الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1)
مقدمة:
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا, والصلاة والسلام على من أرسله الله بالحق بشيراً ونذيرا, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا.. نبينا محمد وآله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..وسلم تسليماً كثيرا..
أما بعد:
ذكرنا في المبحث الأول (فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر), وفي هذا البحث سنتطرق إلى بعض الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإن لكل أمرٍ أمرنا الله تعالى به في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أثرٌ يجده المسلم إما في الدنيا أو في الآخرة أو كليهما, وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يترتب على القيام بها الكثير من الآثار العظيمة, والفوائد الجسيمة التي قد يصعب حصرها, والإحاطة بها, وفي هذا المطلب سنقف مع بعض هذه الآثار والفوائد كما يلي:
أولاً: إقامة الملة والشريعة وحفظ الدين والعقيدة لتكون كلمة الله هي العليا:
تكفل الله عز وجل بحفظ دينه وشريعته, وجعل لذلك أسباباً كثيرة من هذه الأسباب الدعوة إلى هذا الدين, وحمايته من أعدائه, وهذا من أول مراتب الضروريات الخمس التي أمر الله بحفظها, ومن أجل ذلك شرع الله الجهاد لحفظ دينه, وهذا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 14], فجعل سبحانه تعذيب المشركين بأيدي المسلمين(2), وذلك بالقتل والسبي, وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 39].
فالجهاد مرتبة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وقد أمر الله به لنصرة شريعته وإعلاء كلمته, قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193].
قال الإمام ابن كثير: "﴿ويكون الدين لله﴾ أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان... وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكُفُّوا عنهم، فإنّ مَنْ قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يُقَاتَلُ إلا من قاتل, أو يكون تقديره؛ فإن انتهوا فقد تَخَلَّصُوا من الظلم، وهو الشرك, فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعُدْوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]"(3).
وبعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لإتمام دينه وإقامة شريعته, فكان خير من دعا إلى الهدى, وأكمل من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر, وقد أُمر بقتال من لم يستجب لأمر ربه فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»(4).
وأمر أمته بأن يجاهدوا تحت هذا المبدأ العظيم, فعن أبي موسى قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله, فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»(5).
ومن أجل ذلك جعل الله تعالى سنة التدافع بين عباده لتحقيق هذا المبدأ, قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251].
قال الإمام جلال الدين السيوطي: "يقول: ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر ودفعه ببقية أخلاق الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها, وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض الآية قال: يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعاقب الكافر بالمؤمن"(6).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
قال الإمام الطبري رحمه الله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض لهدم ما ذكر من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك ومنه كفه ببعضهم التظالم كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم, ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق ونحو ذلك وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض لولا ذلك لتظالموا"(7).
ويدخل في حفظ الدين أيضاً نبذ كل ما يتنافى مع الإيمان بالله تعالى والعقيدة الصحيحة كالشرك والابتداع في الدين, ورفض كل ما يخالف أمر الشريعة كالتحاكم إلى غير شرع الله تعالى, وكذلك اجتناب الذنوب والمعاصي بجميع أنواعها, وكل هذا لا يمكن تحقيقه إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانياً: إقامة الحق وانتشار العدل ورفع الجور والظلم بين العباد:
من الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقامة الحق وظهوره بين الناس وانتشار العدل, واضمحلال الجور والظلم بين العباد, لوجود من يردع أهل الظلم, ويقف مع المظلومين, ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننصر المظلوم, ونقف في صفه حتى ينال حقه من الظالم, وأن نردع الظالم عن ظلمه حتى يعود إلى صوابه, فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما», فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره»(8).
قال الإمام المناوي رحمه الله: «انصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً» قيل: كيف يا رسول الله ذلك؟ قال: «إن يك ظالماً فاردده عن ظلمه وإن يك مظلوما فانصره» وفي رواية للبخاري: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما, قالوا: هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالما فقال: تأخذ فوق يديه» كنى عن كفه عن الظلم بالفعل إن لم يكن بالقول وعبر بالفوقية إيماء إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة وفيه وفيما قبله إشعار بالحث على محافظة الصديق والاهتمام بشأنه ومن ثم قيل: حافظ على الصديق ولو على الحريق"(9).
وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتناصح بين المسلمين, بل وجعله من أهم ركائز الدين؛ لما له من أثر عظيم في رفع الظلم, وإقامة العدل, وانتشار الخير, واضمحلال الشر, فعن تميم الدّاريّ -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الدّين النّصيحة قلنا: لمن؟, قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم»(10).
وقد أوضح العلماء معنى هذه النّصيحة فيما يحكيه ابن حجر رحمه الله حيث قال: "والنّصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حمّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسدّ خلّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، وردّ القلوب النّافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظّلم بالّتي هي أحسن ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النّصيحة لهم ببثّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظّنّ بهم، والنّصيحة لعامّة المسلمين الشّفقة عليهم، والسّعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكفّ وجوه الأذى عنهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه"(11).
وإن مما يرفع الظلم عن العباد ويقيم الحق بينهم مناصحة ولاة الأمر والأخذ على أيديهم من الوقوع في الظلم والجور, شريطة أن يكون ذلك بالأسلوب الحسن, دون تشهير أو تحقير أو إحداث فتنة, وقد يتطلب الأمر إظهار النصيحة وإن أدى ذلك إلى بذل النفس, بل يعد هذا من أعظم الجهاد كما بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الجهاد كلمة حق تقال أمام سلطان جائر, فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ من أعْظم الْجهاد كلمة عدل عِنْد سلْطان جائِر»(12)، وفي رواية: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر»(13).
