تصدق المرأة من مال الزوج بغير إذنه الصريح
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى سواء السبيل، الفعال لما يريد، خلق فسوّى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين والأنبياء، محمد -صلى الله عليه، وعلى آله وسلم- وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمن المسائل التي انتشرت في أيامنا هذه تصدق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح وتساءلت النساء عن حكم هذا الإنفاق، وكان سبب وجود هذه المسألة؛ تفشي الفقر وانتشاره في أوساط المجتمعات الإسلامية، وتدهور أحوالهم المعيشية، وازدياد البطالة بينهم وكثرت متطلبات الحياة؛ لكثرة احتياجات الناس وتوسعهم في التحسينيات، ومع كثرة هذه النفقات، وكساد الأعمال وتوسع البطالة وجدت الحاجة عند الناس وربما وجدت المرأة نفسها الموسر زوجها أمام أحد أقاربها أو جيرانها وهو يطلب منها شيئا مما فضل عن قوتهم وحاجتهم فتضطر المرأة إلى إعطائه في حال عدم وجود زوجها وربما كثر هذا الطلب من الأقارب والجيران فوجد هذا السؤال عن النساء الورعات عن حكم هذا الإنفاق الواقع بغير إذن الزوج الصريح؛ فأحببت أن أتكلم عن هذه المسألة، مبيِّناً في ذلك الحكم الشرعي لهذه المسألة، منطلقاً في ذلك من كتب الحديث وشروحها ومن كتب فقهاء المذاهب الإسلامية المتبوعة، وسيكون خط سير البحث في هذه المسألة على النحو الآتي:
1. تعريف النفقة لغة.
2. تعريف النفقة اصطلاحاً.
3. حالات إنفاق الزوجة من مال زوجها.
4. حكم إنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح.
5. أدلة القائلين بجواز أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه.
6. الاعتراض على أدلة المجيزين.
7. أدلة القائلين بحرمة أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه.
8. الخلاصة.
9. الترجيح.
فأقول مستعيناً بالله تعالى، وهو حسبي ونِعم الوكيل:
النفقة تجب بأسباب منها: الزوجية، ومنها النسب، ومنها الملِك(1). قال ابن نجيم: " ونفقة الغير تجب على الغير بأسباب ثلاثة: زوجية، وقرابة، وملك"(2).
تعريف النفقة لغة:
مشتق من نفق، يقال: أَنْفَقَ الرجل: افتقر وذهب ماله، وأنفق الدراهم من النَّفقة(3)، قال في المصباح المنير: "نَفِقَتِ الدراهم نَفَقًا -من باب تعب- نفدت، و يتعدى بالهمزة فيقال: أَنْفَقْتُهَا، والنَّفَقَةُ: اسم منه، وجمعها نِفَاقٌ، مثل رقبة ورقاب، ونَفَقَاتٌ على لفظ الواحدة أيضاً"(4).
وقال في تاج العروس: "والنّفَقَة، بهاءٍ: ما تُنْفِقُه من الدّراهم ونحوِها على نفْسِك وعلى العِيال. وأنْفَقَ لازم متعَدٍّ يُقال: أنفقَ: إذا افْتَقر وذهَب ماله. وأنفَقَ مالَه: أنْفَدَهُ وأفْناه"(5). ورجُلٌ مِنْفاقٌ بالكَسْر: كثيرُ النّفَقَة لِما يصْرِفُه من الدّراهِم وغيرِها.(6)
وبه يُعلم أن النفقة المقصودة هنا، ليست مشتقة من النفوق، والتي تعني الهلاك، ولا من النفق، ولا من النفاق، بل هي اسم للشيء الذي ينفقه الرجل على عياله.(7)
تعريف النفقة اصطلاحاً:
النفقة في الاصطلاح هي: الأكل والشرب واللبس والمسكن.
قال في الدر المختار: "والنفقة هي: الطعام والكسوة والسكنى، وهي عرفاً: الطعام"(8)، وقال في درر الحكام: "قال هشام: سألت محمداً عن النفقة فقال: هي الطعام والكسوة والسكنى، كذا في الخلاصة"(9).
حالات إنفاق الزوجة من مال زوجها:
الحالات التي يمكن تصورها في إنفاق الزوجة من مال زوجها، ثلاث حالات، وهي كالآتي:
1. أن يكون الزوج قد أذن للزوجة صراحة، بالإنفاق من ماله.
