حكمة الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(1)
(الفضائل - الآثار - العواقب)
مقدمة:
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا, والصلاة والسلام على من أرسله الله بالحق بشيراً ونذيرا, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا.. نبينا محمد وآله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..وسلم تسليماً كثيرا..
أما بعد:
فَلِمَا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمية كبيرة، في حياة الأمة أفراداً ومجتمعات, وَلِمَا له من منزلة رفيعة عند رب الأرض والسماوات، فقد جاء هذا البحث في بيان أمره، وعظيم مكانته، وعلو شأنه، والتذكير بعظيم فضله, وعلو منزلته، وأجر القائم به، والمقدم عليه، والتعرف على آثار العمل به, والتشجيع على إفشائه، والحث على فعله، والترغيب في سلوك طريقه، وبالمقابل بيان خطر التهاون فيه، أو الرغبة عنه، أو التغافل عن إقامته، أو الإعراض عنه، وكذلك التحذير من تركه، وعدم الاهتمام به، أو نسيانه، والانشغال عنه، والتحجج بحجج واهية لإيجاد الأعذار للتنصل من إيقاعه وإعماله، وما يحصل من تبريرات للتهرب من السعيِّ فيه.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد الدائم المفروض على كل مسلم، وهو أصل مهم من أصول الدين, ولا قيام لشريعة الإسلام إلا به وهو "القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي ابتعث الله لها النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد"(2).
فكم نحن بحاجة ماسة إلى إقامة هذه الفريضة العظيمة في زمنٍ ضاعت فيه الكثير من الواجبات, واسترسل الناس في الوقوع في وحل المعاصي والهفوات, وانساق البعض أمام أتباع الهوى والشهوات, فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة خالق الأرض والسماوات, وقلما تجد في بعض البلدان والمجتمعات مؤمن قائم بأمر الله تعالى لا تأخذه في الله لومةُ لائم ولا تثنيه الأباطيل والشبهات.
هذه الفريضة العظيمة التي تعد من أعظم خصائص هذه الأمة, فبالقيام بها نالت شرف القيادة والريادة من بين سائر الأمم, وبالتمسك بها علا شأنها عند ربها, وفرضت هيبتها أمام أعدائها, ولا يزال الخير باقياً في هذه الأمة ما بقي فيها الآمرون بالمعرف والناهون عن المنكر.
وفي هذا البحث سنتطرق إلى بعض فضائلها, وآثار القيام بها, وعواقب تركها, علنا ندرك حكمة الشارع من فرضها وإيجاب القيام بها, وقد قسمنا البحث إلى ثلاثة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المبحث الثاني: الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المبحث الثالث: عواقب ترك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي بحثنا هذا الذي هو بعنوان: (حكمة الشارع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) سنتناول المبحث الأول منه على النحو التالي:
المبحث الأول: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,, وبعد:
فقبل الشروع في ذكر فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحسن بنا أن نعرف بالموضوع وذلك بذكر تعريفات العلماء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحكمه في الإسلام, ويكون المبحث محتوياً على مطلبين كما يلي:
المطلب الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان حكمه
أولاً: التعريفات في اللغة والاصطلاح:
المعروف لغة:
قال ابن منظور: "المَعْرُوف ضدُّ المُنْكَر والعُرْفُ ضدّ النُّكْر يقال أَوْلاه عُرفاً أَي مَعْروفاً والمَعْروف والعارفةُ خلاف النُّكر والعُرْفُ والمعروف الجُود وقيل هو اسم ما تبْذُلُه وتُسْديه... قال الزجاج المعروف هنا ما يُستحسن من الأَفعال"(3).
المعروف اصطلاحا:
يطلق المعروف على كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه, وهو اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة اللّه والتّقرّب إليه، والإحسان إلى النّاس، وكلّ ما ندب إليه الشّرع، ونهى عنه من المحسّنات والمقبّحات وهو من الصفات الغالبة, بمعنى أنه معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه(4).