قال صاحب عون المعبود: «أفضل الجهاد» أي من أفضله بدليل رواية الترمذي: «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل» وفي رواية لابن ماجه: «كلمة حق»(14) والمراد بالكلمة ما أفاد أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر من لفظٍ أو ما في معناه ككتابةٍ ونحوها, «عند سلطان جائر» أي: ظالم, وإنما صار ذلك أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان مترددا بين رجاء وخوف لا يدري هل يَغْلِب أو يُغْلَب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف وأهدف نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف"(15).
وفي هذا المعنى حديث جابر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»(16).
قال الإمام المناوي رحمه الله: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب» عم المصطفى صلى الله عليه وسلم استشهد يوم أحد «ورجل قام إلى إمام جائر فأمره» بالمعروف «ونهاه» عن المنكر «فقتله» لأجل أمره أو نهيه عن ذلك, فحمزة سيد شهداء الدنيا والآخرة, والرجل المذكور سيد الشهداء في الآخرة لمخاطرته بأنفس ما عنده وهي نفسه في ذات الله تعالى"(17).
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ وَمَن أنكر سَلِم ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا»(18).
قال الإمام النووي رحمه الله: "هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة بالإخبار بالمستقبل ووقع ذلك كما أخبر صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن عرف فقد برئ» وفي الرواية التي بعدها «فمن كره فقد برئ» فأما رواية من روى «فمن كره فقد برئ» فظاهرة, ومعناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ, وأما من روى «فمن عرف فقد برئ» فمعناه والله أعلم: فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن من رضي وتابع» معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع, وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه وأما قوله «أفلا نقاتلهم قال لا ما صلوا» ففيه معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء"(19).
وعن أبي سعيد الخدري يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبداً حجته قال يا رب رجوتك وفرقت من الناس»(20).
قال ابن رجب الحنبلي بعد ذكره لهذا الحديث: "جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين, نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك"(21).
وفي حديث بيعة العقبة عن جابر بن عبد الله: جاء بعض أهل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله علام نبايعك قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة»(22).
ثالثاً: يزيل عوامل الشّرّ والفساد ويثبّت معاني الخير والصّلاح في الأمّة:
بظهور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحاصر الرذيلة وتنقمع المعصية ويقع الرعب والخوف في قلوب أرباب الفساد والمعاصي، وذلك أن أهل الفساد يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا, كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ودت الزانية لو زنى النساء كلهن"(23) وهذا مشاهد ملموس.(24)
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقضي على الرذيلة أوّلا بأوّل, لوجود من يردع أهل المنكرات عن التطاول والتمادي في فجورهم, وبذلك تسلم الأمّة من شرورهم وفسادهم, وتسعد في حياتها الخالية من الذنوب والمعاصي.
وبالمقابل فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يساعد في نشر المعروف بين المسلمين, وتثبيت معاني الخير في حياة الأمة, وتقوية جانب الفضيلة, وإشاعة الأخلاق الحسنة في العلاقات الاجتماعية لتقوم على قواعد وأسس الشريعة، حيث الصدق والوفاء، والتراحم والتناصح، وأداء الأمانة، والرفق والإحسان، ويهيّأ الجوّ الصّالح الّذي تنمو فيه الآداب والفضائل وتختفي فيه المنكرات والرّذائل, ويتربّى في ظلّه الضّمير العفيف والوجدان اليقظ, والانطلاق لإسعاد المجتمع(25).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتحفظ به حرمات المسلمين، وتظهر أعلام الشريعة، وتفشو أحكام الإسلام، وبارتفاع سهمه يعلو أهل الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور، ويورث القوة والعزة في المؤمنين، ويذل أهل المعاصي والأهواء، وترغم أنوف المنافقين(26).
رابعاً: يبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين:
إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشعر أبناء المجتمع الواحد بمعنى الإخوة, لأنه نوع من التناصح الذي يبعث الإحساس بالتكامل فيما بينهم, والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض وقد أمرنا الله تعالى بذلك فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2], وإن القيام بذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين, ويؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين ويأمن الناس على الحقوق والحرمات.
فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن يبصره بعيوبه, ويرشده إلى منفعته, كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه»(27).
وكان عمر رضي الله عنه يسأل سلمان عن عيوبه, وكان يقول: "رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي"(28).
فمن حق المسلم على المسلم أن يديم نصيحته, ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويستر عورته، ويغفر زلته، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، ويرد ضالته، ويواليه، ولا يعاديه، وينصره على ظالمه، ويكفه عن ظلمه غيره، ولا يسلمه، ولا يخذله، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه(29).
خامساً: يشد ظهر المؤمنين ويقوي عزائمهم ويرغم أنوف المنافقين ويضعف معنوياتهم:
لاشك أن المؤمن يفرح عندما يرى من يؤازره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتتقوى عزيمته بمساندة إخوانه وأنصاره, ومن يقف معه وقفة إيجابية في نشر دعوته, وهذا من لوازم الولاء بين المؤمنين الصادقين, وعلى العكس من ذلك فالمنافقون تضيق صدورهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله عنهم: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء: 89].
وذلك أن كثيرا منهم يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من لا يوافقهم, وسبب حبهم لمن يشاركهم في أمورهم وشهواتهم إما للمعاونة على ذلك, وإما لتلذذهم بالموافقة, وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير إما حسداً له على ذلك وإما لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم وإما لئلا يكون له عليهم حجة, ولئلا يكونوا تحت منته ونحو ذلك من الأسباب(30), وهذه صفتهم في كل زمان ومكان.