2. أن يكون الزوج قد منع الزوجة صراحة، من الإنفاق من ماله.
3. ألا يأذن الزوج للزوجة صراحة من الإنفاق، كما أنه لم يمنعها من ذلك صراحة.
وبيان ذلك كالآتي:
فأما الحالة الأولى، (وهي أن الزوج قد أذن للزوجة صراحة، بالإنفاق من ماله)، فلا إشكال في جواز هذه الحالة؛ لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها»(10)، ولحديث: «إنه لا يحل مال امرئ، إلا بطيب نفس منه...»الحديث(11). فقد دل هذان الحديثان على جواز أن تنفق المرأة من مال زوجها بإذنه؛ لأن ذلك واقع عن طيب نفس منه.
وأما الحالة الثانية: (وهي أن الزوج قد منع الزوجة صراحة، من الإنفاق من ماله)، فلا إشكال أيضاً في حرمة أن تنفق المرأة من مال زوجها، الذي كان قد منعها صراحة من ذلك؛ لما تقدم من الأحاديث، ولأن إنفاقها من ماله، واقع عن غير طيب نفس منه. قال ابن قدامة: "فأما إن منعها ذلك، وقال: لا تتصدقي بشيء، ولا تتبرعي من مالي بقليل ولا كثير، لم يجز لها ذلك؛ لأن المنع الصريح نفيٌ للإذن العرفي، وكذلك لو كانت امرأته ممنوعة من التصرف في بيت زوجها، كالذي يطعمها بالفرض، ولا يمكنها من طعامه، فهو كما لو منعها بالقول"(12).
وأما الحالة الثالثة: (وهي ألا يأذن الزوج للزوجة صراحة من الإنفاق، كما أنه لم يمنعها من ذلك صراحة)، فهذه المسألة هي مسألة بحثنا، وهي التي تسمى: إنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح.
حكم إنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح:
وقع خلاف بين العلماء في حكم إنفاق المرأة من مال زوجها من دون إذنه، على أقوال كالآتي:
1. يجوز ذلك(13)، وبه قال أحمد في رواية عنه. قال ابن بطال: "لكن لما كانت امرأة الرجل لها حق في ماله، وكان لها النظر في بيتها، جاز لها الصدقة، بما لا يكون إضاعة للمال، ولا إسرافاً، لكن بمقدار العرف والعادة، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، وتطيب به نفسه"(14). وقال في موضع آخر: "وأما صدقة المرأة من بيت زوجها بغير إذنه، فإنما يباح لها أن تتصدق منه، بما تعلم أن نفسه تطيب به، ولا تشح بمثله، فيؤجر كل واحدٍ منهم؛ لتعاونهم على الطاعة"(15). وقال النووي: "واعلم أنه لا بد للعامل (وهو الخازن) وللزوجة والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن إذن أصلاً، فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزر؛ بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه. والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة، ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعُلِم بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل، وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشك في رضاه، أو كان شخصاً يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك، أو شك فيه، لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله، إلا بصريح إذنه..."(16).
وقد عُلِم من ذلك أن الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان، يجوز للمرأة التصدق به ولو بغير إذن الزوج الصريح. وهذا ما نقله ابن العربي عن بعض السلف(17). قال: واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به عرفاً، فإن زاد على ذلك لم يجز. ويؤيده قوله -يعني كما مر في حديث عائشة في كتاب الزكاة والبيوع- "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة "فأشار إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة(18). وقال النووي: "واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير، يعلم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف، لم يجز"(19). وبنحوه قال في تحفة الأحوذي.(20)
2. لا يجوز ذلك إلا بالإذن الصريح(21)، وبه قال أحمد في رواية عنه. قال في تحفة الأحوذي: "قال محي السنة: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه وكذا الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على عادة أهل الحجاز، يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق، عند حضور السائل ونزول الضيف، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا توعي فيوعي الله عليك»"(22). وقد نقل السيوطي عن القاضي عياض قوله: "ولا بد في الزوجة والخازن من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن إذن أصلاً، فلا أجر لهم، بل عليهم وزر؛ بتصرفهم في مال غيرهم، بغير إذنه"(23).