المنكر في اللغة:
قال ابن منظور: "(نكر) النُّكْرُ والنَّكْراءُ الدَّهاءُ والفِطنة ورجل نَكِرٌ ونَكُرٌ ونُكُرٌ ومُنْكَرٌ من قوم مَناكِير دَاهٍ فَطِنٌ... والمُنْكَرُ من الأَمر خلاف المعروف... ونَكِرَه يَنْكَرُه نَكَراً فهو مَنْكُورٌ واسْتَنْكَرَه فهو مُسْتَنْكَرٌ والجمع مَناكِيرُ"(5).
والمنكر اصطلاحا:
هو ضد المعروف وهو ما عرف قبحه نقلاً وعقلاً(6), وقيل كلّ ما قبّحه الشّرع وحرّمه ونهى عنه(7).
معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اصطلاحا:
الأمر بالمعروف: هو الإرشاد إلى المراشد المنجّية, والنّهي عن المنكر: الزّجر عمّا لا يلائم في الشّريعة.
وقيل: الأمر بالمعروف: الدّلالة على الخير, والنّهي عن المنكر: المنع عن الشّرّ.
وقيل: الأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسّنّة, والنّهي عن المنكر: نهي عمّا تميل إليه النّفس والشّهوة.
وقيل: الأمر بالمعروف: الإشارة إلى ما يرضي اللّه تعالى من أقوال العبد وأفعاله, والنّهي عن المنكر: تقبيح ما تنفّر عنه الشّريعة والعفّة وهو ما لا يجوز في شرع اللّه تعالى(8).
ثانياً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بنص القرآن الكريم وصريح السنة النبوية, وإجماع الأمة، وسنذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة وإجماع علماء الأمة.
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
1- قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، فقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن﴾ أمرٌ, وظاهر الأمر الإيجاب هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصرت الآية الفلاح بهذا العمل.
2- قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: 110] فالآية قرنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإيمان بالله تعالى، وتخصيص الثناء والمدح بالخيرية بهذه الصفات الثلاث، فهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]، فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأوصاف الخاصة بالمؤمنين، وعليهما تترتب الرحمة، وقد ذكرا في سياق الواجبات كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهما واجبان بدلالة وحدة السياق، وتكرّر اقترانهما مع الواجبات يفيد وجوبهما.
4- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، ففعل الأمر ﴿قُوا﴾ يدل على الوجوب، ويتحقق هذا الفعل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
5- قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، والعرف: هو المعروف(9)، والأمر للوجوب، وإذا كان الأمر بالمعروف واجباً كان النهي عن ضده واجبا.
6- قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
قال الإمام الرازي رحمه الله: "هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء أولها الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف ثم النهي عن المنكر"(10).
7- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فالآية تشمل الأمر بكل معروف كان واجباً أو مندوبا، والنهي عن كل منكر كان محرماً أو مكروها، وهي بصيغة الأمر الصريح الدال على الوجوب.
8- قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، بعد ذكره لهذه الآية وغيرها: "فهذه الآية ونظائرها مقتضية لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(11).
9- قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2] قال الإمام الغزالي: "وهو أمر جزم، ومعنى التعاون: الحث عليه، وتسهيل طرق الخير، وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان"(12)، ثم أتبع الأمر بالتهديد بالعذاب الشديد الذي لا يكون إلا لفعل المحرم أو ترك الواجب.
10- قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78،79] فلو لم يكن النهي عن المنكر واجباً لما استحقوا اللعنة بتركهم إياه؛ لأن اللعنة تختص بترك الواجب.
ب- الأدلة من السنة النبوية
1- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(13), فقوله صلى الله عليه وسلم «فليغيره» أمر إيجاب بإجماع الأمة(14).
2- حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم »(15).
3- حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»(16).
4- حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم مفتوح عليكم منصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه, من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل بعير ردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه»(17).
5- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام خطيبا فكان فيما قال: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه»، قال: "فبكى أبو سعيد، وقال: والله رأينا أشياء فهبنا"(18).
6- حديث تميم بن أوس الداري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»(19).
فبين أن عماد الدين وقوامه النصيحة, كقوله: الحج عرفة أي عماده ومعظمه عرفة(20).
7- حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم»(21).
قال الجرجاني: "النصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد"(22).
8- حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والصيام سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له »(23).
9- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم»(24).
10- حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»(25).
11- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبداً حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت من الناس»(26).
ج- دليل الإجماع
قال الإمام النووي في قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «فليغيره»، قال: "فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة" (27)، وقال الإمام الجصاص: "فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه فيه وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه"(28)، وقال الإمام الغزالي: "الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته، والمذمة في إهماله وإضاعته، ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه، وإشارات العقول السليمة إليه، الآيات والأخبار والآثار"(29).
مسألة:
الأمر بالمعروف يكون واجباً إن أُمر بواجب, ويكون مستحباً إن أُمر بمستحب, والنهي عن المنكر, يكون واجباً إن نُهي عن محرم, ويكون مستحباً إن نُهي عن مكروه(30), وقد يكون النهي عن المنكر محرماً وذلك إن كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه(31).
هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عيني أم كفائي؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية على الأمة إذا قام به البعض حتى وجد المعروف الواجب وزال المنكر المحرم سقط عن الباقين، أي إذا قامت به طائفة أو جماعة، سقط عن الباقين وأصبح في حقهم سنة، لكن يشترط أن يكونوا ممن تتحق بهم الكفاية، أي: يكفون في إقامة هذه الشريعة والشعيرة(32)، وإلا أثم كل قادر بحسب قدرته من القيام به بنفسه أو المعاونة على القيام به أو أَمر القادرين بذلك(33).
ثم إنه قد يتعين أي: يصير في حق الفرد فرض عين, كما إذا كان في موضع لا يعلم به أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه أو من له ولاية عليه على منكر أو تقصير في المعروف فيتعين عليه ذلك(34), وهناك حالات كثيرة يصير فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين ذكرها العلماء وليس مكان ذكرها في هذا الموضع.
المطلب الثاني: فضائل القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة عظيمة ومكانة رفيعة في ديننا, وقد جاءت الكثير من الآيات في كتاب الله تعالى والكثير من التوجيهات في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, تبين فضل هذه الفريضة العظيمة, وسنذكر بعض هذه الفضائل في هذا الشأن فيما يلي: -
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الأنبياء جميعاً
إن المتتبع لقصص القرآن الكريم يجد أن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام بذلوا جلّ جهدهم في نصح أقوامهم, وإرشادهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة, فقد قاموا بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أكمل وجه كما حكى القرآن الكريم عنهم فها هو نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام كما قال الله عنه: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79].
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: "﴿ونصحت لكم﴾ في أدائي رسالة الله إليكم في تحذيركم بأسه بإقامتكم على كفركم به وعبادتكم الأوثان ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾ لكم في الله الناهين لكم عن اتباع أهوائكم الصادين لكم عن شهوات أنفسكم"(35).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "هذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم عن قبول الحق وإعراضهم عن الهدى إلى العمى قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك"(36).
ووصف الله خاتم أنبيائه بهذه الصفة التي هي من أخص صفاته صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: 157].
