"(53).
وأما الشراء، فيكره بالسعر الذي حدده الإمام. قال في مطالب أولي النهى: "ويكره الشراء به. أي: بما قدره"(54).
أدلة الحنابلة:
وقد استدل الحنابلة على التحريم بأدلة منها:
1. حديث أنس المتقدم(55)، وقد أخذوا الحرمة من الحديث من وجهين: أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم علل بكونه مظلمة، والظلم حرام، ولأنه ماله، فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، كما اتفق الجماعة عليه.(56)
2. وقالوا أيضاً: إن التسعير سبب الغلاء، لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك، لم يقدموا بسلعهم بلداً يُكرهون على بيعها فيه، بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة سيمتنع من بيعها وسيكتمها، فعند ذلك سيطلبها أهل الحاجة إليها، فلا يجدونها إلا قليلاً، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلوا الأسعار، وبذلك يحصل الإضرار بالجانبين: جانب البائع: في منعه من بيع أملاكه، وجانب المشتري: في منعه من الوصول إلى غرضه، فيقعون بذلك في الحرام الذي يفرون منه.(57)
مذهب الزيدية:
ذكر المهدي في البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، أن مذهب الزيدية الهادوية كمذهب الشافعية في حرمة التسعير في القوتين فقط. قال: "ة ش: ويحرم بيع التسعير في القوتين"(58) وقد استدلوا بحديث أنس المتقدم.(59)
وقد نقل الأمير الصنعاني عن المهدي أنه استحسن الأئمة المتأخرون، تسعير ما عدا القوتين، كاللحم والسمن؛ رعاية لمصلحة الناس ودفع الضرر عنهم.(60) وبمثل ذلك نقله الشوكاني.(61)
وأما سبب تخصيص ذلك بالقوتين، فلعله ما تقدم ذكره في القول الثاني عند الشافعية.
الخلاصة:
اختلف العلماء في حكم تسعير السلع على أقوال، كالآتي:
1. قيل: إن التسعير مكروه، وهذا هو مذهب الحنفية.
2. وقيل: التسعير وقت الغلاء محرم، وبالأولى منه وقت الرخص، وهذا هو مذهب الشافعية في المعتمد عندهم، وهو مذهب الحنابلة أيضاً. ونسبه الأمير الصنعاني(62) والشوكاني إلى أكثر العلماء.(63)
3. وقيل: يجوز التسعير، ولكن ذلك خاص بالقوتين. وهذا هو مذهب الزيدية الهادوية، وهو قول عند الشافعية، وهذه الحالة يجيزها الحنفية، إذا تعدى التجار في قيمة السلع تعدياً فاحشاً.
4. وقيل: التسعير محرم إن كان الطعام يجلب إلى البلد، وجائز إن كان يزرع فيها. وهذا مذهب المالكية، وهو قول عند الشافعية.
الترجيح:
مما يظهر مما سبق أن الأصل في التسعير هو الحرمة؛ عملاً بحديث أنس -رضي الله عنه- لأن التسعير في هذه الحال يكون من الظلم الذي فرّ النبي -صلى الله عليه وسلم منه- إلا أنه يمكن الاستفادة من الأقوال الجائزة بالحل فيما إذا كان في التسعير مصلحة لا تتحقق إلا به، وخاصة لما لا بد للناس منه، من الضروريات والحاجيات التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، إذا كان عدم التسعير هو الظلم، فينبغي عند إذ التسعير؛ لدفع الظلم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد بيَّن أن امتناعه من التسعير كان لأجل الفرار من الظلم، فالنظر في مثل هذه الحال واقع على دفع الظلم، فإذا كان التسعير هو الظلم فينبغي القول بتحريمه، وإذا كان عدم التسعير هو الظلم فينبغي القول بوجوب التسعير، إذا كان في ذلك إقامة العدل بين الناس، لا إذا كان في ذلك مصلحة للدولة فقط بدون النظر إلى مصالح الناس، وليس في هذا رد للحديث النبوي، بل فيه العمل بالحديث، لا سيما وقد علمنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ربط هذا الحكم بالظلم، وقد عُلِم أن الحكم يدور مع علته حيث دارت.