أدلة القائلين بجواز أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه:
استدل القائلون بجواز أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه، بأدلة منها:
1. حديث(24) عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما اكتسب، ولها بما أنفقت»(25)، وفي رواية: «لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً»، وفي رواية: «كان لها مثل أجره، لها ما نوت حسناُ، وللخازن مثل ذلك»(26). وفي رواية: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها، عن غير أمره، فله نصف أجره»(27). قال ابن حجر: "وأما تقييده بقوله «عن غير أمره»، فقال النووي: (أي) عن غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عام يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح وإما بالعرف. قال: ويتعين هذا التأويل لجعل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم أنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه، لا الصريح، ولا المأخوذ من العرف، لا يكون لها أجر بل عليها وزر، فيتعين تأويله"(28).
2. وعن أسماء(29) بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- أنها جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا نبي الله! ليس لي شيء، إلا ما أدخل عليَّ الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل عليَّ؟ قال: «إرضخي ما استطعت، ولا توعي، فيوعي الله عليك»(30).
3. وعن سعد(31) قال: لما بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء، فأتت إليه امرأة جليلة، كأنها من نساء مضر، «فقالت: يا رسول الله! إنا كَلٌّ على آبائنا وأزواجنا وأبنائنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرطب تأكلينه، وتهدينه»(32).
4. ومن جهة العقل قالوا: إن العادة جرت بين الناس بالتسامح بذلك، وطيب النفس به، فجرى مجرى صريح الإذن، كما أن تقديم الطعام بين يدي الأكلة، قام مقام صريح الإذن في أكله. قال ابن قدامة: "لأنها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها، وتتبسط فيه، وتتصدق منه، لحضورها وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي، فصار كأنه قال لها: افعلي هذا"(33).
الاعتراض على أدلة المجيزين:
اعتُرِض على أدلة المجيزين بأمور، منها:
1. أوَّل المخالفون هذه الأحاديث، بأن المراد بها: نفقة المرأة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن تفتئت على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن.(34) قلت: وهذا تأويل لا دليل عليه، ولا ملجئ إليه (افتئات).
2. قالوا: يحتمل أن يكون تنصيف الأجر بينهما في الأحاديث، واقع على المال الذي يعطيه الرجل نفقةً لزوجته، فإذا أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما: للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله، وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها(35). وأيدوا هذا الحمل بما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عنه- في المرأة تصدق من بيت زوجها قال: «لا إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها، إلا بإذنه»(36).
قلت: هذا الاحتمال الذي ذكروه لا دليل عليه، ولا ينبغي ردّ الأحاديث بمجرد الاحتمالات، بل هو معارض لظاهر هذه الأحاديث، فإنه نسب المال له، فالأصل أنه له، على أن حديث أبي هريرة الذي استدلوا به، حديث موقوف، لا ينبغي أن يتم التمسك به، في معارضة الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
أدلة القائلين بحرمة أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه:
استدل من حرَّم أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه، بأدلة منها:
1. حديث(37) أبي أُمامَة الباهلي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خطبته عام حجة الوداع يقول: «لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها، إلا بإذن زوجها. قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضل أموالنا»(38).
2. وعن أبي حرة الرقاشي عن عمه -رضي الله عنه- قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أوسط أيام التشريق، أذود عنه الناس، فقال: «يا أيها الناس! أتدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه. ثم قال: اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ، إلا بطيب نفس منه...» الحديث(39).
3. وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها»(40).
4. كما أنهم قد استدلوا على عدم الجواز من جهة العقل فقالوا: إنه تبرع بمال غيره بغير إذنه، فلم يجز كغير الزوجة.(41)
الخلاصة:
من خلال العرض السابق لهذه المسألة، يتبين لنا الآتي:
1. لا مانع للمرأة أن تنفق من مال زوجها، إن كان الزوج قد أذن لها في ذلك صراحة.
2. لا يجوز للمرأة أن تنفق من مال زوجها، إن كان الزوج قد منعها صراحة من ذلك.
3. اختلف العلماء في حكم إنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح، وذلك على قولين كالآتي:
أ- الجواز.
ب- عدم الجواز.