وعندما وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمام النجاشي بأوصاف كثيرة كان منها: أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, ففي حديث جعفر بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-، أن النجاشي سأله ما دينكم؟ قال: بعث فينا رسول نعرف لسانه، وصدقه، ووفاءه، فدعانا إلى أن نعبد الله، وحده لا نشرك به شيئا، وخلع ما كان يعبد قومنا، وغيرهم من دونه، يأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة، والصيام، والصدقة، وصلة الرحم، فدعانا إلى ما نعرف، وقرأ علينا تنزيلا جاء من عند الله، لا يشبهه غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به حق من عند الله.(37)
ثانياً: أنه من أخص صفات المؤمنين ودليل على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم:
وصف الله عباده المؤمنين بصفات كثيرة وفي مواطن متعددة في كتابه الكريم, ومن أبرز هذه الصفات قيامهم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 112]
ولا يكتمل ولاء المؤمنين بعضهم لبعضٍ إلا بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر, وتعاونهم على الحق, وهذا من أخص صفاتهم التي وصفوا بها في كتاب الله, قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه»(38) وفي الصحيح أيضا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»(39), وقوله: ﴿يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ الآية وقوله: ﴿ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ أي فيما أمر وترك ما عنه زجر"(40).
ففي هذه الآية يبين سبحانه أن من صفات المؤمنين موالاة بعضهم بعضاً, ومن لوازم هذا الولاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعاون على إقامة شعائر الدين, قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب فينصب في كل بلدة رجلاً صالحاً قوياً عالماً أميناً ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة "(41).
ثم بين سبحانه عاقبة ذلك فقال: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾, قال الإمام ابن كثير رحمه الله: " أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات ﴿إن الله عزيز﴾ أي: عز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حكيم﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى"(42).
وعندما ذم الله تعالى أهل الكتاب الذين خالفوا أمره فضربت عليهم الذلة والمسكنة وبَآؤُوا بغضب من الله بسبب ما اقترفوه من الآثام والمعاصي وقتل الأنبياء بغير حق, بين سبحانه أنهم ليسوا جميعاً سواء بل استثنى منهم طائفة جنحت للحق، فآمنت، واتخذت منهج المسلمين منهجاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في الخيرات, ووصفهم بأنهم من الصالحين(43), قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113, 114].
فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات القيام بالواجبات، ومن علامات الصلاح، فلم يشهد الله تعالى لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم الآية هو: أن الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لا يعدّون من الصالحين.
ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سر خيرية هذه الأمة وتفضيلها على الأمم
وصف الله عز وجل هذه الأمة بالخيرية لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وتحليها بالإيمان به سبحانه, قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].
في هذه الآية قدم الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله مع أن الإيمان بالله لا يتقدمه شيء من الأعمال ولا يفضله.. ولكن قد يكون هذا التقديم في هذا الموضع يراد به إبراز خاصية وميزة لهذه الأمة على غيرها من الأمم, فإنهم وإن كانوا مطالبين به إلا أنه لم يكن تحققه فيهم كتحققه في هذه الأمة, فاستحقوا به التفضيل على غيرهم من سائر الأمم التي سبقتهم وإن شاركوهم في تحقيق الإيمان, فهذه الأمة هي خاتمة الأمم ورسولها صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل, وكتابها آخر الكتب, وقد أخرجت للناس لتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتشهد عليهم(44).
وقد ذكر كثير من العلماء كالإمام ابن كثير والإمام الطبري وغيرهما أن هذه الآية ليست مختصة بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم, وأنها عامة لجميع الأمة, قال ابن كثير رحمه الله: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ أي خيارا ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]"(45).
وقد استدل من قال بأن هذه الآية نزلت في عامة الأمة بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»(46), وفي رواية أخرى: «إنكم تتمون سبعين أمة»(47).
قال الإمام المناوي: "«إنكم تتمون سبعين أمة» أي يتم العدد بكم سبعين «أنتم خيرها وأكرمها على الله» ويظهر هذا الإكرام في أعمالهم وأخلاقهم وتوحيدهم ومنازلهم في الجنة ومقامهم في الموقف ووقوفهم على تل يشرفون عليهم إلى غير ذلك ومما فضلوا به الذكاء وقوة الفهم ودقة النظر وحسن الاستنباط فإنهم أوتوا من ذلك ما لم ينله أحد ممن قبلهم"(48).
وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام"(49).