والحاصل: أن الأصل هو عدم التسعير، ولكن إن احتاج إليه الناس فلا مانع من القول به؛ لأن المسألة تكون قد خرجت إلى أصل آخر هو: دفع الضرر عن الناس، ومراعاة مصالحهم، وهذا مما أمرت به الشريعة الإسلامية. ولكن لا يجوز مع هذا ظلم الباعة، والتسعير من دون مراعاة لمصالحهم، إذ الغرض من التسعير دفع الظلم بالعدل، لا بالظلم، وعليه فلا يجوز التسعير إن لم يكن فيه مراعاة لمصلحة المشتري والبائع معاً. والله تعالى أعلى وأعلم.
والحمد لله رب العالمين, وهو الهادي إلى سواء السبيل, وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
الاثنين - 2 صفر 1428هـ، 19/ 2/ 2007م.
____________________
(1) المحيط في اللغة 1/ 61.
(2) الصحاح في اللغة 1/ 317.
(3) القاموس المحيط 1/ 424.
(4) انظر: أسنى المطالب 8/ 50.
(5) كشاف القناع عن متن الإقناع 9/ 23، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 7/ 413.
(6) نيل الأوطار 8/ 370.
(7) المجموع 13/ 32.
(8) المجموع 13/ 33.
(9) الدر المختار 5/ 719.
(10) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 11/ 24.
(11) تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 16/ 417.
(12) البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 22/ 182.
(13) الجوهرة النيرة 6/ 177.
(14) فتح القدير 22/ 291.
(15) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 8/ 197.
(16) رد المحتار 27/ 14.
(17) الدر المختار 5/ 719.
(18) مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر 8/ 197، وانظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 16/ 417، والعناية شرح الهداية 14/ 283.
(19) رد المحتار 27/ 14.
(20) رد المحتار 27/ 14.
(21) رد المحتار 27/ 16.
(22) الدر المختار 5/ 720.
(23) تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 16/ 417، وانظر: العناية شرح الهداية 14/ 283، فتح القدير 22/ 291.
(24) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 11/ 24.
(25) انظر: الدر المختار 5/ 719، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 11/ 25.
(26) سنن الترمذي 5/ 141 برقم 1235، سنن أبي داود 9/ 311 برقم 2994. قال الألباني: صحيح. انظر: مشكاة المصابيح 2/ 153 برقم 2894.
(27) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 11/ 25.
(28) السنن الكبرى للبيهقي 6/ 100. قال الألباني: صحيح. انظر: إرواء الغليل 6/ 180 برقم 1761.
(29) مسند أحمد 42/ 179 برقم 19774.
(30) انظر: تبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق 16/ 417، العناية شرح الهداية 14/ 283، البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 22/ 182.
(31) انظر: الجوهرة النيرة 6/ 177.
(32) التاج والإكليل لمختصر خليل 7/ 52
(33) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 44.
(34) سبل السلام 4/ 128.
(35) المجموع 13/ 37.
(36) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 44.
(37) السنن الكبرى للبيهقي 6/ 29، مصنف عبد الرزاق 8/ 207 برقم 14905.
(38) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 44.
(39) انظر: نيل الأوطار 8/ 371.
(40) السنن الكبرى للبيهقي 6/ 29.
(41) المغني 8/ 402.
(42) المغني 8/ 402.
(43) شرح الوجيز 8/ 217.
(44) أسنى المطالب 8/ 50.
(45) شرح البهجة الوردية 9/ 20.
(46) حاشية البجيرمي على المنهج 7/ 39.
(47) شرح الوجيز 8/ 217.
(48) شرح الوجيز 8/ 217.
(49) انظر: شرح الوجيز 8/ 217 أسنى المطالب 8/ 50.
(50) انظر: أسنى المطالب 8/ 51.
(51) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 44، المغني 8/ 401.
(52) كشاف القناع عن متن الإقناع 9/ 23، وانظر: مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 7/ 413.
(53) كشاف القناع عن متن الإقناع 9/ 23، وانظر: مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 7/ 413. ما بين القوسين زيادة من مطالب أولي النهى.
(54) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 7/ 413، وانظر: كشاف القناع عن متن الإقناع 9/ 23.
(55) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع 9/ 23، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 7/ 413.
(56) انظر: المغني 8/ 401، الشرح الكبير لابن قدامة4/ 44.
(57) انظر: المغني 8/ 402، الشرح الكبير لابن قدامة4/ 45.
(58) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 8/ 118. وأما ة، ش فهي الرموز التي سار عليها المؤلف للهادوية والشافعية.
(59) البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 8/ 118.
(60) سبل السلام 4/ 128.
(61) نيل الأوطار 8/ 371.
(62) سبل السلام 4/ 128.
(63) نيل الأوطار 8/ 370.