روي عن سفيان الثوري أنه قال: "إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق"(31).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنآن الفاسقين(32), فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن شنأ المنافقين وغضب لله عز وجل غضب الله تعالى له"(33).
قال الشيخ الدكتور خالد السبت: "المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك وَيَشْرَق, ويكون ذلك سببا لغمه وضيق صدره وحسرته، لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق, كيف لو طُولِب هو بالتطبيق والعمل ومجانبة المنكر, وأُلزم بما أظهر من الانتساب لهذا الدين؟! لاشك أنه يتألم لذلك أشد الألم ويحزن بسببه أشد الحزن"(34).
فالمنافقون كما ذكر لنا القرآن الكريم من صفاتهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67].
قال حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه: "يأتي على الناس زمان لأن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر"(35).
فحقيقة المنافقين أنهم من طينة واحدة، وطبيعة واحدة, قد تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد, سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة, تلك سماتهم الأصلية, في كل زمان وفي كل مكان, أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس, وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دساً وهمساً، وغمزاً ولمزاً، لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون, لأنهم ﴿نسوا الله﴾ فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم ﴿فنسيهم﴾ الله فلا وزن لهم ولا اعتبار, وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله فهم مطرودون من رحمته(36).
سادساً: التمكين في الأرض والنصر على الأعداء:
وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على أعدائهم مقابل نصرهم لدينه ولكتابه، وامتثالهم لأوامره, واجتنابهم لنواهيه, وإقامتهم لحدوده، ونصحهم لعباده, وجهادهم في سبيله لإعلاء كلمته، واتباعهم لرسوله صلى الله عليه وسلم, قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
ثم بين صفات هؤلاء الموعودين بهذا النصر في الآية التي بعدها فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].
قال الإمام محمد المختار الشنقيطي: "يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة, فمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئا ثم جاءه يطلب منه الأجرة, فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين ثم يقولون: إن الله سينصرنا مُغَرَّرُون لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفي(37)".
وفي الآية أيضاً دليل على إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض من ولاة الأمر, وكل من أقدره على القيام بذلك(38).
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55].
وهذا وعد من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم, بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّهم بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد كان ذلك بفضل الله ومنته، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها, وأخذ الجزية من مَجُوس هَجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهَادَاهُ هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس -وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة، رحمه الله.
ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فَلَمّ شَعَث الأمة لقتال من ارتد بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأطَّدَ جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس، ففتحوا طرفا منها، وأرسل جيشا آخر إلى أرض الشام ففتح الله لهم بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حَوران وما والاها، وجيشاً ثالثًا إلى بلاد مصر، ولما استخلف عمر الفاروق رضي الله عنه، قام بالأمر بعده قياما تاما، وتم في أيامه فتح بلاد الشام بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز إلى قسطنطينة، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم في خلافة عثمان ابن عفان رضي الله عنه، امتدت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقُتل كسرى، وزال ملكه بالكلية, وفتحت مدائن العراق، وخراسان، والأهواز، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه, وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن.(39)
وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالنصر والتمكين في الأرض فعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها»(40).
والآيات التي تعد المؤمنين بنصر الله كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51], وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47], وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 173], وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56].
ولو شاء الله لانتصر من أعدائه بالعذاب أو بإرسال أي نوع من أنواع العقوبات لاستئصالهم, وإنجاء المؤمنين منهم, ولكنه أمر عباده المؤمنين بمجاهدة أعدائه ليبلو بعضهم ببعض وليمحص عباده المؤمنين, فينال الصادقون منهم شرف النصر ومرتبة الشهادة, وليكون عذاب الكفار على أيدي المؤمنين نكاية بهم, وزيادة في إذلالهم, قال عز وجل: ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 4].
سابعاً: التحقق بصفة الخيرية:
إذا أرادت هذه الأمة أن تحافظ على صفة الخيرية التي اتصفت بها في قول الله عز وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110], فما عليها إلا أن تحقق شرط الله فيها ألا وهو الإيمان بالله تعالى وحده والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قرأ هذه الآية فقال: "يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها"(41).
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: "وقوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ إلخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك؛ ولهذا قال مجاهد: إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية وهذا يقتضي أن يكون تأمرون وما بعده في محل نصب على الحال أي: كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه لعباده فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور"(42).
ولما كانت خيرية هذه الأمة منوطة بالقيام بهذا الواجب الشرعي, فقد أوجب الله عليهم نشر هذا الخير, وبذله للغير, ودعوة الناس إليه, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والقيام بهذا الواجب العظيم على أتم وجه, حتى تحافظ الأمة على هذا الفضل الذي حباها الله به, قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿ولتكن منكم﴾ أيها المؤمنون ﴿أمة﴾ يقول: جماعة ﴿ يدعون﴾ الناس ﴿إلى الخير﴾ يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده ﴿ويأمرون بالمعروف﴾ يقول: يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من عند الله ﴿ وينهون عن المنكر﴾ يعني: وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله بجهادهم بالأيدي والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة وقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ يعني المُنْجِحون عند الله الباقون في جناته ونعيمه"(43).