والمقصود بقول أبي هريرة -رضي الله عنه- هو قيام هذه الأمة بفريضة الجهاد الذي يكون سبباً في دخول غير المسلمين في الإسلام كما جاء عن أبي الطفيل قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ألا تسألوني مم ضحكت؟» قالوا: يا رسول الله مم ضحكت؟ قال: «رأيت ناسا يساقون إلى الجنة في السلاسل», قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «قوم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام»(50).
قال ابن حبان رحمه الله: "والقصد في هذا الخبر السبي الذي يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتفين في السلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا فيدخلوا الجنة"(51).
ومما يدل على أن هذه الخيرية في عامة الأمة ما ورد عن عطاء بن السائب قال سمعت عبد الرحمن بن الحضرمي يقول أخبرني من سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن من أمتي قوما يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر»(52).
قال الإمام المناوي: "«إن من أمتي قوما» أي جماعة لهم قوة في الدين, «يعطون مثل أجور أولهم» أي: يثيبهم الله مع تأخر زمنهم مثل إثابة الأولين من الصدر الأول الذين نصروا الإسلام وأسسوا قواعد الدين, قيل: من هم يا رسول الله؟ قال هم الذين«ينكرون المنكر» أي ما أنكره الشرع قالوا ويجب الأمر بالواجب والنهي عن الحرام ويندب الأمر بالمندوب والنهي عن المكروه بشرط العلم بوجه المعروف والمنكر وانتفاء المفسدة..."(53).
وهذه الصفة -صفة الخيرية- التي وصفت بها هذه الأمة لاشك أنها مقرونة بالقيام بهذه الفريضة العظيمة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركت هذه الفريضة انتفت منها صفة الخيرية, كما روي عن عمر رضي الله عنه عندما قرأ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ قال: "يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها"(54).
رابعاً: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكفر الخطايا:
لاشك أن أي طاعة يقوم بها المسلم يبتغي بها وجه الله تعالى تكتب في صحيفة حسناته, وتكون سبباً بإذن الله في تكفير زلاته وسيئاته, كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾ [هود: 114], ومن ذلك القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كما قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: 114].
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها ما جاء عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند عمر فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفتنة كما قال, قال: فقلت: أنا, قال: إنك لجريء وكيف قال, قال: قلت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(55).
وعن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: «أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة, وكل تكبيرة صدقة, وكل تحميدة صدقة, وكل تهليلة صدقة, وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة, وفي بضع أحدكم صدقة, قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(56).
وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»(57).
وعن أبي ذر رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة»(58).
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة» قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق» قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع, قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف», قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع قال: «يأمر بالمعروف أو الخير», قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يمسك عن الشر فإنها صدقة»(59).
خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: «الإيمان بالله»، قلت: يا نبي الله، إن مع الإيمان عمل, قال «يرضخ مما رزقه الله», قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: «يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر» قال قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان عييا لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: «يصنع لأخرق», قلت أرأيت إن كان أخرق لا يستطيع أن يصنع شيئا؟ قال: «يعين مغلوبا», قلت أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مغلوبا؟ قال: «ما تريد أن يكون في صاحبك من خير يمسك عن أذى الناس» فقلت: يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: «ما من مسلم يفعل خصلة من هؤلاء إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة»(60).
وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاث مائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» قال أبو توبة وربما قال: يمسي(61).
وعن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة فقال: «لئن كنتَ أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة», فقال: يا رسول الله أوليستا بواحدة قال: «لا إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها, والمِنْحَةُ الوَكوف, والفيء على ذي الرحم الظالم, فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير»(62).