الترجيح:
من خلال عرض أدلة الفريقين، يتبين لي أن القول الراجح هو القول القائل بجواز أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح، وأنه يكفي في ذلك الإذنُ غير الصريح؛ إن كان الزوج ممن لا يبخل بذلك، وكانت هذه النفقة يسيرة؛ لأن الأحاديث التي استدل بها المجيزون أحاديث خاصة، والأحاديث التي استدل بها المحرمون أحاديث عامة، ولا تعارض بين عام وخاص، كما هو مقرر في موضعه من كتب أصول الفقه.
قال ابن حجر بعد أن ذكر حديث أبي أمامة المتقدم في أدلة المحرمين: "وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرطب ما يتسارع إليه الفساد فأذن فيه، بخلاف غيره ولو كان طعاماً"(42).
وقد نقل في عون المعبود عن العيني كيفية الجمع بين أدلة المحرمين، وبين ما تقدم من أدلة المجيزين، بأن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد، وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك أو كراهته لذلك، وباختلاف الحال في الشيء المنفَق، بين أن يكون شيئاً يسيراً، يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطباً يخشى فساده، إن تأخر، وبين أن يكون مما يدخر، ولا يخشى عليه الفساد(43). وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: "والصحيح الأول (وهو القول بالجواز)؛ لأن الأحاديث فيه خاصة صحيحة، والخاص يقدَّم على العام ويثبته، ويعرف أن المراد بالعام، الصورة المخصوصة"(44).
ومما يؤيد ذلك أن الأحاديث الدالة على جواز إنفاق الزوجة من مال زوجها بغير إذنه، جاءت بلفظ: «عن غير أمره» بينما جاءت أحاديث النهي بلفظ: «إلا بإذن زوجها»، ومعلوم أن الأمر أخص من الإذن؛ لأن الإذن يكون بلسان المقال (وهو اللفظ الصريح)، كما يكون بلسان الحال (وهو الإذن غير الصريح)، بينما يكون الأمر بلسان المقال: (وهو اللفظ الصريح) فقط، وعندئذ فلا تعارض.
وهذا مفترض فيما إذا كان الزوج قد علم أنها تنفق من ماله، ثم سكت عنها.
وأما إن كان الزوج لم يعلم بذلك، فالأحوط في مثل هذه الحال، هو القول بالحرمة؛ سداً للذريعة؛ لأن المرأة قد تسرف في هذا الإنفاق، وبالتالي تضرُّ بزوجها وولدها، لاسيما مع قلة الورع عند الناس، كما أن زوجها قد يتهمها، إن علم بعد ذلك بوقت طويل، مما يؤدي إلى وجود الخلافات بينهما.
وعلى ذلك يقال:
إن جواز أن تنفق المرأة من مال زوجها بغير إذنه الصريح، مقيدٌ بالآتي:
1. عدم إفساد الزوجة في المال، بهذا الإنفاق.
2. أن يكون الزوج قد عَلِم بهذا الإنفاق، ثم سكت عنه.
3. ألا يكون الزوج ممن علمت الزوجة بُخله.
4. أن يكون هذا الإنفاق باليسير، بحيث لا يضر ذلك بها، ولا بالزوج، ولا بالولد.
5. أن يكون الشيء المنفَق مما لا يبخل الزوج بإنفاقه.
فمتى التزمت المرأة بهذه الضوابط، جاز لها أن تنفق من مال زوجها، بغير إذنه الصريح، وإلا فلا يجوز لها ذلك.
والله تعالى أعلى وأعلم، وهو حسبي، ونِعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه العلي: علي بن عبد الرحمن بن علي دبيس.
السبت - 20 ربيع الأول 1428هـ، 9/ 4/ 2007م.
راجعه: يونس بن عبد الرب الطلول، وعبد الوهاب بن مهيوب مرشد الشرعبي.
_____________________
(1) درر الحكام شرح غرر الأحكام 4/ 453.
(2) البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 11/ 222، الدر المختار 3/ 628.
(3) مختار الصحاح 1/ 688.
(4) المصباح المنير 2/ 618.
(5) تاج العروس 1/ 6600، القاموس المحيط 1/ 1196.
(6) تاج العروس 1/ 6598، القاموس المحيط 1/ 1196.
(7) انظر: البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 11/ 222.
(8) الدر المختار 3/ 628.
(9) درر الحكام شرح غرر الأحكام 4/ 453، البحر الرائق شرح كنـز الدقائق 11/ 222.