وقد عرفنا أن هذه الخيرية ليست خاصة بجيل الصحابة رضوان الله عليم, وإن كانوا هم خير مثل في هذا الشأن, بل هي عامة في جميع الأمة إن حققت هذه الشروط, كما رجح بعض أهل التفسير, ويؤيد ذلك ما ورد عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن الحضرمي يقول أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر»(44), فانظر فيما أوضحنا سابقاً تحت عنوان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم.
ثامناً: رفع العقوبات والنجاة من العذاب:
إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يرفع العقوبات العامة التي قد تنزل بالعباد فتعم الصالح والطالح وذلك إذا كثر الشر وظهرت المعاصي واستشرى الفساد, وهذا ما حدث لكثير من الأمم السابقة, وقد حذر الله سبحانه هذه الأمة من الوقوع فيما وقعوا فيه, وبين لنا مصير طائفة قليلة أنجاهم الله من عذابه حين قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال عز وجل: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ* وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 116, 117].
يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية ممن أهلكتهم بكفرهم ومعصيتهم إياي، وتكذيبهم برسلي ممن قصصت عليكم نبأهم في هذه السورة, هلا وجد منهم ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾، من الفهم والعقل، يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾، ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم، ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب عدد قليل، هؤلاء القليل من أهل الخير والصلاح كانوا ينهون عن الفساد في الأرض وهم الذين أنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله والعصيان, وهؤلاء القليل من أهل الفهم والعقل هم أتباع الأنبياء والرسل(45).
ثم تكشف لنا الآيات عن سنة من سنن الله في الأمم قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].
قال سيد قطب رحمه الله تعالى: "فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيوجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير, فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال, وإما بهلاك الانحلال.. والاختلال!, فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب.. وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره.. إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع"(46).
قصة أصحاب السبت:
ويكفينا عبرة وعظة في هذا الشأن قصة أصحاب السبت التي أخبرنا الله عنها في كتابه الحكيم فقال سبحانه: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 163-166].
هذه قصة قرية (أيلة) من قرى بني إسرائيل يسكنون قرب البحر.. وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيداً للعبادة, ولا يشتغلون فيه بشؤون المعاش، فجُعِل لهم السبت.. ثم شاء الله أن يبتليهم, فجعل الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل، قريبة المأخذ، سهلة الصيد, فتفوتهم وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم! فإذا مضى السبت وجاءتهم أيام الحل, لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة, كما كانوا يجدونها يوم الحرم! فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء، وينسون عهدهم وميثاقهم مع ربهم، فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت! فروي أنهم كانوا يقيمون الحواجز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه، وقيل كانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة, فتعلق به الحيتان يوم السبت ثم يأخذونها ليلة الأحد, وهذا ما أمر الله به رسوله أن يسأل يهود المدينة عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم, فيذكرهم بعصيانهم القديم ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾, وكان منهم فريق آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال! بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب؟ ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ فأجابهم هؤلاء الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾, فانقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم:
الأولى: أمة عاصية محتالة.
الثانية: أمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة.
الثالثة: أمة تدع المنكر وأهله، وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي.
فلّما لم يُجدِ النصح، ولم تنفع العظة، حقت كلمة الله, وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وهم الذين تركوا المعروف وفعلوا المنكر, وهذا العذاب هو مسخهم قردة كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 166], وإذا بالذين كانوا ينهون عن السوء ينجون من عذاب الله.. ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(47), فأما الأمة الثالثة - فقد سكت النص عنها.. ربما تهوينا لشأنها -وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب- إذ إنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي, فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب, فالجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم: هل كانوا من الهالكين أو من الناجين(48).
شبهة والرد عليها:
قد يتوهم بعض الناس أن الساكت عن إنكار المنكر مع قدرته يسلم من العقوبة، مستدلاً بهذه القصة, فيقول: إن الله نصّ على نجاة الناهين، ونصّ على هلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين، وهذا يدل على أن الساكتين سَلِموا من العقوبة، فدل على أن الساكت عن إنكار المنكر يسلم من العقوبة إذا لم يشارك الفاعل للمنكر في فعله.
والجواب:
أن هذا التوهم باطل مردود, فهذه الفرقة الساكتة اختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، والظاهر أنهم كانوا من الناجين؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهم ليسوا ظالمين لأمرين:
أحدهما: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك عليهم.
الثاني: أنهم أبدوا غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة بقولهم للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ فهم لم يداهنوا ولم يسكتوا وإنما اكتفوا بأداء غيرهم لهذا الواجب العظيم(49).
والمتأمل في قصص القرآن يجد أن من حقت عليهم عقوبة الله هم أُولئك الذين خالفوا منهج الله وأفسدوا في الأرض, وأما الذين نجوا من عذاب الله فهم أتباع الأنبياء والرسل, وقد كان الله تعالى يأمر أنبياءه للخروج من بين أقوامهم قبل نزول العذاب, ويأمرهم أن يصطحبوا معهم أتباعهم حتى يكونوا من الناجين, فقد أنجى الله نوحاً ومن معه كما قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾ [الأعراف: 64], وأنجى الله هوداً ومن معه وقال عنه: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 72], وأنجى الله صالحاً ومن معه فقال عنه: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: 53], وأنجى الله لوطاً ومن معه فقال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: 83], وأنجى الله موسى ومن معه فقال: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: 65].