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة» أي: أنك إن أقصرت في العبارة بأن جئت بعبارة قصيرة فقد أطنبت في الطلب حيث مِلْتَ إلى مرتبة كبيرة أو سألت عن أمر ذي طول وعرض إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾احبها لغيره لينتفع بلبنها ووبرها ثم يعيدها, «الوَكوف» صفة لها, وهي الكثيرة اللبن وقيل التي لا ينقطع لبنها طوال السنة, مِنْ وكف البيت وكفاً إذا قطر, والعين بالدمع إذا سال قليلا قليلا, قوله: «والفيء على ذي الرحم الظالم» أي: ومما يدخل الجنة الرجوع بالبر على القريب وإن كان ظالماً لك بقطع الصلة وغيره.(63)
خاتمة:
وبعد أن عرفنا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة, وفضيلته في شريعتنا, علنا نكون قد أدركنا شيئاً من حكمة الشارع من هذه الفريضة العظيمة, فالدين هو إما أمر وإما نهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم- هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهي المهمة التي ابتعث الله لها جميع الأنبياء للقيام بها على أكمل وجه, فكان لا بد لأَتْباع الأنبياء أن يسيروا على هذا الطريق, ليبرهنوا على صدق إيمانهم واستجابتهم لخالقهم, حتى ينالوا الخيرية التي وصفت بها هذه الأمة, هذه الفريضة التي يكفر بها المسلم عن خطاياه, بل وتكون سبباً في من أسباب دخوله الجنة ونجاته من النار.
هذا ما تيسر جمعه في فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فما أصبت من ذلك فمن فضل الله ومنته, وما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان, وأستغفر الله من ذلك.
ونسأل الله عز وجل أن ينفع به, وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم..
ويلي ذلك المبحث الثاني بعنوان:
(الآثار المترتبة على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
والحمد لله رب العالمين.
إعداد: رياض عيدروس عبد الله
28/ 4/ 1431هـ- 12/ 4/ 2010م
مراجعة: د/ قسطاس إبراهيم النعيمي.
_____________________
(1) قدم هذا البحث لندوة تقوية الإيمان وزيادته (الدورة السابعة) المنعقدة بجامعة الإيمان بتاريخ 6-8/ جماد أولى/ 1431هـ, الموافق 20-22/ ابريل/ 2010م.
(2) إحياء علوم الدين,2/ 143.
(3) لسان العرب, 9/ 236.
(4) انظر نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/ 525, وانظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه), للشيخ الدكتور خالد بن عثمان السبت, ص25.
(5) لسان العرب, 5/ 232.
(6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه), 26.
(7) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم, 3/ 525.
(8) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم,3/ 525, 526.
(9) تفسير البغوي، 2/ 224، وتفسير البيضاوي 3/ 84، وتفسير الثعالبي، 2/ 76.
(10) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، 8/ 146.
(11) أحكام القرآن للجصاص، 2/ 315.
(12) إحياء علوم الدين، 2/ 307.
(13) أخرجه مسلم، 1/ 69 برقم: 49.
(14) شرح النووي على مسلم,1/ 131.
(15) أخرجه ابن ماجه، 2/ 1327 برقم: 4004، وأحمد في المسند، 6/ 159 برقم: 25294، قال شعيب الأرنؤوط: "حسن لغيره"، ومثله قال الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 288 برقم: 2325.
(16) أخرجه الترمذي، 4/ 468 برقم: 2169، وأحمد في المسند، 5/ 388 برقم: 23349، قال الألباني: "حسن لغيره"، صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 286 برقم: 2313.
(17) أخرجه أحمد1/ 401, برقم: 3801, واللفظ له, والترمذي 4/ 524برقم: 2257, وقال: حديث حسن صحيح, قال الشيخ الألباني: صحيح, انظر السلسلة الصحيحة 3/ 371, حديث رقم: 1383.
(18) أخرجه ابن ماجه، 2/ 1328 برقم: 4007، صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، 2/ 368 برقم: 3237.
(19) أخرجه مسلم 1/ 74 برقم: 55.
(20) شرح النووي على مسلم, 1/ 144.
(21) أخرجه البخاري 1/ 31 برقم: 57.
(22) التعريفات، 1/ 309.