(10) سنن النسائي 8/ 309، برقم: 2493، سنن أبي داود 9/ 432، برقم: 3080. قال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح الترغيب والترهيب 1/ 228، برقم: 940.
(11) مسند أحمد 42/ 179، برقم: 19774، السنن الكبرى للبيهقي 6/ 100، والحديث صححه الألباني. انظر: مختصر إرواء الغليل 1/ 286، برقم: 1459.
(12) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537.
(13) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537، المغني 9/ 402، فتح الباري لابن حجر 5/ 41.
(14) شرح ابن بطال 5/ 474.
(15) شرح ابن بطال 11/ 208.
(16) شرح النووي على مسلم 3/ 473، وما بعدها.
(17) فتح الباري لابن حجر 5/ 41.
(18) فتح الباري لابن حجر 14/ 488.
(19) شرح النووي على مسلم 3/ 473، وما بعدها.
(20) انظر: تحفة الأحوذي 2/ 207.
(21) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537، المغني 9/ 402، فتح الباري لابن حجر 5/ 41.
(22) تحفة الأحوذي 2/ 206. والحديث في صحيح البخاري 9/ 45، برقم: 2401، صحيح مسلم 5/ 225، برقم: 1710 واللفظ له.
(23) شرح سنن النسائي 4/ 27.
(24) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537، المغني 9/ 402.
(25) صحيح البخاري 5/ 267، برقم: 1349، صحيح مسلم 5/ 212، برقم: 1700.
(26) سنن الترمذي 3/ 87، برقم: 608. والحديث صححه الألباني. انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي 2/ 171، برقم: 671.
(27) صحيح البخاري 7/ 226، برقم: 1924، صحيح مسلم 5/ 217، برقم: 1704.
(28) فتح الباري لابن حجر 14/ 488.
(29) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537، المغني 9/ 402.
(30) تقدم تخريجه. وقد بيّن ابن حجر معنى ارضخي، فقال: وهو العطاء اليسير، فالمعنى: أنفقي بغير إجحاف ما دُمْت قادرة مستطيعة. انظر: فتح الباري لابن حجر 5/ 37.
(31) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537، المغني 9/ 402.
(32) مصنف ابن أبي شيبة 5/ 244، مسند عبد بن حميد 1/ 158، برقم: 149. قال عبد الله بن محمد القرشي: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ المصنف (عبد السلام بن حرب) فلم أجد من ذكره، وقد أعله أبو حاتم بالاضطراب. انظر: كتاب العيال 2/ 710، برقم: 519.
(33) المغني 9/ 402.
(34) انظر: فتح الباري لابن حجر 5/ 41. قال ابن منظور: فأت: افْتَأَتَ عليَّ ما لم أَقُلْ: اخْتَلَقه. قال أَبو زيد: افْتَأَتَ الرجلُ عَليَّ افتِئاتاً، وهو رجل مُفْتَئِتٌ، وذلك إِذا قال عليك الباطلَ، وقال ابن شميل في كتاب المَنْطِق: افْتَأَتَ فلانٌ علينا يَفْتَئِتُ، إِذا اسْتَبَدَّ علينا برأْيه. انظر: لسان العرب 2/ 64.
(35) انظر: فتح الباري لابن حجر 14/ 488.
(36) سنن أبي داود 5/ 7، برقم: 1438. قال الألباني: صحيح موقوف. انظر: صحيح وضعيف سنن أبي داود 4/ 188، برقم: 1688.
(37) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537.
(38) سنن الترمذي 3/ 85، برقم: 606، سنن ابن ماجة 7/ 76، برقم: 2286. والحديث حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/ 229، برقم: 943.
(39) مسند أحمد 42/ 179، برقم: 19774، السنن الكبرى للبيهقي 6/ 100، والحديث صححه الألباني. انظر: مختصر إرواء الغليل 1/ 286، برقم: 1459.
(40) سنن النسائي 8/ 309، برقم: 2493، سنن أبي داود 9/ 432، برقم: 3080. قال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح الترغيب والترهيب 1/ 228، برقم: 940.
(41) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537.
(42) انظر: فتح الباري لابن حجر 14/ 488.
(43) عون المعبود 4/ 96.
(44) الشرح الكبير لابن قدامة 4/ 537.