وهذه سنة الله عز وجل في عباده فكل من خالف أمر الله تعالى, كان مصيره الهلاك والدمار, ولا تكون النجاة إلا للقائمين بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولا تزال سنته باقية ما بقيت السماوات والأرض ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
تاسعاً: انتفاع الخلق وإقامة الحجة والشهادة عليهم:
قد يحتج البعض بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسقط وجوبه إن رأى أنه لا يفيد في ظنه, لأن غايته هو ما يؤدي إليه من تغيير, وهذا فهم غير صحيح, فالله عز وجل تعبدنا بالبلاغ والبيان, وأما الاستجابة فمردها إلى الله تعالى, فقلوب العباد بيده سبحانه, وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم أمره الله عز وجل بالبلاغ الواضح كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: 18], وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22,21], وهذا البلاغ هو وظيفة الرسل جميعاً, ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 35]؛ وذلك ليكونوا سبباً في هداية الناس إلى الحق, وحتى تقام الحجة على الخلق أجمعين كما قال سبحانه: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء: 165].
قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين, وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول"(50).
فعلى الداعية أن يتذكر هذه الحقيقة دائماً، ويمضي قدما في سبيل الدعوة إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ولا يبالي بقلة المستجيبين له، فقد تعبدنا الله تعالى بالبلاغ المبين حتى نخرج أنفسنا من عهدة التكليف.
ثم لا نيأس من نصر الله لنا, فلعل الاستجابة تأتي ولو بعد حين, ولعل الذكرى تنفع ولو لم نتوقع ذلك, كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: 9].
قال صاحب عون المعبود: "قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين والذي عليه الأمر والنهي لا القبول ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر, وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب"(51).
وقد مرّ بنا قصة أصحاب السبت وكيف أجابت الأمة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر عن سؤال الأمة الساكتة التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾؟. فكانت الإجابة أن قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164], فقولهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتخويف من انتهاك الحرمات، فهذا واجب نؤديه لنبلغ إلى الله عذرنا، وليعلم أن قد أدينا واجبنا, فإن انتفعوا بالموعظة وانتهوا عما هم فيه فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا, ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: لعلهم بهذا الإنكار أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته, ولعل هذا النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى, فيتقون ما هم فيه ويتركونه، ويتوبوا من معصيتهم لربهم، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت, ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم فأنجاهم في الدنيا والآخرة (52).
عاشراً: استنزال الرحمة من الله:
إن القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تنزل الرحمة على العباد القائمين بذلك, قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
ففي قوله تعالى: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾, أي: أصحاب الصفات المذكورة في الآية ومن هذه الصفات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات"(53).
وجاء في الحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معلم الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحار»(54).
وعن أبي أمامة الباهلي قال ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير»(55).
قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى: "أي يستغفرون لهم طالبين لتخليهم عما لا ينبغي ولا يبق بهم من الأوضار والأدناس لأن بركة علمهم وعملهم وإرشادهم وفتواهم سبب لانتظام أحوال العالم وذكر النملة والحوت بعد ذكر الثقلين والملائكة تتميم لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرحمن الرحيم وخص النملة والحوت بالذكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم كما قال بهم تنصرون وبهم ترزقون حتى أن الحوت الذي لا يفتقر إلى العلماء افتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدا ببركتهم"(56).
ولاشك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يدخل في هذا الجزاء العظيم؛ كونه ممن يعلمون الناس الخير ويرشدونهم إلى ما ينفعهم, ويبصرونهم بنور ربهم, وينهونهم عما يضر بهم في دنياهم وأخراهم.
حادي عشر: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة:
ومن أهم الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلاح القائمين به وفوزهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
فعلق فلاحهم بهذا العمل العظيم, ففلاح هذه الأمة ونجاحها لا يكون متحققاً إلا بقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمرها ربهها في هذه الآية.
قال السعدي: "﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المدركون لكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب, ويدخل في هذه الطائفة أهل العلم والتعليم، والمتصدون للخطابة ووعظ الناس، عموما وخصوصا، والمحتسبون الذين يقومون بإلزام الناس بإقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة، والقيام بشرائع الدين، وينهونهم عن المنكرات, فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، أو قام بنصيحة عامة أو خاصة، فإنه داخل في هذه الآية الكريمة"(57).
فلا فلاح للأمة, ولا نجاح للبشرية، إلا أن يسود فيها الخير، ويوجد فيها من يدعو إليه, حتى يكون المعروف معروفاً، والمنكر منكراً.. وهذا يقتضي وجود العدد الكفائي الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى تكون سلطة الخير والمعروف هي السائدة فيهم.
وعندما نعت الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة فقد خصه بأفضل صفاته وهي أمره لأتباعه بالمعروف ونهيه لهم عن المنكر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].
بين سبحانه أن أتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المنجحون عند الله, وهذا لا يتم إلا بتحليهم بهذه الصفة التي وصف بها متبوعهم صلى الله عليه وسلم وهذا هو طريق الفلاح.
فمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد ترك طريق الفلاح واتجه في طريق الخسران والهلاك كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].
قال الشيخ السعدي: "ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات:
الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به, والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده الواجبة والمستحبة, والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه, والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة, فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم"(58).
والفلاح مكسب عظيم للإنسان, فهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فأما في الدنيا فيكون بالحياة الطيبة، بما فيها سعة الأرزاق، وصحة الأبدان، والأمن في الأوطان، وصلاح الأهل والولد، والتوفيق إلى فعل الخير, وغير ذلك من جوانب الحياة الطيبة التي ينشدها كل فرد, وأما في الآخرة فهو الفلاح الأبدي, ويكون بالنجاة من العذاب الأليم, والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، والحصول على مرضاة الله عز وجل, ولذة النظر إلى وجهه الكريم.