(23) أخرجه البزار، 7/ 330 برقم: 2927، وقال الألباني: "حسن لغيره"، صحيح الترغيب والترهيب، 1/ 181 برقم: 741.
(24) أخرجه مسلم، 3/ 1472 برقم: 1844.
(25) أخرجه مسلم، 1/ 69 برقم: 50.
(26) أخرجه ابن ماجه، 2/ 1332 برقم: 4017، قال الألباني: "صحيح"، صحيح سنن ابن ماجة، 2/ 370 برقم: 3244.
(27) شرح صحيح مسلم، 2/ 22.
(28) أحكام القرآن للجصاص، 4/ 154.
(29) إحياء علوم الدين، 2/ 306.
(30) انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للدكتور ياسر بن حسين برهامي، ص5, بتصرف.
(31) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية, 6/ 337.
(32) دروس صوتية للشيخ سلمان العودة قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية: www.islamweb.net، الدرس 250، ص 16.
(33) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر د. حسين برهامي ص5.
(34) شرح النووي على مسلم,1/ 13.
(35) تفسير الطبري 5/ 539.
(36) تفسير ابن كثير 4/ 709.
(37) المعجم الكبير للطبراني,2/ 139.
(38) صحيح البخاري,2/ 863, برقم: 2314.
(39) صحيح مسلم,4/ 1999, برقم: 2586.
(40) تفسير ابن كثير, 2/ 486.
(41) تفسير القرطبي,4/ 49.
(42) المرجع السابق.
(43) انظر في ظلال القرآن, بتصرف, 1/ 400.
(44) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أصوله وضوابطه وآدابه), للشيخ الدكتور خالد السبت, ص51.
(45) تفسير ابن كثير,1/ 519.
(46) أخرجه ابن ماجه,2/ 1433, برقم: 4288 قال الألباني: (حسن), انظر صحيح ابن ماجة: 2/ 426.
(47) أخرجه الترمذي, 5/ 226, برقم: 3001, قال الألباني: (حسن), انظر مشكاة المصابيح: 3/ 373.
(48) فيض القدير, 2/ 553.
(49) صحيح البخاري,4/ 1660, برقم: 4281.
(50) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد, 5/ 600, برقم: 9709, واللفظ له, والطبراني في المعجم الكبير,8/ 283, برقم: 8087
وصححه الألباني, انظر السلسلة الصحيحة,7/ 75.
(51) صحيح ابن حبان,1/ 343.
(52) أخرجه أحمد في المسند 5/ 375, برقم: 23229, قال الألباني: (صحيح), السلسلة الصحيحة,4/ 275.
(53) فيض القدير,2/ 536.
(54) تفسير الطبري, 3/ 389.
(55) أخرجه مسلم, 14/ 76, برقم: 5150.
(56) أخرجه مسلم,5/ 177.
(57) أخرجه مسلم, 4/ 47, برقم: 1181.
(58) أخرجه الترمذي, 4/ 339, برقم: 1956, قال الشيخ الألباني: صحيح, انظر صحيح الترغيب والترهيب, 3/ 14, حديث رقم: 2685.
(59) أخرجه مسلم,5/ 179, برقم: 1676.
(60) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير,2/ 213, وابن حبان صحيحه, 2/ 237, برقم: 374, قال الألباني: (حسن لغيره), صحيح الترغيب والترهيب, 2/ 287, حديث رقم: 2318, وانظر السلسلة الصحيحة 6/ 168, حديث رقم: 2669.
(61) أخرجه مسلم, 5/ 178, برقم: 1675.
(62) أخرجه أحمد في المسند, 38/ 89, برقم: 17902, قال الألباني: (صحيح), انظر صحيح الترغيب والترهيب,2/ 188, حديث رقم: 1898, وانظر مشكاة المصابيح,2/ 270, حديث رقم: 3384.
(63) انظر مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح,10/ 386, وانظر الفتح الرباني للساعاتي,1/ 53.