ويصور لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر في حديث القوم الذين استهموا على سفينة أنهم إن قاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك بالأخذ على أيدي العابثين الذين يريدون خرق السفينة ومنعهم من ذلك, فإنه يكون سبباً في نجاتهم جميعاً, فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»(59).
قال الإمام بدر الدين العيني: "قوله: «وإن أخذوا على أيديهم» أي: وإن منعوهم من الخرق «نجوا» أي: الآخذون «ونجوا جميعا» يعني جميع من في السفينة ولو لم يذكر قوله ونجوا جميعا لكانت النجاة اختصت بالآخذين فقط وليس كذلك بل كلهم نجوا لعدم الخرق وهكذا إذا أقيمت الحدود وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر تحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيره بترك الإقامة"(60).
ثاني عشر: إصلاح حياة الأمة بجميع جوانبها (الديني, الاجتماعي, الأخلاقي, السياسي, الاقتصادي, الصحي, الإعلامي):
أ- أثره في الجانب الديني:
إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر(61), وإنّ من أهم الآثار التي يحققها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي هداية الإنسان فرداً كان أم مجتمعاً فيتعمق الإيمان بالله تعالى في العقول والقلوب، وتتوثق الصلة مع الله تعالى والتي تضفي السكينة والطمأنينة على جميع جوارح الإنسان ومقوّمات شخصيته في الفكر والعاطفة والسلوك، فيتحرر من الضلال والعمى والحيرة, ومن مظاهر الضياع والتخبط، ويتخلص من الأوهام والخرافات، ويتوجه إلى الله تعالى مستمداً منه العون والإسناد، فيستشعر الأمان والصفاء وهو عميق الصلة بخالقه، وتستقيم نفسه ومشاعره, هذه الهداية تجعله يحكّم مفاهيم الإسلام وقيمه في عقله وقلبه وإرادته؛ لتكون الأفكار والعواطف والممارسات العملية مطابقة للمنهج الإلهي في الحياة، عن طريق إقامة فرائض الدين القويم وشريعته السمحاء(62), وهو كذلك دليل على كمال الإيمان وحسن إسلام المرء ودليل على استجابته لأمر الله تعالى القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24], وهو كذلك دليل على محبة الله تعالى ومحبة شريعته,كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31], فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين, فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت, فإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر(63).
ب- أثره في الجانب الاجتماعي:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن قام به المجتمع فانه يحقق الأمن والسلام والطمأنينة، فيقضى بواسطة أدائه على جميع ألوان العدوان والاضطهاد والاستغلال، ويتحقق العدل، وتتعمق الأواصر الإسلامية، ويتوحد الصف الإسلامي في ضوء وحدة العقيدة ووحدة السلوك ووحدة المصالح ووحدة المصير، ويعيش المجتمع حياة الإخاء والتعاون والتآزر والتكاتف والتناصر, وتحفظ كرامة الإنسان وحريته، ويتم الحفاظ على سلامة الأرواح والأعراض والأموال فيعيش الناس آمنين مطمئنين(64).
وكذلك فإن تعاون أبناء المجتمع الواحد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة القائمين بهذه الفريضة يعد من أسباب فلاح هذا المجتمع وتكاتف أهله، فيعيشون بقلب واحد ونفسية واحدة.
ج- أثره في الجانب الأخلاقي:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكوّن الرّأي العامّ المسلم الحرّ الّذي يحرس آداب الأمّة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ويجعل لها شخصيّة وسلطانا هو أقوى من القوّة وأنفذ من القانون(65), فيتربى المجتمع على التمسك بالفضائل, ونبذ الرذائل, ولا يسمح بظهور المعاصي والمنكرات, فتضيق أبواب الفواحش, ويحقر أصحاب الفجور, وتضعف شوكتهم, لوجود المجتمع الذي يرفض جميع مظاهر الفساد, والذي يكف أهل العصيان عن معصيتم, ويردع أهل الفجور عن فجورهم, فيأمن الناس على أعراضهم, ويعمّ الخير والصلاح, ويتعامل الناس بأخلاق الإسلام في جميع مرافق الحياة.
د- أثره في الجانب السياسي:
إن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أثر كبير في الجانب السياسي وذلك بتوجيه من لهم القرار في السلطة للشعور بالمسؤولية أمام خالقهم، وإيصال عدول الفقهاء إلى موقعهم الريادي، وتطبيق حكم الله في الأرض طبقاً لقواعد الشريعة، وزوال الفوارق بين الحكام والمحكومين، والتآزر من أجل الأهداف الواحدة، ومنع المنحرفين والمفسدين من الوصول إلى المراكز الحساسة في السلطة السياسية(66).
وكذلك منع المفسدين من العبث بالأموال العامة واستنزافها في مصالحهم الخاصة, وردعهم من استغلال الوظائف والمناصب العامة في أغراضهم الشخصية, والوقوف في وجه من يريدون من المجتمع المسلم الانجرار وراء القوانين الوضعية التي تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية, ورفض أي تشريع برلماني, أو قانون بشري, أو مادة دستورية تخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ورد الأمر عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
هـ- أثره في الجانب الاقتصادي:
ومن آثاره في الجانب الاقتصادي المحافظة على توازن اقتصاد الأمة حتى لا يعبث به السفهاء, وذلك بصرف الأموال في مصارفها, ومنع احتكارها في فئة قليلة من الناس, فالمال قوام الحياة وقد نهانا الله عز وجل أن نسلمه إلى أيدي السفهاء قال سبحانه: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: 5], هؤلاء السفهاء لا يعرفون قدر هذا المال, فإتاحة الفرصة لهم للتصرف في هذا المال بحرية كاملة يوقع الأمة في أزمات اقتصادية كبيرة, فإذا وجد في الأمة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعلم الناس وسطية الإسلام في تيسير معاشهم دون تفريط أو إفراط امتثالاً لقول الله جل وعلا: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31], كان ذلك سبباً في إصلاح هذا الجانب.
ومن آثار القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الجانب محاربة الربا الذي فشا في كثير من المجتمعات الإسلامية, وظهرت لأجله الكثير من البنوك التي تتعامل بالربا الذي يعد من أهم أسباب الانهيار الاقتصادي, فوجود الرقابة الشرعية أمر متحتم لضبط الخلل في هذا الجانب, ولا بد كذلك من وجود متخصصين من أبناء الأمة يبينون أمر الله عز وجل في تفاصيل كثيرة في هذا الجانب قد لا يعرفها عامة الناس.
و- أثره في الجانب الصحي:
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دور كبير في إصلاح هذا الجانب الهام في حياة المسلمين إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, فإذا تربى المجتمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجد الطبيب المخلص الذي يخاف الله ويخشاه, فيقوم بواجبه بالشكل المطلوب, ويستشعر المسؤولية أمام خالقه, وتؤدي المستشفيات والمراكز الصحية دورها الهام الذي قامت لأجله, ويشجع هذا الجانب من قبل صانعي القرار في الأمة, وتسخر الطاقات العلمية في مواقعها المناسبة, وتعطى الكوادر الطبية مكانتها اللائقة بها, ويضفي الخير على هذا الجانب, ويتضاءل الشر والفساد في المرافق الصحية.
ومن ناحية أخرى فللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دور كبير في إصلاح هذا الجانب من عبث العابثين الذين يتطفلون على مهنة الطب بغير علم, ويعبثون بأجساد الناس وأرواحهم, فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن»(67). وكم هم اليوم الذين يتطببون بغير علم, فلا بد من ضبط المفسدين في هذا الجانب برقابة مشددة تحد من التساهل في ذلك.
ي- أثره في الجانب الإعلامي:
الإعلام -كما يقولون- سلاح العصر, وهو سلاح ذو حدين, يستخدم لنصرة الحق أو لنصرة الباطل, ولا يخفى علينا جميعاً دور الإعلام اليوم في بناء الأفكار, وصناعة القرار على مستوى الأفراد والمجتمعات, كونه يتنوع بأشكال مختلفة كالقنوات الفضائية, والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت, فيسهل وصوله إلى جميع الناس بمختلف مستوياتهم, فإذا وجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في هذا المجال وجد الإعلام الهادف الذي ينقل الواقعة على حقيقتها, ويسعى في نشر الخير بين المسلمين, وينضبط بضوابط الشرع, بل إن هذا النوع من الإعلام الصادق في أهدافه, القائم على هدىً من الله, يؤدي وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وما بعض القنوات الإسلامية إلا نموذجاً لهذا النوع من الإعلام الذي يفتح باباً واسعاً من أبواب الدعوة إلى الله تعالى, يصل خيره إلى كل أسرة وكل بيت وكل فرد في المجتمع, لتحقيق الهدف الأسمى بإصلاح العباد والبلاد, وربط الناس بخالقهم جل وعلا, وصياغة الشخصية المسلمة المتوازنة.
خاتمة:
وبعد أن عرفنا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة, وفضيلته في شريعتنا, والآثار المترتبة على القيام به, علنا نكون قد أدركنا شيئاً من حكمة الشارع من هذه الفريضة العظيمة, فبهذه الفريضة تقام الملة والشريعة ويحفظ الدين ويعلو الحق وينتشر العدل ويرفع الجور والظلم بين العباد, فتزول كل عوامل الشّرّ والفساد وتثبّت كل معاني الخير والصّلاح في الأمّة, ويبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنين, فيُشد ظهر المؤمنين وتقوى عزائمهم وتُرغم أنوف المنافقين وتضعف معنوياتهم, ويُمَّكن لهذه الأمة في الأرض وتنتصر على أعدائها, ويُدفع عنها العقوبات وتنجو من عذاب الله, وينتفع الخلق وتقام الحجة عليهم, وتستنزل الرحمة من الله تعالى, وتصلح حياة الأمة بجميع جوانبها, الدينية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية, والاقتصادية, والصحية, والإعلامية, ويكون الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
هذا ما تيسر جمعه من الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فما أصبت من ذلك فمن فضل الله ومنته, وما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان, وأستغفر الله من ذلك.
ويليه المبحث الثالث بعنوان: (عواقب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
فنسأل الله عز وجل أن ينفع به, وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم.
والحمد لله رب العالمين.
إعداد: رياض عيدروس عبد الله
28/ 4/ 1431هـ- 12/ 4/ 2010م
مراجعة: د/ قسطاس إبراهيم النعيمي
_________________________
(1) هذا هو المبحث الثاني من بحث بعنوان (حكمة الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) قُدم لندوة تقوية الإيمان وزيادته (الدورة السابعة) المنعقدة بجامعة الإيمان بتاريخ بتاريخ 6-8/ جماد أولى/ 1431هـ, الموافق 20-22/ ابريل/ 2010م.
(2) انظر التحرير والتنوير,6/ 238.
(3) تفسير ابن كثير,1/ 307.
(4) أخرجه مسلم,1/ 116, برقم: 31.
(5) أخرجه مسلم,10/ 6, برقم: 3525.
(6) الدر المنثور, 1/ 764.
(7) تفسير الطبري,9/ 162.
(8) صحيح البخاري 6/ 2550, برقم: 6552.
(9) فيض القدير,3/ 59.
(10) صحيح مسلم 1/ 74, برقم: 55.
(11) فتح الباري 1/ 167.
(12) روه الترمذي 4/ 471 برقم: 2174, وأبو داود,2/ 527, برقم: 3444، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة1/ 886, برقم: 491
(13) سنن أبي داود 2/ 527 برقم: 4344، وسنن ابن ماجه 2/ 1329 برقم: 4011، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة 2/ 369 برقم: 3240.
(14) «كلمة حق عند ذي سلطان جائر», سنن ابن ماجه, 2/ 1330, برقم: 4012.
(15) عون المعبود, 11/ 335.
(16) المستدرك, 3/ 215, وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة1/ 716, برقم: 374.
(17) فيض القدير 4/ 121.
(18) صحيح مسلم,3/ 1480, برقم: 1854.
(19) شرح النووي على مسلم 12/ 243.
(20) أخرجه ابن ماجه 2/ 1332, برقم: 4017, وأحمد 3/ 27, وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن, وابن حبان 16/ 368, وقال الشيخ الألباني: (صحيح), انظر صحيح ابن ماجة, 2/ 370, حديث رقم: 3244.
(21) جامع العلوم والحكم,1/ 322.
(22) مسند أحمد 3/ 339, برقم: 14694, قال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح وهذا إسناد حسن, وقال الشيخ الألباني: صحيح, انظر السلسلة الصحيحة 1/ 133, حديث رقم: 63.
(23) الاستقامة لابن تيمية2/ 256.
(24) من خطبة للشيخ الدكتور خالد المصلح على موقعه.
(25) انظر نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/ 539, وانظر أيضاً آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونتائج التخلي عنهما, بتصرف, على الرابط:
http://www.rafed.net/books/fegh/maarof/alamr-5.html
(26) انظر شعاع من المحراب,1/ 57, د.سليمان بن حمد العودة.
(27) أخرجه أبو داود,13/ 76, برقم: 4272, وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة,2/ 500, حديث رقم: 926.
(28) إحياء علوم الدين,3/ 64.
(29) انظر الآداب الشرعية للمقدسي,1/ 361, بتصرف.
(30) تكلم عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وضرب بعض الأمثلة في كتابه الاستقامة 2/ 256.
(31) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر بن الخلال,1/ 78.
(32) أي: بغض الفاسقين, انظر الصحاح للجوهري,6/ 424, والمعجم الوسيط,1/ 495, ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ [المائدة: 8].
(33) الكشف والبيان, أبو إسحاق النيسابوري, 3/ 123.
(34) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, (أصوله وضوابطه وآدابه) للشيخ خالد بن عثمان السبت ص83.
(35) الكشف والبيان,3/ 123.
(36) في ظلال القرآن,4/ 46, بتصرف.
(37) أضواء البيان,7/ 252.
(38) انظر فتح القدير,3/ 654.
(39) انظر تفسير ابن كثير, 6/ 77, 78, بتصرف.
(40) أخرجه مسلم, 14/ 68, برقم: 5144.
(41) تفسير الطبري, 3/ 389.
(42) فتح القدير 1/ 560.
(43) تفسير الطبري 3/ 385.
(44) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند 5/ 375, برقم: 23229, قال الألباني: (صحيح), السلسلة الصحيحة,4/ 275.
(45) انظر تفسير الطبري,15/ 527, وتفسير ابن كثير,4/ 360.
(46) في ظلال القرآن,4/ 273.
(47) انظر النكت والعيون للماوردي, 2/ 27.
(48) انظر في ظلال القرآن, 3/ 307, وانظر تفسير ابن كثير,3/ 494, وتفسير الطبري, 13/ 184.
(49) انظر القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر,1/ 68.
(50) شرح النووي على مسلم,1/ 13.
(51) عون المعبود 11/ 330.
(52) انظر تفسير ابن كثير, 3/ 494, تفسير الطبري,13/ 185, في ظلال القرآن, 3/ 309.
(53) تفسير ابن كثير, 4/ 175.
(54) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط,13/ 479, 6401, السلسلة الصحيحة, 4/ 351, برقم: 1852, صحيح الترغيب والترهيب,1/ 19, 82.
(55) أخرجه الترمذي,9/ 299, برقم: 2609, قال الألباني: "صحيح", انظر صحيح وضعيف سنن الترمذي,6/ 185.
(56) فيض القدير,4/ 432.
(57) تفسير السعدي, 1/ 971.
(58) تفسير السعدي, 1/ 934.
(59) صحيح البخاري 2/ 882, برقم: 2361.
(60) عمدة القاري 13/ 57.
(61) مجموع فتاوى ابن تيمية, 28/ 65.
(62) انظر أثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونتائج التخلي عنهما, بتصرف, على الرابط:
http://www.rafed.net/books/fegh/maarof/alamr-5.html
(63) انظر روضة المحبين,1/ 274.
(64) انظر آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونتائج التخلي عنهما, بتصرف, على الرابط:
http://www.rafed.net/books/fegh/maarof/alamr-5.html
(65) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/ 539.
(66) انظر آثار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونتائج التخلي عنهما, بتصرف, على الرابط:
http://www.rafed.net/books/fegh/maarof/alamr-5.html
(67) أخرجه ابن ماجه,10/ 279, برقم: 3457, وأبو داود,12/ 177, برقم: 3971. قال الألباني: "إسناده حسن", السلة الصحيحة,/ 134, حديث رقم: 635.